عَمَلِيَّةُ طُوفَـانِ الأَقْـصَى و السَّبْتُ الأَسْـوَدُ و هُجُومُ السَّابِعِ مِنْ أُكْتُوبَرَ و أَحْدَاثُ السَّابِعِ مِنْ أُكْتُوبَرَ تُشير جميعها إلى العملية العسكرية الممتدّة التي شنّتها فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة بقيادة حركة حماس على الاحتلال الإسرائيلي فجر يوم السبت 22 ربيع الأول 1445 (7 أكتوبر/تشرين الأول 2023) إذ أعلن القائد العام للكتائب محمد الضيف بدء العملية ردًّا على «الانتهاكات الإسرائيلية في باحات المسجد الأقصى واعتداء المستوطنين الإسرائيليين على المواطنين الفلسطينيين في القدس والضفة والداخل المحتل.» بدأت عمليَّة طُوفَان الأقصى عبر إطلاق المقاومة هُجوماً صَاروخيًّا واسعَ النطاق بوابلٍ من الصواريخ بلغ عددها 4300 صاروخٍ على الأقلِّ صوبَ مختلف المستوطنات الإسرائيليّة من ديمونا في الجنوب إلى هود هشارون في الشمال والقدس في الشرق، وتزامنَ مع ذلك اقتحام برِّي من المُقاومين عبر السَّيارات رُباعيّة الدَّفع والدّراجات النّارية والطّائرات الشّراعيّة وغيرها للبلدات المتاخمة للقطاع، والتي تُعرف باسم غلاف غزة، حيث سيطروا على عددٍ من المواقع العسكريّة خاصة في سديروت، ووصلوا أوفاكيم، ونتيفوت، وخاضوا اشتباكاتٍ عنيفة في المستوطنات الثلاثة وفي مستوطنات أخرى كما أسروا عددًا من الجنود والمدنيين واقتادوهم لغَزَّة فضلًا عن اغتنامِ مجموعةٍ من الآليّات العسكريّة الإسرائيليَّة. في 9 أكتوبر، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي استعادته السيطرة على جميع البلدات الَّتي استولت عليها فصائل المُقاومة الفلسطينيَّة في غِلاف قطاع غزَّة مع استمرار بعض المناوشات المُتفرِّقة، وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بدء ما أسمَاه حصاراً شاملاً على غزة، بما في ذلك حظر دخول الغذاء والوقود.
خلفية
اندلعَ الصراع بين فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وبين إسرائيل منذ انسحابِ الأخيرة من القطاع عام 2005، كما ارتفعَ منسوب التوتر بين الطرفين عقبَ سيطرة حماس على قطاع غزة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعام 2006 وما تبعها من حربٍ شبه أهليّة مع حركة فتح في العام التالي. يُعاني القطاع من 2007 (2007) من حصارٍ إسرائيلي خانق من كلّ الجوانب تقريبًا بما في ذلك الجانب المصري. علاوةً على ذلك فإنّ غزة مغلقةٌ عن بقية العالم، بل إنّ الوصول إلى الموارد الحيويّة والضرورية بما في ذلك الغذاء والماء والكهرباء يخضعُ لسيطرة إسرائيلية تامّة وهو ما يزيدُ من صعوبة حياة الغزيين. قَتلت إسرائيل خلال عام 2023 ما لا يقلُّ عن 247 فلسطينيًا عددٌ كبيرٌ منهم من المدنيين، بينما قتلَ الفلسطينيون في عمليّاتهم الفردية أو تلك العمليات التي تتبّناها فصائل المقاومة ما لا يقلُّ عن 32 إسرائيليًا ما بين مجنّدين في جيش الاحتلال ومستوطنين، كما أنّ اتساع رقعة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين من قراهم وهدمِ منازلهم والغلوّ في الاعتقال والأسر في ظلِّ حكومة إسرائيلية يقودها عددٌ من الوزراء اليمينيين المتطرفين وعلى رأسهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي طالبَ في أكثر من مرة بـ «إبادة الفلسطينيين عن بكرة أبيهم» ووزير المالية بتسلإيل سموتريش الذي يدعمُ الاستيطان بكل قوّة ويضغطُ على الحكومة الإسرائيلية للسماح له بالحصول على مزيدٍ من التمويل لبناء عشرات المستوطنات الجديدة على الأراضي الفلسطينية ساهمَ في زيادة الاحتقان الفلسطيني، فضلًا عن الاقتحام المتكرّر للمسجد الأقصى وبمئات المستوطنين مع حماية مشددة من الشرطة الإسرائيلية التي تمنعُ الفلسطينيين من أداء مناسكهم وتعتقلهم بالعشرات. لقد أكّد محمد الضيف كلّ هذا في المقطع المصوّر الذي كان بمثابة إيذانٍ منه بالانطلاقة الفعليّة للعملية حيث قال إنّ طوفان الأقصى جاء ردًا على «تدنيس الإسرائيليين للمسجد الأقصى»، وذلك بعد اقتحام مئات المستوطنين وعلى مدار 3 أيام تزامنًا مع عيد العرش اليهودي للأقصى بحمايةٍ ودعمٍ من الشرطة الإسرائيليّة التي واصلت وأمعنت في منعِ الفلسطينيين من دخول باحات المسجد. الجدير بالذكرِ أنّ عملية طوفان الأقصى حصلت بشكل فجائي وغير متوقّع للأجهزة الاستخباراتيّة الإسرائيلية ونظيرتها الأمريكيّة، حتى أنّ صحيفة هآرتس العبريّة اعترفت بأنّ «الهجوم من غزة شكَّل مفاجأةً كبيرةً للاستخبارات العسكرية»، كما أنّ العمليّة الفلسطينية جاءت بعد يومٍ واحدٍ من الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر.
العملية
اليوم الأول
==== البداية ==== سُمعت صفارات الإنذار وهي تدوي في عشرات المستوطنات الإسرائيليَّة وذلك بعد السادسة والنصف صباحًا (بالتوقيت المحلِّي)، ونَشرت وسائل إعلام فلسطينيّة صور ومقاطع فيديو وثَّقت لحظة إطلاق فصائل المقاومة في قطاع غزّة عشرات الصواريخ نحو إسرائيل. سُرعان ما بدأ إسرائيليون في توثيق صواريخ المقاومة التي سقطَ بعضها في عسقلان، حيث أظهر مقطع فيديو من الأخيرة ألسنة لهبٍ ضخمة وهي تلتهمُ عددًا من السيارات جرّاء سقوط الصواريخ. سرت أخبارٌ جديدةٌ بعد السابعة صباحًا بقليل تُفيد بتمكّن مقاومين فلسطينيين من اجتيازِ الحدود حول غلاف غزة، واصلين لمدينة سديروت التي سُمع فيها أصواتُ اشتباكاتٍ بالرصاص وتبادل إطلاق النار. تطوّر الأمر أكثر فأكثر حينما تمكّنت جيبات المقاومة الفلسطينية من اقتحامِ إحدى المستوطنات الإسرائيلية القريبة من القطاع، حيث وثَّق مقطع فيديو جرى تداوله بكثافةٍ على مواقع التواصل سيارة بيضاء من الحجمِ الصغير وهي تجوبُ شوارع سديروت وبها عددٌ من المقاومين الفلسطينيين المسلّحين والملثمين ممن نجحوا في اقتحامِ بلدات غلاف القطاع، في حين وثَّق مقطع فيديو آخر مُقاومًا فلسطينيًا وهو يقوم بعمليّة إنزال مظلي داخل بلدة ما من البلدات المتاخمة للقطاع.
