اَلْحَرْبُ ٱلْعَالَمِيَّةُ ٱلْأُولَىٰ عُرِفَتْ حينئذٍ بالْحَرِبِ ٱلْعُظْمَىٰ حرب عالمية نشبت بدايةً في أوروبا دامت من 28 يوليو 1914 إلى 11 نوفمبر 1918. وُصِفتْ وقتها بـ«الحرب التي ستنهي كل الحروب». جُمِعَ لها أكثر من سبعين مليون عسكري، 60 مليونًا منهم أوربِّيون، للمشاركة في واحدةٍ من أكبر حروب التاريخ، ولقي أكثر من تسعة ملايين مقاتل وسبعة ملايين مدني مصرعهم نتيجتها، وتعتبر أيضًا عاملاً مساهماً في عدد من جرائم الإبادة الجماعية والإنفلونزا الإسبانية عام 1918، والتي تسببت بما بين 50 و100 مليون حالة وفاة في أنحاء العالم. تفاقم معدل الخسائر العسكرية بسبب التطور التقاني والصناعي للمتحاربين، والركود التكتيكي الناجم عن حرب الخنادق القاسية. تعدُّ هذه الحرب أحد أعنف الصراعات في التاريخ، وتسببت في التمهيد لتغييرات سياسية كبيرة تضمنت ثورات 1917–1923 في العديد من الدول المشتركة. ساهمت الصراعات غير المحلولة في نهاية النزاع في اندلاع الحرب العالمية الثانية بعد عشرين سنة. جمعت الحرب جميع القوى العظمى الاقتصادية في تحالفين متعارضين؛ قوات الحلفاء (الوفاق الثلاثي وهم المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا والجمهورية الفرنسية الثالثة والإمبراطورية الروسية) ضد دول المركز (القيصرية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية ومملكة بلغاريا). مع أنَّ إيطاليا كانت ضمن الحلف الثلاثي مع ألمانيا والنمسا-المجر إلا أنَّها لم تنضم إليهما في حلف دول المركز بسبب خرق النمسا-المجر لشروط الحلف الثلاثي. أُعِيد تنظيم هذه التحالفات وتوسيعها مع دخول المزيد من الدول في الحرب: إيطاليا واليابان والولايات المتحدة وقد انضمت للحلفاء، بينما انضمت الدولة العثمانية ومملكة بلغاريا لدول المركز. بين عامي 1908 و1914 كانت منطقة البلقان تزعزِع استقرارها بسبب مزيجٍ من سيطرة الدولة العثمانية الضعيفة وحروب البلقان 1912-1913 والأهداف الروسية والنمساوية-المجرية المتنافسة. يوم 28 يونيو-1914 قام الصربي البوسني غافريلو برينسيب باغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانتس فرديناند مع زوجته في سراييفو ما أدى إلى نشوب أزمة يوليو، وفي 23 يوليو أصدرت النمسا-المجر إنذارا نهائياً لصربيا، وسرعان مااستقطبت التحالفات المتشابكة جميع القوى الأوروبية الرئيسة مع الإمبراطوريات الاستعمارية الخاصة بها، وانتشر الصراع بسرعة في جميع أنحاء العالم. أصدرت الحكومة الروسية في 25 يوليو أوامر «لفترة التحضير للحرب»، وبعد قصف النمسا-المجر لعاصمة صربيا بلغراد يوم 28 وُوفق على التعبئة الجزئية في المناطق العسكرية الأقرب إلى النمسا، بما في ذلك كييف وقازان وأوديسا وموسكو. أعلن عن تعبئة روسية عامة مساء 30 يوليو. وفي 31 منه فامت النمسا-المجر وألمانيا بالشيء نفسه، كما طالبت ألمانيا روسيا بتسريح جيشها في غضون 12 ساعة. وعندما رفضت روسيا الامتثال أعلنت ألمانيا الحرب في 1 أغسطس، وتبعتها النمسا-المجر يوم 6. أمرت فرنسا بالتعبئة الكاملة دعمًا لروسيا في 2 أغسطس. الانضمام الفرنسي للحرب جاء رغبةً باستعادة مقاطعتي الألزاس واللورين التي تنازلت عنها بعد الحرب الفرنسية-البروسية 70-1871، وقلقًا من قوة ألمانيا المتزايدة وللالتزامات العسكرية المتفق عليها مع روسيا. تمثلت الاستراتيجية الألمانية للحرب على جبهتين ضد فرنسا وروسيا بتركيز الجزء الأكبر من جيشها في الغرب على هزيمة فرنسا في غضون أربعة أسابيع، ثمَّ تحويل القوات إلى الشرق قبل أن تتمكن روسيا من التعبئة بالكامل؛ الخطة التي ستعرف لاحقاً بخطة شليفن. في 2 أغسطس طالبت ألمانيا بالمرور الحر عبر بلجيكا، وهو عنصر رئيس لتحقيق انتصار سريع على فرنسا. وعندما رُفض طلبها غزت القوات الألمانية بلجيكا مبكرًا صباح 3 أغسطس وأعلنت الحرب على فرنسا في اليوم نفسه. استندت الحكومة البلجيكية لمعاهدة لندن (1839) وامتثالاً لالتزامات هذه المعاهدة أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في 4 أغسطس، وفي 12 أغسطس أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على النمسا-المجر، وفي 23 منه انضمت إمبراطورية اليابان إلى الحلفاء، واغتنمت الفرصة لتوسيع نفوذها عبر الاستيلاء على الممتلكات الألمانية في الصين والمحيط الهادئ. في 24 أغسطس حققت صربيا انتصارًا كبيرًا على النمسا-المجر في معركة سير. توقَّف التقدم الألماني في فرنسا في معركة المارن، وبحلول نهاية عام 1914 استقرت الجبهة الغربية على حرب استنزاف تميزت بسلسلة طويلة من خطوط الخنادق التي قليلاً ما تغيَّرت حتى عام 1917. على الجبهة الشرقية دخل جيشان روسيان شرق بروسيا في 17 أغسطس بناءً للاتفاق مع فرنسا عام 