شهد مسرح أحداث الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى صراعًا في الفترة من 29 أكتوبر 1914 إلى 30 أكتوبر 1918 بين الدولة العثمانية (ومعها الأكراد وبعض القبائل العربية) مع بعض المساعدة من القوى المركزية الأخرى، وبين قوات الحلفاء متمثلة بالامبراطورية البريطانية (بمساعدة اليهود واليونانيين والآشوريين وأغلبية العرب إلى جانب الهنود تحت لواء الإمبراطورية البريطانية) وروسيا القيصرية (بمساعدة الأرمن والآشوريين) وفرنسا من بين القوى الحليفة. شهدت المنطقة خمس حملاتٍ شنتها قوات الحلفاء على أراضي الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى هي حملة سيناء وفلسطين وحملة بلاد الرافدين وحملة القوقاز وحملة بلاد فارس وحملة جاليبولي، كما شهدت حملات وعمليات عسكرية ثانوية في الحملة العربية والأجزاء الجنوبية من الأراضي العربية. استخدم كلا الجانبين قوى محلية غير متكافئة في المنطقة. ومن جانب الحلفاء العرب الذين شاركوا في الثورة العربية والميليشيات الأرمنية التي ساهمت في المقاومة الأرمنية خلال الإبادة الجماعية للأرمن. بالإضافة إلى ذلك انضم الآشوريون إلى الحلفاء بعد الإبادة الجماعية للآشوريين وعرفوا باسم المتطوعين الآشوريين. وكان مسرح الشرق الأوسط هو الأضخم مساحة من بين المسارح الأخرى في الحرب. انتهت المشاركة الروسية في الحرب مع هدنة أرزينجان (5 ديسمبر 1917)، وبعد ذلك انسحبت الحكومة الروسية الثورية من الحرب بموجب شروط معاهدة بريست ليتوفسك (3 مارس 1918). حضر الأرمن مؤتمر طرابزون للسلام (14 مارس 1918) الذي أسفر عن معاهدة باطومي في 4 يونيو 1918. وقبل العثمانيون هدنة مودروس مع الحلفاء في 30 أكتوبر 1918، وأفضت إلى توقيع معاهدة فرساي في 28 يونيو 1919، وبعدها معاهدة سيفر في 10 أغسطس 1920، وبالنهاية معاهدة لوزان في 24 يوليو 1923.
الأهداف
=== العثمانيون وقوى المركز === انضمت الدولة العثمانية إلى قوى المركز من خلال التحالف العثماني الألماني السري، الذي وُقع عليه في 2 أغسطس 1914. كان الهدف الرئيسي للسلطنة في القوقاز هو استعادة أراضيها التي فقدتها بعد الحرب الروسية العثمانية (1877–1878) ولا سيما أرتوين وأرداهان وقارص وميناء باطوم. فدعمت المستشارية الألمانية الجيوش العثمانية، لأن النجاح في هذه المنطقة سيجبر الروس على نقل القوات من الجبهات البولندية والجاليسية. ومن منظور اقتصادي، كان الهدف الاستراتيجي الألماني هو منع سيطرة روسيا على حقول النفط في بحر قزوين. أنشأت ألمانيا مكتب استخبارات الشرق عشية الحرب العالمية الأولى. شارك المكتب في جمع المعلومات الاستخبارية من بلاد فارس ومصر، وإلى أفغانستان لتخريب الاتفاق الأنجلو-روسي. ادعى وزير الحرب العثماني أنور باشا أنه إذا كان من الممكن هزيمة الروس في المدن الرئيسية في بلاد فارس، فقد يفتح ذلك الطريق للوصول إلى أذربيجان وبقية الشرق الأوسط والقوقاز. تصور أنور باشا أنه إذا أزيح النفوذ الغربي عن تلك الدول فسوف يكون هناك تعاونًا بين تلك الدول التركية حديثة النشأة. ولكن مشروع أنور باشا يتعارض مع المصالح الأوروبية التي تحولت إلى صراعات بين العديد من القوى الإمبريالية الرئيسية. كما هدد العثمانيون المواصلات البريطانية مع الهند والشرق عبر قناة السويس. وكان الألمان يأملون في الاستيلاء على القناة لمصلحة قوى المركز، أو على الأقل منع الحلفاء من استخدام هذا الطريق الحيوي.
=== الحلفاء === بريطانيا
خشي البريطانيون من أن العثمانيين قد يهاجمون ويستولون على حقول النفط في الشرق الأوسط (وبعدها بحر قزوين). فقد كانت البحرية الملكية البريطانية تعتمد على رواسب البترول في جنوب بلاد فارس، والتي كان لشركة النفط الأنجلو-فارسية الخاضعة للسيطرة البريطانية حق الوصول إليها حصريًا.
روسيا
اعتبر الروس جبهة القوقاز ثانوية بالنسبة للجبهة الشرقية. فقد كانوا يخشون شن حملة في القوقاز تهدف إلى استعادة كارص التي أخذوها من السلطنة في الحرب الروسية التركية (1877-1878) وميناء باطوم. في مارس 1915 عندما التقى وزير الخارجية الروسي سيرجي سازونوف بالسفير البريطاني جورج بوكانان والفرنسي موريس باليولوج صرح بأن التسوية الدائمة بعد الحرب تتطلب حيازة روسية كاملة للقسطنطينية عاصمة الدولة العثمانية ومضيق البوسفور والدردنيل وبحر مرمرة وجنوب تراقيا حتى خط إينز-مديا بالإضافة إلى أجزاء من ساحل البحر الأسود في الأناضول بين مضيق البوسفور ونهر صقاريا ونقطة غير محددة بالقرب من خليج إزميد. خططت حكومة إمبراطورية الروسية لاستبدال السكان المسلمين في شمال الأناضول واسطنبول بمستوطنين أكثر موثوقية من القوزاق.