بيان محمد الضيف
ألقى القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام محمد الضيف بيانًا في تمام الثامنة صباحًا، وفيه أعلن وبصريحِ العبارة بدء عمليّة عسكرية سمَّاها «طوفان الأقصى» مؤكّدًا أنّ الضربة الأولى استهدفت مواقع العدو ومطاراته ومواقعه العسكرية وقد تجاوزت الـ5000 صاروخًا، وشرحَ الضيف في بيانه سبب بدء العمليّة حيث استرسل في الحديث عن «تدنيس الإسرائيليين للمسجد الأقصى وتجرؤهم على مسرى الرسول» مضيفًا أنّ هذه العملية جاءت لوضعِ حدٍ للانتهاكات الإسرائيلية، ومشددًا على أنّه بدءًا من اليوم السابع من أكتوبر ينتهي التنسيق الأمني مع الاحتلال، وأنّ الشعب الفلسطيني سيستعيد بدءًا من اليوم أيضًا ثورته ويعود لمشروع إقامة الدولة. طالبَ الضيف باتحاد كل القوى العربية والإسلامية لكنس الاحتلال، كما طالبَ كلّ من يملك بندقيّة بإخراجها فقد آن أوانها كما جاء في بيانه، وختمَ القائد العام لكتائب القسام بمطالبة الجميع مُتابعةَ التوجيهات والتعليمات عبر البيانات العسكرية المتتابِعَة.
هجوم مهرجان رعيم الموسيقي
وكجزء من الهجوم الذي قادته حماس، قُتل 364 مدنيًا وجُرح العديد في تجمع سوبرنوفا سوكوت، وهو مهرجان موسيقي في الهواء الطلق يحتفل بعيد السوكوت اليهودي بالقرب من كيبوتس رييم. كما تم أخذ ما لا يقل عن 40 رهينة. وقد أسفر هذا القتل الجماعي عن أكبر عدد من الضحايا. وفي الساعة 6:30 صباحًا، عند شروق الشمس تقريبًا، لوحظت صواريخ في السماء. وحوالي الساعة 7:00 صباحًا، حذرت صفارة الإنذار من هجوم صاروخي قادم، مما دفع رواد المهرجان إلى الفرار. بعد ذلك، حاصر مسلحون يرتدون ملابس عسكرية ويستخدمون دراجات نارية وشاحنات وطائرات شراعية تعمل بالطاقة، أرض المهرجان وأطلقوا النار عشوائيًا على الأشخاص الذين حاولوا الفرار. قُتل الحاضرون الذين كانوا يبحثون عن ملجأ في مكان قريب، في الملاجئ، والشجيرات، والبساتين، أثناء اختبائهم. أما أولئك الذين وصلوا إلى الطريق وموقف السيارات فقد حوصروا في ازدحام مروري حيث أطلق المسلحون النار على المركبات. وأعدم المسلحون بعض الجرحى من مسافة قريبة وهم يختبئون على الأرض. وُصفت المذبحة في المهرجان بأنها أكبر هجوم في تاريخ إسرائيل وأسوأ مذبحة مدنية إسرائيلية على الإطلاق.
معركة رعيم
بدأت معركة رعيم بعد العاشرة صباحًا أي بعد ساعاتٍ من انطلاق معركة طوفان الأقصى، وكان هدفُ كتائب القسام خلال هذه المعركة هو السيطرة الكلية على قاعدة رعيم العسكرية وهذا ما حصل، ففي هجوم خاطف ومباغت استطاعَ المقاومون الفلسطينيون اقتحامَ القاعدة، ثمَ خاضوا اشتباكاتٍ مع من كان فيها من المجنّدين الإسرائيليين. استطاعت الكتائب بسط سيطرتها التامّة على القاعدة العسكريّة، وسقطَ خلال الاشتباكات عددٌ غير معروفٍ من الجنود الإسرائيليين ما بين قتيل وأسير. مِن بينِ مَن قُتل خلال هذه المعركة كان العقيد الإسرائيلي روي ليفي الذي تولى عددًا من المناصب في الجيش الإسرائيلي وكان مسؤولًا عن قيادة وحدة رفائيم، فضلًا عن سحر مخلوف الذي يحملُ رتبة مقدم وكان قائدًا لكتيبة الاتصالات الإسرائيلية 481. انتشرت كذلك أخبارٌ غير مؤكّدة تُفيد بأسرِ الجنرال نمرود ألوني الذي يقودُ فيلق العمق وكان في وقتٍ ما قائدًا لفرقة غزة، لكنّ مصادر عبرية نفت هذه الأخبار. انسحبت كتائب القسام من القاعدة بعد ساعاتٍ من السيطرة عليها، وعادت نحو القطاع مع عددٍ من الأسرى والغنائم، قبل أن يتمكّن الجيش الإسرائيلي من استعادةِ السيطرة على القاعدة بعدما خاض حرب شوارع مع من تبقّى من مقاتلي حماس في المنطقة.
أسر جنود إسرائيليين
بعد بيان الضيف والذي أعلن فيه وبشكلٍ رسمي بدء عملية طوفان الأقصى، نشرَ فلسطينيون من داخل قطاع غزّة مقاطع فيديو تُصوّر لحظة عودة جيب عسكري يتبعُ لكتائب القسّام وفيه جثة جندي إسرائيلي قُتل خلال الاشتباكات وجرى سحبه للقطاع، كما وثَّقت وسائل الإعلام المحليّة دبابة إسرائيلية كانت تحرسُ موقع كيسوفيم العسكري والنيران تلتهمها شرقي خانيونس. استمرَّت صواريخ المقاومة في إمطار المستوطنات الإسرائيلية، ومعها استمرَّت الصور والفيديوهات التي توثق ما يجري. نجحَ عناصرُ المقاومة الفلسطينية ممن دخلوا سديروت في اقتحامِ مقر الشرطة داخل المدينة، وسرت أخبارٌ غير مؤكّدة عن إجهازهم على كامل العناصر بالموقع، فيما انتشرت صورةٌ تُظهر جنودًا في جيش الاحتلال الإسرائيلي شبه عراة وهم مستلقون على الأرض بينما يقفُ مسلّح فلسطيني فوق رؤوسهم وآخر ببدلة عسكريّة على جانبهم فيما بدى أنها عمليّة أسر. على الجانبِ الآخر وفي القطاع كانت الصور والفيديوهات تتوالى، حيث وثّق الإعلام المحلي جيبًا إسرائيليًا استولى عليه المقاومون خلال اقتحامهم للبلدات والمدن المتاخمة للقطاع وعادوا به لموقعهم.
