Military figures

فخري باشا

سياسي عثماني

عمر فخر الدين باشا (1868 – 22 نوفمبر 1948)، المعروف بـفخري باشا (بالتركية: Fahreddin Paşa)، واتخذ بعد صدور قانون الألقاب في تركيا لقب توركان (Türkkan)، ضابط عثماني تركي ودبلوماسي، اشتهر بدفاعه عن المدينة المنورة عندما قامت القبائل العربية بمساعدة بريطانيا بمحاصرتها في الحرب العالمية الأولى، استمر فخر الدين باشا في الدفاع عن المدينة المنورة رغم نقص المؤن وانقطاع خطوط الإمداد، من يونيو 1916 حتى يناير 1919، أي بعد نحو شهرين ونصف من توقيع هدنة مودروس التي أنهت مشاركة الدولة العثمانية في الحرب. كما قام بنقل نُقلت الأمانات النبوية المقدسة إلى إسطنبول تحت حراسة ألفي جندي، خشية تعرضها للنهب على أيدي المتمردين. وبعد توقيع هدنة مودروس في 30 أكتوبر 1918، رفض فخر الدين باشا كل أوامر تسليم المدينة، وواصل الدفاع عنها رغم انتهاء الحرب بالنسبة إلى الخلافة العثمانية. وانتهت المقاومة في 10 يناير 1919، حين اعتُقل فخر الدين باشا على يد بعض ضباطه وجنوده تحت ضغط الظروف المحيطة بالمدينة، إلى أن دخلت قوات الشريف عبد الله المدينة في 13 يناير 1919. يُلقَّب فخر الدين باشا في تركيا بـ«مُدافع المدينة» (Medine Müdafii)، وقد لقبه البريطانيين بـ «نمر الصحراء»، ويُعرف أيضًا بـ«النمر التركي». وبعد الحرب نُقل أسيرًا مع جنوده إلى مصر ثم إلى مالطا، ثم انضم إلى حركة المقاومة التركية في حرب الاستقلال وعمل سفيرًا لتركيا في كابل.

== مولده وحياته المبكرة == هو عمر فخر الدين بن محمد ناهد بن عمر، الشهير بـ (فخري باشا) ولد في مدينة روسجوك العثمانية (روسه حاليًا في بلغاريا) سنة 1868م، وُلد في روسجوك (روسه حاليًا في بلغاريا) لأب هو محمد ناهد أفندي وأم هي فاطمة عادلة هانم. وانتقلت أسرته إلى إسطنبول بعد الحرب العثمانية الروسية، المعروفة بـ«حرب 93 مارت» (نسبة إلى عام 1293 هجري/رومي).

== سيرته == التحق بالمدرسة الحربية في الآستانة وتخرج منها عام 1888م، وكان الأول على زملائه، ثم أتمّ دراسته في كلية الأركان الحربية (بالتركية: Erkân-ı Harbiye Mektebi) عام 1891، وحصل على دورات ملازمي الفرسان وأركان حرب، والتحق بالجيش العثماني برتبة نقيب أركان حرب. وعمل في الجيش الرابع في إزرنجان، وكان متميزًا في عمله، رقي عام 1908م إلى رتبة وكيل رئيس أركان الجيش الرابع، وشارك في حرب البلقان، أسهم بنجاحه في الدفاع عن تشاتالجا في استعادة مدينة أدرنة، وفي مطلع الحرب العالمية الأولى كان موجودًا في الموصل برتبة ميرالاي (عقيد)، قائدًا للفيلق الثاني عشر التابع للجيش الرابع. وفي 25 نوفمبر 1914، رُقّي إلى رتبة ميرليوا (لواء). وفي 26 يناير 1915 عين وكلاً لقائد الجيش العثماني الرابع المرابط في سورية، إضافةً إلى مهامه قائدًا للفيلق الثاني عشر. وهناك، عمل من جهة على إسكان الأرمن الذين خضعوا للترحيل، ومن جهة أخرى قمع الانتفاضات الأرمنية في أورفة وزيتون (Süleymanhı حالياً) هاجين (Saimbeyli حالياً) وموسى داغ Musa Dagh بالأسكندرون. ثم كُلِّف بالسفر إلى المدينة المنورة للوقوف على أحوالها، فأرسله جمال باشا، قائد الجيش الرابع، في 28 مايو 1916، بعد ورود أنباء عن استعداد شريف مكة الحسين بن علي للتمرد على الخلافة العثمانية عقب اتفاقه مع البريطانيين. ووصل فخر الدين باشا إلى المدينة في 31 مايو 1916، وأبلغ قيادته بأن الشريف حسين يستعد لإعلان التمرد خلال أيام. وفي 3 يونيو 1916، بدأ الشريف حسين وأبناؤه الأربعة التمرد بتخريب خطوط السكك الحديدية والتلغراف المحيطة بالمدينة المنورة، ثم هاجموا المخافر العثمانية ليلة 5–6 يونيو، لكن القوات العثمانية صدّتهم. وفي 15 يوليو 1916، عُيّن فخر الدين باشا قائدًا لقوات الحملة العسكرية في الحجاز، التي أُلحقت بالجيش الرابع وعُزّزت بوحدات إضافية. وتمكّنت قوات التمرد من السيطرة على جدة ومكة والطائف، بينما بقيت المدينة المنورة تحت الدفاع العثماني بقيادته. وأنشأ فخر الدين باشا حزامًا أمنيًا حول المدينة امتد نحو 100 كيلومتر، إلا أن استمرار العمليات العسكرية على جبهة قناة السويس حال دون إرسال تعزيزات كافية إلى الحجاز. فثبت في المدينة المنورة قائداً لحملة الحجاز في 17 يوليو 1916م وأضيف إليه منصب محافظ المدينة المنورة في 28 أبريل 1917م، وأدار العمليات العسكرية التي قاومت قوات الشريف حسين وحلفائه حتى سقوط تركيا بيد الحلفاء وتوقيع هدنة رودس في 30 أكتوبر 1918م.

