Military figures

جمال عبد الناصر

الرئيس الثاني لجمهورية مصر من 1956 إلى 1970

جمال عبد الناصر حسين (15 يناير 1918 – 28 سبتمبر 1970) كان سياسيًا وضابطًا عسكريًا مصريًا، شغل منصب الرئيس الثاني لجمهورية مصر من عام 1956 وحتى وفاته عام 1970 وهو قائد الاتحاد العربي الاشتراكي الذي يدعو للوحدة العربية وهو أحد قادة ثورة 23 يوليو التي أطاحت بالملك فاروق (آخر حاكم فعلي من أسرة محمد علي) وحوّلت نظام مصر إلى جمهوريةٍ رئاسية، شغل ناصر منصب نائب رئيس الوزراء في حكومتها الجديدة. قبل الثورة، كان ناصر عضوًا في حزب مصر الفتاة الذي كان ينادي بالاشتراكية. استقال عبد الناصر بعد الثورة من منصبه في الجيش وتولى رئاسة الوزراء، ثم اختير رئيسًا للجمهورية في 25 يونيو 1956، طبقًا لاستفتاء أجري في 23 يونيو 1956. وبعد محاولة اغتياله عام 1954 على يد أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، حظَر التنظيم وقمعه ووضع الرئيس محمد نجيب تحت الإقامة الجبرية وتولى المنصب التنفيذي. أدّت سياسات عبد الناصر غير المنحازة خلال الحرب الباردة إلى توتر العلاقات مع القوى الغربية التي سحبت تمويلها للسد العالي، الذي كان عبد الناصر يخطط لبنائه. رد عبد الناصر على ذلك بتأميم شركة قناة السويس سنة 1956، ولاقى ذلك استحسانًا داخل مصر والوطن العربي. وبالتالي، قامت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل باحتلال سيناء لكنهم انسحبوا وسط ضغوط دولية؛ وقد عزز ذلك مكانة عبد الناصر السياسية بشكل ملحوظ. ومنذ ذلك الحين، نمت شعبية عبد الناصر في المنطقة نموًّا كبيرًا، وتزايدت الدعوات إلى الوحدة العربية تحت قيادته، وتحقق ذلك جزئيا بتشكيل الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا (1958 - 1961). في سنة 1962، بدأ عبد الناصر سلسلة من القرارات الاشتراكية والإصلاحات التحديثية في مصر. وعلى الرغم من النكسات التي تعرضت لها قضيته القومية العربية، بحلول سنة 1963، وصل أنصار عبد الناصر للسلطة في عدة أقطار عربية. دعم عبد الناصر ثورة 26 سبتمبر اليمنية في ذلك الوقت. قدم ناصر دستورًا جديدًا في سنة 1964، وهو العام نفسه الذي أصبح فيه رئيسًا لحركة عدم الانحياز الدولية. بدأ ناصر ولايته الرئاسية الثانية في آذار/مارس 1965 بعد انتخابه بدون معارضة. وتبع ذلك هزيمة مصر من إسرائيل في حرب حزيران سنة 1967. استقال عبد الناصر من جميع مناصبه السياسية بسبب هذه الهزيمة، ولكنه تراجع عن استقالته بعد مظاهرات حاشدة طالبت بعودته إلى الرئاسة. بين سنتي 1967 و1968 عين عبد الناصر نفسه رئيسًا للوزراء بالإضافة إلى منصبه كرئيس للجمهورية، وشن حرب استنزاف لاستعادة الأراضي المفقودة في حرب 1967. وبدأ عملية عدم تسييس الجيش وأصدر مجموعة من الإصلاحات السياسية الليبرالية. بعد اختتام قمة جامعة الدول العربية سنة 1970، توفي عبد الناصر إثر تعرضه لنوبة قلبية. وشيع جنازته في القاهرة أكثر من خمسة ملايين شخص. يعتبره مؤيدوه في الوقت الحاضر رمزًا للكرامة والوحدة العربية والجهود المناهضة للإمبريالية؛ بينما يصفه معارضوه بالمستبد، وينتقدون انتهاكات حكومته لحقوق الإنسان. تعرض عبد الناصر لعدة محاولات اغتيال في حياته، كان من بينها محاولة اغتيال في حي المنشية بالإسكندرية عام 1954م نسبت لأحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وقد نفت الجماعة علاقتها بالحادثة. أمر ناصر بعد ذلك بحملة أمنية ضد جماعة الإخوان المسلمين. يُعتبر ناصر من أبرز شخصيات الشرق الأوسط في القرن العشرين.

النشأة

وُلد جمال عبد الناصر حسين خليل سلطان المري في 15 يناير 1918 في منزل والده رقم 12 شارع قنوات بحي باكوس في الإسكندرية قبيل أحداث ثورة 1919 في مصر. وهو من أسرة صعيدية عربية قحطانية، حيث ولد والده في قرية بني مر في محافظة أسيوط، ونشأ في الإسكندرية، وعمل وكيلًا لمكتب بريد باكوس هناك، وقد تزوج من السيدة «فهيمة» التي ولدت في ملوي بالمنيا، وكان جمال عبد الناصر أول أبناء والديه. وكان والداه قد تزوجا في سنة 1917، وأنجبا ولدين من بعده، وهما عز العرب والليثي. ويقول كُتّاب سيرة عبد الناصر روبرت ستيفنس وسعيد أبو الريش أن عائلة عبد الناصر كانت مؤمنة بفكرة «المجد العربي»، ويتضح ذلك في اسم شقيق عبد الناصر، وهو عز العرب، وهذا اسم نادر في مصر. سافرت الأسرة في كثير من الأحيان بسبب عمل والد جمال عبد الناصر. ففي سنة 1921، انتقلوا إلى أسيوط، ثم انتقلوا سنة 1923 إلى الخطاطبة. التحق عبد الناصر بروضة الأطفال بمحرم بك بالإسكندرية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبة في الفترة ما بين سنتي 1923 و1924، وفي سنة 1925 دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بالجمالية بالقاهرة، وأقام عند عمه خليل حسين لمدة ثلاث سنوات، وكان جمال يسافر لزيارة أسرته بالإسكندرية فقط أثناء العطلات الدراسية.