=== الأرمن === سعت حركة التحرر الوطنية الأرمينية إلى إقامة دولة أرمينية داخل المرتفعات الأرمنية. حقق الاتحاد الثوري الأرمني هذا الهدف في الحرب، وأنشئ جمهورية أرمينيا الأولى المعترف بها دوليًا في مايو 1918. في بداية 1915 كانت إدارة أرمينيا الغربية ثم جمهورية أرمينيا الجبلية كيانات خاضعة لسيطرة الأرمن، بينما تأسست ديكتاتورية الخزر المركزية بمشاركة أرمينية. لم تكن أي من تلك الكيانات ذات أمد طويل.
=== العرب === الممثل الرئيسي كان الشريف حسين ملك مملكة الحجاز. حيث قاد ما سمي بالثورة العربية والتي كانت أهدافها الرئيسية الاستقلال وإنهاء السيطرة العثمانية على المنطقة.
=== الآشوريون === نال الآشوريون تعهدًا بإنشاء وطنًا لهم بحماية بريطانية وروسية. حيث وعدهم الضباط الروس أولا، ثم أكدها لهم فيما بعد النقيب جريسى من المخابرات البريطانية. بناءً على هذه التعهدات قرر آشوريو هكاري بقيادة مار شمعون التاسع عشر بنيامين ورؤساء القبائل الآشورية الوقوف إلى جانب الحلفاء، بداية مع روسيا، ثم بعدها مع البريطانيين، على أمل أن يتمكنوا من إعطائهم حكم ذاتي بعد تحقيق النصر. كما انضم الفرنسيون إلى التحالف مع الآشوريين، وقدموا لهم 20 ألف بندقية، ونما الجيش الآشوري إلى 20 ألف رجل بالاشتراك مع آغا بيتروس إليا من قبيلة بيت بازي ومالك خوشابا من قبيلة بيت تياري، بحسب يوسف نعيم (شاهد رئيسي في روايته عن الفظائع كان اللورد جيمس برايس مقدمًا لها).
=== الأكراد === في بداية القرن العشرين كان الأكراد مثلهم مثل العرب، مجموعة متنوعة من السكان ومشتتة في منطقة واسعة وبعيدة عن التجانس في الوضع الاجتماعي أو المنظور الجغرافي السياسي. على الرغم من أن الكثيرين كانوا من المؤيدين الملتزمين للقومية الكردية، إلا أن هذا الرأي لم يكن الغالب هناك. فقد كان العديد من الأكراد ينتمون إلى النخبة العثمانية، وغالبًا ما يشغلون مناصب رفيعة المستوى وبارزة داخل الدولة العثمانية حتى سنة 1914. كان القوميون الأكراد يأملون أن يساعدهم الحلفاء في الحرب العالمية الأولى في إنشاء دولة كردية مستقلة إذا كانوا سيقاتلون ضد العثمانيين، وقاموا بعدة انتفاضات خلال الحرب. ولكن لم تدعم أي من قوى الحلفاء تلك الانتفاضات عدا انتفاضة أغسطس 1917. علاوة على ذلك رفض العديد من الأكراد تلك الأفكار، بقوا موالين للسلطنة وقاتلوا نيابة عنها. وأشهر مثال على ذلك هي الخيالة الحميدية، وهي فرقة فرسان من النخبة الكردية في الغالب تابعة للجيش العثماني. قاتلت الحميدية من أجل العثمانيين في كل من حملات القوقاز والفرس ولعبوا دورًا مهمًا في الإبادة الجماعية للأرمن. فأضحت المناطق ذات الأعمال الثورية الأرمنية العالية أهدافًا للحميدية، وبحسب بعض التقديرات فقد قُتل حوالي عشرة إلى عشرين ألف أرمني على يد وحدات الحميدية. في حالات أخرى انضم الأكراد المحليون إلى القوات التركية ليس بدافع الولاء ولكن للمشاركة في الغنائم المأخوذة من المدنيين الأرمن. وفقًا للمؤرخ ريموند كيفوركيان، في حين أن العديد من القبائل الكردية البدوية شاركت بنشاط في الإبادة الجماعية، إلا أن الأكراد المستقرين نادرًا ما فعلوا ذلك. كما عارض العديد من الأكراد الإبادة الجماعية وقاموا بجهود شخصية لإنقاذ المدنيين الأرمن.