1912 بمهاجمة ألمانيا خلال 15 يومًا من التعبئة. أجبر الألمان على تحويل قوات من الغرب، لكنهم نجحوا في صدِّ هذا الغزو بانتصارٍ في معركة تاننبرغ ومعركة بحيرات ماسوريان الأولى، ومع ذلك احتل الروس مقاطعة غاليسيا الشرقية في النمسا-المجر. في نوفمبر 1914 انضمت الدولة العثمانية إلى دول المركز، وفتحت جبهات في القوقاز وبلاد الرافدين وشبه جزيرة سيناء. في عام 1915 انضمت إيطاليا إلى الحلفاء وبلغاريا إلى دول المركز، ثم انضمت إلى الحلفاء عام 1916، وبعد إغراق غواصات ألمانية لسبع سفن تجارية أمريكية، والكشف عن محاولة الألمان تحريض المكسيك على شنِّ حربٍ على الولايات المتحدة، أعلنت الولايات المتحدة الحرب على ألمانيا فقط في 6 أبريل 1917. انهارت المقاومة العسكرية الروسية ما سمح بنقل أعداد كبيرة من القوات الألمانية إلى الجبهة الغربية. وفي أبريل 1918 وقعت روسيا على معاهدة برست ليتوفسك مع قوى المركز لتخرج من الحرب. أنهت ثورة فبراير 1917 في روسيا الحكم الاستبدادي القيصري وجاءت بالحكومة المؤقتة، لكن استمرار السخط الشعبي على تكلفة الحرب أدى إلى ثورة أكتوبر وإنشاء جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية. كان هجوم الربيع الألماني في مارس 1918 ناجحًا في البداية، لكن الحلفاء حشدوا ودفعوهم مرة أخرى إلى الخلف في هجوم مئة اليوم. في 28 سبتمبر 1918 طلب قادة الجيش الألماني الهدنة، وفي 4 نوفمبر وافقت النمسا-المجر على هدنة فيلا غوستي، ومع قيام الثورة الألمانية (1918–1919) وعدم رغبة الجيش في القتال تخلى القيصر فيلهلم الثاني عن العرش في 9 نوفمبر، ووقعت ألمانيا على هدنة في 11 نوفمبر، والتي عرفت فيما بعد بهدنة كومبين الأولى. نتيجة الحرب استبدلت بالإمبراطوريات الروسية والألمانية والنمساوية-المجرية والعثمانية دول جديدة قائمة على القوميات. فرضت القوى الأربع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا شروطها في سلسلة من المعاهدات المتفق عليها في مؤتمر باريس للسلام 1919. كان الهدف من تشكيل عصبة الأمم هو منع حرب عالمية أخرى، ولكن لأسباب مختلفة فشلت في القيام بذلك. ساهمت الشروط القاسية التي فرضتها معاهدة فرساي على ألمانيا في صعود الحزب النازي ونشوب الحرب العالمية الثانية. غيرت الحرب أجزاء كبيرة من أوروبا والشرق الأوسط بطرق لها تبعات مازالت إلى اليوم.
أصل التسمية
في أكتوبر عام 1914 كتبت مجلة ماكلين الكندية (Maclean's Magazine) «بعض الحروب تُسمِّي نفسها، هذه هي الحرب العُظمى». وهناك اسم آخر نُشر في نيويورك أوائل شهور الحرب كان بعنوان الحرب العالمية. استُخدم اسم الحرب العالمية الأولى لأول مرة في سبتمبر عام 1914 من قبل الفيلسوف الألماني إرنست هيكل حيث قال: «لا يوجد شك في أن خشية مسار وطابع الحرب الأوروبية سوف يكوِّن الحرب العالمية الأولى بالمعنى الكامل للكلمة». ذُكر اسم الحرب العالمية الأولى أيضًا عام 1920 من قبل المؤرخ والصحفي الإنجليزي تشارلز ريبنغتون. أسماء الحرب العالمية الأولى في الدول التي امتدت بها الحرب:
بالألمانية: Erster Weltkrieg (نقحرة: إياستا ڤيلتكغيگ) بالفرنسية: Première Guerre mondiale (نقحرة: پغيميه گيه مونديال) بالروسية: Первая мировая война (نقحرة: Pervaya mirovaya voyna؛ پيرڤي ميراڤاي ڤاينا) باليونانية: Α΄ Παγκόσμιος Πόλεμος (نقحرة: A΄ Pankósmios Pólemos؛ پروتس پانكوزميوس پولَميوس) بالصربية: Први светски рат (نقحرة: Prvi svetski rat؛ پرڤي سڤيتيكي رات) بالبلغارية: Първа световна война (نقحرة: Pŭrva svetovna voĭna؛ پورڤه سڤيتوڤنه ڤوينا) بالإيطالية: Prima guerra mondiale (نقحرة: پريما گويره موندياله) بالتركية العثمانية: حرب عمومی (نقحرة: حرب عمومي) بالرومانية: Primul Război Mondial (نقحرة: پريمول رازبوي مونديال) بالصينية: 第一次世界大战 (نقحرة: Dì yī cì shìjiè dàzhàn؛ دي ييّْ سو شيتي داجان)
الدوافع
=== التحالفات السياسية والعسكرية === قامت الدول الأوروبية الكبرى في القرن 19 بجهد كبير للحفاظ على توازن القوى في جميع أنحاء أوروبا ما أدى إلى شبكة معقدة من التحالفات السياسية والعسكرية في جميع أنحاء القارة بحلول عام 1900. بدأ كل ذلك في عام 1815 تحت مسمى التحالف المقدس بين بروسيا وروسيا والنمسا. في أكتوبر عام 1873 قام المستشار الألماني أوتو فون بسمارك بالتفاوض مع الأباطرة الثلاثة؛ للنمسا-المجر، وألمانيا وروسيا، ولكن الاتفاق فشل لأن النمسا-المجر وروسيا لم تتفقا على سياسة البلقان، ما أدى إلى تحالف الإمبراطورية النمساوية المجرية والألمانية عام 1879 في الحلف المزدوج فيما اعتبر وسيلة لمواجهة النفوذ الروسي في البلقان حيث واصلت الدولة العثمانية الوهن.
