الفَتْحُ الإسْلَامِيُّ للشَّامِ، وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِلشَّامِ، هي سلسلةٌ من المعارك العسكريَّة وقعت بين سنتيّ 12هـ \ 633م و19هـ \ 640م بهدف فتح دولة الخِلافة الرَّاشدة للشَّام أو ولاية سورية الروميَّة، وقد تولّى قيادة تلك الحملات كُلٍ من خالد بن الوليد وأبو عُبيدة بن الجرَّاح ويزيد بن أبي سُفيان بشكلٍ رئيسيّ، وقد أفضت في نتيجتها النهائية إلى انتصار المُسلمين، وخروج الشَّام من سيطرة الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة ودُخولها في رقعة دولة الخلافة الراشدة. بدأت معارك فُتوح الشَّام في خلافة أبي بكر بعد نهاية حُروبُ الرِّدَّة، وكانت قد اندلعت مُناوشاتٌ بين الدَّولة الإسلاميَّة التليدة والإمبراطوريَّة البيزنطيَّة مُنذُ سنة 629م في غزوة مؤتة، غير أنَّ المعارك الحاسمة وقعت في خلافة عُمر بن الخطَّاب، وكان أهمها معركة اليرموك التي هُزم فيها الجيشُ الرومي هزيمةً ساحقة حدَّدت مصير البلاد. فُتحت العديد من المُدن الشَّاميَّة سلمًا دون قتال، بعد أن أعطى المُسلمون أهلها عهدًا بحفظ الأمن والأملاك الخاصَّة، والحُريَّة من الرق، وعدم التعرُّض للدين ودُور العبادة بما فيها الكُنس والكنائس والأديرة والصوامع وكذلك عدم إرغام النَّاس على اعتناق الإسلام، ومن هذه المدن: بعلبك، وحماة، وشيزر، ومعرَّة النُعمان، ومنبج؛ والقسمُ الثاني من المُدن فُتحت سلمًا، إنما بعد حصارٍ طويلٍ، لا سيَّما في المواقع المهمَّة حيث وجدت حاميات روميَّة كبيرة، ومنها: دمشق، والرقَّة، وحمص، وبيت المقدس؛ أما القسم الثالث من المُدن فقد فُتح حربًا، ومنها رأس العين، وحامية غزة، وقرقيساء، في حين استعصت جرجومة في الشمال حتى عهد عبد الملك بن مروان الأُموي. جرت معارك فتح الشَّام تزامُنًا مع معارك فتح العراق وفارس، وقد وجد الكثير من المؤرخين أنَّ سُقوط الشَّام السريع نوعًا ما، يعود إلى عاملين أساسيين: أولهما إنهاك الجيش الرومي بعد الحرب الطويلة مع الفُرس، وثانيهما سخط قطاعٍ واسعٍ من الشعب على السياسة الرومية، وهو ما دفع بعض القبائل والجهات المحليَّة لِمُساعدة المُسلمين مُساعدةً مُباشرة. لكنّ الرُّواة والمُؤرخين اختلفوا حول سير المعارك وما حصل بعد أجنادين، فقال البعض أنَّ دمشق افتُتحت بعد أجنادين، وقال آخرون أنَّه بعد أجنادين كانت اليرموك ثُمَّ دمشق وفحل معًا، في حين تذكر روايات كثيرة أُخرى أنَّهُ بعد أجنادين كانت فحل بالأُردُن، وبقيت تلك مُشكلةً لم يجرِ التوصُّل إلى حلٍّ لها في تاريخ صدر الإسلام. أقبل أغلب الشَّوام على اعتناق الإسلام بعد سنواتٍ من الفتح، واستقرَّت العديد من القبائل العربيَّة المُجاهدة في البلاد الجديدة واختلطت بأهلها، ومع مُرور الوقت استعرب غير العرب من أهالي الشَّام وأصبحوا يُشكِّلون جُزءًا مُهمًا من الأُمَّة الإسلاميَّة.
== نُبوءة فتح الشَّام في المُعتقد الإسلامي == يُؤمن المُسلمون بأنَّ الرسول مُحمَّد تنبأ وبشَّر بِفتح الشَّام قبل حُصول هذا الأمر بِسنواتٍ عديدةٍ، ووردت في ذلك عدَّة أحاديث، ومن ذلك حديثٌ رواه الإمام مُسلم بن الحجَّاج في صحيحه عن جابر بن سمُرة عن نافع بن عُتبة عن الرسول أنَّهُ قال: «تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللهُ». وفي روايةٍ أُخرى أنَّ النبي بشَّر بِفتح الشَّام وبُلدانٍ أخرى كثيرة خِلال مُعاونته المُسلمين حفر الخندق حول المدينة المُنوَّرة للحيلولة دون اقتحامها من قِبل مُشركي قُريش، سنة 5هـ، ففي حديثٍ منقولٍ عن ميمون بن أُستاذ أنَّهُ قال: «حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ: "لَمَّا كَانَ حَيْثُ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، عَرَضَتْ لَنَا صَخْرَةٌ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، فَقَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ"، فَكَسَرَ ثُلُثَهَا، فَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَنْظُرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ""». وفي حديثٍ آخر رواهُ الإمام مُسلم عن ثوبان بن بجدد مولى الرسول: «إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ مُلْك أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَإِنِّي أُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ…»، ويتفق العُلماء والمُفسرون أنَّ المقصود بالأحمر هو كنز قيصر الروم الإمبراطور هرقل؛ لأنَّ الغالب عند الروم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى الثاني شاه فارس؛ لأنَّ الغالب عندهم كان الفضة والجوهر، وقد ظهَر ذلك في زمان الفتوح في خِلافة عُمر، فإنه سِيق إليه تاج كسرى وحِليته، وما كان في بُيوت أمواله، وجميع ما حوَته مملكته على سَعتها وعَظمتها، وكذلك حصل بِهرقل لمَّا فُتِحت بلاده.