منطقة العمليات
تكونت حملة القوقاز من صراعات مسلحة بين السلطنة والحلفاء، وكانت قوات الحلفاء التي احتوت على أذربيجان وأرمينيا وديكتاتورية الخزر المركزية والمملكة المتحدة هي جزء من مسرح الشرق الأوسط، أو الاسم البديل وهو جزء من حملة القوقاز خلال الحرب العالمية الأولى، امتدت حملة القوقاز من القوقاز إلى شرق آسيا الصغرى، ووصلت إلى طرابزون وبدليس وموش ووان. ترافقت الحرب البرية مع عمليات قامت بها البحرية الروسية في منطقة البحر الأسود التابعة للسلطنة. في 23 فبراير 1917 توقف التقدم الروسي في أعقاب الثورة الروسية، وبعدها استبدل جيش القوقاز الروسي المفكك بقوات الدولة الأرمينية حديثة النشأة، والتي تألفت من وحدات المتطوعين الأرمينية السابقة والوحدات الأرمينية غير النظامية. وفي 1918 شهدت المنطقة أيضًا إنشاء ديكتاتورية الخزر المركزية، جمهورية أرمينيا الجبلية وقوة حليفة تسمى قوة دانستر والتي كانت تتألف من قوات النخبة البريطانية ومستعمراتها ممن سحبوا من العراق والجبهة الغربية. تقاتل الجنود العثمانيون مع الجنود الألمان في باطومي بسبب وصول بعثة القوقاز الألمانية التي كان هدفها الأساسي تأمين إمدادات النفط. وفي 3 مارس 1918 انتهى الصراع بين الدولة العثمانية وروسيا بمعاهدة بريست ليتوفسك، وفي 4 يونيو 1918 وقعت السلطنة معاهدة باطومي مع أرمينيا. ومع ذلك استمرت النزاعات المسلحة مع اشتباك السلطنة مع ديكتاتورية الخزر المركزية وجمهورية أرمينيا الجبلية وقوات قوة دانستر البريطانية حتى توقيع هدنة مودروس في 30 أكتوبر 1918.
العثمانيون في جبهة أوروبا الشرقية
أرسلت السلطنة أكثر من 90,000 جندي عثماني إلى جبهة أوروبا الشرقية سنة 1916 للمشاركة في العمليات في رومانيا خلال حملة البلقان. وطلبت دول المركز من تلك الوحدات دعم عملياتها ضد الجيش الروسي. ولكن تبين لاحقا أن الانتشار كان خطأ، لأن تلك القوات ستكون بوضع أفضل في بقائها في أراضيها لحمايتها من هجوم أرضروم الضخم الذي بدأه الجيش الروسي. أمر أنور باشا بنقل القوات إلى جبهة أوروبا الشرقية. مع أن رئيس الأركان الألماني إريش فون فالكنهاين قد رفض ذلك، لكن خليفته بول فون هيندنبورغ وافق عليها مع بعض التحفظات. تم التوصل إلى القرار بعد هجوم بروسيلوف، حيث كانت القوى المركزية تعاني من نقص في الجنود على الجبهة الشرقية. في عملية التوزيع أرسل أنور باشا الفيلق الخامس عشر إلى غاليسيا، والفيلق السادس إلى رومانيا، والفيلق العشرين وفوج المشاة 177 إلى مقدونيا في بداية 1916. ساهم الفيلق السادس في انهيار الجيش الروماني في الحملة الرومانية، وتم تقديرها بشكل خاص لقدرتها على مواصلة معدل تقدم مرتفع في ظروف الشتاء القاسية. كان من المعروف أن الفيلق الخامس عشر يقاتل بشكل جيد للغاية ضد الروس في غاليسيا، وغالبًا ما كبدوا بالروس عدة خسائر.
القوى
قوى المركز (الدولة العثمانية)
عقب ثورة تركيا الفتاة سنة 1908 وبعد بداية الحقبة الدستورية الثانية (بالتركية العثمانية: ايکنجى مشروطيت دورى) في 3 يوليو 1908 في زمن السلطان عبد الحميد الثاني؛ تم إدخال تعديلات جوهرية في الجيش العثماني، كما تم تحديث مراكز الجيش الرئيسية، دخلت القوات العثمانية عقب ذلك في الحرب العثمانية الإيطالية أو ما عرف باسم الحرب الليبية ما بين 28 سبتمبر 1911 وحتى 18 أكتوبر 1912، وانتهت الحرب بسيطرة الإيطاليين علي ليبيا والحدود المائية المقابلة، وفي ذات الوقت كانت حرب البلقان مستعرة في أراضي مقدونيا وتراقيا التي كانت تحت السيطرة العثمانية. مما أجبر بالمزيد من إعادة هيكلة الجيش قبل سنوات فقط من الحرب العالمية الأولى. واجه الجيش العثماني منذ البداية مجموعة من المشاكل في تجميع نفسه. بادئ ذي بدء، كان حجم الجيش العثماني محدودًا للغاية بسبب الانقسام داخل السلطنة: فقد استثني غير المسلمين من التجنيد العسكري، وتعداد العرقية التركية 12 مليونًا فقط من سكان الدولة التي يبلغ عددهم 22 مليون نسمة، والعشرة ملايين الأخرى هم أقليات متفاوتة الولاء والاستخدام العسكري. وأيضًا فإن السلطنة كانت فقيرة جدًا مقارنة بالقوى الأخرى في الناتج المحلي الإجمالي والبنية التحتية والقدرة الصناعية. على سبيل المقارنة امتلكت السلطنة 5759 كيلومترًا فقط من السكك الحديدية، بينما فرنسا تمتلك 51 ألف كيلومتر من السكك الحديدية لخُمس مساحة الأرض. كان إنتاج الفحم العثماني ضئيلًا (826,000 طن في 1914 مقارنة بـ 