الأشعث بن قيس (599 - 661 م) صحابي من صحابة النبي محمد ممن أسلم عام الوفود. واسمه معديكرب، ولقب بالأشعث واشتهر به؛ لأنه كان أشعث الرأس دائمًا. كان أحد ملوك كندة حتى الإسلام، ولم تتفق كندة عليه ولا على جده ملكا بعد وفاة الملك امرؤ القيس بن حجر. ارتد الأشعث وتبعته أقوام من بني معاوية، وقيل امتنع عن الزكاة. وهو ابن خال معاوية بن خديج التجيبي أحد ولاة بني أمية. وزوج أخت أبي بكر الصديق. قاتل في اليرموك والقادسية، وكان ممن أجزل لهم خالد بن الوليد في العطاء مما أثار غضب عمر بن الخطاب؛ لأن ابن الخطاب أرادها لضعاف وفقراء المسلمين. وكان أحد أمراء موقعة صفين، وممن أشار على الخليفة علي بن أبي طالب بالتحكيم وهو سبب موقف الإثنا عشرية منه. غلب الأعور السلمي على الماء في تلك الموقعة وتولى ولاية أذربيجان في عهد عثمان بن عفان. وهو والد محمد بن الأشعث وجد عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، المعروف بـ«ابن الأشعث» نسبةً إليه، صاحب المواقع المشهورة مع الحجاج بن يوسف وقائد الثورة على الأمويين في العراق (81–82 هـ/700–701 م).
== نسبه == معد يكرب بن قيس بن معديكرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث الأصغر بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة.
== حاله في الجاهلية == ولد في شرق حضرموت عام 23 قبل الهجرة. ويستند هذا التاريخ إلى رواية أنه عاش ثلاثاً وستين سنة، وقد يكون مولده متأخراً عن ذلك حتى نحو سنة 605م، لأن أكبر أبنائه محمداً لم يولد قبل سنة 12 أو 13 هـ (633 أو 634م). وكان جده معدي كرب بن معاوية أول ملوك كندة في هذه الناحية، واقتتل مع قبائل من كندة من بنو تجيب مع بني عمرو بن معاوية وقبائل أخرى فانقسمت القبيلة على أكثر من ملك. وكان الأشعث، كأبيه وجده، رئيس بيت بني جبلة من بني الحارث الأصغر بن معاوية، وهو بطن لم يكن من أعلى بطون كندة شأناً حتى علا نجمه في أيامه أو أيام أبيه، وكان حصن النُّجير في أقصى شمال حضرموت لأسرته منذ أيام جده معديكرب. وأمه كبشة بنت شرحبيل بن يزيد من بني آكل المرار، وكانت له زوجة من البطن الذي تفرّع منه بنو وليعة، أبرز بيوت كندة في حضرموت، فربطته المصاهرتان بأكبر بيوت بني عمرو بن معاوية. اقتتل والد الأشعث مع قبيلة مراد وقتل في المعركة وهو الذي عرف بالأشج. وغزا الأشعث مراداً قبل إسلامه ليثأر لأبيه، فرُدّ وأُسر، وفدى نفسه بثلاثة آلاف بعير، وهو رقم يرى الباحث مايكل ليكر أنه مبالغ فيه، قُصد به إبراز مكانته في جنوب الجزيرة العربية، إذ يعادل ثلاثة أضعاف فداء الملك المعتاد. خلف الأشعث أباه وكان آخر الملوك في قومه. وتذكر بعض المصادر أنه وأباه كانا يهوديَّين، ويذكر الباحث خالد يحيى بلانكنشيب أن أباه كان قد اعتنق اليهودية، وهي ديانة كانت منتشرة في كندة وفي اليمن عموماً. ملك على أهل نجران في الجاهلية قبل الإسلام وسقطت عنهم العبودية في خلافة عمر بن الخطاب.