العلاقات العربيَّة الروميَّة قبل الفُتوح
تجاور العربُ والرُّومُ في شمال شبه الجزيرة العربيَّة وفي الشَّام طيلة قُرون، وقامت عدَّة ممالك عربيَّة مُنذُ أن دخلت المنطقة تحت جناح الروم في تلك المنطقة غالبًا ما خضعت للهيمنة الرومية، ولمَّا اعترفت الإمبراطوريَّة بالمسيحيَّة دينًا رسميًّا، كان العربُ الشوام في مُقدِّمة الشُعوب الرومية التي تنصَّرت، وقد بدأ تنصيرهم بشكلٍ مُكثَّفٍ في القرن الرابع الميلاديّ بعد أن قويت المسيحيَّة في الشَّام على أثر الحُريّة التي منحها الإمبراطور قسطنطين الأوَّل. وتواصل تنصُّرُ عرب الشَّام في القرن الخامس. وفي أواخر القرن السادس كانت المسيحيَّة غالبة على عرب الشَّام وتمّ ذلك بفضل الرُهبان المتُواجدين في الصحراء وأحيانًا بحملاتٍ تبشيريَّةٍ مُنتظمةٍ قام بها بعض الأساقفة. وأقام الرُومُ للعرب أساقفة عُرفوا بأساقفة المضارب أو «أساقفة العرب». تذكر سيرة القديس أفتيميوس الذي عاش في صحراء القدس في القرن الخامس أنه نصّر شيخ قبيلة عربيَّة اسمه اسباباط بعد أن شُفي ابنه المُصاب بالشلل وتنصّرت معهُ القبيلة كُلَّها. وسُمِّي الشيخ أسقفًا باسم بطرس. وكان هناك مركزان آخران لأساقفة المضارب قرُب دمشق وقرب بعلبك واشترك أساقفتها في المجامع التي عقدت في هذه الفترة. أمَّا عرب شمال الشَّام فقد تنصَّر عددٌ كبيرٌ منهم بفضل القديس سمعان العمودي ومنهم بنو تنّوخ في حاضر قنسرين وحلب. تتفقُ مُختلف المصادر على أنَّ قبائل قضاعة كانت من أوَّل القبائل التي قدمت الشَّام واستوطنتها واعتنقت المسيحيَّة، فيقول المسعودي: «وَكَانَت قَضَاعَةُ أَوَّلَ مَن نَزَلَ الشَّامِ وَانضَمُّوا إِلَى مُلُوكِ الرُّومِ فَمَلَّكُوهُمُ بَعْدَ أَن دَخَلُوا فِي النِّصْرَانِيَّةِ عَلَى مَن حَوَى الشَّامَ مِنَ العَرَبِ». كذلك هاجرت قبيلة الضجاعم السليحيَّة إلى أطراف الشَّام زمن الروم حيثُ ملكوا المنطقة المُمتدَّة من فلسطين إلى قنسرين قبل وُصول الغساسنة. وفي شمال الشَّام استقرّت قبائل تنّوخ قادمة من العراق هربًا من ضغوط الفُرس وذلك خِلال القرن الثالث الميلاديّ واستقرَّت في مناطق قنسرين وحلب ويروي الخُبراء أن هُناك قبائل أُخرى نزحت إلى الشَّام من ذُريّة كهلان وطيء وعاملة ولخم وجذام. لكنَّ أبرز قبائل الشَّام العربيَّة التي تعود للعصر الرومي وأبعدها أثرًا هي دون شك قبيلة الغساسنة. ويرجعُ أصلُ الغساسنة إلى أزد اليمن، هاجروا من جنوبي شبه الجزيرة العربيَّة إلى بادية الشَّام قبل أو بعد حادثة سيل العرم، بفعل تصدُّع سد مأرب أو تهدُمه، وقد سبَّب ذلك تدهور نُظم الزراعة والرَّي، ونقص الإنتاج. وقد وفد الغساسنة على الشَّام أواخر القرن الخامس الميلاديّ، عندما خلت البادية بين حوران والفُرات وعلى امتداد خمسُمائة كيلومتر من أي وُجودٍ عسكريٍّ رومي وتخلّى الرُومُ عن الحزام المُمتد بين دمشق وتدمر. لِتتراجع حُدود الإمبراطوريَّة إلى مُثلَّث الرِّقَّة - سورة - الرصافة. ولمَّا وصل بنو غسَّان إلى الشَّام أقاموا في ديار الضجاعمة السليحيّون مُقابل الجزية، وكان هؤلاء وُكلاء للروم يجبون لهم الأموال من القبائل التي تنزلُ بساحتهم، وكانت إمارتهم تمُرُّ بدور الضعف والشيخوخة، ويبدو أنَّ غسَّان شعرت بِضُعف سليح، فتوقفت عن دفع الجزية، ونشبت بين الطرفين حربٌ ضروس انتصرت غسَّان وأبادت سليح وحلَّت مكانها في المكان والوظيفة، وعيَّن القيصر الرومي أنستاسيوس الأوَّل بني غسَّان وُكلاء للروم مكان سليح، وكتب بينهُ وبينهم كتابًا فيما يُشبه الحلف العسكري في سنة 502م، وهكذا قامت مملكة الغساسنة التي تُدينُ بولائها للروم.