كان عبد الناصر يتبادل الرسائل مع والدته، ولكن الرسائل توقفت في أبريل 1926، وعندما عاد إلى الخطاطبة علم أن والدته قد ماتت قبل أسابيع بعد ولادتها لأخيه الثالث شوقي، ولم يملك أحد الشجاعة لإخباره بذلك. وقد قال عبد الناصر في وقت لاحق:

وتعمق حزن عبد الناصر عندما تزوج والده قبل نهاية هذا العام. وبعد أن أتم جمال السنة الثالثة في مدرسة النحاسين بالقاهرة، أرسله والده في صيف 1928 عند جده لوالدته فقضى السنة الرابعة الابتدائية في مدرسة العطارين بالإسكندرية. التحق جمال عبد الناصر بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاما واحدا، ثم نقل في العام التالي (1930) إلى مدرسة رأس التين بالإسكندرية بعد أن انتقل والده للعمل في الخدمة البريدية هناك. وقد بدأ نشاطه السياسي حينها، فقد رأى مظاهرة في ميدان المنشية بالإسكندرية، وانضم إليها دون أن يعلم مطالبها، وقد علم بعد ذلك أن هذا الاحتجاج كان من تنظيم جمعية مصر الفتاة، وكان هذا الاحتجاج يندد بالاستعمار الإنجليزي في مصر، وذلك في أعقاب قرار من رئيس الوزراء حينئذ إسماعيل صدقي بإلغاء دستور 1923، وألقي القبض على عبد الناصر واحتجز لمدة ليلة واحدة، قبل أن يخرجه والده.

عندما نقل والده إلى القاهرة في عام 1933، انضم ناصر إليه هناك، والتحق بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، ومثل في عدة مسرحيات مدرسية، وكتب مقالات بمجلة المدرسة، منها مقالة عن الفيلسوف الفرنسي فولتير بعنوان «فولتير، رجل الحرية». وفي 13 نوفمبر 1935، قاد ناصر مظاهرة طلابية ضد الحكم البريطاني احتجاجا على البيان الذي أدلى به صمويل هور وزير الخارجية البريطاني قبل أربعة أيام، والذي أعلن رفض بريطانيا لعودة الحياة الدستورية في مصر. وقتل اثنان من المتظاهرين وأصيب عبد الناصر بجرح في جبينه سببته رصاصة من ضابط إنجليزي. وأسرع به زملاؤه إلى دار جريدة الجهاد التي تصادف وقوع الحادث بجوارها، ونشر اسمه في العدد الذي صدر صباح اليوم التالي بين أسماء الجرحى. وفي 12 ديسمبر، أصدر الملك الجديد، فاروق، قرارًا بإعادة الدستور. نما نشاط عبد الناصر السياسي أكثر طوال سنوات مدرسته، حيث أنه لم يحضر سوى 45 يومًا أثناء سنته الأخيرة في المدرسة الثانوية. اعترض عبد الناصر بشدة على المعاهدة البريطانية المصرية لسنة 1936، التي تنص على استمرار وجود قوات عسكرية بريطانية في البلاد، وقد أيدت القوات السياسية في مصر هذه المعاهدة بالإجماع تقريبا. ونتيجة لذلك، انخفضت الاضطرابات السياسية في مصر انخفاضًا كبيرًا، واستأنف عبد الناصر دراسته في مدرسة النهضة، حيث حصل على شهادة التخرج في وقت لاحق من ذلك العام.

=== التأثيرات المبكرة === يُؤكِّد أبو الريش أنَّ ناصر لم يُبد أي انزعاج جرَّاء نقلاته المُتكررة، وإنَّ هذ الأمر وسَّع آفاقه وجعله يتعرَّف على مُختلف طبقات المُجتمع المصري. انتمى ناصر إلى الطبقة الشعبيَّة التي عاشت أوضاعًا أصعب بكثير من أوضاع الطبقة الثرية النُخبويَّة، لِذا لم يكن راضيًا عن الأثرياء وأصحاب النُفُوذ، وكبُر امتعاضه من هذه الفئة مع مُرور السنوات. أمضى ناصر معظم وقت فراغه في القراءة، وخاصة في سنة 1933 عندما كان يعيش بالقرب من دار الكتب والوثائق القومية. قرأ القرآن، وأقوال الرسول محمد وحياة الصحابة، والسير الذاتية للزعماء القوميين نابليون، أتاتورك، أوتو فون بسمارك، وغاريبالدي والسيرة الذاتية لونستون تشرشل. كان ناصر متأثرًا إلى حد كبير بالقومية المصرية، التي اعتنقها السياسي مصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي، ومدربه في الكلية الحربية، عزيز المصري، الذي أعرب عبد الناصر عن امتنانه له في مقابلة صحفية سنة 1961. وقد تأثر ناصر بشدة برواية «عودة الروح» للكاتب المصري توفيق الحكيم، التي قال فيها توفيق الحكيم أن الشعب المصري كان فقط بحاجة إلى «الإنسان الذي سيمثل جميع مشاعرهم ورغباتهم، والذي سيكون بالنسبة لهم رمزا لهدفهم». وكانت هذه الرواية هي مصدر إلهام لعبد الناصر لإطلاق ثورة 1952.

الحياة العسكرية

في سنة 1937، تقدم عبد الناصر إلى الكلية الحربية لتدريب ضباط الجيش، ولكن الشرطة سجلت مشاركته في احتجاجات مناهضة للحكومة، فمنع من دخول الكلية، فالتحق بكلية الحقوق في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة حاليًا)، لكنه استقال بعد فصل دراسي واحد وأعاد تقديم طلب الانضمام إلى الكلية العسكرية. واستطاع عبد الناصر مقابلة وزير الحربية إبراهيم خيرى باشا، وطلب مساعدته، فوافق على انضمامه للكلية العسكرية في مارس 1937، ركز ناصر على حياته العسكرية منذ ذلك الحين، وأصبح يتصل بعائلته قليلا. في الكلية، التقى بعبد الحكيم عامر وأنور السادات، وكلاهما أصبحا مساعدين هامين له خلال فترة رئاسته. تخرج من الكلية العسكرية في شهر يوليو 1937، رقي عبد الناصر إلى رتبة ملازم ثان في سلاح المشاة.