سنة 1882 توسع هذا الحلف بانضمام إيطاليا له وأصبح بذلك الحلف الثلاثي. كان بسمارك يحاول جعل روسيا مع ألمانيا لمنع نشوب قتال على الجبهتين الفرنسية والروسية معًا. حينما تُوِّج فيلهلم الثاني قيصرًا لألمانيا اضطر بسمارك للتقاعد وأُلغي نظام التحالفات الذي عمل عليه تدريجيًا. فمثلًا لم يُجدد القيصر معاهدة إعادة التأمين مع روسيا عام 1890. بعد سنتين وُقِّع التحالف الفرنسي الروسي لمواجهة الحلف الثلاثي. عام 1904 وقعت بريطانيا عدة اتفاقات من بينها الاتفاق الودي مع فرنسا، وعام 1907 وقَّعت بريطانيا وروسيا الاتفاق الأنجلو-روسي، وفي حين لم تؤد هذه الاتفاقات لتحالف بريطانيا رسميَّا مع فرنسا وروسيا، لكنها جعلت دخول بريطانيا للأراضي الفرنسية أو الروسية في المستقبل ممكنًا وغدا يُعرف بالوفاق الثلاثي.
=== سباق التسلح === نمت القدرات الاقتصادية والصناعية الألمانية كثيرًا بعد توحيد ألمانيا (1871) بعد الحرب الفرنسية البروسية. استعملت حكومة فيلهلم الثاني منذ منتصف تسعينات القرن هذا الأساس لتكريس موارد اقتصادية كبيرة لبناء البحرية الإمبراطورية الألمانية التي تأسست على يد الأدميرال ألفريد فون تيربيتز في منافسة مع البحرية الملكية البريطانية للتفوق البحري، وبالنتيجة سعت كل دولة إلى بناء سفن رئيسية. مع إطلاق بارجة HMS Dreadnought عام 1906 توسَّعت القدرات الإمبراطورية البريطانية لتفوقها على منافستها الألمانية. اتسع نطاق سباق التسلح في النهاية لجميع أنحاء أوروبا، فجميع القوى الكبرى كرست قاعدة صناعية لإنتاج العتاد والأسلحة اللازمة للصراعٍ في عموم أوروبا. بين عامي 1908 و1913 زاد الإنفاق العسكري من القوى الأوروبية بنسبة 50٪. يظهر الجدول التالي نفقات القوى العظمى على الجيش والبحرية بالمارك الألماني عام 1913.
الصراعات في البلقان
أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الضم العسكري للبوسنة والهرسك فيما عُرف بالأزمة البوسنية (1908–1909) عن طريق ضم الأراضي العثمانية السابقة البوسنة والهرسك التي احتلتها منذ عام 1878 ولم يرض هذا مملكة صربيا ورعاتها؛ القومية السلافية والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في الإمبراطورية الروسية. زعزعت المناورات السياسية الروسية في المنطقة استقرار اتفاقيات السلام. دعي هذا الوضع «برميل بارود أوروبا». في عامي 1912 و1913 وقعت حرب البلقان الأولى بين اتحاد البلقان والدولة العثمانية الضعيفة ونتيجتها ظهرت معاهدة لندن (1913) لإنهاء الحرب، والتي تسببت في تقليص الدولة العثمانية وإنشاء ألبانيا المستقلة في حين توسعت أراضي بلغاريا، وصربيا، والجبل الأسود واليونان. فيما بعد هاجمت بلغاريا كلًّا من صربيا واليونان يوم 16 يونيو 1913 وفقدت معظم مقدونيا لصربيا واليونان، وجنوب دوبروجا لرومانيا أثناء حرب البلقان الثانية التي استمرت 33 يومًا وأدَّى ذلك للمزيد من زعزعة استقرار المنطقة. يعود السبب الحقيقي لنشوب الحرب العالمية الأولى لتحول ميزان القوى بعد حربي البلقان، فقد زاد التقارب بين دول الوفاق الثلاثي؛ إنجلترا وفرنسا وروسيا. امتلكت روسيا التحكم في صربيا وزاد نفوذها في رومانيا، وكان من أهم نتائج حربي البلقان هو نمو صربيا أرضًا وسكانًا وكذلك اشتداد الحركة الصربية داخل صربيا وبين الأقليات الصربية تحت حكم النمسا. بسبب ضعف الدولة العثمانية وجفاء روسيا السياسي مع بلغاريا سمح لها بالتفكير بالاستيلاء على أراضيها ومضائقها البحرية وافتضى هذا حربًا أوروبية، فكان عليها إيجاد مشكلة سياسية إذا أرادت احتلال المضائق فيما كان التسلح يزداد بوتائر سريعة.