== إسلامه == أسلم عام الوفود، وورد أنه قدم في ستين إلى ثمانين راكب من قومه وفي الروايات اختلاف عن ما كان بين الأشعث والنبي. فرواية تقول أنه دخل على النبي مرتديا حريرا على عنقه فسأله النبي: «أو لم تسلموا؟» قالوا بلى فسألهم عن الحرير في أعناقهم وشقوه ثم قال الأشعث: «يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار» فتبسم النبي قائلا: «ناسبوا هذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث» ذلك بأنهما كانا يقولان بأنهما أبناء آكل المرار عند ترحالهما. ثم قال رسول الله لهم: «لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا، ولا ننتفي من أبينا» فقال لهم الأشعث: «والله يا معشر كندة لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته بثمانين». وفي هذه الرواية نظر لأن كتب الإخباريين لم تذكر حجر بن عمرو المعروف بآكل المرار من أجداد الأشعث بل إن جد الأشعث اقتتل مع أبناء آكل المرار جد الشاعر الجاهلي امرئ القيس. ومن أخذ بهذه الرواية قال: إن للنبي محمد جدة من كندة هي أم كلاب بن مرة إياها أراد الأشعث وهي من قصدها النبي بقوله «لا نقفو أمنا» أي لا نتبع أنساب أمهاتنا. بينما المثبت عند الإخباريين أن أم كلاب بن مرة هذا كانت من كنانة فلا يوجد سبب لقول النبي: «لا نقفو أمنا» فوضعت الرواية على الأشعث. فسكت رواة عن هذه الرواية مكتفين بذكر أن الأشعث قدم على رأس سبعين راكب على النبي. وورد أنه قدم على الرسول وشعره يصل لمنكبه فقال رجل عندما رأى الأشعث: «الحمد لله يا أشعث الذي نصر دينه وأعز نبيه وأدخلك وقومك في هذا الدين كارهين» فأمر الأشعث أحد عبيده ليضربه، وجاء في نفس الرواية أن الأشعث وقومه مكثوا بضعة أيام في المدينة ينحرون الجزر ويطعمون الناس. وورد أن الأشعث قال للرسول: «أتتكافأ دماؤنا» فرد النبي :«نعم ولو قتلت رجلا من باهلة لقتلتك به». وكان إسلامه ببيعته للنبي في المدينة سنة 10 هـ (631م)، ثم عاد إلى حضرموت التي كان النبي قد بعث إليها زياد بن لبيد الأنصاري عاملاً.
== ردته == تُجمع المصادر التاريخية الإسلامية على أن الأشعث بن قيس الكندي ارتد عن الإسلام بعد وفاة النبي محمد، وتزعم حركة العصيان المسلح في بلاد حضرموت ضد خلافة أبي بكر الصديق. لم تبدأ حركة الأشعث بن قيس بدوافع دينية أو ادعاء للنبوة، بل بدأت كخلاف سياسي ومالي ذي طابع قبلي. فبعد وفاة النبي محمد، وقع نزاع حاد في حضرموت بين عامل المدينة المنورة (زياد بن لبيد الأنصاري) وبين بطون من قبيلة كندة حول جباية أموال الصدقة والزكاة وطريقة التعامل مع القبائل. انحاز الأشعث بن قيس إلى قومه من بني الحارث بن معاوية (من كندة) دافعاً العصبية القبلية وحمية قومه. وتذكر الروايات التاريخية أنه جمع قبائل كندة والتفوا حوله، معلنين التمرد العسكري ورفض سلطة المدينة المنورة والامتناع عن دفع الزكاة، وهو ما صنفته الخلافة في المدينة المنورة كحركة ردة وخروج عن الجماعة.
=== معركة حصن النُجير === وجه الخليفة أبو بكر الصديق جيوشاً بقيادة المهاجر بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل لمؤازرة زياد بن لبيد والسيطرة على الأوضاع في اليمن وحضرموت. دارت مواجهات عسكرية عنيفة بين جيوش المسلمين وقوات كندة بقيادة الأشعث بن قيس. وكان زياد بن لبيد قد أوقع ببني عمرو بن معاوية، فلما قُتل رؤساء بني وليعة جعل بنو عمرو الزعامة للأشعث مقابل نصرته، فصار أقوى رؤساء كندة. وهزم الأشعث المسلمين قرب تريم وحاصرهم فيها، ثم انفضّ عنه كثير من أنصاره لما أظهر رضاه بقتل فتى من كندة رسولاً بعثه زياد، لكنه هزم مع ذلك جيشاً أكبر للمسلمين، فيه كثيرون من السكون من كندة، في وادي زرقان. اضطر الأشعث وقواته، تحت وطأة الضغط العسكري، إلى التراجع والتحصن في حصن النُجير (وهو حصن منيع في حضرموت، على بعد نحو 28 كيلومتراً شرق-شمال شرق تريم). فرضت جيوش المسلمين حصاراً محكماً وطويلاً على الحصن حتى ضاقت الأقوات على المتحصنين فيه. عندما أيقن الأشعث بن قيس بالهزيمة، خرج سراً لطلب الأمان؛ فصالح القادة المسلمين على فتح أبواب الحصن مقابل تأمين عدد محدد من أهله وقومه (قيل تسعة أفراد)، فنجّى أهل بيته، لكن الاتفاق لم يتضمن أماناً له هو نفسه، ودخلت الجيوش الحصن واستسلم بقية المقاتلين وقُتلوا. أُرسل الأشعث بن قيس مكبلاً بالأصفاد مع الأسرى إلى المدينة المنورة للمثول بين يدي الخليفة أبي بكر الصديق. وتذكر الروايات أنه عندما دخل على أبي بكر، قال له: "تفتديني بدمي، وتستعملني على إسلامي، وتزوجني أختك أُم فروة، وتكف عني وعن مالي؟"،قبل أبو بكر الصديق توبته وعفا عنه، وعقد له على أخته أم فروة (وقيل: قريبة) بالمدينة، وهو شرف لم ينله أحد غيره من رجال الردة، فصار الأشعث أداةً لاسترضاء كندة بعد هزيمتها وتقريبها من النظام الإسلامي الجديد، ليعود الأشعث بعد ذلك إلى صفوف المسلمين، حيث شهد لاحقاً المعارك والفتوحات الكبرى مثل معركة القادسية واليرموك. وولدت له أم فروة خمسة من أولاده، منهم أكبر أبنائه محمد، والد عبد الرحمن بن الأشعث.