في سنة 1941، طلب عبد الناصر النقل إلى السودان، وهناك قابل عبد الحكيم عامر، وكانت السودان حينها جزءًا من مصر. عاد جمال عبد الناصر من السودان في سبتمبر 1942، ثم حصل على وظيفة مدرب في الأكاديمية العسكرية الملكية بالقاهرة شهر مايو 1943. في سنة 1942، سار مايلز لامبسون السفير البريطاني إلى قصر الملك فاروق وحاصره بالدبابات، وأمره بإقالة رئيس الوزراء حسين سري باشا، بسبب تعاطفه مع قوات المحور. ورأى ناصر الحادث بأنه انتهاك صارخ للسيادة المصرية، وقال عن ذلك:

قُبِّل ناصر في كلية الأركان العامة في وقت لاحق من ذلك العام. بدأ ناصر بتشكيل مجموعة تكونت من ضباط الجيش الشباب الذين يملكون مشاعر القومية القوية. ظل ناصر على اتصال مع أعضاء المجموعة من خلال عبد الحكيم عامر، وواصل عبد الناصر البحث عن الضباط المهتمين بالأمر في مختلف فروع القوات المسلحة المصرية.

حرب فلسطين

كانت أول معركة لعبد الناصر في فلسطين خلال الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1948. تطوع عبد الناصر في البداية للخدمة في اللجنة العربية العليا بقيادة محمد أمين الحسيني، وكان عبد الناصر قد التقي بالحسيني وأعجب به. ولكن تم رفض دخول قوات اللجنة العربية العليا في الحرب من قبل الحكومة المصرية، لأسباب غير واضحة. في مايو 1948، أرسل الملك فاروق الجيش المصري إلى فلسطين، وخدم ناصر في كتيبة المشاة السادسة. وخلال الحرب، كتب عبد الناصر عن عدم استعداد الجيش المصري، قائلا:

وكان ناصر نائب قائد القوات المصرية المسؤولة عن تأمين الفالوجة. أصيب عبد الناصر بجروح طفيفة في القتال يوم 12 يوليو. وبحلول شهر أغسطس، كان عبد الناصر مع فرقته محاصرين من قبل الجيش الإسرائيلي، ولكن الفرقة رفضت الاستسلام. أدت المفاوضات بين إسرائيل ومصر أخيرًا إلى التنازل عن الفالوجة إلى إسرائيل. وفقا لإريك مارغوليس الصحفي المخضرم، تحملت القوات المصرية القصف العنيف في الفالوجة، بالرغم من أنها كانت معزولة عن قيادتها. وأصبح المدافعون، بما فيهم الضابط جمال عبد الناصر أبطالا وطنيين حينها. استضافت المطربة المصرية أم كلثوم احتفال الجمهور بعودة الضباط رغم تحفظات الحكومة الملكية، التي كانت قد تعرضت لضغوط من قبل الحكومة البريطانية لمنع الاستقبال، وزاد ذلك من عزم عبد الناصر على الإطاحة بالملكية. بدأ عبد الناصر كتابة «فلسفة الثورة» أثناء الحصار. بعد الحرب، عاد عبد الناصر إلى وظيفته مدرسًا في الأكاديمية الملكية العسكرية، وأرسل مبعوثين إلى جماعة الإخوان المسلمين، لتشكيل تحالف معها في أكتوبر سنة 1948، ولكنه اقتنع بعد ذلك بأن جدول أعمال الإخوان لم يكن متوافقًا مع نزعته القومية، وبدأ الكفاح من أجل منع تأثير الإخوان على أنشطته. أرسل ناصر كعضو في الوفد المصري إلى رودس في فبراير 1949 للتفاوض على هدنة رسمية مع إسرائيل، ويقول عبد الناصر أنه اعتبر شروط الهدنة مهينة، وبخاصة لأن الإسرائيليين تمكنوا من احتلال منطقة إيلات بسهولة بينما هم يتفاوضون مع العرب في مارس 1949.

الثورة

الضباط الأحرار

تزامنت عودة عبد الناصر لمصر مع انقلاب حسني الزعيم في سوريا. وقد شجع نجاحه الواضح عبد الناصر في مساعيه الثورية. بعد فترة وجيزة من عودته، استدعى رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي عبد الناصر لاستجوابه بشأن شكوك بأنه تم تشكيل مجموعة سرية من ضباط المعارضة؛ نفى عبد الناصر هذه المزاعم بشكل مقنع، وكان عبد الهادي أيضًا مترددًا في اتخاذ تدابير جذرية ضد الجيش، خصوصًا أمام رئيس أركانه، الذي كان حاضرًا أثناء الاستجواب، وأفرج عن عبد الناصر في وقت لاحق. وقد دفع هذا الاستجواب عبد الناصر إلى تسريع أنشطة جماعته. بعد سنة 1949، اعتمد الفريق اسم «حركة الضباط الأحرار». قام عبد الناصر بتنظيم «اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار»، وتألفت من أربعة عشر رجلًا من مختلف الخلفيات السياسية والاجتماعية، بما في ذلك ممثلين عن الشباب المصريين، والإخوان المسلمين، والحزب الشيوعي المصري، والطبقة الأرستقراطية. انتخب ناصر رئيسًا للجنة بالإجماع. في الانتخابات البرلمانية لسنة 1950، فاز حزب الوفد بأغلبية المقاعد، ويرجع ذلك إلى غياب جماعة الإخوان المسلمين، الذين قاطعوا الانتخابات. بدأت الاتهامات بالفساد ضد سياسيي حزب الوفد تطفو على السطح، وانتشرت الشائعات والشكوك حولهم، مما جلب الضباط الأحرار إلى واجهة الحياة السياسية المصرية. وبحلول ذلك الوقت، كان عدد أعضاء الجمعية قد ارتفع إلى 90 عضوا، ووفقا لخالد محيي الدين:

ورأى ناصر أن الضباط الأحرار لم يكونوا على استعداد للتحرك ضد الحكومة، وظل نشاطه مقتصرا لمدة تقارب العامين على تجنيد الضباط ونشر المنشورات السرية. في 11 أكتوبر سنة 1951، ألغت حكومة الوفد المعاهدة البريطانية المصرية لعام 1936، والتي أعطت السيطرة لبريطانيا على قناة السويس حتى سنة 1956. ووفقًا لأنور السادات:

وفي يناير عام 1952، حاول عبد الناصر وحسن إبراهيم قتل حسين سري عامر ببنادقهم الرشاشة، بينما كان يقود سيارته في شوارع القاهرة، وبدلا من قتل الضابط، أصاب أحد المهاجمين امرأة مارة بريئة. وذكر ناصر أنه بكى لذلك، وجعله هذا الأمر يعدل عن رأيه. كان سري عامر مقربًا من الملك فاروق، ورشح لرئاسة نادي الضباط. كان ناصر مصممًا على استقلال الجيش عن النظام الملكي، وطلب من محمد نجيب الانضمام إلى الضباط الأحرار عن طريق عبد الحكيم عامر. وكان محمد نجيب ضابطًا شعبيًا، قدم استقالته إلى الملك فاروق في عام 1942، وأصيب ثلاث مرات في حرب فلسطين.