عمِل الروم على مدِّ سُلطانهم إلى العربيَّة الجنوبيَّة والتحالف مع عرب تلك الناحية من شبه الجزيرة كذلك الأمر، ويرجعُ التفاعل بين الروم وعرب الجنوب إلى القرن الأوَّل للميلاد على الأقل، عندما تطلَّعت رومة صوب مملكة سبأ ومُدنُها التجاريَّة، فتحالفت مع الأحباش لِتحقيق مصالحها في اليمن بعد أن اعترض اليمنيون السُفن الرومية، واستولت على بعض الأماكن في اليمن في عهد الإمبراطور كلوديوس، وتمكَّنت خِلال القرن الثالث الميلادي من مد نُفوذها الفعليّ إلى تلك الناحية من شبه الجزيرة عبر حليفتها مملكة أكسوم الحبشيَّة التي أعلنت المسيحيَّة دينًا رسميًّا لها، وعبر المُبشرين الشّوام من عربٍ وسُريان الذين عملوا على نشر النصرانيَّة في اليمن. وقد تلقّى الأحباش الدعم والتشجيع من الإمبراطور البيزنطي قنسطنس الذي كان يهدف إلى نشر الدين المسيحيّ في بلاد العرب، فانقضوا على اليمن وسيطروا عليها سيطرةً تامَّةً سنة 345م، وقد استمرَّت سيطرتهم أقل من أربعين سنة بقليل. وكان بعضُ النُبلاء ومُلوك اليمين يتذمرون من تنامي النُفوذ الحبشي والرومي، فقاموا بُمحاربة المسيحيَّة السياسيَّة عبر فكرٍ دينيٍّ سياسيٍّ آخر، فجلب الملك أبو كرب أسعد الديانة اليهوديَّة من يثرب ودعا اليمنيين إلى اعتناقها ففعلوا، وهدموا العديد من الهياكل والمعابد المُكرَّسة للآلهة الوثنيَّة. وكان من نتيجة هذا الأمر أن أصبحت اليمن أرضًا خصبةً لامتداد النُفوذ الفارسي المُناوئ لِلروم إليها، وجرت فيها عدَّة نزاعات للسيطرة على أجهزة المملكة الحِميريَّة، فدعم الفُرس اليهود وأتباع المذاهب المسيحيَّة المُناهضة للروم مثل النُسطوريَّة، فتمكنوا بدايةً من السيطرة على البلاد، ثُمَّ انحسر نُفوذهم أمام النُفوذ الرُومي، وانتشرت المسيحيَّة في طول البلاد وعرضها، واستحال النصارى هم سادة اليمن الحقيقيين. لكنَّ هؤلاء تعرَّضوا للاضطهاد الشديد في عهد الملك ذو نوَّاس يُوسُف أسأر الحِميري، الذي اعتنق اليهوديَّة كي يُحارب بها المسيحيَّة السياسيَّة، فجمع أهل نجران وخيَّرهم بين العودة إلى الوثنيَّة أو الموت حرقًا، ففضَّل مُعظهم الموت في سبيل الإيمان، فحفر ذو نوَّاس أخاديد في الأرض وألقى المسيحيين فيها مع أناجيلهم وأضرم فيهم النار أحياء، ووردت تلك القصَّة في القُرآن بِسورة البُروج: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩﴾ [البروج:4–9]. عند ذلك ثارت حفيظة بيزنطة وعقدت العزم على عزل ذي نوَّاس عن حُلفائه الفُرس، فتمَّ إبرام صُلح بين الروم والفُرس تخلَّت فارس بموجبه عن مصالحها في اليمن.
ساهم عربُ الشمال في القِتال إلى جانب الرُوم دفاعًا عن الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ففي أواخر صيف سنة 502م هاجم قباذ شاه فارس والنُعمان بن الأسود ملك الحيرة الجزيرة الفُراتيَّة وشمالي الشَّام، فحاصر قباذ آمُد وتوغَّل النُعمان إلى حرَّان وتوجَّه صوب الرَّها، واضطرَّت الجُيوش الرومية نتيجة الضغط العسكري إلى الانسحاب من أمام الجُيوش الفارسيَّة والعربيَّة، وسقطت آمُد في شهر كانون الثاني (يناير) سنة 503م، وافتدت نفسها بالمال. لم يقف الحليفان الرومي والغسَّاني موقف المُتفرِّج تجاه هذا الهُجوم الفارسي - الحيري، ففي صيف تلك السنة ردَّ الغساسنة عرب الحيرة المناذرة عن منطقة الخابور، وواصلوا هُجومهم حتَّى وصلوا إلى الحيرة نفسها، وواصلوا القتال مع المناذرة في الوقت الذي كان فيه الروم والفُرس يتباحثان في شُروط الصُلح، التي أُجبر الفُرس على قُبولها. وفي سنة 528م، أي خِلال عهد الملك الغسَّاني الحارث بن جَبَلة، نشبت حربٌ بين الغساسنة والمناذرة بقيادة الملك المُنذر بن ماء السماء كان من نتيجتها أن هُزم هؤلاء وارتدوا على أعقابهم، وفي السنة التالية (529م) ثار السامريين في فلسطين على الحُكم الرومي، فأقدم الحارث على قمع ثورتهم، ثُمَّ أقرَّ سُلطته على القبائل العربيَّة في أطراف الشَّام وفرض الأمن على حُدود الإمبراطوريَّة، فكافأهُ الإمبراطور جُستنيان الأوَّل بأن منحهُ لقب «بطريق»، وكان هذا من أسمى الألقاب الرومية. ويبدو أنَّ علاقة عرب الشَّام بالروم في عهد الحارث لم تكن علاقة تبعيَّة بالمُطلق، فقد تمتَّع بقدرٍ من الاستقلال الذاتي، ومن الأدلَّة على ذلك أنَّهُ اشترك في الحملة الروميَّة ضدَّ الفُرس سنة 541م، غير أنَّهُ لم يكد يعبر دجلة حتَّى انسحب من الحملة بسبب خِلافٍ حصل بينهُ وبين قائد الحملة على الأرجح. وعلى الرُغم من التقدير الكبير الذي حظي به الحارث والغساسنة عند الإمبراطور البيزنطي، إلَّا أنَّ حاجزًا استمرَّ قائمًا بينهم، ولعلَّ السبب الأبرز وراء ذلك هو اتباع الغساسنة المذهب المونوفيزيتي، أي مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح المُناهض لِمذهب الدولة الرسمي، ورفضهم هذا الأخير رُغم مُحاولات الرُوم الكثيرة فرضه على كافَّة أنحاء الشَّام. وفي سنة 570م، خلف المُنذر الأكبر بن الحارث أباه سالِف الذِكر، واستهلَّ حُكمه بالحرب مع ملك الحيرة قابوس فانتصر عليه يوم 20 أيَّار (مايو) 578م (وعند البعض سنة 570م)، ويبدو أنَّ الروم كانوا يُعارضون هذا التَّوجّه العسكريّ في المنطقة ويعملون على لجم العرب تنفيذًا لِبُنود المُعاهدة المعقودة مع الفُرس في سنة 561م، كما أنَّهم لم يستحسنوا تطرُّفه في تأييد المذهب اليعقوبي، فتوقفوا عن دفع المال الذي كانوا يُقدمونهُ للغساسنة ما سبَّب القطيعة بين المُنذر والإمبراطور جستين الثاني. وارتفعت حدَّة التوتر بين الغساسنة والروم في هذه الفترة، إذ دبَّر الإمبراطور مُؤامرةً لِاغتيال المُنذر، فعلِم الأخير بالأمر وهرب إلى البادية، واضطرَّ الروم إلى استرضائه مرَّة أُخرى بعد أن هاجم المناذرة الشَّام أثناء غيابه، كي يعود ويُدافع عن بلاده. وقد حاول المُنذر تصحيح العلاقات مع الروم، فزار القُسطنطينيَّة في 8 شُباط (فبراير) سنة 580م حيثُ استُقبل بحفاوة، وسعى للحُصُول على العفو عن أصحاب مذهبه المونوفيزيتي، وعمل على توطيد السلام مع الروم ، لكنَّهُ واجه مُعارضةً شديدة من رجال الدين وبعض كِبار رجال الدولة المُتزمتين، الذين أخذوا يُحرِّضون الإمبراطور عليه. واتهم هؤلاء المُنذر بالتواطؤ مع الفُرس بعد أن شارك في حملةٍ عسكريَّة مع عامل الروم على الشَّام المدعو موريقيوس وباءت بالفشل، فتقرَّر القبض عليه انتقامًا. ويبدو أنَّ المُنذر أراد أن يُثبت حُسن نيَّته تجاه حُلفائه الروم، فهاجم الحيرة وألحق بها أذىً كبيرًا من دون التنسيق معهم، فعدَّ القيصر ذلك تحديًا له ورغبةً من الغساسنة بالخُروج على طاعته، فقُبض على المُنذر ونُفي إلى صقلية حيثُ بقي حتَّى وفاته، وأمر بقطع المُساعدة السنويَّة التي كان الروم يُقدمونها إلى الغساسنة.