== فخري باشا حاكم المدينة المنورة == بدأ التمرد في أوائل يونيو 1916 بتخريب سكة حديد الحجاز وخطوط البرق حول المدينة، وهاجم الثوار مخافرها ليلة 5–6 يونيو فصدّتهم القوات العثمانية بفضل ما اتخذه فخري باشا من تدابير. وتذكر المصادر أن عدد الثوار بلغ في البداية نحو 50 ألفًا، مقابل نحو 12 ألف جندي عثماني في الحجاز كله. وشنّ فخري باشا هجومًا مضادًا هزم فيه جماعات من المتمردين في مواقع قرب المدينة في 27 يونيو، ثم عُيّن قائدًا لقوة الحجاز الاستكشافية (Hicaz Kuvve-i Seferiyesi) في يوليو 1916. وفي الوقت نفسه سقطت جدة في 16 يونيو بدعم من سفينتين حربيتين بريطانيتين وطائرات بريطانية، ثم مكة في أوائل يوليو، وينبع في 26 يوليو، والطائف في أواخر سبتمبر، فلم يبق بيد العثمانيين في الحجاز مركز كبير سوى المدينة المنورة. وتعزو المصادر سقوط مكة إلى سوء تدبير واليها غالب باشا. ولم يكن ممكنًا إرسال تعزيزات إلى الحجاز لانشغال الجيش العثماني بحملة قناة السويس. وتلقى المتمردون البدو دعمًا بريطانيًا وفرنسيًا. حيث تمثّل الدعم البريطاني في عشرات الضباط والخبراء العسكريين وعناصر الاستخبارات الذين عملوا مع قوات الشريف حسين، فضلًا عن الدعم المالي والتسليحي. وكان الشريف حسين قد طلب في 11 ديسمبر 1916 إرسال ست كتائب بريطانية، قوام كل منها نحو 500 جندي، بإجمالي 3,000 جندي، فضلاً عن الدعم الفرنسي في قوات بعثة عسكرية فرنسية عرفت بـ «بعثة الحجاز الفرنسية» بقيادة الجنرال الفرنسي إدوار برمون (Édouard Brémond) والتي شكلت دعماً مهماً للقوات الهاشمية، وبلغ قوامها في مارس 1917 نحو 47 ضابطاً و1127 جندياً فرنسياً. أقام فخري باشا حزامًا أمنيًا بعمق نحو 100 كم حول المدينة بحلول 29 أغسطس 1916، بعد أن طهّر مواقع منها بئر عباس وبئر الروحاء من الثوار. وخاضت قواته بين أكتوبر 1916 ويناير 1917 معارك جنوب المدينة ضد قوات فيصل وعلي، ونجح العثمانيون فيها دفاعًا وهجومًا. وركزت القوات الهاشمية، بمشورة ضباط بريطانيين منهم ت. إ. لورنس (الشهير بـ لورنس العرب)، على الإغارة على سكة حديد الحجاز، وصمدت الحاميات العثمانية في محطاتها الصغيرة المعزولة أمام نحو 130 هجوماً كبيراً في عام 1917 ومئات الهجمات في عام 1918، منها تفجير أكثر من 300 قنبلة في 30 أبريل 1918. وأسهمت الإمدادات والمساندة البريطانية في تقدم قوات الشريف حسين، بينما تعذر على القيادة العثمانية إرسال تعزيزات كافية إلى الحجاز بسبب استمرار العمليات العسكرية على جبهة فلسطين. وبذلك فقدت الخلافة العثمانية معظم المراكز الرئيسية في الحجاز، باستثناء المدينة المنورة التي واصل فخر الدين باشا الدفاع عنها. ومع تدهور خطوط الإمداد، وتزايد العزلة العسكرية، ونقص الغذاء، تفاقمت صعوبة الدفاع عن المدينة. ومع ذلك، واصل فخر الدين باشا المقاومة، رافضًا التخلي عن المدينة المنورة. وبعد هدنة مودروس في 30 أكتوبر 1918، استمر في الدفاع، قبل أن تنتهي المقاومة في يناير 1919، عندما وافق على التسليم تحت ضغط ضباطه والظروف العسكرية والإنسانية المتدهورة.