== أدواره لصالح الخلافة == ولاه الوليد بن عقبة عاملُ عثمان بن عفان على الكوفة ولايةَ أذربيجان، وكان ممن شارك في يوم اليرموك وأصيبت عينه فيها. شارك في القادسية وأصفهان مع النعمان بن مقرن والمدائن وجلولاء ونهاوند، واختط بالكوفة دارًا في كندة ونزلها. وشهد تحكيم الحكمين، وكان آخر شهود الكتاب. وكان كبير أمراء جيش علي بن أبي طالب في معركة صفين. وكان قد شهد اليرموك مع كندة سنة 15 هـ (636م)، ثم بعثه أبو عبيدة إلى العراق لينضم إلى جيش سعد بن أبي وقاص، فشهد القادسية واستقر في الكوفة مع كثير من كندة، فصار هو ومنافسه مالك الأشتر النخعي أبرز زعماء اليمانية فيها، وكانوا أغلبية متزايدة من سكانها. ونافسه على زعامة كندة في الكوفة شرحبيل بن السمط، وهو من بني جبلة أيضاً، فلما حظي شرحبيل عند سعد بن أبي وقاص والي الكوفة، دبّر الأشعث مع جرير بن عبد الله البجلي أن يشكوه جرير إلى عمر، فأمر عمر بنقل شرحبيل إلى الشام، وخلصت للأشعث زعامة كندة الكوفة. وبقي والياً على أذربيجان منذ ما قبل سنة 29 هـ (650م) حتى خلافة علي، وقضى معظم ولايته في الحملات التي ثبّتت الحكم الإسلامي فيها، ومنها إنشاء أول حامية إسلامية دائمة في عاصمتها أردبيل، وكان يتلقى منها مئة ألف درهم في السنة، مما أعانه على الحفاظ على أتباعه في الكوفة. وبإشارة من عثمان استبدل أرضه في حضرموت بضيعة من أملاك الخلافة في قرية طيزناباذ من السواد قرب الكوفة. كان ضمن الوفد الذي أُرسل إلى يزدجرد ملك الفرس قبل معركة القادسية في خلافة عمر بن الخطاب. وكان شجاعا جدا مقدما في الحروب حتي ان خالد بن الوليد عندما خصه في الغنائم لدوره المتميز عاتبه عمر بن الخطاب ونهره.