التكاتف الفلسطيني
ظهرَ صالح العاروري نائب رئيس حركة المقاومة الإسلامية حماس على فضائية الأقصى ووجَّه رسالةً لأبناء فلسطين في الضفة الغربية والداخل المحتل كما افتتحَ قوله، حيث أكّد بادئ ذي بدء أنّ معركة طوفان الأقصى هي «ردٌّ على جرائم الاحتلال، مُضيفًا أنّ المجاهدين في القطاع بدأوا عملية واسعة بهدفِ الدفاع عن المسجد الأقصى وتحرير الأسرى». خصَّ العاروري في رسالته المقاومين بالضفة، مشددًا على أنّ الأخيرة هي كلمة الفصل في هذه المعركة، وتستطيعُ أن تفتح اشتباكًا مع كل مستوطنات الضفة، كما طالبَ العاروري من الأمّتين العربية والإسلامية المشاركة في المعركة. خرجَ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية هو الآخر في بيانٍ صحفي أعلنَ فيه أنّ «طوفان الأقصى بدأ من غزة وسيمتد للضفة والخارج وكل مكانٍ يتواجد فيه شعبنا وأمتنا»، مؤكّدًا أنّ «المقاومة الفلسطينية تخوضُ في هذه اللحظات التاريخية ملحمة بطولية عنوانها الأقصى ومقدساتنا وأسرانا»، كما أهابَ بالأمّة العربية ومن وصفهم بأحرار العالَم بالوقوف والمشاركة في المعركة. أعلنت كتائب أبو علي مصطفى الذراع العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أنّ قواتها في حالة استنفار قصوى وتعمل ميدانيًا على الأرض في عدة محاور إلى جانبِ رفاق الدم والسلاح متوعّدةً تل أبيب بأنّ القادم أعظم.
==== اقتحام المستوطنات ==== الاقتحامات والأسر نشرت الحسابات الرسمية لكتائب القسام صورًا أولية لقوات النخبة القسامية داخل المستوطنات الإسرائيليّة ضمن معركة طوفان الأقصى، وأظهرت الوسائط مجموعة من جنود القسّام داخل عددٍ من المواقع العسكرية الإسرائيلية، فيما وثَّقت مقاطع فيديو أخرى حصار المقاومين لجنود جيش الاحتلال داخل قاعدة عسكرية لم يُعلن عن اسمها تقعُ على مشارف القطاع. أظهر مقطع فيديو لاحق نشره الإعلام العسكري التابع للقسام لحظات الاقتحام الأولى والاستيلاء على معبر كرم أبو سالم شرق رفح، وما تبعه من عمليات اشتباكاتٍ وما تخلّّلها من قتلٍ للجنود الإسرائيليين في الموقع وفي مواقع أخرى مع أَسرِ آخرين، ثمّ نشر الإعلام الحربي مقطع فيديو ثاني لسربِ صقر وهي إحدى الوحدات العسكرية التي شاركت في عملية طوفان الأقصى، وهي الوحدة المسؤولة عن الإنزالات الجويّة عبر الطائرات الشراعيّة التي قام بها المقاومون داخل المواقع والمعابر العسكريّة الإسرائيليّة.
نشرت حركة المقاومة الفلسطينية حماس الفاعل الرئيسي في هذه العمليّة بيانًا جديدًا قالت فيه إنّ ذراعها العسكري تقوم بعملية دفاعٍ عن الشعب والأرض والمقدسات، كما حمَّلت الاحتلال كامل المسؤولية عن «تبعات جرائمه بحق المسجد الأقصى وفي القدس وضد أهلنا في الضفة وعموم فلسطين المحتلة»، مؤكّدة أنّ أولوية هذه العملية هي حماية القُدس والأقصى ووقفَ مخططات الاحتلال الرامية إلى تهويدهما وبناء هيكلهم المزعوم على أنقاض قبلة المسلمين الأولى، فضلًا عن تحرير الأسرى من السجون والذي اعتبرته أحد أهم العناوين الوطنية والسياسية والإنسانية. أكّد أبو حمزة الناطق باسمِ السرايا أنّ الأخيرة «تمتلكُ العديد من الجنود الصهاينة الذين هم أسرى بين أيدينا». نشرت كتائب القسام صورًا لعددٍ من الجنود الإسرائيليين الأسرى خلال معركة طوفان الأقصى، موثقة ذلك عبر مجموعة فيديوهات فمنهم من أُسر وحُمل على دراجة ناريّة ومنهم من جيء به في سيارات أو حتى دبابة كما ظهر في مقطع فيديو نشره الإعلام الحربي التابع للكتائب. نشر نفس الإعلام مجموعة من المقاطع الذي أظهرت قدرات كتائب القسام والتي استعملت في معركتها هذه طائرات مسيّرة، حيث أظهر مقطع فيديو استهدافًا مباشرًا لثلاث جنودٍ إسرائيليين بقذيفة أُلقيت من طائرة مسيّرة على ما يبدو، ما تسبَّب في إصابة جندي واحد على الأقل إصابة مباشرة وجرى سحبه من زميله الجندي الثاني لمكان آمن. استمرَّ القسام في توثيق العمليات التي نفذها ضدّ إسرائيل، حيث وثق استهدافًا مباشرًا لدبابة إسرائيلية بقذيفةٍ أُلقيت من طائرة عمودية ما تسبَّب في احتراقِ جزء كبير منها، فضلًا عن استهداف رشاش إسرائيلي من طراز «يَرى ويُطلق» شرق قطاع غزة بنفس الطريقة.