40,000,000 طن لفرنسا و 292,000,000 طن لبريطانيا)، في حين لا يوجد فيها إنتاج الصلب. كان توريد الأسلحة يعتمد على مسبك واحد للمدافع والأسلحة الخفيفة، ومصنع ذخيرة واحد، ومصنع واحد للبارود للسلطنة بأكملها، وتقع على أطراف العاصمة بجوار بحر مرمرة، في منطقة معرضة جدًا للهجمات الخارجية. كان الاقتصاد العثماني زراعيًا بالكامل تقريبًا، حيث كان يعتمد على منتجات مثل الصوف والقطن والجلود. قسمت السلطنة في تلك الفترة قواتها إلى جيوش. يتألف كل مقر للجيش من رئيس أركان وقسم عمليات وقسم استخبارات وقسم لوجستي وقسم أفراد. كتقليد راسخ في الجيش العثماني تم ادخال الإمدادات والخدمات الطبية والبيطرية في هذه الجيوش. قبل الحرب قدرت هيئة الأركان العامة العثمانية أنه يمكن تعبئة 1,000,000 رجل في وقت واحد، وأن 500,000 منهم كانوا متاحين ليكونوا جيوش ميدانية متنقلة، بينما يخدم الباقون في الحاميات والدفاعات الساحلية وفي خطوط الخدمة للاتصالات والنقل. كان ما يقرب من 900 مدفع ميداني متوفرا للجيش المتنقل، والذي كان أقل بـ 280 المطلوب الحربي، على الرغم من أن إمدادات مدافع الهاوتزر كانت كافية بشكل عام. كان هناك 900 قطعة من المنشآت الثابتة أو شبه الثابتة في الحاميات الساحلية والتحصينات في أدرنة وأرضروم والبوسفور والدردنيل وجتالجة. كانت الذخيرة قليلة، فلم يكن هناك سوى 588 قذيفة متوفرة لكل مدفع. بالإضافة إلى ذلك قدر الجيش أنه بحاجة إلى عدة آلاف من الرشاشات الإضافية لإكمال التشكيلات. كانت البنادق بشكل عام فعالة عند 1.5 مليون في المخزون، والجيش لا يزال بحاجة إلى 200,000 أخرى. قبل دخول السلطنة الحرب سنة 1914، قسمت جيشها إلى فيالق وفرق، بحيث كان لكل فرقة ثلاثة أفواج مشاة وفوج مدفعية. وقسمت قواتها إلى أربع جيوش:
الجيش الأول ويحتوي على 15 فرقة الجيش الثاني ويضم 4 فرق بالإضافة إلى فرقة مشاة مستقلة مع ثلاثة أفواج مشاة ولواء مدفعية. الجيش الثالث ويتكون من 9 فرق وأربعة أفواج مشاة مستقلة وأربعة أفواج سلاح فرسان مستقلة (وحدات قبلية). الجيش الرابع ويضم 4 فرق. في أغسطس 1914 تم تشكيل 36 فرقة مشاة، أربعة عشر فرقة منها أسست من الصفر، وهي في الأساس فرقًا جديدة. وفي وقت قصير جدا مرت ثمانية من تلك الفرق الجديدة بعملية إعادة انتشار رئيسية. وأنشئ خلال الحرب جيوش أخرى. الجيش الخامس والسادس في 1915، والجيش السابع والثامن في 1917، وجيش الإسلام الذي كان يضم فيلق واحد فقط في سنة 1918. وفي سنة 1918 كانت وحدات الجيش الأساسية قد تضررت بشكل سيئ، مما أوجب على الجيش العثماني استحداث وحدات جديدة عرفت باسم مجموعة الجيش الشرقي ومجموعة جيش يلدريم. ولكن على الرغم من أن عدد الجيوش كان يتزايد خلال سنوات الحرب، إلا أن موارد الدولة من القوى البشرية والإمدادات كانت تتناقص، بحيث أضحى تعداد مجموعة الجيوش في 1918 أقل من عدد منتسبي الجيوش في 1914. ولكن ظل الجيش العثماني فعالاً نوعًا ما حتى نهاية الحرب. كانت معظم المعدات العسكرية تصنع في ألمانيا أو النمسا، وتولى صيانتها مهندسين ألمان ونمساويين. كما زودت ألمانيا بمعظم المستشارين العسكريين؛ تم إرسال قوة من القوات المتخصصة (الفيلق الآسيوي) في 1917، وزادتها إلى قوة مقاتلة من فوجين في 1918. وقدمت الحملة الألمانية في القوقاز إلى منطقة القوقاز الروسية بداية 1918 أثناء حملة القوقاز. كان هدفها الأساسي هو تأمين إمدادات النفط لألمانيا وتحقيق الاستقرار في جمهورية جورجيا الديمقراطية الوليدة الموالية لألمانيا. ولكن أدخلت الجمهورية الجديدة إسفين النزاع بين الدولة العثمانية وألمانيا، مع تبادل الإدانات الرسمية بينهما في الأشهر الأخيرة من الحرب.
التعبئة
أصدرت الدولة العثمانية في 12 مايو 1914 قانونًا جديدًا يقتضي بتخفيض سن التكليف من 20 إلى 18 عامًا، وألغت نظام قوات «الرديف» أو القوات الاحتياطية جاعلة خدمة الجيش كلها ضمن العمل الإلزامي، كما مددت فترة الخدمة لتصبح سنتين في قوات المشاة و3 سنوات في باقي قطاعات الجيش و5 سنوات في البحرية. فتطوعت عدة فئات دينية للخدمة مثل المولوية والقادرية. كما كانت هناك وحدات مكونة من القوقاز والرومليين الأتراك، وأعداد من المتطوعين العرب والبدو الذين شاركوا في معارك العراق وفلسطين. كان من المتعذر الاعتماد على المتطوعين للخدمة في تأسيس وحدات الجيش النظامية نتيجة لافتقارهم للتدريب الكافي ولأن عددًا كبيرا منهم جاء مدفوعًا بمطامع مالية.