== الأوضاع داخل المدينة == بعد أن تقرر إخلاء المدينة غادرها شريف مكة العثماني المعيّن حديثًا الشريف حيدر باشا ومعه أسرته، وتبعه نحو 3–4 آلاف من سكانها، ولعب القطار في سكة حديد الحجاز دورًا كبيرًا في نقل المدنيين إلى بلدان آمنة، وطوع موظفوا الخط الحديدي أنفسهم لهذا العمل كخدمة إنسانية بلا مقابل، فأمر فخر الدين الباشا بإحكام إقفال منازلهم ووضع الأختام على أبوابها صوناً لها ولمحتوياتها حتى عودة أصحابها. وبعد سقوط محطة المدورة حوصرت المدينة وشاع فيها الجوع والمرض بين الجنود والأهالي. وينقل علي فؤاد أردن، رئيس أركان الجيش الرابع، أن الجراد كان يغزو المدينة فاستُعين به للمساعدة على إطعام الحامية، وأن «سلطة الجراد» أُدرجت رسميًا في مائدة مقر قيادة قوة الحجاز، وكان فخري باشا يأكلها مع ضباطه. وكان يموت يوميًا من الدواب ما بين 8 و10 رؤوس لقلة العلف. ثم أضيف إلى ذلك انتشار الإنفلونزا الإسبانية، وقصف محطات اللاسلكي المقابلة فانقطعت الاتصالات؛ وقال رئيس أركانه بالوكالة إن نحو 150 جنديًا يموتون يوميًا من المرض.

== مصيره بعد الحرب == بعد توقيع هدنة مودروس في 30 أكتوبر 1918، التي أنهت مشاركة الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، رفض فخر الدين باشا الاستسلام رغم أن المادة 16 من الهدنة نصّت على تسليم الحاميات العثمانية في الحجاز وعسير واليمن. وألقى القبض على الضابط العثماني الذي أرسلته الحكومة لإبلاغه بأمر التسليم، كما رفض الاستجابة للضغوط البريطانية وللأمر السلطاني الذي حمله ناظر العدلية العثماني حيدر ملا. ومع استمرار الحصار، تفاقمت معاناة الحامية بسبب الجوع والمرض ونقص الإمدادات، وبدأت وحدات من الجنود بالتمرد ومغادرة مواقعها، الأمر الذي أضعف خطوط الدفاع. وأصدر فخر الدين باشا بيانات يحث فيها جنوده على الصبر والثبات، لكنه لم يتمكن من وقف الانهيار. وأمام إصراره على رفض التسليم، شكّل ضباط الحامية لجنة قررت استبداله بعلي نجيب بك والقبض عليه، ويشتبه بضلوع بريطاني في ذلك، حيث تشير وثيقة أرشيفية بريطانية تتناول الأيام الأخيرة من حصار المدينة. وتذكر أن رئيس أركان فخر الدين باشا، أمين بك، غادر موقعه، وأنه تواصل سراً مع الضابط ضياء، في سياق المحاولات الرامية إلى إنهاء مقاومة فخر الدين باشا . وفي 10 يناير 1919، وبعد التوصل إلى شروط التسليم، رفض فخر الدين باشا مغادرة موقعه، واتجه إلى مدرسة قريبة من الروضة الشريفة، حيث استلقى في فراشه وأعلن أنه لن يذهب إلى أي مكان. عندئذ حضر نائبه نجيب بك وعدد من الضباط والجنود، وأمسكوا به وقيّدوه واقتادوه إلى خيمة أُعدّت له في معسكر قوات عبد الله الأول بن الشريف حسين في بئر درويش (الفريش). وبذلك انتهت مقاومته فعليًا، ودخلت قوات عبد الله المدينة المنورة في 13 يناير 1919. نُقل بعد ذلك فخري باشا أسيرًا إلى مصر (27 يناير 1919) مع 8000 ضابط وجندي عثماني، هم آخر من تبقى من قوات الحجاز العثمانية البالغة 12 ألف ببداية الحرب، بعد أن استُشهد أغلب زملائهم. ثم نُفي إلى مالطا (أغسطس 1919) لمدة ثلاث سنوات، وحكمت عليه محكمة عسكرية في إسطنبول بالإعدام غيابيًا، ثم أفلت من مالطا في أبريل 1921 بجهود حكومة أنقرة عاد بعدها إلى الأناضول وانضم إلى حركة المقاومة التركية، وعُيّن سفيراً في كابول، وتقاعد برتبة لواء عام 1936.