ثورة 23 يوليو

يوم 25 يناير سنة 1952، حدثت مواجهة بين القوات البريطانية وشرطة الإسماعيلية أدت إلى مقتل أربعين من رجال الشرطة المصرية بالرصاص، ودارت أعمال شغب في القاهرة في اليوم التالي، مما أسفر عن مقتل 76 شخصا. بعد ذلك، نشر ناصر برنامجا من ست نقاط لمصر في مجلة روز اليوسف لتفكيك الإقطاع والقضاء على النفوذ البريطاني. في مايو 1952، تلقى ناصر كلمة تقول بأن الملك فاروق قد عرف أسماء الضباط الأحرار وسيقوم بإلقاء القبض عليهم، فقام عبد الناصر على الفور بتوكيل مهمة التخطيط للاستيلاء على الحكومة إلى زكريا محي الدين، بمساعدة وحدات الجيش الموالية للجمعية. كان الضباط الأحرار يقولون أن نيتهم ليست تثبيت أنفسهم في الحكومة، وإنما إعادة إنشاء دولة ديمقراطية برلمانية. لم يعتقد عبد الناصر أن ضابطًا من ذوي الرتب المتدنية مثله (مقدم) من شأنه أن يكون مقبولًا من قبل الشعب المصري، واختار لذلك محمد نجيب ليكون قائدا للثورة (اسميًا). انطلقت الثورة يوم 22 (توضيح) يوليو وأعلن نجاحها في اليوم التالي. استولى الضباط الأحرار على جميع المباني الحكومية، والمحطات الإذاعية، ومراكز الشرطة، وكذلك مقر قيادة الجيش في القاهرة. وكان العديد من الضباط المتمردين يقودون وحداتهم، ارتدى ناصر ملابس مدنية لتجنب القبض عليه عن طريق النظام الملكي. وفي خطوة لدرء التدخل الأجنبي، أخبر ناصر الولايات المتحدة والحكومة البريطانية قبل يومين من الثورة عن نواياه واتفق معهما على عدم مساعدة فاروق. وتحت ضغط من أمريكا، وافق ناصر على نفي الملك المخلوع مع احتفال تكريمي. يوم 18 يونيو سنة 1953، تم إلغاء النظام الملكي وأعلن قيام الجمهورية في مصر، وكان نجيب أول رئيس لها، ووفقًا لأبو الريش: بعد توليهم السلطة، أصبح ناصر والضباط الأحرار «أوصياء على مصالح الشعب» ضد النظام الملكي وطبقة «الباشاوات». وطلبوا من رئيس الوزراء السابق علي ماهر قبول إعادة تعيينه في موقعه السابق، وتشكيل مجلس الوزراء بأكمله من المدنيين. حكم الضباط الأحرار باسم «مجلس قيادة الثورة» عن طريق محمد نجيب رئيسًا وجمال عبد الناصر نائبا للرئيس. قام عبد الناصر بالعديد من الإصلاحات كقانون الإصلاح الزراعي، وإلغاء النظام الملكي، وإعادة تنظيم الأحزاب السياسية. استقال ماهر يوم 7 (عدد) سبتمبر. وتولى نجيب دورًا إضافيًا وهو رئاسة الوزراء، وعبد الناصر نائبًا رئيس الوزراء. وفي سبتمبر، تم وضع قانون الإصلاح الزراعي حيز التنفيذ. ومن وجهة نظر عبد الناصر، أعطى هذا القانون مجلس قيادة الثورة هويته وحول الانقلاب إلى ثورة. قبل تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، في شهر أغسطس عام 1952، اندلعت أعمال شغب يقودها الشيوعيون في مصانع الغزل والنسيج في كفر الدوار، مما أدى إلى اشتباك الجيش معهم ما أسفر عن مقتل 8 جنود و5 من العمال وإصابة 28. أصر معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة على إعدام اثنين من زعماء أعمال الشغب، رفض ناصر هذا الرأي ومع ذلك، نُفِّذ الحكم. وقال نجيب في مذكراته «إنني التقيت بهما وكنت مقتنعا ببراءتهما بل وكنت معجبا بشجاعتهما ولكن صدقت على حكم إعدامهما تحت ضغط وزير الداخلية – جمال عبد الناصر – لمنع تكرار مثل هذه الأحداث». أيد الإخوان المسلمون مجلس قيادة الثورة، وبعد تولي نجيب للسلطة، طالبوا بأربع حقائب وزارية في الحكومة الجديدة. رفض عبد الناصر مطالبهم وبدلًا من إعطائهم أربع حقائب وزارية، منح اثنين من أعضاء الجماعة مناصب وزارية طفيفة.

الطريق إلى الرئاسة

الخلاف مع نجيب

في يناير 1953 تمكن عبد الناصر من التغلب على المعارضة بقيادة نجيب وحظر جميع الأحزاب السياسية، وأنشأ نظام الحزب الواحد تحت مظلة هيئة التحرير، والأخيرة حركة فضفاضة كانت مهمتها الرئيسية تنظيم مسيرات وإلقاء محاضرات مناؤة لمجلس قيادة الثورة، وتولى عبد الناصر منصب أمينها العام. وعلى الرغم من قرار حل البرلمان، كان عبد الناصر عضو مجلس قيادة الثورة الوحيد الذي ما زال يفضل إجراء الانتخابات البرلمانية، وفقًا لعبد اللطيف البغدادي (أحد زملائه من الضباط). وظل عبد الناصر ينادي بإجراء الانتخابات البرلمانية في سنة 1956. في مارس سنة 1953، قاد ناصر الوفد المصري للتفاوض على انسحاب القوات البريطانية من قناة السويس.