دول الوفاق
قبيل الحرب قامت روسيا القيصرية بتأسيس نظام التطوع للخدمة في أرمينيا واستخدمته للتجنيد في جيش القوقاز الروسي، ولكن تم إعادة نشر نصف هذا تقريبًا في الجبهة البروسية بعد الهزائم في معارك تانينبرغ وبحيرات ماسوريان تاركًا وراءه 60 ألف جندي فقط في هذا المسرح. وفي صيف 1914 تم تأسيس وحدات المتطوعين الأرمن تحت إمرة الجيش الروسي النظامي، وأبدى ما يقرب من 20 ألف متطوع أرمني عن استعدادهم لحمل السلاح ضد السلطنة في 1914. ازداد حجم هذه الوحدات التطوعية خلال الحرب، لدرجة أن بوغوص نوبار ذكر في رسالة عامة إلى مؤتمر باريس للسلام 1919 أن عددها بلغ 150,000. كما ألقى الآشوريون في جنوب شرق الأناضول وشمال العراق وشمال غرب إيران ثقلهم مع الروس والبريطانيين، بقيادة آغا بطرس ومالك خوشابا.
وفي 1914 كانت هناك بعض وحدات جيش الهند البريطاني تمركزت في الأجزاء الجنوبية من بلاد فارس. تتمتع تلك الوحدات بخبرة واسعة في التعامل مع القبائل المحلية المنشقة. أسس البريطانيون فيما بعد القوة البحرية في البحر الأبيض المتوسط وجيش الدردنيل البريطاني وقوة التجريدة المصرية. وأنشئوا في سنة 1917 قوة دانستر بقيادة الجنرال ليونيل دونسترفيل، والتي تتألف من حوالي 1000 جندي أسترالي وبريطاني وكندي ونيوزيلندي برفقة سيارات مصفحة لحماية حقول النفط في باكو ومساعدة وتدريب القوات المحلية في القوقاز. اندلعت في سنة 1916 ثورة عربية في الحجاز. خدم حوالي 5,000 جندي نظامي (معظمهم من أسرى حرب عرب سابقين) مع قوات الثورة. كما كان هناك العديد من رجال القبائل غير النظاميين بإشراف الأمير فيصل والمستشارين البريطانيين، وأشهرهم كان لورانس.
أرسلت فرنسا الفيلق الفرنسي الأرمني إلى هذا المسرح كونه جزء من الفيلق الأجنبي الفرنسي الأكبر. كان وزير الخارجية أريستيد بريان بحاجة إلى توفير القوات للالتزام الفرنسي الذي تم التعهد به في اتفاقية سايكس بيكو، والتي لا تزال سرية. فتم تجهيز وحدات الدعم الأرمينية تحت إشراف ادموند اللنبي، وبخلاف ما تم الاتفاق عليه فقد قاتلت القوات الأرمينية في سوريا وفلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم عادت هذه القوات إلى صفوف بلادها بعد انتهاء الحرب. وقادت حركة التحرر الوطنية الأرمينية تلك الصراعات. كان يشار إلى هؤلاء عمومًا باسم الميليشيات الأرمنية. وفي سنة 1917 حزب الطاشناق الفيلق الأرمني تحت قيادة الجنرال توفماس نزاربيكيان والذي مع إعلان جمهورية أرمينيا الأولى أسس النواة العسكرية لتلك الدولة الجديدة.
التعبئة
قبل الحرب أنشأت روسيا نظامًا تطوعيًا لاستخدامه في حملة القوقاز. فأسست في صيف 1914 وحدات المتطوعين الأرمينيين بقيادة أندرانيك تحت إدارة القوات المسلحة الروسية. نظرًا لأن المجندين الأرمن الروس قد تم إرسالهم بالفعل إلى الجبهة الأوروبية، فقد تم تأسيس هذه القوة بشكل فريد من الأرمن الذين هم ليسوا روسًا، وغير ملتزمين بالخدمة. كان فضل الوحدات الأرمينية ليس بالقليل للنجاح الذي حققته القوات الروسية، حيث كانوا من السكان الأصليين للمنطقة، وتكيفوا مع الظروف المناخية، وعلى دراية بكل طريق ومسار جبلي وكان لديهم حوافز حقيقية للقتال.
=== قوى غير متكافئة === لم تكن القوات المتحاربة في مسرح الشرق الأوسط جيوشاً نظاميةً فقط شاركت في حروب تقليدية، بل كان هناك أيضًا قوات غير نظاميةٍ منخرطة في ما يعرف اليوم باسم حرب غير متكافئة. وعكس مايقال لم يكن لورنس أو الجيش البريطاني هو من صمم حملة تمرد داخلي ضد الدولة العثمانية في الشرق الأوسط. كان المكتب العربي لوزارة الخارجية البريطانية هو من شجع الثورة العربية، فقد شعر المكتب العربي أنه يحتمل أن تؤدي حملة تلقى التشجيع والتمويل من الخارج لدعم قبائلَ منشقةٍ تتحدّى الحكم المركزي العثماني، إلى مكاسبَ كبيرةٍ في تحويل الجهد المطلوب، وخاصةً في ظل النقمة المتزايدة ضد حكم الاتحاديين. أنشأت ألمانيا مكتب استخباراتها الخاص للشرق قبل اندلاع الحرب مباشرة. كان مكرسًا لتعزيز واستدامة التحريضات التخريبية والقومية داخل إمبراطورية الهند البريطانية، وكذلك في فارس ومصر الخاضعتين لها. كانت عملياتها في بلاد فارس والتي تهدف إلى إثارة المشاكل بوجه الإنجليز في الخليج العربي بقيادة فيلهلم فاسمس الدبلوماسي الألماني الذي عُرف باسم «لورنس العرب الألماني» أو «فاسمس بلاد فارس».