مقدمة
حادثة سراييفو
في 28 يونيو 1914 في أثناء زيارة وريث العرش النمساوي الأرشيدوق فرانتس فرديناند وزوجته بسراييفو عاصمة البوسنة والهرسك، تجمعت مجموعة من ستة قتلة في الشارع الذي سيمر به الموكب، والقتلة هم: نيديليكو كابرينوفيك، سيفيتكو بوبوفيتش، محمد باسيك، غافريلو برينسيب، تريفكو غاربيز وفاسو كبريلوفيك من حركة البوسنة الشابة المجهزة من قبل تنظيم اليد السوداء السرية. في الساعة 10:10 صباحًا اقتربت سيارة ولي العهد من الشارع الذي سيمر فيه، فألقى نيديليكو كابرينوفيك قنبلة على سيارة الأرشيدوق المكشوفة وتسبب ذلك في إصابة ضابط الحراسة وعدد من الناس قدِّروا بحوالي 16-20 مصاب. بعد ذلك حاول القتلة الآخرون في اغتياله ولكن سيارة ولي العهد مرت بسرعة من بينهم بعد حادثة القنبلة الأولى. بعد ساعة من هذا الحادث وبعد عودة ولي العهد من مستشفى سراييفو في زيارة لضابط الحراسة المصاب اتخذت قافلة المسير منعطفًا خاطئًا لأحد الشوارع، ومن باب الصدف المقدرة أن غافريلو برينسيب كان واقفًا هناك. أطلق برينسيب طلقتين من مسدسه على ولي العهد فرانتس فرديناند على الوريد الوداجي للأرشيدوق أما الطلقة الثانية فأصابت زوجته صوفي لتكوِّن جرحًا في بطنها. كان رد فعل الشعب النمساوي معتدلًا أو بالكاد كان هناك اختلاف حتى ظُن أن هذه الحادثة لن يكون لها تأثير واضح، وقد كتب المؤرخ البريطاني زبينيك زيمان في وقت لاحق، «كاد هذا الحدث أن يفشل في خلق رد فعل، ففي يومي الأحد والإثنين [28 و29 يونيو] استمعت الحشود في فيينا للموسيقى وشربت الخمر وكأن شيئًا لم يحدث».
تصاعد العنف في البوسنة والهرسك
في سراييفو نفسها شجعت السلطات النمساوية العنف ضد السكان الصرب وظهرت أعمال شغب مناهضة للصرب في سراييفو، وأدَّى هذا إلى قيام الكرواتيين والبوسنيين المسلمين في قتل صربيين اثنين وتضرر العديد من المباني المملوكة من قبل الصرب. وصفت هذه الأحداث بأنها من خصائص البوغروم، وقد أشار الكاتب إيفو أندريتش لهذا العنف بأنه «جنون كراهية سراييفو» "Sarajevo frenzy of hate.". لم تنظم أعمال العنف ضد الصرب في سراييفو فقط بل في العديد من المدن الأخرى للإمبراطورية النمساوية المجرية الكبيرة (في الزمن الحالي هي كرواتيا والبوسنة والهرسك). قامت السلطات النمساوية المجرية في البوسنة والهرسك بسجن وترحيل ما يقرب 5,500 من الصرب البارزين و700 إلى 2,200 منهم مات في السجن، وحكم على 460 من الصرب بالموت وأغلبهم كانوا مسلمين. تأسست ميلشيا خاصة عُرفت باسم (Schutzkorps) قامت بتنفيذ الاضطهاد ضد الصرب.
=== أزمة يوليو === أدى هذا الاغتيال لشهر من المناورات الدبلوماسية بين الإمبراطورية النمساوية المجرية وألمانيا وروسيا وفرنسا وبريطانيا وسميت هذه الأزمة بأزمة يوليو. والاعتقاد الصحيح هو أن المسؤولين الصربين (خاصًة المسؤولين في تنظيم اليد السوداء) كانوا مشاركين في هذه المؤامرة، بسبب رغبتهم في إنهاء التدخل الصربي في البوسنة، فقد سلمت الإمبراطورية النمساوية المجرية إلى مملكة صربيا سلسلة من عشرة مطالب قد رُفضت من أجل إثارة الحرب مع صربيا. وعندما وافقت صربيا على ثمانية فقط من المطالب العشرة أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب في 28 يوليو 1914. لم تكن الإمبراطورية الروسية راغبة في السماح للإمبراطورية النمساوية المجرية أن تقضي على نفوذها في البلقان ودعمًا لمحميتها الصربية منذ فترة طويلة أعطت الأوامر بالتعبئة الجزئية لقواتها بعد يوم واحد في 29 يوليو. وعبَّأت ألمانيا قواتها بعدها بيوم في 30 يوليو، وردت روسيا بإعلان التعبئة الكاملة لقواتها في نفس اليوم أيضًا. فرضت ألمانيا إنذارًا على روسيا عن طريق سفيرها في برلين طالبةً منها تسريح قواتها التي قامت بتعبئتها في غضون 12 ساعة أو مواجهة الحرب. ردت روسيا عليها من خلال تقديم تفاوض على شروط التسريح ولكن ألمانيا رفضت هذا التفاوض معلنة الحرب ضد روسيا في 1 أغسطس. كانت الخطة الحربية لألمانيا؛ خطة شليفن تعتمد على هجوم واسع النطاق على فرنسا للقضاء على التهديد في الغرب، قبل أن يتحول للشرق ضد روسيا. بالتزامن مع التعبئة العسكرية ضد روسيا أصدرت الحكومة الألمانية مطالب بأن تبقى فرنسا محايدة. قاومت الحكومة الفرنسية الضغط العسكري لتبدأ التعبئة العسكرية الفورية وأمرت قواتها على الانسحاب مسافة 10 كم (6 ميل) من الحدود لتجنب أي حادث. 2 أغسطس هاجمت ألمانيا لوكسمبورغ وبعدها بيوم في 3 أغسطس أعلنت الحرب على فرنسا. في 4 أغسطس رفضت بلجيكا السماح للقوات الألمانية أن تعبر حدودها لتصل إلى فرنسا وقد أدَّى هذا الرفض إلى إعلان ألمانيا الحرب على بلجيكا أيضًا. في نفس اليوم 4 أغسطس من عام 1914 أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا بعد «الرد غير المرضي» للإنذار البريطاني الموجه لألمانيا في أن تبقى بلجيكا محايدة.