عندما بدأت علامات الاستقلال من مجلس قيادة الثورة تظهر من نجيب، حيث نأى بنفسه عن قانون الإصلاح الزراعي وتقرب إلى الأحزاب المعارضة لمجلس قيادة الثورة مثل: جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد، فكر ناصر في تنحيته. في يونيو، سيطر ناصر على منصب وزير الداخلية بعزل الوزير سليمان حافظ، الموالي لمحمد نجيب، وضغط على نجيب لاختتام إلغاء النظام الملكي.في 25 فبراير 1954، أعلن نجيب استقالته من مجلس قيادة الثورة بعد أن عقد مجلس قيادة الثورة لقاء رسميًا دون حضوره قبل يومين. في 26 فبراير، قبل ناصر استقالة نجيب، وقام بوضع نجيب تحت الإقامة الجبرية في منزله. وعين مجلس قيادة الثورة ناصر قائدًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا لمجلس الوزراء، على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغرًا. وكما أراد نجيب، ثم تمرد على الفور بين ضباط الجيش، وطالبوا بإعادة نجيب وحل مجلس قيادة الثورة. ولكن في 27 فبراير، أطلق أنصار عبد الناصر في الجيش غارة على القيادة العامة العسكرية، وقاموا بإنهاء التمرد. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، نظم مئات الآلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين مظاهرات، ودعوا لعودة نجيب وسجن عبد الناصر. وأيضا طالبت مجموعة كبيرة داخل مجلس قيادة الثورة، بقيادة خالد محيي الدين، بإطلاق سراح نجيب وعودته إلى رئاسة الجمهورية، واضطر ناصر إلى الإذعان لمطالبهم، ولكنه أجل إعادة نجيب حتى 4 مارس، وقام بتعيين عبد الحكيم عامر قائدًا للقوات المسلحة، وكان هذا المنصب في يد محمد نجيب قبل عزله. يوم 5 مارس، قامت قوات الأمن التابعة لعبد الناصر بالقبض على الآلاف من المشاركين في المظاهرات الداعية لعودة نجيب. نجح مجلس قيادة الثورة في إثارة المستفيدين من الثورة، أي العمال والفلاحين، والبرجوازيين الصغار، حيث قاموا بتنظيم مظاهرات كبيرة، لمعارضة قرارات نجيب، التي ألغى فيها قانون الإصلاح الزراعي وعدة إصلاحات أخرى. سعى نجيب لقمع المظاهرات، ولكن تم رفض طلباته من قبل رؤساء قوات الأمن. يوم 29 مارس، أعلن ناصر إلغاء قرارات نجيب «ردا على طلب الشارع». بين أبريل ويونيو، تم اعتقال وفصل مئات من مؤيدي نجيب في الجيش، وكان محيي الدين منفيا في سويسرا بصورة غير رسمية (لتمثيل مجلس قيادة الثورة في الخارج). حاول الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية إصلاح العلاقات بين عبد الناصر ونجيب، ولكن دون جدوى.

=== رئاسة مجلس قيادة الثورة === في 26 أكتوبر 1954، حاول محمود عبد اللطيف أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين اغتيال عبد الناصر، عندما كان يلقي خطابًا في الإسكندرية للاحتفال بالانسحاب العسكري البريطاني. كان المسلح بعيدا عنه بـ 25 قدمًا (7.6 متر)، وأطلق ثماني طلقات، ولكن جميع الطلقات لم تصب ناصر. اندلعت حالة من الذعر بين الجمهور، لكن ناصر رفع صوته وطلب من الجماهير الهدوء، وصاح بما يلي:

تعالت صيحات التشجيع لعبد الناصر في مصر والوطن العربي. وأتت محاولة الاغتيال بنتائج عكسية. وبعد عودته إلى القاهرة، أمر عبد الناصر بواحدة من أكبر الحملات السياسية في التاريخ الحديث لمصر، فتم اعتقال الآلاف من المعارضين، ومعظمهم من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والشيوعيين، وتمت إقالة 140 ضابطًا مواليًا لنجيب. وحكم على ثمانية من قادة الإخوان بالإعدام. تمت إزالة محمد نجيب من رئاسة الجمهورية ووضع تحت الإقامة الجبرية، ولكن لم تتم محاكمته، ولم يقم أحد في الجيش بالدفاع عنه. وبعد تحييد منافسيه، أصبح عبد الناصر الزعيم في مصر بلا منازع. كان لا يزال عدد مؤيدي عبد الناصر قليلًا، ولا يضمن له الحفاظ على خططه الإصلاحية، وسعيه للبقاء في السلطة. فقام عبد الناصر بإلقاء عدة خطب في أماكن مختلفة في البلاد، للترويج لنفسه ولهيئة التحرير. وقام بفرض ضوابط على الصحافة، وأعلن أن جميع المنشورات والصحف لابد أن تلقى موافقته عليها لمنع «الفتنة». غنى كل من أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وبعض المطربين العرب البارزين في هذا العصر عدة أغاني تشيد بقومية عبد الناصر. وأنتجت عدة مسرحيات تشوه سمعة خصومه السياسيين. ووفقًا لبعض معاونيه، دبر عبد الناصر الحملة بنفسه. وبدأت القومية العربية تظهر بشكل متكرر في خطاباته في سنتي 1954 - 1955. ثم في يناير 1955 عين رئيسًا لمجلس قيادة الثورة. قام عبد الناصر بعمل اتصالات سرية بغرض السلام مع إسرائيل في سنتي1954 - 1955 ، لكنه صمم بعد ذلك على أن السلام مع إسرائيل مستحيل، واعتبر أنها «دولة توسعية تنظر للعرب بازدراء». يوم 28 فبراير 1955، هاجمت القوات الإسرائيلية قطاع غزة، الذي كانت تسيطر عليه مصر في ذلك الوقت، وأعلنت إسرائيل أن هدفها هو القضاء على الغارات الفدائية الفلسطينية. شعر عبد الناصر بأن الجيش المصري ليس على استعداد للمواجهة ولم يرد عسكريًا. كان فشله في الرد على العمل العسكري الإسرائيلي ضربة لشعبيته المتزايدة. في وقت لاحق أمر ناصر بتشديد الحصار على الملاحة الإسرائيلية من خلال مضيق تيران. قام الإسرائيليون بإعادة عسكرة منطقة عوجة الحفير منزوعة السلاح على الحدود المصرية في 21 سبتمبر. وبالتزامن مع غارة فبراير الإسرائيلية، تم تشكيل حلف بغداد بين بعض الحلفاء الإقليميين للمملكة المتحدة. اعتبر عبد الناصر حلف بغداد تهديدا لجهوده للقضاء على النفوذ العسكري البريطاني في الشرق الأوسط، وآلية لتقويض جامعة الدول العربية و«إدامة التبعية العربية للصهيونية والإمبريالية الغربية». ورأى ناصر أنه إذا كان يريد الحفاظ على الموقع الريادي الإقليمي لمصر فهو يحتاج إلى الحصول على الأسلحة الحديثة لتسليح جيشه. عندما أصبح واضحا له أن الدول الغربية لن تمد مصر بالأسلحة تحت شروط مالية وعسكرية مقبولة، تحول عبد الناصر إلى الكتلة الشرقية وأبرم اتفاق شراء أسلحة من تشيكوسلوفاكيا بمبلغ 320 مليون دولار أمريكي في 27 سبتمبر. بعد صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية، أصبح ميزان القوى بين مصر وإسرائيل أكثر تعادلًا، وتعزز دور عبد الناصر كقائد للعرب يتحدى الغرب.