تسلسل الأحداث
=== التمهيد لدخول الحرب === وقعت السلطنة تحالفًا سريًا مع ألمانيا في 2 أغسطس 1914 تلته معاهدة أخرى مع بلغاريا. وضعت وزارة الحرب العثمانية خطتين رئيستين. أكمل فريتز شيلندورف عضو البعثة العسكرية الألمانية إلى السلطنة، والذي شغل منصب مساعد رئيس الأركان العامة العثمانية، خطةً في 6 سبتمبر 1914 كان من المقرر فيها أن يهاجم الجيش الرابع مصرَ، ويشن الجيش الثالث هجومًا على الروس في شرق الأناضول. ولكن كانت ثمة معارضة لشليندورف في الجيش العثماني. كان الرأي الأكثر رجحانًا أن شيلندورف خطط لحربٍ لمصلحة ألمانيا بدلاً من مراعاة ظروف السلطنة. قدم حافظ حقي باشا خطةً بديلةً أكثرَ هجوميةً ركزت على روسيا؛ خطةً اعتمدت على تحريك القوات بحرًا إلى الساحل الشرقي للبحر الأسود، ثم إبرارها للقيام بهجومٍ على الأراضي الروسية. أجّلت خطة حافظ حقي باشا لأن الجيش العثماني كان يفتقر إلى وسائل النقل، وعليه اعتمدت خطة شيلندورف بشكل افتراضي. نتيجةً لخطة شيلندورف كانت معظم العمليات ستجري على الأراضي العثمانية، ما يعني في كثيرٍ من الأحيان تأثيرًا مباشرًا سيئًا على الشعوب العثمانية القاطنة في تلك الأراضي. استقر الرأي على أن الموارد اللازمة لتنفيذ هذه الخطة كانت مفقودةً، لكن شيلندورف نظم قيادة الجيش وأمّن السيطرة عليه بشكلٍ أفضلَ، ووضع الجيش في موقع تنفيذ الخطط. قدم شيلندورف أيضًا خطةً تعبئةٍ أفضلَ لزيادة عديد القوات وإعدادها للحرب. تضم أرشيفات وزارة الحرب العثمانية خططَ حربٍ صاغها شيلندورف بتاريخ 7 أكتوبر 1914 تحوي تفاصيلَ تتعلق بالدعم العثماني للجيش البلغاري، وعمليةً سريةً ضد رومانيا، وإنزالًا للجنود العثمانيين في أوديسا وشبه جزيرة القرم بدعم من البحرية الألمانية. بعود التأثير الألماني على العمليات العسكرية خلال الحملة على فلسطين إلى أن معظم مناصب هيئة الأركان في مجموعة جيش يلدريم كانت بإمرة ضباطٍ ألمانٍ حتى إن مراسلات المقر كانت تكتب باللغة الألمانية، وانتهى هذا الوضع مع الهزيمة النهائية في فلسطين وتعيين مصطفى كمال لقيادة فلول مجموعة جيش يلدريم. في يوليو 1914 كانت هناك مفاوضات بين جمعية الاتحاد والترقي والأرمن العثمانيين في المؤتمر الأرمني في أرضروم، وكانت التنيجة المعلنة للمؤتمر «جرى ظاهريًا دفع المطالب الأرمنية سلميًا بالوسائل المشروعة». ذكر إريكسون أن "الاتحاد والترقي" اعتبر المؤتمر دافعًا للتمرد الأرمني. بعد هذا الاجتماع اقتنع الاتحاديون بوجود روابطَ أرمنيةٍ روسيةٍ قويةٍ، مع خططٍ مفصلةٍ لفصل مناطقِ الأرمنِ عن أراضي السلطنة. في 29 أكتوبر 1914 حدث أول اشتباكٍ مسلحٍ بين الدولة العثمانية والحلفاء عندما قام الطرادان الألمانيان إس إم إس جوبان وإس إم إس بريسلاو اللذان اشترتهما البحرية العثمانية مع سفنٍ حربيةٍ أخرى بقصف الموانئ الروسية في أوديسا وسيفاستوبول ونوفوروسيسك فأغرقوا عدة سفنٍ روسيةٍ صغيرةٍ وسفينة ركابٍ فرنسيةٍ كانت في الطريق.