التوغّل في العُمق رغم مرور عدّة ساعات على بداية العملية، فقد توغّّل مقاومون فلسطينيون داخل المستوطنات الإسرائيلية وخاضوا اشتباكاتٍ وُصفت بعضها بالعنيفة وخاصّة في مدينة سديروت معَ قوات خاصّة إسرائيلية استُدعيت على وجه السرعة لعينِ المكان. تحدثت وسائل الإعلام العبريّة وبعضها مقربٌ من الجيش عن تسلّل ما قالت إنها خلية مسلحة لداخلِ سديروت وذلك بعد نحو تسع ساعاتٍ من بداية عمليّة طوفان الأقصى. ردًا على الغارات الإسرائيلية الكثيفة على مناطق متفرقة من القطاع، عاودت كتائب القسام إطلاق رشقات صاروخية على عددٍ من المدن الإسرائيلية وخاصة مدينة عسقلان التي تعرَّض فيها 60 موقعًا للقصف. أسفرت صواريخ المقاومة الفلسطينية عن مقتلِ مستوطنَيْن اثنين من قاطني المدينة كما اشتعلت النيران في عدّة أماكن عدى عن الأضرار الماديّة التي طالت بعض المرافق والشوارع. لم يقتصر توغّل المقاومين الفلسطينيين داخل سديروت فحسب، بل تعمقوا داخل بلدات أخرى وتحصنوا في بعض المنازل حيث خاضوا اشتباكات ضارية مع جنود الجيش الإسرائيلي وقوات النخبة في موقع إيرز العسكري الذي سيطرت عليه الفصائل الفلسطينيّة في الساعات الأولى من العمليّة، كما صوَّرت وسائل إعلام عبرية اشتباكات أخرى داخل أوفاكيم مع أنباء عن وقوعِ جرحى وقتلى في الطرفين. تحدثت القناة 13 الإسرائيلية عن وجودِ 50 رهينة في مستوطنة بئيري في يدِ من تصفهم بالمسلّحين الفلسطينيين مؤكّدة من مصادر شبه رسمية أنّ الجيش يخوضُ قتالًا في بلدة كفار عزة.
==== الرد الإسرائيلي ==== اعترفَ الجيش الإسرائيلي أنّ حماس بدأت عملية مزدوجة شملت إطلاق قذائف صاروخية وتسلل مسلحين إلى الأراضي الإسرائيلية، معلنًا رفعَ حالة التأهب لحالة الحرب بعد تسلل فلسطينيين إلى قلبِ إسرائيل، ومتوعدًا بأنّ حركة حماس ستدفعُ ثمنًا باهظًا. أعلنَ الجيش أعلى درجات الطوارئ العسكرية والأمنية، وفَرَضَ حالة طوارئ تشملُ حدود شمال وشرق قطاع غزة حتى تخوم تل أبيب وديمونا، كما أَغلقَ عديد الطرق والمواقع وتحول إلى طرق بديلة في المناطق القريبة من السياج الحدودي مع قطاع غزة، قبل أن يُؤكّد وزير الدفاع الإسرائيلي مساحة حالة الطوارئ والتي وصلت نطاق 80 كيلومترًا من القطاع. أوقفت السلطات الإسرائيلية الدراسة ومنعت التجمّعات في المستوطنات الجنوبية والوسطى بما في ذلك تل أبيب والقدس. خرجَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقطع فيديو مصوَّر أعلنَ فيه وبصريح العبارة قائلًا: «نحنُ في حالة حرب»، طالبًا مِن مَن سمَّاهم مواطني إسرائيل الانصياع لأوامر الجيش وقوات الأمن. استُدعي الآلاف من جنود الاحتياط من قطاعات الجيش كافة وأُرسلوا ضمنَ تعزيزاتٍ على الحدود مع القطاع وآخرون في الحدود الشمالية مع لبنان. أظهرت صور ومقاطع فيديو هروب مئات المستوطنين من مستوطنات غزة إلى الشمال، كما وثَّق فلسطينيون في القُدس هروب عشرات المستوطنين من حائط البراق بعد تفعيل صفارات الإنذار عقبَ وصول صواريخ المقاومة لسمائها. قصف الجيش الإسرائيلي بعد سويعات من الاقتحام الفلسطيني لمستوطنات القطاع، حيث أغارت طائراته الحربية على مناطق متاخمة للسياج الأمني شرقي غزة، ثمّ عاود القصف بعد الثانية عشر مساءً بالتوقيت المحلي لكنّه استهدفَ هذه المرة سيارة إسعافٍ مدنيّة على باب مستشفى ناصر.
==== القصف المتبادل ==== أغارت مقاتلات إسرائيلية بعد الرابعة والنصف مساءً على مبنى جمعية خيرية وسط مدينة غزة ولم يُعرف من الجانب الفلسطيني ما إذا كانت هذه الغارة قد تسبّبت في حدوث ضحايا، لكنّ الجيش الإسرائيلي نشر بيانًا رسميًا قال فيه إنّ «مقاتلاتنا نفذت غارات أدت إلى مقتل العشرات من حماس»، ثم عاود الطيران الإسرائيلي الهجمات الجوية عبر غارة جديدة نفذها في الساعة 06:13 بالتوقيت المحلّي على برجٍ سكني يقعُ وسط مدينة غزة فدمّرته بالكامل، وعلى الرغمِ من عدم وقوع خسائر في الأرواح إلّا أن عشرات العائلات الفلسطينية كانت تعيشُ في منازل تُشكّل هذا البُرج السكني وصارت بعد تدميره في العراء. سُرعان ما جاء الرد الفلسطيني على لسان الناطق العسكري باسم كتائب القسام أبو عبيدة الذي نشر بيانًا قصيرًا قال فيه: «أما وقد قام الاحتلال بقصف برج فلسطين وسط مدينة غزة فعلى تل أبيب أن تقفَ على رجلٍ واحدة وتنتظر ردنا المزلزل». أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية في تمامِ الثامنة مساءً دفعة صاروخية جديدة تجاه مواقع ومدن إسرائيلية، حيث نقلت وسائل الإعلام العربية والدولية الرشقة الصاروخية بالصوت والصورة وأكّدت كتائب القسّام الأخبار حين أعلنت عن توجيه ضربة صاروخية كبيرة بـ 150 صاروخا نحو تل أبيب ردًا على قصف البرج السكني. نجحت بعضٌ من صواريخ المقاومة في تفادي القبة الحديدية ووصلت قلب تل أبيب حيث سقطَ بعضها في جفعاتايم شمالًا وبات يام وريشون لتسيون جنوبًا، أصابَ أحد الصواريخ مبنى بشكلٍ مباشر. تسبَّبت الرشقة الصاروخيّة كذلك في وقف جلسة الحكومة الإسرائيلية وذلك بعدما هرعَ الوزراء المشاركين في الجلسة للملاجئ عقبَ سماع صافرات الإنذار، فيما وثَّقت فيديوهات أخرى احتماء مسافرين في مطار بن غوريون الدولي. في الوقت الذي تحدثت فيه هآرتس عن مسلحين فلسطينيين لا زالوا يُسيطرون على منطقة واسعة على طول الحدود مع غزة تشملُ مستوطنات ومواقع عسكرية رغم مرور أكثر من عشر ساعات على بدءِ طوفان غزة، وبعدما أكّدت كتائب القسام أنّ في قبضتها عشرات الأسرى من الضباط والجنود الذي نُقلوا لأنفاق آمنة، حاولَ المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية شنّ ما بدى أنها حربٌ نفسية على الفلسطينيين حينما أعلنَ أنّ إسرائيل ستُنفذ حملة على حركة حماس داخل غزة ملمحًا لتدخل برّي دون تقديمِ مزيدٍ من التفاصيل. سرت أخبارٌ غير مؤكّدة عن قصفِ مقاتلات إسرائيلية لمنزل القيادي الحمساوي في غزة يحيى السنوار. أغارت مقاتلات إسرائيليّة بُعيد الثامنة والنصف على مجموعةٍ من المواقع في بيت لاهيا شمالي القطاع، ثم كررت نفس الشيء لكن هذه المرة في مخيم الشابورة برفح جنوبي قطاع غزة وقصفت منزلًا هناك، ما تسبب بحسبِ وزارة الصحة الفلسطينية في وقوع عددٍ من القتلى والجرحى. في غمرة القصف المتبادل بين فصائل المقاومة وسلاح الجو الإسرائيلي، خرجَ نتنياهو في بيانٍ مصوّرٍ جديدٍ وفيه أعاد تأكيد ما قاله وزرائه من قبل بأنّ «هذا اليوم قاسٍ لنا جميعًا وحماس تُريد قتلنا»، واصفًا ما جرى بأنّه غير مسبوق وأنّ الجيش الإسرائيلي سينتقم ويضرب حماس بلا هوادة مضيفًا أنّ هذه الحرب ستستغرقُ وقتًا وستشهدُ أيامًا جسيمة. مباشرةً بعد كلام نتنياهو صوَّرت وسائل إعلام عبرية حشود عسكرية كبيرة تتجهُ نحو مستوطنات غلاف غزة. اعترفَ الجيش الإسرائيلي أخيرًا بمقتل يوناتان شتاينبرغ قائد لواء ناحال خلال مواجهةٍ مع ما قال إنها معَ أحد المسلحين قُرب معبر كرم أبو سالم وذلك بعد نحو أزيد من 18 ساعة من بداية العمليّة الفلسطينية. نشرت كتائب القسام في ساعات متأخّرة مقطع فيديو يُظهر استهدافها لآلية إسرائيلية بصاروخ كورنيت ردًا على الغارات الإسرائيلية، والتي لم تتوقف حيث عاود الطيران الحربي قُبيل انتصاف الليل بدقائق استهداف مواقع لما قال إنها للفصائل المسلّحة غرب غزة فضلًا عن استهدافهِ لسوقٍ مركزي في بيت حانون شمالي القطاع. سُرعان ما ردَّت الفصائل عبر إطلاق دفعة جديدة من الصواريخ من غزة باتجاه المستوطنات والبلدات الإسرائيلية، ثمّ عاودت الطائرات الإسرائيلية الهجوم الجوّي على القطاع عبر استهداف مقر الشؤون المدنية التابع لوزارة الداخلية في بيت حانون ما تسبَّب في دماره بالكامل.
اليوم الثاني
==== استمرار الاشتباكات ==== دخل اليوم الثاني من عمليّة طوفان الأقصى مع استمرارٍ واضحٍ للاشتباكات وتبادلٍ للقصف وسطَ مزيدٍ من التوتّر بين فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس وبين إسرائيل التي ظلَّ قادتها يهددون بتدمير الحركة والقضاء كليًا على كلّ قدراتها. البداية كانت قُبيل الثانية صباحًا بقليل حينما جدَّدت الطائرات الإسرائيلية غاراتها على مدينة غزة مستهدفةً مقر بنك الإنتاج في شارع عمر المختار ما تسبَّب في تدميره. لم تمضِ أقلّ من دقائق معدودة حتى أطلقت المقاومة الفلسطينية قذائف صاروخية تجاه مواقع ومدن إسرائيلية مُحَاذِيَة للقطاع وذلك في إطارِ ردّها على الهجمات الإسرائيلية وفي محاولةٍ منها كما يبدو لتثبيت معادلة الردع الجديدة والتي تتضمّن مبدأُ المعاملة بالمثل والردّ على القصف بآخر. خلال تبادل إطلاق الصواريخ بين الطرفين وحشد الإسرائيليين لقواتهم على الحدود مع القطاع، كان بعضٌ من المقاومين الذين دخلوا المستوطنات الإسرائيلية منذ بداية العملية مستمرين في خوض اشتباكاتٍ عنيفة وقويّة مع قوات النخبة في الجيش الإسرائيلي مع حديثٍ عن احتجازهم لعددٍ من الأسرى، وخاصة في مستوطنة أوفاكيم التي أُصيبَ فيها 3 جنود إسرائيليين أثناء الاشتباكات مع المقاومين المسلّحين، أما سديروت فقد شهدت المعارك الأكبر بعدما اقتحمها المقاومون بأعداد ملحوظة وتحصنوا في عددٍ من المنازل والمقار داخلها، ما دفع الجيش الإسرائيلي بعد نحو 21 ساعة من بدء العملية لقصفٍ منزل داخل المستوطنة بالصواريخ بعدما فشل في اقتحامه والمقاومون داخله.
هزَّت انفجارات عنيفة بعد الثالثة والنصف صباحًا مدينة غزة بعدَ غارات إسرائيلية على المدينة. زعمت هيئة البث الإسرائيلية في تقريرٍ لاحقٍ أنّ الغارات الأخيرة وما لحقها قد طالت منازل قيادات حماس بغزة بينهم يحيى السنوار ونزار عوض الله وفتحي حماد. هدأت الأوضاع لوقت وجيز قبل أن تعود المقاتلات الحربية بعد السادسة والنصف صباحًا لشنّ غارات جوية استهدفت هذه المرة برجًا سكنيًا في حي النصر بمدينة غزة وسطَ أنباءٍ عن وقوع ضحايا. نشرت كتائب القسام بيانًا تحديثيًا قالت فيه إنّ «مجاهديها لا يزالون يخوضون اشتباكاتٍ ضاريةٍ في عدة مواقع قتال داخل أراضينا المحتلة»، وما هي إلّا دقائق حتى سرت أخبارٌ عن إرسال الكتائب لمزيدٍ من مقاتليها لدعمِ وإسناد من توغلوا داخل المستوطنات الإسرائيلية. جاء التأكيد من الشرطة الإسرائيلية التي قالت إنّ المسلحين الفلسطينيين ما زالوا «داخل الحدود»، بينما ذكر الجيش الإسرائيلي أنه تصدى في حوالي التاسعة صباحًا لمقاتلين فلسطينيين حاولوا التسلل إلى مستوطنة عين هبسور في غلاف غزة. كانَ الهجوم الفلسطيني بحسبِ الصحافة العبرية والعالمية لافتًا كما أنّ أساليب الحرب التي اعتمدتها كتائب القسام وطريقة تسييرها جاءت مغايرة ومختلفة عن الحروب والاشتباكات السابقة. لقد اقتحمت الكتائب مناطق غلاف غزة برًا وجوًا وبحرًا، كما استعملت أسلحة مختلفة منها الطائرات المسيرة الانتحارية كما ظهر ذلك في فيديو نشره الإعلام الحربي للقسام. وجَّهت كتائب القسام قبل الحادية عشر صباحًا بقليل ضربة صاروخية وصفتها بالكبيرة لمدينة سديروت بنحو 100 صاروخ وذلك ردًا على ما وصفته باستهدافِ البيوت الآمنة. تسبّب قصفها الصاروخي والذي اعترضت القبة الحديدية بعضًا منه في وقوع إصابة حرجة لمستوطن إسرائيلي بعدما سقطت قذيفة على مبنى سكني كان به.