إعلان الحياد

في مؤتمر باندونغ في إندونيسيا أواخر أبريل 1955، كان عبد الناصر يعامل كأبرز ممثلي الدول العربية، وكان واحدًا من الشخصيات الأكثر شعبية في القمة. وكان عبد الناصر قد زار باكستان في وقت سابق (9 (عدد) أبريل) والهند (14 أبريل)، وبورما وأفغانستان في الطريق إلى باندونغ. وأقام معاهدة صداقة مع الهند في القاهرة يوم 6 (عدد) أبريل، مما عزز العلاقات المصرية الهندية في السياسة الدولية وجبهات التنمية الاقتصادية.

توسط ناصر في مناقشات المؤتمر بين الفصائل الموالية للغرب، والموالية للاتحاد السوفيتي. وسعت جهود عبد الناصر للتصدي للاستعمار في إفريقيا وآسيا وتعزيز السلام العالمي في ظل الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي. قدم عبد الناصر الدعم من أجل استقلال تونس والجزائر والمغرب عن الحكم الفرنسي، ودعم حق عودة الفلسطينيين لمنازلهم، ودعى لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. نجح في الضغط على الحضور لتمرير قرارات بشأن كل من هذه القضايا، وأبرز مكاسبه كان ضمان الدعم القوي من الصين والهند. بعد مؤتمر باندونج، أعلن ناصر رسميا «الحياد الإيجابي» لمصر بشأن الحرب الباردة. وتم استقبال عبد الناصر من قبل حشود كبيرة من الناس غطت شوارع القاهرة لدى عودته إلى مصر في 2 مايو، وتم الإعلان على نطاق واسع في الصحافة عن إنجازاته وقيادته للمؤتمر. ونتيجة لذلك، تعززت مكانة عبد الناصر إلى حد كبير كما زادت ثقته في نفسه.

1956 (الدستور والرئاسة)

مع تعزيز موقعه الداخلي إلى حد كبير، أصبح ناصر قادرا على ضمان أسبقيته على زملائه في مجلس قيادة الثورة، واكتساب سلطة صنع القرار من دون منازع نسبيا، وخاصة في السياسة الخارجية. خلال شهر يناير من سنة 1956، أُعلن عن الدُستور المصري الجديد، الذي نصَّ على تأسيس نظام الحزب الواحد تحت مظلَّة الاتحاد القومي. يفلسف ناصر الاتحاد القومي بقوله: «إن الاتحاد القومي ليس حزبًا، وإنما هو وطن بأكمله داخل إطار واحد ... ويحقق أهداف ثورته التي لا بد من تحقيقها». كان الاتحاد القومي هو نفسه هيئة التحرير بعد إعادة تشكيلها، بعد أن فشل ناصر في حشد المُشاركة الشعبيَّة الكبيرة فيها. حاول ناصر أن يُخرط المزيد من المُواطنين في الحركة الجديدة، على أن تُقدم طلبات الانتساب إلى لجانٍ شعبيَّةٍ مختصَّة تُوافق عليها أولًا، وذلك في سبيل ترسيخ الدعم الشعبي لِحُكومته. كان الاتحاد القومي يختار مرشحًا للانتخابات الرئاسيَّة على أن تتم الموافقة عليه من قبل الجماهير بعد أن يُطرح اسمه من قِبل اللجان. رُشح عبد الناصر لمنصب رئاسة الجمهورية، وطرح الدستور الجديد للاستفتاء العام يوم 23 يونيو، وحاز كلاهما على الموافقة بأغلبية ساحقة. وأنشئ مجلس الأمة الذي يتضمن 350 عضوا. وجرت الانتخابات في يوليو سنة 1957. منح الدستور حق الاقتراع للمرأة، وحظر التمييز القائم على نوع الجنس، وكفل حماية خاصة للنساء في مكان العمل. تزامنا مع الدستور الجديد ورئاسة عبد الناصر، حل مجلس قيادة الثورة نفسه كجزء من الانتقال إلى الحكم المدني. وخلال المناقشات التي دارت لتشكيل حكومة جديدة، بدأ ناصر عملية تهميش منافسيه من بين الضباط الأحرار الأصليين، بينما رفع أقرب حلفائه لمناصب رفيعة المستوى في الحكومة.