1914
نوفمبر
بعد قصف أوديسا أعلنت روسيا في 2 نوفمبر 1914 الحرب على الدولة العثمانية. وهاجمت البحرية البريطانية الدردنيل في 3 نوفمبر. ثم أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب في 5 نوفمبر. تمت صياغة إعلان الجهاد العثماني في 11 نوفمبر وأذيع في 14 نوفمبر. طرح اللورد الأول للأدميرالية ونستون تشرشل خططه لشن هجوم بحري على العاصمة العثمانية، بناءً على تقارير تبين لاحقا أنها خاطئة بشأن مقدرة القوات العثمانية، كما أعدها الضابط تي أي لورانس. ورأى أن البحرية الملكية لديها عدد كبير من البوارج التي عفا عليها الزمن والتي قد تكون مفيدة، ومدعومة بقوة رمزية من الجيش لمهام احتلال عادية. أمرت البوارج بأن تكون جاهزة بحلول فبراير 1916. في الوقت نفسه كان الجيش العثماني الرابع يجهز قوة قوامها 20 ألف رجل بقيادة وزير البحرية العثماني جمال باشا للاستيلاء على قناة السويس. وقد اقترح وزير الحرب أنور باشا الهجوم على السويس بناءً على طلب من حليفهم الألماني العقيد كريس فون كرسنشتاين الذي كان رئيس أركان الجيش الرابع العثماني، الذي نظم الهجوم ورتب الإمدادات للجيش أثناء عبوره الصحراء في سميت بحملة ترعة السويس الأولى.
بدأ هجوم بيرخمان في 1 نوفمبر، وهو أول نزاع مسلح في حملة القوقاز. عبر الروس الحدود للاستيلاء على دوغبايزيد وكوبروكوي. وتحرك الفيلق الروسي الأول على ميمنة الجيش من ساريقاميش باتجاه كوبروكوي. أما على الجناح الأيسر فتحرك الفيلق الروسي الرابع من يريفان إلى سهول باسينلر. لم يكن قائد الجيش العثماني الثالث حسن عزت باشا يؤيد شن هجوم في ظروف الشتاء القاسية، لكن خطته للبقاء في موقف دفاعي وشن هجوم مضاد في الوقت المناسب تجاوزها وزير الحرب أنور باشا. في 6 نوفمبر قصفت قوة بحرية بريطانية الحصن القديم في الفاو. فقاوم 350 جنديًا عثمانيًا معهم أربعة مدافع إنزال الفاو للقوات الاستكشافية البريطانية الهندية المكونة من الفرقة السادسة (بونا) بقيادة الفريق آرثر باريت مع السير بيرسي كوكس الضابط السياسي. وفي 22 نوفمبر احتل البريطانيون مدينة البصرة ضد قوة قوامها 2900 مجند عربي من قيادة منطقة العراق بقيادة صوفي باشا الذي أُسِر ومعه 1200 رجل. ويبعد مقر الجيش العثماني الرئيسي بقيادة خليل باشا على بعد حوالي 440 كيلومترًا (270 ميلًا) إلى الشمال الغربي حول بغداد. لم تجر محاولات قوية لطرد البريطانيين. في 7 نوفمبر بدأ الجيش العثماني الثالث هجومه على القوقاز بمشاركة الفيلق الحادي عشر وجميع وحدات سلاح الفرسان وبدعم من فوج القبائل الكردي. وفي 12 نوفمبر بدأ الفيلق التاسع لأحمد فوزي باشا المعزز بالفيلق الحادي عشر على الجانب الأيسر بدعم من سلاح الفرسان بدفع الروس إلى الوراء. نجح الروس على طول الأكتاف الجنوبية للهجوم، حيث كان المتطوعون الأرمن فعالين واستولوا على كاراكوس ودوغبايزيد. وفي نهاية شهر نوفمبر احتل الروس مسافة 25 كيلومترًا (16 ميلًا) بارزة في الأراضي العثمانية على طول محور أرضروم-ساريقاميش. أرسل الشيخ مبارك الصباح أمير الكويت قوة إلى أم قصر وصفوان وبوبيان والبصرة لطرد القوات العثمانية من المنطقة. في المقابل اعترفت الحكومة البريطانية بالكويت باعتبارها «حكومة مستقلة تحت الحماية البريطانية». لا يوجد تقرير عن الحجم الدقيق وطبيعة هجوم مبارك، على الرغم من تراجع القوات العثمانية عن تلك المواقع بعد أسابيع. أزال مبارك الرمز العثماني الذي كان على العلم الكويتي واستبدله بكلمة «الكويت» مكتوبة بالخط العربي. ساعدت مشاركة مبارك وكذلك مآثره السابقة في عرقلة استكمال خط سكة حديد بغداد، البريطانيين على حماية الخليج العربي من التعزيزات العثمانية والألمانية.
ديسمبر
في ديسمبر وفي ذروة معركة ساريقاميش أمر الجنرال ميشلايفسكي بسحب القوات الروسية من الحملة الفارسية لمواجهة هجوم أنور باشا. بقي لواء واحد فقط من القوات الروسية تحت قيادة الجنرال الأرمني نزاربيكوف وكتيبة واحدة من المتطوعين الأرمن منتشرين في أنحاء سلماس وأرومية. بينما كان الجزء الرئيسي من القوات العثمانية يستعد للعملية في بلاد فارس، عبرت مجموعة روسية صغيرة الحدود الفارسية. بعد صد هجوم روسي تجاه معابر جبل وان-فارس، طاردت فرقة درك وان -وهي تشكيل شبه عسكري خفيف التجهيز بقيادة الرائد فريد- الروس إلى بلاد فارس. وفي 14 ديسمبر احتلت فرقة درك وان مدينة قطور في الحملة الفارسية. وبعد ذلك تقدمت باتجاه خوي. كان من المفترض أن يُبقي هذا الممر مفتوحًا للقوة الاستكشافية الخامسة لكاظم بك وقوة الاستطلاع الأولى لخليل بك، الذين كان عليهم التحرك نحو تبريز من رأس الجسر الذي تم إنشاؤه في قطور. ومع ذلك استنزفت معركة ساريقاميش القوات العثمانية، وكانت هناك حاجة إلى تلك القوات في أماكن أخرى. وفي 29 ديسمبر تلقى الجيش العثماني الثالث أمرًا بالتقدم نحو قارص. تولى أنور باشا القيادة الشخصية للجيش الثالث وأمر قواته بالتحرك ضد القوات الروسية، بداية معركة ساريكاميش. لمواجهة تقدم الجيش الثالث، خطط الحاكم فورونتسوف بسحب جيش القوقاز الروسي إلى قارص. ولكن الجنرال نيكولاي يودنيتش تجاهل أمر فورونتسوف.