أثار الإجراء الرومي ثائرة أبناء المُنذر فشقّوا عصا الطاعة على الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، فتركوا ديارهم وتحصَّنوا في البادية، واتخذوها مركز انطلاق لِشن الغارات على المناطق الرومية بِقيادة النُعمان، وهو الأخُ الأكبر (أو شقيق المُنذر وفق أحد المصادر)، فتعرَّضت بُصرى لِغاراتهم، واستولوا على حوران، ما دفع الإمبراطور البيزنطي موريقيوس إلى تجهيز حملة لِتأديبهم، وقد تمكنت تلك الحملة من القبض على النُعمان وأرسلهُ قائدها ماگنوس إلى القُسطنطينيَّة مُكبلًا. تصدَّعت مملكة الغساسنة على إثر هذه الأحداث وتفكَّكت عُرى وحدتها، واختارت كُل قبيلةٍ أميرًا عليها، وراحت تتطاحن فيما بينها وتُغيرُ على المناطق الحضريَّة في الشَّام، وزاد الغزو الفارسيّ للشَّام الوضع سوءًا وتعقيدًا، الأمر الذي دفع الروم إلى تعيين ملكٌ غسَّاني جديد لِيقوم بضبط الوضع وإعادة الأمن إلى نصابه وحِماية الحُدود من هجمات الفُرس وحُلفائهم الحيريين، واستمرَّ الأمر على هذه الحال حتَّى انتصر الروم على الفُرس سنة 628م. وفي تلك الفترة، كان الرسول مُحمَّد قد وطَّد دعائم الدولة الإسلاميَّة في المدينة المُنوَّرة، وأرسل العديد من الرسائل إلى الحُكَّام المُجاورين، ومنهم نجاشي الحبشة أصحمة بن أبجر، وكسرى الثاني شاه فارس، والمُقوقس قيرس السَّكندري عامل الروم على مصر، وهرقل قيصر الروم، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وقد قام دحية بن خليفة الكلبيّ بنقل رسالة الرسول إلى هرقل، وكان نص الرسالة كالتالي: « مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾». وتنص المصادر الإسلاميَّة أنَّ هرقل أقرَّ بنبوة مُحمَّد ثُمَّ أبلغ حاشيته بذلك فـ«حَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرٍ الوَحْشِ»، وإذ خشي ثورتهم ومن خلفهم ثورة شعبه، تراجع مُعلنًا أنه كان يختبرُ إيمانهم بالمسيح فحسب.
أوضاع الشَّام عشيَّة الفُتوح الإسلاميَّة
الوضع السياسي
قبعت الشَّام تحت ظل الحُكم الرومي ما يقرب من سبعة قُرون قبل أن تسقط بين المُسلمين، وقد تخلل ذلك فترة قصيرة سقطت خِلالها في يد الفُرس الساسانيين، قبل أن يستعيدُها الروم بِقيادة الإمبراطور هرقل. دام الاحتلال الفارسيّ للشَّام حوالي 17 سنة، وفي سنة 626م حاصر الفُرس القُسطنطينيَّة نفسها وهددوها بالسُقوط، لكنَّ هرقل كان قد أعدَّ خِلال هذا الحِصار خطَّةً عسكريَّةً لاجتياح فارس انطلاقًا من شمالي القفقاس بمُعاونة الأرمن والكرجيّون والخزر، فاستولى أولًا على مدينتيّ تفليس ودوين في أرمينية، ودخل مدينة جانزاك عاصمة أردشير الأوَّل، وأشعل النَّار في معبد زرادشت المجوسي انتقامًا لِما أنزلهُ الفُرس بكنيسة القيامة من خرابٍ ودمار عندما اجتاحوا الشَّام، وفرَّ الشاه كسرى الثاني من المدينة، لكنَّ هرقل اضطرَّ إلى إيقاف حملته والعودة إلى القُسطنطينيَّة بعد أن تعرَّضت لِهُجوم الآڤار حُلفاء الفُرس من الغرب، فاستغلَّ كسرى الفُرصة وهاجم العاصمة الرومية من الشرق، غير أنَّ فشل هُجوم الآڤار حملهُ على الانسحاب، وارتدَّ إلى الشَّام.
أتاحت هذه الظُروف الفُرصة لِهرقل لِيستكمل خِطَّته الهُجوميَّة التي كان قد أعدَّها، فشرع في خريف سنة 627م بالزحف نحو الأراضي الفارسيَّة، وظهر أمام نينوى. وهُناك نشبت المعركة الحاسمة التي قرَّرت مصير النزاع بين فارس والروم، فأحرز هرقل نصرًا واضحًا، وحلَّت بالجيش الفارسي هزيمة ساحقة، ثُمَّ واصل زحفه باتجاه المدائن فاستولى عليها في سنة 628م، وكان كسرى الثاني قد هرب منها عند اقتراب الجيش الرومي. وما حدث آنذاك من انقلابٍ في فارس، إذ جرى عزل كسرى الثاني وقتله وتوليه ابنه قباذ الثاني شيرويه العرش؛ جعل من استمرار الحرب أمرًا لا داعي له، فعقدت الدولتان اتفاقيَّة صُلح استردَّ الروم بِمُوجبها ما كان لهم من أملاكٍ في أرمينية والجزيرة الفُراتيَّة والشَّام. تركت الحرب البيزنطيَّة الفارسيَّة الإمبراطوريتين مُنهكتين، فلم يتمكَّن هرقل من استعادة التوازن الإمبراطوري، وقد أدّى توالي الأزمات الدَّاخليَّة والخارجيَّة السريعة إلى عدم الاستقرار والتناقُضات والتقلُّب، وهي الأُمور التي فرضت على هرقل أن يظل في حالةٍ مُضطربة. وبِتنامي القُوَّة الإسلاميَّة، شعرت القبائل العربيَّة المُوالية لِلروم في جنوبي الشَّام بِحُدوث تغيُّرٍ دينيٍّ وسياسيٍّ في الحجاز، على مقربةٍ منها، تمخَّض عن قيام حُكومةٍ مركزيَّةٍ قويَّةٍ في المدينة المُنوَّرة، ودخلت في طاعتها مُعظم قبائل شبه الجزيرة العربيَّة، وراحت تتطلَّع نحو الشمال. ورأت في هذا التطوُّر خطرًا يُهددُ كيانها الدينيّ والسياسيّ، لذلك وثَّقت علاقتها بالروم. ورأى هرقل في هذا التنامي تدخُلًا في شؤونه واختراقًا لِسيادته بعد انتصاره الكبير على الفُرس، ومع ذلك فقد عدَّهُ مُجرَّد اندفاعٍ قبليٍّ أو مُحاولة إمارةٍ عربيَّةٍ ناشئة توسيع رُقعتها الجُغرافيَّة، من ذلك النوع الذي اعتاد بدو الصحراء أن يشُنّوه بين وقتٍ وآخر على أطراف الإمبراطوريَّة، ولا تلبث أن تتوقَّف تلقائيًّا عندما يتصدّى لها حُرَّاسُ الحُدود من فِرق الجيش الإمبراطوريّ أو القبائل المُوالية للروم.