التقدم المحرز في الحرب
الارتباك بين القوى المركزية
عانت إستراتيجية القوى المركزية من سوء الفهم. كانت ألمانيا قد وعدت بدعم غزو الإمبراطورية النمساوية المجرية لصربيا، ولكن اختلفت التفسيرات عما يعنيه ذلك. فقد استُبدلت خطط نشر الجنود التي تم اختبارها مسبقًا في وقت مبكر في عام 1914. ولكن خطط النشر البديلة لم يسبق أن اختُبرت في مناورات عسكرية. لقد اعتقد قادة الإمبراطورية النمساوية المجرية أن ألمانيا قادرة على تغطية جناحها الشمالي ضد روسيا. كانت سبتمبر بروغرام (Septemberprogramm) خطة ممكنة ومحكمة، بسبب أنها كانت تحتوي على تفصيلٍ لأهداف ألمانيا في الحرب والشروط التي سعت ألمانيا لفرضها على دول الحلفاء. أُوجزت هذه الخطة من قبل مستشار الاتحاد الألماني تيوبالت فون بتمان هولفيغ في الأسابيع الأولى من الحرب حينما ظنت برلين أنها ستهزم فرنسا في غضون أيام، وفي 9 سبتمبر 1914 صاغها له سكرتيره الخاص كورت رايزلير ولكن بسبب سيطرة الدفاعات الفرنسية لم يتم اعتمادها مطلقًا. ولم تُكْتَشَفُ هذه الخطة إلا بعد انتهاء الحرب بوقت طويل من قبل المؤرخ الألماني فريتز فيشر الذي خلَّص إلى أن دوافع ألمانيا لخوض الحرب في المقام الأول كانت بسبب أهداف توسعية.
حملة صربيا
في 12 أغسطس غزت النمسا أراضي صربيا وخاضت قتالًا مع الجيش الصربي في معركة سير ومعركة كولومبارا، وبعد أسبوعين تلقت القوات النمساوية خسائر فادحة في القتال وشهد أول انتصارات الحلفاء الرئيسيين في هذه الحرب وقطعت آمال القوات النمساوية المجرية من تحقيق نصر سريع، ونتيجة لذلك كان على النمسا أن تُبقي قواتها الكبيرة على الجبهة الصربية مضعفةً جهودها ضد روسيا. بعد هزيمتها في غزو صربيا شنت القوات النمساوية المجرية هجومًا آخر على صربيا عبر نهر درينا يوم 7 سبتمبر، ومنها وقعت معركة درينا. هزيمة القوات النمساوية المجرية من قبل القوات الصربية بعد محاولتها الغزو يعد من الانتصارات الكبرى المفاجئة في القرن الماضي. كان في هذه الحملة الصربية أصغر جندي مشارك في الحرب العالمية الأولى ويدعى مومسيلو غافريك الذي وُلد في تربوسنيكا، فقد انضم لشعبة المدفعية رقم 6 من الجيش الصربي عندما كان عمره 8 سنوات بعد أن قتلت القوات النمساوية المجرية والديه، جدته وإخوته السبعة في أغسطس 1914. وعندما أصبح عمره 10 سنوات تم ترقيته إلى رتبة عريف، وفي عمر 11 سنة رُقِّي إلى رتبة رقيب لانس (Lance Sergeant).
القوات الألمانية في بلجيكا وفرنسا
عند اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان الجيش الألماني (يتألف من سبعة جيوش ميدانية) وقد وُضعت نسخة معدلة من خطة شليفن. وسارت هذه الجيوش الألمانية من خلال الدخول لأراضي بلجيكا المحايدة وصولًا للأراضي الفرنسية، قبل التحول جنوبًا لتطويق الجيش الفرنسي على الحدود الألمانية. فمنذ أن أعلنت فرنسا أنها قد تتصرف بحرية كاملة في حال وقوع حرب بين ألمانيا وروسيا، فإنه كان على ألمانيا أن تتوقع إمكانية وقوع هجوم عليها من قبل فرنسا على جبهة واحدة وروسيا من الجهة الأخرى. ولتلبية مثل هذا السيناريو فقد ذكر في خطة شليفن أنه يجب على ألمانيا هزيمة فرنسا بسرعة (كما حصل في الحرب الفرنسية البروسية (1870–1871)) واقترح هذا لتكرار انتصار سريع في الغرب وأنه على ألمانيا أن لا تهاجم من خلال التضاريس الصعبة لإقليم الألزاس واللورين (التي كان لها حدود غربية مباشرة من نهر الراين)، بدلًا من ذلك فقد كانت الفكرة هي محاولة قطع الطرق المؤدية لباريس من بحر المانش أو أي مساعدة بريطانية للإستيلاء على باريس وبالتالي كسب الحرب، وبعد ذلك تُنقل الجيوش خلال الشرق لمواجهة روسيا. كان يُعتقد أن روسيا كانت في حاجة إلى فترة طويلة لتعبئة قواتها قبل أن تصبح مهددة من قبل السلطات المركزية.