تأميم قناة السويس

بعد فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، تسلم ناصر السلطة. اصطدمت سياساته الخارجية والداخلية المستقلة بشكل متزايد مع المصالح الإقليمية لكل من المملكة المتحدة وفرنسا. أدانت الأخيرة دعمه القوي لاستقلال الجزائر، واهتاجت حكومة أنطوني إيدن في المملكة المتحدة من حملة عبد الناصر ضد حلف بغداد. بالإضافة إلى ذلك، فقد أدى تمسك عبد الناصر بالحياد بشأن الحرب الباردة، والاعتراف بالصين الشيوعية، وصفقة الأسلحة مع الكتلة الشرقية إلى انزعاج للولايات المتحدة. في 19 تموز 1956، سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا فجأة عرضهما لتمويل بناء سد أسوان، حيث أعربتا عن خوفهما من أن الاقتصاد المصري سوف يغرق بسبب هذا المشروع. أُبلِغ ناصر بالانسحاب البريطاني الأمريكي بينما كان على متن طائرة العودة إلى القاهرة من بلغراد. يؤكد الصحفي محمد حسنين هيكل أن ناصر اتخذ القرار النهائي لتأميم قناة السويس بين 19 و20 يوليو. ولكن ناصر ذكر بنفسه في وقت لاحق أنه قرر ذلك في 23 يوليو، بعد دراسة المسألة والتباحث مع بعض مستشاريه من مجلس قيادة الثورة المنحل، وهما البغدادي ومحمود يونس. علم بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة بالقرار يوم 24 يوليو، بينما كان الجزء الأكبر من مجلس الوزراء غير مدركين لمخطط التأميم حتى قبل ساعات من إعلان عبد الناصر عنه. في 26 يوليو 1956، قدم ناصر خطابا في الإسكندرية أعلن فيه تأميم شركة قناة السويس كوسيلة لتمويل مشروع سد أسوان في ضوء انسحاب القوات البريطانية الأمريكية. ووسط حديثه، ندد ناصر بالإمبريالية البريطانية في مصر والسيطرة البريطانية على أرباح شركة القناة، وتمسك بحق الشعب المصري في السيادة على الممر المائي، خاصة وأن 120,000 مصري قد مات في سبيل إنشائه. وكان في استقبال إعلان تأميم القناة تأييد واسع من قبل الجمهور في مصر، وفي جميع أنحاء الوطن العربي، نزل الآلاف إلى الشوارع مرددين هتافات داعمة لهذا القرار. وكتب المحلل السياسي المصري محمود حمد أنه بعد تأميم القناة اكتسب ناصر شعبية «شبه تامة» أنشأت الشرعية وجعلته «القائد الكاريزمي» و«المتحدث باسم الجماهير ليس فقط في مصر، بل في جميع أنحاء العالم الثالث». ووفقا لأبو الريش، كان هذا أكبر انتصار لقومية عبد الناصر العربية في ذلك الوقت و«بعد فترة قصيرة كانت لوحاته يمكن العثور عليها في خيام اليمن، وأسواق مراكش، والفيلات الفاخرة في سوريا». وكان التبرير الرسمي لتأميم القناة أن الأموال الناتجة من القناة ستستخدم في بناء السد في أسوان. وفي اليوم نفسه، أغلقت مصر القناة أمام الملاحة الإسرائيلية.

أزمة قناة السويس

رأت فرنسا والمملكة المتحدة، وهما أكبر دولتين مساهمَتيْنِ في شركة قناة السويس، أن تأميم قناة السويس عمل عدائي من قبل الحكومة المصرية. كان ناصر يدرك أن تأميم القناة سوف يحدث أزمة دولية، واعتقد أن احتمال التدخل العسكري من قبل الدولتين (فرنسا والمملكة المتحدة) 80 في المئة. وقال أنه يعتقد، مع ذلك، أن المملكة المتحدة لن تكون قادرة على التدخل عسكريا لمدة شهرين على الأقل بعد الإعلان، ووصف التدخل الإسرائيلي بأنه «مستحيل». في أوائل أكتوبر، اجتمع مجلس أمن الأمم المتحدة بشأن مسألة تأميم القناة واتخذ قرارا بالاعتراف بحق مصر في السيطرة على القناة طالما استمرت في السماح بمرور السفن الأجنبية من القناة. وفقا لهيكل، بعد هذا الاتفاق «قدر ناصر أن خطر الغزو قد انخفض إلى 10 في المئة». ومع ذلك، بعد وقت قصير، عقدت المملكة المتحدة، وفرنسا، وإسرائيل اتفاقا سريا للاستيلاء على قناة السويس، واحتلال أجزاء من مصر، وإسقاط عبد الناصر. في 29 أكتوبر 1956، عبرت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء، وسرعان ما تقدمت إلى أهدافها. بعد ذلك بيومين، قصفت الطائرات البريطانية والفرنسية المطارات المصرية في منطقة القناة. أمر ناصر القيادات العسكرية بسحب الجيش المصري من سيناء لتعزيز دفاعات القناة. وعلاوة على ذلك، فقد تخوف ناصر من إرسال سلاح المدرعات لمواجهة القوة الغازية الإسرائيلية (والبريطانية والفرنسية التي هبطت في وقت لاحق على مدينة بورسعيد)، حيث أنه تخوف من تدميرها من قبل قوات الدول الثلاث مجتمعة. اختلف عامر معه بشدة، حيث أصر على أن الدبابات المصرية يجب أن تواجه الإسرائيليين في المعركة. دارت بين كليهما مناقشات ساخنة يوم 3 نوفمبر، وسلم عامر برأي ناصر. على الرغم من الأمر بانسحاب القوات المصرية من سيناء، فقد قتل نحو 2000 جندي مصري خلال الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية، وتم القبض على 5000 جندي مصري تقريبا من قبل الجيش الإسرائيلي. اقترح عامر وصلاح سالم طلب وقف إطلاق النار، وطلب سالم أيضا من ناصر تسليم نفسه للقوات البريطانية. وبخهما ناصر، وقال أن الجيش لن يستسلم. تولى ناصر القيادة العسكرية. على الرغم من السهولة النسبية التي تم بها احتلال سيناء، لم يلحق بهيبة عبد الناصر في الداخل وبين العرب أي أذى. لتعويض الأداء الضعيف للجيش المصري، أذن الناصر بتوزيع حوالي 400000 بندقية على المتطوعين المدنيين ومئات من الميليشيات التي تشكلت في جميع أنحاء مصر، والتي قادها الكثير من المعارضين السياسيين لجمال عبد الناصر. أرسلت كتيبة المشاة الثالثة والمئات من عناصر الحرس الوطني إلى بورسعيد لتعزيز الدفاعات المصرية هناك. سافر ناصر والبغدادي إلى منطقة القناة لرفع الروح المعنوية للمتطوعين المسلحين. وفقا لمذكرات البغدادي، وصف ناصر الجيش المصري بأنه «محطم». عندما هبطت القوات البريطانية والفرنسية في بورسعيد في 5-6 نوفمبر، زادت الميليشيات المحلية من مقاومتها وقوة دفاعاتها، وقد أدت مقاومتها الشديدة إلى القتال من شارع إلى شارع. وكان قائد الجيش المصري في المدينة يستعد لطلب شروط لوقف إطلاق النار، ولكن ناصر نهاه عن ذلك. تمكنت القوات البريطانية والفرنسية من الاستيلاء على معظم أجزاء المدينة في 7 نوفمبر. قتل من 750 إلى 1000 مصري في معركة بورسعيد. أدانت إدارة أيزنهاور الأمريكية الغزو الثلاثي، ودعمت قرارات الأمم المتحدة المطالبة بسحب قوات الدول الثلاثة الغازية. أثنى ناصر على أيزنهاور، مشيرا إلى أنه لعب «أكبر الأدوار وأكثرها حسما» في وقف «المؤامرة الثلاثية». وبحلول نهاية شهر ديسمبر، انسحبت القوات البريطانية والفرنسية تماما من الأراضي المصرية، في حين أنهت إسرائيل انسحابها في مارس 1957 وأطلقت سراح جميع أسرى الحرب المصريين. ونتيجة لأزمة السويس، أصدر ناصر مجموعة من اللوائح فرضت شروطا صارمة للحصول على الإقامة والمواطنة، والتي أثرت في أغلبها على المواطنين اليهود (المصريين والأجانب على حد سواء)، وطرد الآلاف منهم أو أجبروا على مغادرة البلاد. يوم 8 أبريل، أعيد فتح القناة، وتم تعزيز الموقف السياسي لعبد الناصر بشكل كبير بسبب فشل الغزو ومحاولة الإطاحة به. يقول أنثوني نوتنغ أن هذه الأزمة «هي التي جعلت ناصر أخيرا وبشكل كامل، رئيسا لمصر».