إداريًّا
أنشأ الروم بعد سُقوط بيت المقدس بأيديهم سنة 70م خِلال الثورة اليهوديَّة الكُبرى ولاية فلسطين السوريَّة التي جمعت مناطق اليهوديَّة والسامرة والجليل، وقسَّموها إلى أبرشيَّتين. وقامت على أطراف تلك الناحية من الإمبراطوريَّة مملكة الغساسنة العربيَّة الحليفة للروم كما أُسلف. وفي الفترة اللاحقة على سنة 415م، قسَّم الروم البيزنطيون ولاية فلسطين السوريَّة إلى قسمين: سورية الأولى (اللاتينية: Syria Prima) وعاصمتُها أنطاكية وسورية الثانية (اللاتينية: Syria Secunda) وعاصمتُها أفامية. وفي سنة 528م أوجد الإمبراطور جُستنيان مُقاطعة «تُيُودُرْیَاس» (تيمُنًا بزوجته تُيودورة) الساحليَّة عبر اقتطاع بضعة أراضي من الولايتين سالِفتا الذِكر. كذلك، كان الروم قد أنشأوا سنة 400م مُقاطعتيّ فينيقيا الساحليَّة (اللاتينية: Phoenice Paralia) وعاصمتها صور وفينيقيا اللُبنانيَّة (اللاتينية: Phoenice Libanensis) وعاصمتها حِمص. وتنُصُّ وثيقة الكرامات العرضيَّة (اللاتينية: Notitia Dignitatum) التي كُتبت بعد فترةٍ قصيرةٍ من الفتح الإسلامي للشَّام، أنَّ فينيقيا السَّاحليَّة كانت تُحكم من قِبل قُنصل، بينما حُكمت فينيقيا اللُبنانيَّة من قِبل «رئيس» (اللاتينية: Praeses)، وأنَّ كِلا المُقاطعتين كانتا تتبعان الأبرشيَّة المشرقيَّة. وعندما تسلَّم هرقل زمام الحُكم في القُسطنطينيَّة سنة 610م، كان الخراب والدَّمار قد حلَّا بالإمبراطوريَّة، وساءت أحوالُ البلاد الاقتصاديَّة والماليَّة، وأصاب الشلل أجهزة الإدارة الحُكوميَّة، فأضحت الحاجة ماسَّة لِقيام حركة إصلاح داخليَّة، فالتفت هرقل في بادئ الأمر إلى إعادة تنظيم أقاليم الدولة بما أدخلهُ من نظام الأجناد، وترتب على ذلك التخلُّص من أُسس النظام الإداري الذي وضعهُ الإمبراطوران دقلديانوس وقِسطنطين، والذي لم يعد مُلائمًا لِسد حاجات العصر. وجرى تقسيم الأراضي التي لم يمسَّها العدوُّ بالضرر إلى أقاليم عسكريَّة كبيرة، وهي المعروفة بالأجناد، يتولّى حُكمُ كُلٍّ منها قائدٌ عسكريٌّ. وبذلك اتخذت التنظيمات الإداريَّة الجديدة طابعًا عسكريًّا خالصًا. ويتمثَّل هذا النظام في استقرار الجُند في أقاليم آسيا الصُغرى والشَّام، ولِذا جرى إطلاق لفظ أجناد على الأقاليم العسكريَّة التي نشأت بعد ذلك، وأضحى هذا اللفظ الذي كان يُطلقُ على لواءٍ من الجُند، يُطلقُ على الأرض التي تُشغلها القوَّات العسكريَّة، وتقرَّر منح الجُند مساحاتٍ من الأرض كحلٍّ للاضطراب الماليّ بِشرط أن تكون الخدمة العسكريَّة مُقابل ذلك وراثيَّة. حلَّ نظامُ الأجناد محل نظام حُكومات الأقاليم الذي فقد أهميَّته، والذي كان يُعدُّ من أهم مظاهر الإدارة الرومية. ونتج عن ذلك أن تغلَّبت الصفة العسكريَّة على إدارة الإمبراطوريَّة، وأُعيد النظر بِتنظيم القُوَّات المُسلَّحة. وأتاح هذا التغيير إلى قلب المُعادلة العسكريَّة لِصالح الروم أمام الفُرس. غير أنَّ هذا النظام الجديد لم يترسَّخ في الشَّام بِفعل قِصر المُدَّة بين إقراره ووُقوع هذه البِلاد بيد المُسلمين، وبالتالي لم يُتح لِهذا الإقليم أن يستفيد من إيجابيَّاته، وفوجئ الروم بالزحف الإسلامي باتجاه الشَّام وهُم في حالة انتقالٍ من النظام القديم إلى النظام الجديد المُستحدث.