كانت الخطة الألمانية الوحيدة الموجودة في حال شنها أي حرب هو أن يسير الجيش الألماني عبر بلجيكا. لقد أرادت ألمانيا أن تكون بلجيكا مرافقة لها (وقد عُرض هذا على القيصر فيلهلم الثاني ولكن القيصر رفضها) حتى يستطيع الجيش الألماني غزو فرنسا. ولكن بلجيكا المحايدة رفضت هذا العرض لذا وبدلًا من أن يتم غزو فرنسا أصبح لابد للألمان غزو بلجيكا لكي يستمروا في خطتهم. أرادت فرنسا هي الأخرى وضع قواتها داخل الأراضي البلجيكية ولكن بلجيكا رفضت هذا العرض أيضًا منعًا من أن يكون هناك أي اقتتال في الأراضي البلجيكية. في النهاية وبعد أن غزت ألمانيا بلجيكا ووقعت أولى معارك الحرب العالمية الأولى وهي معركة لييج (4-16 أغسطس 1914)، حاولت الأخيرة الانضمام إلى القوات الفرنسية ولكن الجزء الكبير من القوات البلجيكية في أنتويرب أُجبرت على الإستسلام في ظل انعدام وجود أمل لأي مساعدة في 9 أكتوبر. دعت الخطة الألمانية أن يتقدم الجيش للجانب الأيمن حتى يتجنب الجيوش الفرنسية (والتي تركزت على الحدود الفرنسية الألمانية، وترك الحدود البلجيكية دون أي اهتمام للقوات الفرنسية) ومن ثم التقدم نحو باريس. نجح الألمان في البداية ولاسيما في معركة الحدود (14–24 أغسطس). في 12 سبتمبر كانت فرنسا قد أوقفت التقدم الألماني بمساعدة من قوات المشاة البريطانية في معركة المارن الأولى (5–12 سبتمبر) شرق باريس، مما دفع الجيش الألماني للانسحاب إلى الخلف مسافة 50 كم (31 ميل). دلَّت الأيام الأخيرة لهذه المعركة على نهاية المناورات الحربية في الناحية الغربية. هاجم الفرنسيون جنوب ألزاس وفي 20 أغسطس وقعت معركة ميلوز ولكن الانتصار فيها كان انتصارًا محدودًا. بينما كانت ألمانيا منشغلة مع فرنسا انتهز الروس هذه الفرصة وأرسلوا جيشين في الشرق ودخلوا عمق الأراضي الألمانية في شرق بروسيا لتطويق القوات الألمانية وهذا قد فاجأ القادة الألمان الذين لم يتوقعوا أن يتقدم الروس بهذه السرعة. نُقل الجيش الميداني رقم 8 عن طريق السكك الحديدية في جميع أنحاء الإمبراطورية الألمانية بسرعة من دوره السابق لغزو فرنسا إلى شرق بروسيا. كان قائد هذا الجيش باول فون هيندنبورغ قد هزم الروس في عدد من المعارك من ضمن المعارك التي انتصر فيها معركة تاننبرغ (17 أغسطس – 2 سبتمبر) بعدما حاصر الألمان الروس فيها وانتصروا. إن فشل الغزو الروسي تسبب في جعل القوات الألمانية الجديدة تذهب نحو الشرق وهذا سمح لانتصار الحلفاء في معركة تكتيكية هي معركة المارن الأولى. لم يستطع دول المركز تحقيق انتصار سريع في فرنسا لذا أُجبروا على خوض حرب في الجبهتين. حارب الجيش الألماني بطريقة دفاعية داخل فرنسا ولكنه أصيب بعجز دائم أكثر بـ 230,000 مرة مما خسرته القوات الفرنسية والبريطانية. وتسببت مشاكل الاتصالات والقرارات المشكوك في نجاحها التي صُدرت من القيادة الألمانية فرصة الفوز المبكر في هذه الحرب.
مسرح آسيا والهادئ
في 30 أغسطس 1914 احتلت نيوزيلندا ساموا الألمانية (حاليًا ساموا الغربية). في 11 سبتمبر نزلت البحرية الأسترالية وقوة المشاة العسكرية في جزيرة نيو بوميرن (حاليًا تسمى جزيرة نيو بريتين) التي كانت تشكل جزءًا من غينيا الجديدة الألمانية والتي كانت مستعمرة من قبل الألمان. في 28 أكتوبر أغرقت البارجة الألمانية SMS Emden الطرَّاد جيمشوغ الروسي (الروسية: Zhemchug) -أي اللؤلؤة في اللغة العربية- في معركة بينانق. استولت اليابان على إحدى مستعمرات الألمان وهي ميكرونيسيا بعد حصار تسينغتاو. تزود الألمان بما يحتاجونه من الفحم في ميناء تشينغداو الواقع في شبه جزيرة شاندونغ. بينما رفضت فيينا سحب الطراد النمساوي المجري SMS Kaiserin Elisabeth من تشينغداو وأعلنت الإمبراطورية اليابانية الحرب ليس فقط على ألمانيا وحسب بل أيضًا على الإمبراطورية النمساوية المجرية. شاركت هذه السفينة في الدفاع عن تشينغداو إلى أن غرقت في نوفمبر 1914. على مدى أشهر كانت قوات الحلفاء قد استولت على جميع الأراضي الألمانية في المحيط الهادئ عدا عدد قليل من المعاقل الألمانية في غينيا الجديدة قد بقيت تحت سلطة الألمان.
الحملات الأفريقية
إحدى أول الاشتباكات في أفريقيا كانت بمشاركة القوات البريطانية والفرنسية والألمانية. في 6–7 أغسطس غزت القوات الفرنسية والبريطانية المحميتان الألمانيتان توغولاند والكاميرون الألمانية. في 10 أغسطس هاجمت القوات الموجودة في جنوب غرب أفريقيا الألماني جنوب أفريقيا، وقد استمر هذا القتال الشرس والمتقطع في عدد من الأوقات إلى نهاية الحرب. قوات الإستعمار الألمانية في شرق أفريقيا الألماني بقيادة الكولونيل بول فون ليتو فوربيك حاربت حرب العصابات خلال الحرب العالمية الأولى ولم تستسلم هذه القوات إلا بعد أسبوعين بسبب الهدنة التي تم الاتفاق عليها في أوروبا.