==== المناوشات من حزب الله ==== خلال بثٍّ مباشر بعد السابعة صباحًا نقلَ مراسل قناة الجزيرة خبر سماع دوي انفجارات في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلتين جنوب لبنان، وما هي إلّا دقائق حتى أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن إطلاق قذائف هاون من داخل لبنان نحو مواقع للجيش الإسرائيلي في المزارع وجبل الشيخ. أصابت القذائف التي أُطلقت من لبنان بحسبِ وكالة رويترز للأنباء نقلًا عن مصادر أمنيّة موقعًا عسكريًا إسرائيليًا في مزارع شبعا، فردّت الأخيرة عبر قصفٍ بالمدفعية لما قالت إنها «أهدافٌ في جنوب لبنان»، فعاودَ حزب الله القصف مجددًا معلنًا عن استهدافه لموقع رويسات العلم الإسرائيلي ومواقع أخرى بأعدادٍ كبيرةٍ من قذائف المدفعية والصواريخ الموجهة.
القتال داخل المستوطنات الإسرائيلية
رغم مرور أزيد من 30 ساعة على بداية عملية طوفان الأقصى، فقد فشل الجيش الإسرائيلي في السيطرة على البلدات في غلاف غزة وبخاصة سديروت وناحل عوز وكيسوفيم وكفار عزة. تمكَّن مقاومون فلسطينيون وعددهم أربعة من الاستيلاءِ على سيارة ركاب على مفرق مفكيعيم، وأعلنت الشرطة الإسرائيليّة أنها تُطاردهم. خاض المقاومون المسلّحون اشتباكات مع الجيش ومع مستوطنين مسلّحين في الطريق، وأفادت الأنباء من المصادر العبرية عن قتلهم لـ 15 إسرائيليًا بعدما توغلوا في العُمق أكثر فأكثر، إلى أن حُوصروا أخيرًا في طريقٍ سيّار وكما ظهر في مقطع فيديو صوّره أحد المستوطنين فقد ترجَّل المقاومون من السيارة وخاضوا اشتباكًا جديدًا مع المجنّدين الذي كانوا بالعشرات فقُتلوا في عينِ المكان. بالتزامنِ مع هذه الاشتباكات في «الداخل الإسرائيلي»، واصلَ الجيش إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة من دبابات ومجنزرات ثقيلة صوبَ الحدود مع غزة. أعلنَ القسام في تمامِ الواحدة مساءً أنّ مقاتلي كوماندوز من النخبة نفذوا عملية ناجحة بخمس زوارق على شواطئ عسقلان وسيطروا على مواقع هناك ثم قتلوا عددًا من الجنود، وتحدثت وسائل إعلام عربية وعبرية عن اشتباكات عنيفة تدورُ بين مقاومين مسلَّحين وجنود إسرائيليين في كيبوتس ماغين شرق غزة، وهو الاشتباك الذي استعانَ فيه الجيش بقوات المدفعيّة وسطَ أنباء عن تقهقره هناك، كما سرت أخبارٌ غير مؤكّدة عن رفعِ المقاومين لعلم حماس الأخضر فوق موقع كيسوفيم العسكري بعد سقوطِ الموقع في يدها عقبَ اشتباكات ضارية مع جيش الاحتلال. نشرَ الإعلام الحربي لكتائب القسام بيانًا عسكريًا جديدًا تحتَ بند سُمح بالنشر، حيث أعلنَ فيه عن مشاركة سلاح الجو التابع للكتائب منذ اللحظات الأولى لمعركة طوفان الأقصى، موثقًا ذلك بمقطع فيديو يُظهر استعمالهم لـ 35 مسيرة انتحارية من طراز الزواري في جميع محاور القتال.
المصادقة على بند الحرب
حاولت إسرائيل التي قتلت في هجومها الملحوظ الأخير على قطاع غزة يوم 9 أيار/مايو 2023 والذي سمَّته عملية السهم والدرع نحو 31 فلسطينيًا بينهم 24 من المدنيين استجداء العطف كما شنَّت حربًا إعلاميّة لوصفِ فصائل المقاومة بـ «الإرهاب»، بل وصلَ الأمر حدّ مطالبة المندوب الإسرائيلي بمجلس الأمن بتضامنٍ ودعمٍ من جميع أطراف المجتمع الدولي. سُرعان ما لبَّت الدول الحليفة لها الدعوة وأكثر حين أعلنَ وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن أنّ البنتاغون سيعمل على توفير كل ما تحتاجه تل أبيب للدفاع عن نفسها. شهد هذا اليوم مصادقة المجلس الوزاري المصغّر وبشكلٍ رسمي على دخول إسرائيل في حالة حرب، وتلى ذلك بيانٌ لقائد الجيش الإسرائيلي هو الأول منذ بداية العملية الفلسطينية ومما جاء فيه: «إنّه وقتُ الحرب». حظيت إسرائيل مباشرة بعد إعلان الحرب وكما هو الحال منذ عشرات السنين بدعمٍ ومساندةٍ من أغلب الدول الغربية بالإضافة للولايات المتحدة التي وصفَ وزير خارجيتها أنتوني بلينكن عملية طوفان الأقصى بأنها «أسوأ هجومٍ على إسرائيل منذ عام 1973» واصفًا إيّاه بـ«العمل الإرهابي». ما هي إلّا ساعاتٌ قليلة حتى نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مصادر رسمية في الجيش الأمريكي تحريك الأخير لحاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد نحو الشرق الأوسط وعلى مقربةٍ من إسرائيل لـ «إظهار دعم واشنطن».