اجتماعيًّا
كان عامَّة الشوام قبل الفتح الإسلامي يشعُرون بالظُلم الاجتماعي المُرتبط أساسًا بالنظام المالي الذي أثقل كاهلهم بالضرائب الباهظة. وكانت الضرائب المفروضة على المُدن والقُرى الشَّاميَّة على نوعين: ضرائب نظاميَّة، وضرائب طارئة لِمُواجهة أوضاع خاصَّة. وأهمَّ الضرائب النظاميَّة اثنتان: الأولى هي ما يُفرضُ على الأرض وتُقدَّرُ بنسبةٍ مُعيَّنةٍ من قيمتها، ثُمَّ قُدِّرت بِنسبة 12.5% من المحاصيل، والثانية هي ضريبة الرأس. أمَّا الضرائب الطارئة فتُفرض في مُناسباتٍ خاصَّة، وتُعدُّ أكثر إرهاقًا للطبقة الشعبيَّة من الضرائب النظاميَّة، مثل ضريبة الحرب في أيَّام الإمبراطور أدريانوس، وضريبة التَّاج، وضريبة الطعام لِسد الحاجات المُتغيِّرة للحاميات وللإدارة الروميَّة. وأُضيفت ضريبة الأرض إلى ضريبة الرأس في عهد قِسطنطين، فأضحى مجموعُ الوحدات التي تُجمع بين النَّاس والأرض، أساسًا للتقدير، وهذا يعني ربط الإنسان بالأرض. ويبدو أنَّ هذا النظام الضريبي لم يعد يفي بِسد حاجات الإمبراطوريَّة بسبب كثرة النفقات العسكريَّة والإداريَّة. وسبَّب عُيوب النظام الإداري انتشار الفساد، وتفشّي السرقة، وابتزاز الأموال، وأدّى ذلك إلى الفقر والخراب، وأثار الاضطرابات الدَّاخليَّة، وفُقدانُ الأمن. وما حدث في الإمبراطوريَّة بعد ذلك من مُشكلاتٍ اجتماعيَّةٍ وتراجُع الزراعة بِفعل الحُروب المُستمرَّة في الخارج والثورات الدَّاخليَّة؛ دفع بالإمبراطور جُستنيان إلى حل المُشكلات الماليَّة من خِلال إصلاح النظام الضريبي، ففرض على رعاياه أن يدفعوا كُل ما للحُكومة من ضرائب، وأمر بِمسح الأرض، وقسَّمها إلى وحداتٍ مُتساويةٍ في قيمة الإنتاج بِغض النظر عن مساحتها، تدفع كُل وحدة منها ضريبة ثابتة، ثُمَّ أحصى السُكَّان في القُرى وفرض عليهم ضريبة الرأس. وتحدَّدت قيمة الضريبة في الشَّام على الذُكور من 14 إلى 65 سنة، وعلى الإناث من 12 إلى 65 سنة. وحصل الملَّاكون الكِبار على حق جباية الضرائب المُستحقَّة على ضِياعهم ودفعها إلى الخزينة المركزيَّة مُباشرةً ممَّا جعل سُلطة الجُباة عليهم مُنعدمة. وكُلِّف المجلس البلدي في كُل قرية بِجمع الضرائب من القُرى التابعة للمدينة وتوزيعها. ولقد ساهم سُكَّانُ القُرى في دفع الضرائب. نتج عن هذا النظام أن تحمَّل الفلَّاحون والمُزارعون العبء الأكبر من الضريبة، ورُبطوا هُم وأُسرهم بالأرض التي سُجِّلوا عليها، وذلك بهدف تيسير جمع الضرائب، ولِضمان زراعة الأرض. كما أنَّ سوء الجباية وتعسُّف الجُباة دفع صِغار الملَّاكين إلى طلب حِماية كِبار الملَّاكين ليتولّوا مسؤوليَّة دفع الضرائب عنهم مُقابل تنازُلهم لهم عن أملاكهم، فأصبحوا بذلك مُزارعين مُرتبطين بالأرض. وعمد الملَّاكون الكِبار من جهتهم إلى مُضايقة الملَّاكين الصِغار، ودفعهم إلى طلب حمايتهم بهدف توسيع مُلكيَّاتهم. ومع أنَّ السُلطات الحُكوميَّة المركزيَّة لم تكن تُشجِّع الحِماية، وحاولت الحد منها، إلَّا أنها اعترفت بها في أوائل القرن الخامس الميلاديّ، كأمرٍ واقع وكحلٍّ لِمُشكلة الضائقة الاقتصاديَّة. ومن الأمثلة التي يسوقها المُؤرخون المُتعلِّقة بالظُلم الاجتماعي في الشَّام خِلال العصر الرومي، وتُؤخذ على أنَّها دليلٌ على وُقوعه، أنَّ المُسلمين عندما اضطرّوا للجلاء عن حِمص قبل معركة اليرموك، طلب أبو عُبيدة من عامله على الخِراج أن يُعيد ما كان قد أخذهُ من أهل حِمص إليهم، بحجَّة أنَّه لا ينبغي للمُسلمين أن يأخذوا من الأهالي شيئًا إذا لم يمكثوا في المدينة ويُدافعوا عنها. واجتمع حبيب بن مسلمة بِأهل حِمص وردَّ عليهم مالهم، فقالوا له: «رَدَّكُمُ اللهُ إلَيْنَا، وَلَعَنَ اللهُ الذِينَ كَانُوا يَمْلِكُونَنَا مِنَ الرُّوْمِ، وَلَكِن وَاللهِ لَو كَانُوا هُم عَلَيْنَا مَا رَدُّوا عَلَيْنَا، وَلَكِن غَصَبُوْنَا، وَأَخَذُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن أَمْوَالِنَا، لَوِلايتُكُمُ وَعَدْلُكُمُ أحَبُّ إلَيْنَا مِمَّا كُنَّا فِيْهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالغُشْمِ».