الدعم الهندي للحلفاء
خلافًا للمخاوف البريطانية من قيام ثورة في الهند فقد كان لاندلاع الحرب العالمية تأثير غير مسبوق من ولاء وحسن النية تجاه بريطانيا من قبل الهندوس. فقد حرص القادة السياسيون وعدد من رؤساء حزب المؤتمر الوطني الهندي على دعم بريطانيا في حربها. لأنهم اعتقدوا أن الدعم القوي لجهود الحرب من شأنه أن يخدم القضية الهندية. وفي الحقيقة أن جيش الهند البريطاني قد فاق الجيش البريطاني في العدد؛ كان عددهم 1,3 مليون جندي هندي وعمال خدموا في أوروبا، أفريقيا والشرق الأوسط، في حين أرسلت كلًا من الحكومة المركزية والولاية الهندية كميات كبيرة من الطعام والمال والذخيرة. عمومًا خدم 140,000 من الجنود على الجبهة الغربية وحوالي 700,000 في الشرق الأوسط. بلغ مجموع الخسائر من الجنود الهنود الذين قتلوا خلال الحرب العالمية الأولى 47,746 أما الجرحى فقد بلغ عددهم 65,126. بسبب المعاناة الناجمة عن الحرب إضافًة إلى فشل الحكومة البريطانية في منح الحكم الذاتي للهند بعد انتهاء القتال قد ولَّد خيبة أمل للهنود ودفعهم ذلك إلى القيام بحركة استقلال الهند تحت قيادة المهاتما غاندي وآخرون.
الجبهة الغربية
بداية حرب الخنادق
شهدت الحرب مرحلتين عرفت الأولى بحرب الحركة والثانية بحرب الخنادق، وفي حرب الحركة امتازت التحركات العسكرية في خلال هذه الفترة بسرعة الحركة على كل الجبهات، وخلال حرب الخنادق اتَّخذت الحرب على الجبهتين الغربية والروسية خاصة طابع الثبات في المواقع وقامت الجيوش المتقابلة على الجبهات بحفر الخنادق وتحصينها وتجهيزها مستخدمة في مواجهاتها أسلحة جديدة مثل الدبابات والطائرات. كانت التكتيكات العسكرية قد فشلت قبل الحرب العالمية الأولى في مواكبة التقدم والتطور التكنلوجي ولكن بعد اندلاع الحرب أصبح لتطور أنظمة الدفاع تأثير قوي، وكانت الأسلاك الشائكة تمثل عقبة كبيرة في تقدم الجنود المشاة وأصبحت المدفعية أكثر فتكًا مما كانت عليه في عقد 1870 إضافًة إلى اقترانها بالرشاشات الذي جعل من عبور الأراضي المفتوحة في غاية الصعوبة. فشل قادة كلا الجانبين في تطوير تكتيكات حربية في حرب الخنادق دون أن تكون هناك خسائر فادحة. ومع ذلك فقد بدأت التكنولوجيا اللازمة لإنتاج أسلحة هجومية جديدة منها الغازات السامة والدبابات.
بعد معركة المارن الأولى (5–12 سبتمبر 1914) سعت قوات الوفاق الثلاثي والقوات الألمانية بتطويق الآخر من خلال المناورات الحربية في الشمال وسُمِّيت هذه العمليات الحربية بالسباق نحو البحر. سرعان ما فشلت جهود الالتفاف عندما وجدتا بريطانيا وفرنسا نفسيهما تواجهان خندق من القوات الألمانية الراسخة من دوقية لورين إلى الساحل البلجيكي. سعت بريطانيا وفرنسا للهجوم في حين اتخذت ألمانيا موقف الدفاع عن الأراضي المحتلة. وبناءً على ذلك فقد كانت الخنادق الألمانية المشيدة أفضل بكثير من خنادق أعدائها؛ فقد كانت خنادق الأنجلو الفرنسية مشيهَدة بشكل مؤقت قبل أن تتحطم من قبل قوات الدفاع الألمانية. فالجيش الألماني قد استفاد من دراسة حرب البوير (1899-1902) والحرب الروسية اليابانية (1904-1905) حول وجود أهمية التحصينات الميدانية، لذا أنشأ الألمان خنادقهم في منتصف سبتمبر من عام 1914 حماية لجيوشهم في مدينة ريمس شمال فرنسا. وقعت معركة إيبر الأولى (19 أكتوبر – 22 نوفمبر 1914) بين القوات الألمانية وقوات الحلفاء في إيبر ببلجيكا وانتهت هذه المعركة بانتصار قوات الحلفاء، وقد تم الكشف عن انسحاب القوات الألمانية في 20 نوفمبر. منذ الشهور الأولى لبداية الحرب أدَّت الاتفاقيات الغير رسمية والغير معلنة بين الوحدات المتقابلة لوضع قيود على سفك الدماء. واعتمدت مثل هذه الاتفاقيات على عوامل متعددة، فلا تكون أي وحدة تدخل إلى أرض المعركة متيقنة من أنها ستطبق مثل هذا القيد. فقد كانت مواجهة وحدة خاصة من وحدات العدو أو أي وحدة تحت إمرة قائد عدواني أو وحدة خاضعة لمراقبة مشددة من سلطة عليا كفيلة بمنع هذه الهدن الجزئية من الحدوث. ومع ذلك وجد الجنود على كلا الجانبين من الأرض المُحايدة السبب والفرصة لعقد مثل هذا الحلف الهادئ مع العدو. فكل جندي كان يُدرك أن قصف خنادق الاتصالات التابعة للعدو وشبكة الطرق المجاورة، خصوصًا في المساء من الممكن أن يُعرقل وصول الغذاء لوحداته. وكان من المؤكد أن هذا الأمر يُثير ردود فعل انتقامية لعرقلة إمدادات الجانب الآخر. كما كان إطلاق النار على مواقع العدو في ساعات ما بعد الفجر يُعرِّض الجنود الذين يذهبون للمراحيض للخطر وبالتالي تجنب منع العدو من تلبية احتياجاته يُجبر أن يُظهر له الاعتبار نفسه. في بعض الأوقات فرضت ظروف المناخ القاسية والتضاريس الجغرافية أن يُغضَّ أحد الأطراف النظر عن العدو الغير محصَّن. فعندما تنهار بعض الخنادق تحت وطأة الأمطار والطين، كان الجنود على طرفي الأرض المحايدة يخرجون منها، ربما للجلوس في العراء فحسب، وربما لإصلاح الضرر تحت مرأى العدو.