اليوم الثالث
تكثيف الغارات
كثَّفت إسرائيل منذ الساعة الأولى لليوم الثالث غاراتها الجويّة العنيفة على قطاع غزة، حيث أغارت على منزلٍ من دون سابق إنذار في رفح ما تسبّب في وقوع مجزرة حيث قُتل في هذه الضربة ما لا يقلُّ عن 9 فلسطينيين في حصيلة أوليّة مرشحة للارتفاع، وبعد الثالثة صباحًا عاودَ سلاح الجوّ غاراته العنيفة حينما أزال منزل ثاني من على الأرض وجعله ركامًا وهذه المرة بشرق خان يونس وهي الغارة التي راحَ فيها 3 فلسطينيين على الأقل مع عددٍ غير معلومٍ من الجرحى. ولم يُميّز القصف الإسرائيلي العنيف بين مقاومين مسلّحين ومدنيين، كما لم يُفرّق بين المنازل المدنية والمرافق العسكريّة بل طالَ المساجد هي الأخرى، والبنوك أيضًا بعدما كانت المقاتلات الحربية الإسرائيلية قد أغارت قبل ساعاتٍ قليلة على مقر البنك الوطني الإسلامي في حي الرمال ولم يُعرف سبب ضمّه لـ «بنك الأهداف» الخاص بتل أبيب. استمرَّت الغارات العنيفة والواسعة على عددٍ من المواقع داخل قطاع غزة، في الوقت الذي كانت فيه الأخيرة تُحاول إحصاء ضحاياها وإنقاذ جرحاها خاصة بعدما ارتفعَ عدد القتلى في الغارة الجوية الأولى برفح إلى 18 فلسطينيًا، وازدادت معاناة الفلسطينيين بسبب عدم قدرة طواقم الإسعاف عن الوصول لمواقع القصف في أكثر من منطقة إمّا بسبب كثافة الغارات أو بسببِ تدمير الغارات نفسها للطرق الرئيسية. كان لدير البلح نصيبٌ هي الأخرى من الغارات الجوية الإسرائيلية التي قتل فيها 3 فلسطينيين على الأقل منهم مدنيين، أما تل الزعتر الواقعةِ شمالي قطاع غزة فقد قُتل فيها 4 فلسطينيين بسببِ سلسلة غارات عنيفة على أحد المنازل في المدينة، كما قَتلت إسرائيل في حدود السابعة والنصف صباحًا (بالتوقيت المحلي) طفلتين شقيقتين في قصفها على حيّ الزيتون. أعلنَ الجيش الإسرائيلي أنّ قصفه طالَ مقرات عملياتية لحركة حماس ومبنى لنشطاء من الحركة، مضيفًا أنّ أكثر من 500 «هدف استراتيجي» للمنظمات قد تعرّض للغارات الجوية في القطاع، لكنّ وزارة الداخلية في غزة خرجت ببيانٍ مضاد ومُقابل أكّدت فيه تصعيد الاحتلال من عدوانه وحربه بشنّه مئات الغارات بشكل متلاحق في ساعات محدودة كما شرحت، موضّحة كيف أنّ جُلَّ الأهداف هي أبراج وعمارات سكنية ومنشآت مدنية عدى عن العديدِ من المساجد، وهي الغارات التي قالت إنها خلفت قتلى ومصابين معظمهم من النساء والأطفال.
مجزرة جباليا
أعلنَ الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أنّ طائرات سلاح الجو أسقطت منذ بداية الحرب (في نحو 50 ساعة فحسب) أكثر من 1000 طن من القنابل على غزة، وجرى استدعاء 300 ألف جندي احتياط في أكبر عملية من نوعها على الإطلاق. شنَّت طائرات الاحتلال الإسرائيلي بدءًا من العاشرة إلّا رُبع صباحًا غارات عنيفة جدًا ومتكرّرة على مواقع جنوب وشرق مدينة غزة، أما القصف الأعنف إطلاقًا – حتى صباح اليوم الثالث من الاشتباكات – فقد كان على سوقٍ شعبي في مدينة جباليا حيث سُمعت أصوات الانفجارات من أماكن بعيدة. كانَ من الواضحِ أنّ القصف سيُخلّف عددًا كبيرًا من الضحايا بسببِ شدّة الاستهداف أولًا وبسببِ المكان الذي تعرض للاستهداف. أظهرت مقاطع فيديو بُثّت دقائق ما بعد القصف دمارًا مهولًا وخرابًا كبيرًا حيث انهارَ منزلينِ كبيرين بالكامل، ووثَّقت مقاطع فيديو لاحقة الجثث متطايرة في أماكن مختلفة من الشارع مع وجودِ محاصرين تحتَ الأنقاض وجرحى في كلّ مكان. بلغَ عددُ الضحايا في حصيلة أوليّة ما لا يقلُّ عن 50 قتيلًا أغلبهم من المدنيين عدى عن عشرات الجرحى. لم يكتفِ سلاح الجو الإسرائيلي بالغارات العشوائية التي طالت خمسة مساجد في يومين وبنكًا فضلًا عن عشرات المنازل، بل قصفَ سيّارة إسعاف كانت تقلُّ جرحى ومصابين وأظهر مقطع فيديو صوَّره أحد الفلسطينيين في عينِ المكان آثار القصف على سيّارة الإسعاف ومحيطها. ردَّت فصائل المقاومة على مجزرة جباليا عبر توجيه ضربة صاروخيّة لأسدود وعسقلان بنحو 120 صاروخًا لكنّ نظام القبة الحديدية استطاع اعتراض جزء كبير من هذه الصواريخ بينما مرَّت أخرى وسقطت داخل المستوطنتين وسطَ حديثٍ عن أربع جرحى في صفوفِ الإسرائيليين أحدهم إصاباته حرجة.
==== المناوشات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية ==== أكّدت وسائل إعلام محلية لبنانية أنّ اشتباكاتٍ وقعت بين عناصر من حزب الله وجنود الاحتلال الإسرائيلي قُرب بلدة الظهيرة الحدودية، فيما أفادت وكالة الأنباء اللبنانيَّة بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي قصفت بالمدفعية بلدة الظهيرة في القطاع الغربي وصولًا إلى بلدات مروحين والبستان والزلوطية. من جانبها قالت قناة 13 العبرية أنّ الجيش الإسرائيلي أعلن أنّ عددًا من الأفراد تسللوا إلى الأراضي الإسرائيلية من لبنان بعد تفجير السياج الحدودي فحصلت اشتباكاتٌ بين الطرفين نجم عنها مقتل لبنانيين اثنين على الأقل فيما جُرح في الجانب الإسرائيلي 6 مجنّدين أحدهم حالته خطيرة. أصدر حزب الله بيانًا رسميًا في وقتٍ لاحق، وفيه نعى 4 من مُقاتليه نتيجةً لما سمَّاها «الاعتداءات الإسرائيلية على البلدات والقرى اللبنانيَّة». تطوّّرت الأمور لاحقًا حين قامت مجموعاتٌ تابعة للحزبِ اللبناني المدعومِ إيرانيًا بمهاجمة ثكنة برانيت وهي مركز قيادة فرقة الجليل، وثكنة أفيفيم وهي مركز قيادة كتيبة تابعة للواء الغربي بعددٍ من الصواريخ وقذائف الهاون دون حديثٍ عن وقوع قتلى. تبنّى الحزب المسؤولية عن الهجومان وقالَ إنها «ردٌّ أولي على مقتل عناصرنا في جنوب لبنان». اعترفَ الجيش الإسرائيلي بعد مرور عدة ساعات على الاشتباكات مع المسلّحين على الحدود الإسرائيلية اللبنانية بمقتل نائب قائد اللواء 300، وكان لافتًا تبنّي سرايا القُدس لهذه العملية بعد تضاربٍ حول هويّة المشتبكين وما إذا كانوا من حزب الله أم من الفصائل الفلسطينية الناشطة في لبنان.