== عودة أهالي المدينة == في الحقيقة ليس كل أهالي المدينة الذين خرجوا منها بسبب الحصار والمجاعة كانوا قد عادوا إليها، إذا إن بعضهم قد فقد أو مات في دار هجرته، أو فضل البقاء هناك، أو عجز على العودة إلى بلاده، وفقد كثير من الأهالي أموالهم، وجدوا بيوتهم منهوبة، علي يد قوات الثورة العربية الكبرى بقيادة الأمير عبد الله الأول بعد أن دخلوها في 13 يناير 1919، والتي قامت بنهب واستباحة المدينة المنورة بالكامل نهباً وسرقة على مدار 12 يوم جرى خلالهم سرقة 4850 منزلاً .

== الأمانات النبوية == حين قررت الحكومة العثمانية إخلاء أجزاء من الحجاز، في ظل اشتداد غارات القبائل العربية على المواقع العثمانية، وتعذّر إرسال تعزيزات كافية إلى المدينة المنورة، اقترح فخر الدين باشا نقل المقتنيات النبوية (أو الأمانات المقدسة) المحفوظة عند الحجرة النبوية إلى إسطنبول، خشية تعرضها للنهب والسرقة مع تدهور الأوضاع العسكرية وانقطاع طرق الإمداد، وهي عبارة عن مجموعة نفيسة من الهدايا والتحف التي أهداها الخلفاء والسلاطين المسلمين والأمراء على مر العصور. وبينما كانت المدينة تواجه حصارًا متزايدًا، أصبحت حماية تلك الممتلكات النبوية والتراث الإسلامي من أخطار الحرب مسألة ملحّة. وافقت الحكومة العثمانية على اقتراحه بشرط أن يتحمل المسؤولية عن العملية، فشكّل فخر الدين باشا لجنة تولّت فحص الأمانات وتسجيلها قطعةً قطعة. وأُرسلت 30 قطعة من الأمانات المقدسة إلى إسطنبول تحت حراسة ألفي جندي عثماني، في عملية هدفت إلى صونها من خطر النهب أو الاستيلاء عليها خلال الحرب . ولم يكن هذا الإجراء منفصلًا عن دفاعه المستميت عن المدينة المنورة؛ فقد واصل فخر الدين باشا المقاومة نحو عامين وسبعة أشهر، رغم تراجع الإمدادات والضغوط العسكرية، ورفض مغادرة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهولة. وقد ارتبط اسمه في الذاكرة الإسلامية بالدفاع عن المدينة وبحماية الحجرة النبوية الشريفة ومقتنياتها. ولا تزال الأمانات النبوية محفوظة حتى اليوم في قصر طوب قابي بمدينة إسطنبول التركية، وتحديدًا في «غرفة الأمانات المقدسة»، حيث تحظى بعناية كبيرة باعتبارها من أهم المقتنيات الإسلامية التاريخية. ومعروضة للسياح المسلمين تقديرًا لقيمتها الدينية والتاريخية وارتباطها بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا بقيت هذه الأمانات محفوظة في إسطنبول، شاهدةً على مرحلة عصيبة من تاريخ المدينة المنورة، وعلى الجهود التي بُذلت للحفاظ عليها من أخطار الحرب. وفي ديسمبر 2017، أعاد وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد نشر تغريدة تتهم فخر الدين باشا بنهب ممتلكات أهل المدينة ومخطوطات مكتبتها المحمودية. فردّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مؤكدًا أن نقل الأمانات النبوية لم يكن سرقة، بل إجراءً لحمايتها من قوات الغزو. كما احتجت وزارة الخارجية التركية رسميًا على التغريدة واستدعت القائم بالأعمال الإماراتي .

== وفاته == توفي في 22 نوفمبر 1948م عن عمر يناهز 79 عاما في اسطنبول ودفن بناءً على طلبه في قلعة (روملي حصار)

== انظر أيضا == حصار المدينة المنورة خلال الحرب العالمية الأولى

مراجع

== وصلات خارجية == مركز بحوث ودرسات المدينة المنورة

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