1915
يناير-مارس
في 2 يناير تولى سليمان العسكري بك قيادة منطقة العراق. وقد أدرك أنور باشا خطأ التقليل من أهمية حملة بلاد الرافدين. فلم يكن لدى الجيش العثماني أي وسيلة للانتقال إلى تلك المنطقة، حيث كان الهجوم على جاليبولي وشيكًا. أرسل سليمان العسكري بك رسائل إلى الشيوخ العرب في محاولة لتنظيمهم لمحاربة البريطانيين. وفي 3 يناير في معركة القرنة حاولت القوات العثمانية استعادة مدينة البصرة. وتعرضوا لإطلاق النار من سفن البحرية الملكية على نهر الفرات، بينما تمكنت القوات البريطانية من عبور نهر دجلة. بالحكم على أن التحصينات في البصرة كانت قوية للغاية بحيث لا يمكن الاستيلاء عليها، استسلم العثمانيون في القرنة وتراجعوا إلى الكوت. وفي 6 يناير وجدت قيادة الجيش الثالث نفسها تحت النار. أمر حافظ حقي باشا بانسحاب كامل في معركة ساريقاميش. تمكن 10٪ فقط من الجيش من التراجع إلى موقع البداية. وتخلى أنور عن قيادة الجيش. خلال هذا الصراع تحدت الفصائل الأرمينية العمليات العثمانية في الأوقات الحرجة، حيث نظمت فرق من العصابات على امتداد الجبهة العثمانية في القوقاز، وبدأت تتلقى إمدادات من الأسلحة والذخائر الروسية عبر المنطقة الحدودية غير المحكمة، ممازاد من شبهات العثمانيين من وجود علاقات حميمية مع الروس. مكن التأخير جيش القوقاز الروسي من تركيز قوة كافية حول ساريقاميش. طلبت بريطانيا وفرنسا من روسيا المساعدة لتخفيف الضغط على الجبهة الغربية، إلا أن روسيا احتاجت إلى وقت لتنظيم قواتها. أعطتهم العمليات في البحر الأسود فرصة لتجديد قواتها؛ كما سحبت حملة جاليبولي العديد من القوات العثمانية من الجبهة الروسية وغيرها من الجبهات. وفي مارس 1915 تلقى الجيش العثماني الثالث تعزيزات وصلت إلى فرقة من الجيشين الأول والثاني. في 19 فبراير قصف أسطول أنجلو فرنسي قوي ومعهم البارجة البريطانية إتش إم إس الملكة إليزابيث مواقع المدفعية على طول ساحل الدردنيل. وأرسل الأدميرال ساكفيل كاردين برقية إلى تشرشل في 4 مارس، تفيد بأن الأسطول يمكن أن يتوقع وصوله إلى الأستانة في غضون أربعة عشر يومًا. وفي 18 مارس شن الإسطول المؤلف من 18 سفينة حربية ومجموعة من الطرادات والمدمرات أول هجوم كبير. حيث استهدف أضيق نقطة في مضيق الدردنيل بحيث لا يزيد عرضه عن ميل واحد. تعرضت البارجة الفرنسية بوفيت بثماني طلقات من المدفعية التركية، فخرج اثنين من مدافعها المحصنة عن العمل. كما اندلع حريق خطير في برج القيادة، رغم أنها نجحت في إبطال مفعول بطارية المدفعية الحميدية. ثم بعدها ضربت بلغم بحري مما أدى إلى انقلابها وطاقمها بأكمله على متنها. انسحب كاسحات الألغام التي يعمل بها مدنيون وتحت نيران مستمرة من المدفعية العثمانية، تاركين حقول الألغام سليمة إلى حد كبير. تعرضت كل من البارجة الحربية إريزيستابل والطراد الحربي HMS Inflexible لأضرار جسيمة من الألغام، على الرغم من وجود ارتباك خلال المعركة حول ما إذا كانت الطوربيدات هي المسؤولة. وتعرضت البارجة الحربية «HMS Ocean» المرسلة لإنقاذ البارجة إريزيستابل بلغم، فغرقت كلتا السفينتين. كما تضررت البوارج الفرنسية سوفرين وجولوا بشدة. دفعت الخسائر الحلفاء إلى وقف أي محاولات أخرى لإحتلال المضائق بالقوة البحرية وحدها. في فبراير تمت ترقية الجنرال يودينيتش لقيادة جيش القوقاز الروسي ليحل محل ألكسندر ميشلايفسكي. وفي 12 فبراير توفي قائد الجيش العثماني الثالث حافظ حقي باشا بسبب التيفوس وحل محله العميد محمود كامل باشا. تولى كامل مهمة ترتيب الجيش الثالث المنهك. حاولت الدولة العثمانية الاستيلاء على قناة السويس في مصر بهجوم السويس الأول، ودعموا عباس الثاني المخلوع مؤخرًا، لكن البريطانيين هزموهم في كلا الهدفين.