==== الاشتباكات المسائية ==== سويعاتٌ قليلة بعد مجزرة جباليا حتى عادت الطائرات الحربية الإسرائيلية لتُغير على المنازل من جديد حيث قصفت في تمام الرابعة مساءً منزلًا مأهولًا في خانيونس جنوبي قطاع غزة ما تسبب في مقتل فلسطينيين اثنين على الأقل وجرحِ آخرين. ردَّت كتائب القسام سريعًا عبر رشقة صاروخيّة صوبَ مدينة القدس المحتلّة، وهي الرشقة التي نجم عنها بحسبِ نجمة داوود الحمراء إصابة 4 إسرائيليين في مستوطنة بيتار عيليت. أضافت إسرائيل لبنكِ أهدافها شركات الاتصالات بعدما قصفت شركة الاتصالات الفلسطينية ما تسبَّب في انقطاعِ خدمة الإنترنت لبعض الوقت ورأى محللون في هذا محاولة من تل أبيب لفرضِ حصار مطبق وخانق على القطاع بحيث يُمنع من كلّ مقومات الحياة بما في ذلك الماء والكهرباء والطعام وحتى الاتصالات. استمرّت الغارات الإسرائيلية على مدار الساعات اللاحقة من مساء اليوم الثالث للعمليّة ولو بشكل متفرّق وأخفّ حدة مما كانت عليه في الصباح حيث طالت منزلًا في مخيم البريج (وسط القطاع) أوقع عددًا من الضحايا، ومنزلًا آخر في خان يونس (جنوب القطاع) تسبّب هو الآخر في مقتل 3 فلسطينيين على الأقل وعددٍ غير معروفٍ من الجرحى. جدير بالذكرِ هنا أنه ومن ضمنِ المنازل التي قصفتها إسرائيل خلال غاراتها المسائية العنيفة على القطاع كان منزل الصحفي الفلسطيني في قناة الجزيرة تامر المسحال مقدم البرنامج الاستقصائي الشهير ما خفي أعظم والذي فضحَ فيه الرواية الإسرائيليّة حول عددٍ من المواضيع في أكثر من مرة.
==== حرب التصريحات ==== استمرَّ التجييش الإسرائيلي على القطاع حيث أمر وزير الدفاع بفرض حصارٍ كاملٍ على غزة من خلال قطعِ الكهرباء والطعام وحتى الوقود، بل وصفَ المقاومين والفلسطينيين ممن تُحاربهم إسرائيل بـ «الحيوانات البشريّة»، وهو التصريح الذي أثار جدلًا كبيرًا ووصل صداه بعض الأوساط الغربية حتى أنّ منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقيّة وصفت التصريحات بـ «المُقزّزة». نشرت كتائب القسام في حوالي الثامنة مساءً رسالة صوتيّة للمتحدث باسمها أبو عُبيدة، والتي افتتحها بالحديث عن كيف أنّ «العدو لا يفهمُ لغة الإنسانية والأخلاق وسنُخاطبه باللغة التي يعرفها». أكّد الناطق باسمِ القسام والمُلقَّب بالملثم أنّ الحركة «تجرَّعت الألم تجاه ما حصل لعائلات كثيرة بغزة من إجرام صهيوني فاشي» وهو ما دفعها لوضع حدٍ لهذا الإجرام بالقولِ «إنَّ كل استهدافٍ لشعبنا دون سابق إنذار سنقابله بإعدام رهينةٍ من المدنيين» في إطارِ التعامل بالمثل كما شَرح محمّلًا تل أبيب وأمام العالم مسؤولية هذا القرار عقبَ الغارات العنيفة والتي تسبّبت في مقتل عشرات الفلسطينيين أغلبهم من المدنيين كما حصل في مجزرة جباليا والتي راحَ ضحيّتها 50 فلسطينيًا على الأقل ومئات الجرحى. خرجَ رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد أقلّ من ساعتين من بيان أبو عبيدة الصوتي في مقطع فيديو قال فيه إنّ حماس هي من طلبت الحرب وستُواجه حربًا، واعترفَ بالرغبة الحكومية الإسرائيلية في تأمينِ ما سمَّاهُ بـ «الدعم الدولي» لضمانِ التحرّك بهامش حرية كبير، متوعدًا حركة المقاومة بأنّ كل مكانٍ تعمل منه سيتحول إلى خراب، كما تفاخرَ نتنياهو بالقول إنّ ما سيفعله جيشه بمن وصفهم بالأعداء سيتردد صداه لأجيال. استمرَّت حربُ التصريحات الإعلاميّة حينما ظهر أبو عبيدة من جديد وهذه المرة في مقطع فيديو أطول شرحَ فيه السبب الرئيسي لإعلان معركة طوفان الأقصى وهو ذاته السبب الذي تحدث عنه الضيف في أول ساعات العمليّة. شنَّ أبو عبيدة في بيانه هجومًا ضمنيًا على الجيش الإسرائيلي فقالَ إنّ «العدو عاجزٌ عن مواجهة مقاتلينا على مدار أكثر من 60 ساعة حتى الآن»، وأكّد أنّ مقاتلي الحركة الفلسطينية أسقطوا كامل فرقة غزة في جيشِ الاحتلال، كما كرّر الحديث عن القصف الإسرائيلي للمنشآت المدنية وقتل الأطفال وسخر من تهديدهم بحرب برية مضيفًا أنّ الفصائل جاهزة لمعركة طويلة ومستعدة لكل الاحتمالات.
اليوم الرابع
اغتيال الصحفيين
بعد الثالثة صباحًا من اليوم الرابع للمعركة، أغارت طائرات الاحتلال الإسرائيلي ومن دون سابق إنذار على برجٍ سكني يقعُ غرب مدينة غزة. كان في البرجِ عددٌ من الصحفيين الفلسطينيين المعروفِ تمركزهم فيه منذ مدة، حيث ينقلون ما يجري في المدينة، ويُصوّرون الغارات الإسرائيلية، وردود فعل فصائل المقاومة، وغيرها من الأحداث. تسببت الغارة الإسرائيلية في مقتل ما لا يقلُّ عن 3 صحفيين دفعة واحدة وهم سعيد رضوان الطويل من سكان محافظة رفح جنوبًا ويعمل رئيس تحرير موقع الخامسة للأنباء، والصحفي محمد رزق صبح من سكان غزة ويعمل مصوراً لوكالة خبر، ثم الصحفي هشام النواجحة من سكان محافظة رفح والذي أُصيبَ بجراح خطيرة أدخل على إثرها لغرفة العناية المشددة في مجمع الشفاء الطبي لكنّه فارق الحياة بعد ذلك. أظهرت مقاطع مصوّرة لحظة الغارة الإسرائيلية الصحفيين وهم يرتدون لباس الصحافة، بل إنّ أحدهم شُيّع بسترته الصحفيّة التي كان يرتديها لحظة القصف والمليئة بالدماء.