العروبة والاشتراكية

قبل سنة 1957، كانت القومية العربية هي الأيديولوجية السائدة في الوطن العربي، واعتبر المواطن العربي ناصر زعيمه بلا منازع. أرجع المؤرخ عديد دويشا الفضل في ذلك إلى «كاريزما» عبد الناصر، والتي عززها انتصاره في أزمة السويس، واتخاذه من القاهرة مقرا لإذاعة صوت العرب، التي نشرت أفكار عبد الناصر في جميع أنحاء العالم الناطقة باللغة العربية، وكتب المؤرخ يوجين روغان:

اللبنانيون المتعاطفون مع عبد الناصر والسفارة المصرية في بيروت اشتروا الكثير من وسائل الإعلام اللبنانية للمساهمة في زيادة نشر أفكار عبد الناصر عالميا. كما تمتع ناصر بدعم من المنظمات القومية العربية، في جميع أنحاء المنطقة. وكان العديد من أتباعه يمولونه تمويلا جيدا، ولكنهم افتقروا إلى أي هيكل أو تنظيم دائم. دعوا أنفسهم «الناصريين»، على الرغم من اعتراض عبد الناصر على التسمية، حيث قال أنه يفضل مصطلح «القوميين العرب». في يناير 1957، اعتمدت الولايات المتحدة مبدأ أيزنهاور وتعهدت بمنع انتشار الشيوعية في الشرق الأوسط. على الرغم من أن ناصر كان معارضا للشيوعية في المنطقة، كانت زعامته للعرب مُعتبَرة كتهديد من قبل الدول الموالية للغرب في المنطقة. حاول أيزنهاور عزل ناصر وتقليل نفوذه الإقليمي من خلال محاولة تحويل الملك سعود إلى موازينه. أيضا في يناير، رئيس الوزراء الأردني المنتخب، والمؤيد لعبد الناصر، سليمان النابلسي انضم بالأردن إلى معاهدة عسكرية مع مصر، وسوريا، والمملكة العربية السعودية. تدهورت العلاقات بين عبد الناصر والملك حسين في أبريل عندما اتهم حسين ناصر بالتورط في دعم محاولتي الانقلاب ضده، التي قادها علي أبو نوار ورفاقه على الرغم من أن عبد الناصر لم يشترك فيهما، وحل حسين حكومة النابلسي. انتقد ناصر في وقت لاحق حسين على راديو القاهرة، واصفا إياه بأنه «أداة للإمبريالية». أصبحت علاقات ناصر مع الملك سعود عدائية أيضا، حيث بدأ هذا الأخير في الخوف من أن زيادة شعبية عبد الناصر في المملكة العربية السعودية أصبحت تهديدا حقيقيا لبقاء العائلة المالكة. وعلى الرغم من معارضة حكومات الأردن والمملكة العربية السعودية، والعراق، ولبنان له، حافظ ناصر على مكانته بين المصريين ومواطني البلدان العربية الأخرى. بحلول نهاية سنة 1957، أمم ناصر كل ما تبقى من الشركات البريطانية والفرنسية في مصر، بما في ذلك مصانع التبغ والإسمنت والأدوية، والفوسفات، بينما لم تسفر جهود ناصر كتقديم حوافز ضريبية وجذب الاستثمارات الخارجية عن نتائج ملموسة، أمم ناصر المزيد من الشركات وجعلها جزءًا من منظمة التنمية الاقتصادية. كان ثلثا الاقتصاد لا يزال في أيدي القطاع الخاص حينها. حقق هذا المجهود قدرا من النجاح، مع زيادة الإنتاج الزراعي والاستثمار في التصنيع. بدأ ناصر إنشاء مصانع الصلب بحلوان، والتي أصبحت فيما بعد أكبر المشاريع في مصر، ووفرت عشرات الآلاف من فرص العمل. قرر ناصر أيضا التعاون مع الاتحاد السوفيتي في بناء سد أسوان كبديل للولايات المتحدة التي سحبت تمويلها للمشروع.

الجمهورية العربية المتحدة

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