الإمبراطورية اليابانية
كانت اليابان الدولة الآسيوية الكبيرة التي شاركت في هذه الحرب. هناك دولة أخرى شاركت فيها هي سيام (تايلند) ولكنها لم تلعب إلا دورًا صغيرًا. وكانت اليابان تسعى إلى وراثة الدول الأوروبية في الشرق الأقصى، وحيث أن تحقيق هذا الهدف دفعة واحدة يعتبر من المستحيلات، سعت إلى انتهاز فرصة الأزمات الأوروبية للحصول على مكاسب في الشرق الأقصى. في الأسبوع الأول من بدء الحرب وبسبب الحلف البريطاني الياباني الذي كان بينهما قالت اليابان أنها قد تدخل الحرب إذا حصلت على الجزر الواقعة تحت حكم ألمانيا في المحيط الهادئ. في 4 أغسطس أصدرت بريطانيا أوامرها الرسمية لليابان بتدمير البحرية الإمبراطورية الألمانية في البحر المحيط بالصين. 14 أغسطس 1914 أرسلت اليابان بلاغ نهائي إلى حكومة الصين ولكن لم يحصلوا على رد منهم، بعد ذلك أعلنت اليابان الحرب على ألمانيا في 23 أغسطس.
كانت السوق الصينية الكثيفة بالسكان محط أطماع اليابان، فضلًا عن تطلعها إلى استغلال مناجم الفحم والحديد التي عجز الصينيون عن استغلالها لهذا رأت الحكومة اليابانية أن استمرار الحلف البريطاني مع اليابان يفتح الطريق أمام استيلائها على المناطق التي كانت تسيطر عليها الإمبراطورية الألمانية في الصين في خليج كياوتشاو وشانتونغ بالذات. ولهذه الأسباب أعلنت اليابان الحرب على دولتي الوسط في 23 أغسطس 1914. بعد أن وضعت اليابان يدها على ما كان لألمانيا من مناطق نفوذ في الصين تطلعت إلى التحكم في مقدرات الصين نفسها مستخدمًة في ذلك التهديد باستخدام القوة -وكانت اليابان متفوقة ودول أوروبا مشغولة عنها - والتهديد بإطلاق السياسيين اللاجئين إلى اليابان، وكان باستطاعة هؤلاء أن يثيروا القلاقل في الصين ضد حكم (يوان تشي كاي) الديكتاتوري. وقدمت اليابان في يناير 1915 مذكرة مطولة تفصيلية إلى حكومة الصين تطالب فيها بامتيازات سياسية واقتصادية وعسكرية تجعل الصين - بعد وقت ليس بالطويل - مجرد محمية يابانية. ووقفت حكومة الصين مُهيضة الجناح أمام اليابان رغم مذكرة الاحتجاج البريطاني على مغالاة اليابان في مطالبها تلك، ورغم مطالبة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية من اليابان تجنب تنفيذ المطالب التي تمس استقلال الصين مباشرة. ولهذا كانت الاتفاقيات التي توصلت إليها حكومتا اليابان والصين في 24 مايو 1915 يحفظ ماء وجه الصين من جهة ويعطي لليابان فرصًا واسعة لاستغلال الصين، واضطرت دول الوفاق إلى الموافقة على تلك الاتفاقيات اليابانية الصينية لانشغالها بميادين الحرب في أوروبا وفي الشرق الأوسط؛ بل لقد وعدت بريطانيا اليابان بأن تحصل الأخيرة على الجزر الواقعة تحت يد ألمانيا في المحيط الهادئ.
الحرب عام 1915
في 22 أبريل 1915 وقعت معركة إيبر الثانية، كان الألمان قد انتهكوا اتفاقيتيْ لاهاي 1899 و1907 واستعملوا غاز الكلور للمرة الأولى في الجبهة الغربية. بعد ذلك أصبحت عدة أنواع من الغازات تستخدم من كلا الطرفين وأصبح الغاز هو السلاح المنتصر حتى غدا من أكثر الأسلحة الكيماوية رعبًا في الحرب العالمية الأولى. في 15 سبتمبر 1916 استخدمت الدبابات لأول مرة في القتال من قبل البريطانيين في معركة فليرز كورسيليت هي جزء من هجوم معركة السوم الكبرى) وكان نتيجة ذلك الفوز الجزئي في المعركة وقد نمت فعّالية هذه الدبابات مع تقدم الحرب. استطاع الألمان عام 1915 تحقيق مزيد من الانتصارات على الحلفاء، فألحقوا الهزيمة بالروس في معركة غورليس تارنو (2-10 مايو 1915)، كانت هذه المعركة هي الحاسمة على الجبهة الشرقية، لأن الألمان استطاعوا احتلال بولندا ومعظم مدن لتوانيا، وحاولوا قطع خطوط الاتصال بين الجيوش الروسية وقواعدها للقضاء عليها، إلا أن الروس حققوا بعض الانتصارات الجزئية على الألمان ولكن انتصارهم الجزئي كلفهم 325000 أسير، الأمر الذي لم يتمكن بعده الجيش الروسي من استرداد قواه، وأدَّى النجاح الألماني على الروس إلى إخضاع البلقان، وعبرت القوات النمساوية والألمانية نهر الدانوب لقتال الصرب وألحقوا بهم هزيمة قاسية، واستطاع الألمان في ذلك العام أن يحققوا انتصارات رائعة على بعض الجبهات، في حين وقفت الجبهة الألمانية ثابتة أمام هجمات الجيشين الفرنسي والبريطاني رغم ظهور الانزعاج في الرأي العام الإنجليزي من نقص ذخائر الجيش البريطاني ومطالبته بتكوين وزارة ائتلافية وحدوث تغييرات في القيادة العسكرية الروسية. وفي 23 مايو 1915 أعلنت إيطاليا الحرب على الإمبراطورية النمساوية المجرية تنفيذًا لبنود اتفاقية لندن التي وعد من خلالها الحلفاء إيطاليا بالحصول على مكاسب حدودية في حال حققوا الانتصار على دول المحور.