=== في خلافة علي === لما استدعى علي بن أبي طالب ولاة عثمان وطالبهم بتقديم حساب مالي عن مدة ولايتهم استاء الأشعث من ذلك، وبسبب هذا ولصلته بعثمان، إذ كانت ابنته زوجةً لـعمرو بن عثمان أكبر أبنائه، فكّر في اللحاق بـمعاوية، ثم قرر بعد مشاورة قومه البقاء في الكوفة، فولّاه علي رئاسة قسم كندة وربيعة، ربما لإرضائه وإشغاله، ثم عزله وولّى مكانه حسان بن مخدوج الذهلي من ربيعة، فعدّت كندة ذلك إهانة لها لتأخر منزلة ربيعة في التراتب القبلي، لكن الأشعث قبل في النهاية قيادة ميمنة جيش علي بدلاً من ذلك. وقاد الأشعث في صفين (37 هـ/657م) فرقةً من جيش علي، وكان له دور ملتبس في المفاوضات التي تلتها، ويُنسب إليه فرض أبي موسى الأشعري على علي حَكَماً عنه في مقابل عمرو بن العاص حَكَم معاوية. ويرى الباحث خالد يحيى بلانكنشيب أن الأشعث وأبا موسى كانا يميلان إلى السلم، وربما تأثرا في ذلك بكونهما يمانيَّين، إذ كان اليمانية كثيرين في الشام والعراق معاً، وكانت كندة خاصةً قوية في البلدين. وقد لامته الروايتان السنية والشيعية على مناوراته السياسية، لكنه لم يتخلَّ عن علي ولا عن ابنه الحسن، وبقي من كبار رجال دولته، وزوّج ابنته جعدة من الحسن بن علي. ويرى المؤرخ هيو كندي أن تأييده للتحكيم أملته خبرته المباشرة بإيران التي لم تكن قد استقرت بعد، وخشيته من أن يستغل أعداء المسلمين فتنتهم، إلى جانب رغبته في ألا يقوى علي، لاعتماده الكبير على القراء ورعايته منافسَه على زعامة كندة حجر بن عدي. ولما قتل بعض الخوارج عبد الله بن خباب ورفضوا تسليم قتلته، ألحّ الأشعث على علي في معاقبتهم، وقاتلهم في معركة النهروان سنة 38 هـ/658 م. وتتهم بعض المصادر ابنته جعدة بأنها سمّت زوجها الحسن، وهي تهمة يرى الباحث أسد أحمد أنها على الأرجح من دعاية العلويين على الأشعث. ويرى كندي أن انتصار معاوية بعد مقتل علي سنة 40 هـ/661 م كان انتصاراً لرؤساء القبائل في الكوفة، ولا سيما الأشعث وابنه محمد.
== ذريته == وله من الأولاد: النعمان، والحارث، وأمهما بنت جمد الكندي، ومحمد، وقيس، وإسحاق، وإسماعيل، وحبّانة، وأم قريبة، وجعدة، وأمهم أم فروة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق. وظل ابنه محمد ثم حفيده عبد الرحمن بن محمد من أصحاب النفوذ الكبير في الكوفة حتى ثورة الحفيد ومقتله (81–85 هـ/700–704م) التي أنهت سلطان الأسرة، وقد أثّرت هذه الثورة ونهايتها الكارثية في صورة الأشعث في الروايات التاريخية، فأبرزت دهاءه وتقلبه. وعُرف أعقابه في المصادر بـ«الأشاعثة»، وكانوا من أبرز بيوت الأشراف العرب في العراق. وخلفه ابناه قيس ومحمد في زعامة كندة الكوفة؛ فقاد قيس كندة في الجيش الأموي الذي قاتل الحسين بن علي في معركة كربلاء سنة 61 هـ/680 م، وولي محمد طبرستان للأمويين ثم الموصل لـعبد الله بن الزبير، وقُتل سنة 67 هـ/686 م وهو يقاتل المختار الثقفي مع مصعب بن الزبير. وكان لمحمد من الأبناء إسحاق والقاسم والصبّاح وإسماعيل، وعبد الرحمن الذي اشتهر بـ«ابن الأشعث» نسبةً إلى جده، فقاد سنة 81 هـ/700 م ثورة عارمة لأهل العراق على الحجاج والأمويين انتهت بهزيمته في وقعة دير الجماجم سنة 82 هـ/701 م، ثم بموته عند رتبيل ملك زابلستان سنة 85 هـ/704 م. وتراجع نفوذ الأسرة السياسي كثيراً في جيلها الرابع؛ فقد انضم محمد وعثمان ابنا إسحاق بن محمد إلى ثورة يزيد بن المهلب سنة 101 هـ/720 م، وقاد المنذر بن محمد بن إسحاق كندة في الجيش الأموي الذي قاتل زيد بن علي سنة 122 هـ/740 م، وتولى أحد أعقابه، طلحة بن إسحاق بن محمد، نيابة الكوفة للعباسيين سنة 759 م. ومن أعقابه في الجيل السابع الفيلسوف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت. 873 م).
== وفاته == توفي في الكوفة في 27 شوال سنة 40 للهجرة (5 مارس 661م)، بعد مقتل علي بن أبي طالب بأربعين ليلة، في أثناء خلافة الحسن بن علي الذي كان قد بايعه. وأمر الحسن بن علي أن يغسل بالكافور وأن يوضؤوه. وكانت ابنة الأشعث جعدة وقيل جعيدة زوجة للحسن بن علي، وصلى عليه الحسن.