دينيًّا
دانت الغالبيَّة العُظمى من أهالي الشَّام قبل الفتح الإسلامي بالمسيحيَّة، وكان هُناك قسمٌ صغير يدينُ باليهوديَّة. وقد انقسم النصارى الشوام إلى طوائف مُختلفة، ومن المعروف أنَّ هذا الانقسام حصل مُنذ اختتام أعمال مجمع خلقدونية سنة 451م، ومُحاولة الأباطرة الروم تطبيق قراراته عبر جميع أنحاء الإمبراطوريَّة وعلى جميع الأهالي. وكان هذا المجمع قد عُقد للتباحث حول طبيعة المسيح وإقرار مذهب رسمي مُوحَّد للإمبراطوريَّة بعد أن كثُرت الأقوال والمذاهب، واستقرَّ الرأي في النهاية على الإيمان باتحاد الطبيعتين، الإلهيَّة والبشريَّة، في شخص المسيح، اتحادًا غير قابل للانفصام. وقد حصلت في الشَّام مُنذُ ذلك الوقت قلاقل دينيَّة اتخذت صفة الثورات الوطنيَّة العنيفة عوض الفتن الطائفيَّة بشكلٍ مُباشرٍ، بِدليل استمرار تحالُف القبائل العربيَّة النصرانيَّة، المُخالِفة للعقيدة الرسميَّة للإمبراطوريَّة، مع الروم. ومن المعروف أنَّ النصارى الشوام انقسموا إلى سُريانٍ أو يعاقبة، وملكيّون أو روم. ويُشيرُ المُؤرخون إلى أنَّ المذهب اللاخلقدوني المونوفيزيتي (اليعقوبي) انتشر بين القبائل العربيَّة مثل إياد وربيعة وقُضاعة. أمَّا القائلون بالمذهب الخلقدوني (الملكيّون) فكانوا بِمُعظمهم يعيشون في المُدن التي اصطبغت بالثقافة الهلينيَّة، مثل أنطاكية وسلوقية واللاذقيَّة وبعلبك وبيروت وقيسارية وبيت المقدس. وكانت نسبةٌ عالية من اليعاقبة مُستاءة من الحُكم المركزي، وكان من الطبيعيّ أن تُولِّد تلك الانقسامات اللاهوتيَّة، والاضطهادات الدينيَّة، نفورًا وكراهيَّة وعداء في الشَّام، حيال الروم في بيزنطة، كما كانت عليه الحالة النفسيَّة في العراق تجاه الساسانيين الفُرس، الذين لم يمتنعوا عن اللُجوء إلى العُنف وسفك الدماء لِإخضاع المسيحيين، من نساطرة ويعقوبيين، إلى سياستهم المجوسيَّة. كذلك فقد عانى المسيحيّون الشوام الأمرَّين بعد سيطرة الفُرس على البِلاد، إذ تعاون هؤلاء مع اليهود لاقتحام بيت المقدس بعد ثلاثة شُهورٍ من الحِصار، وفتكوا بما بين 57,000 و66,500 مسيحيّ، وسبوا حوالي 35,000 آخرون بما فيهم بطريق المدينة زكريَّا، كما أُحرقت الكثير من الكنائس بما فيها كنيسة القيامة، وتمَّ الاستيلاء على عددٍ من الآثار المُقدَّسة بما فيها صليب الصلبوت والحربة المُقدَّسة والإسفنجة المُقدَّسة، ونُقلت كُلَّها إلى المدائن عاصمة فارس. وقد ساهم اليهود في مذابح المسيحيين، وقتلوا الكثير منهم، لذا شاع كره اليهود في الشَّام بعد أن استعادها الروم، وقبل أن يفتحها المُسلمون.
عسكريًّا
يرجعُ الفضل للإمبراطور موريقيوس والقائد بلزاريوس في وضع أساس الجيش الرومي، وزاد الإمبراطور هرقل من كفاءته وقُدرته القتاليَّة، وانتصر به على الفُرس والصقالِبة والآڤار. أعاد الإمبراطور موريقيوس تنظيم الهيكل العام للجيش، ووضع أُسس التجنيد، ورفعَ عديد الوحدة القتاليَّة إلى أربعمائة، وجعلها الوحدة الأساسيَّة للجيش، ثُمَّ جمع عددًا من هذه الوحدات في مجموعةٍ واحدة يتراوح عديدُها بين ستة وثمانية آلاف، وسمَّاها «الفرقة». وتُشكِّلُ فرقة الفُرسان الثقيلة عِماد الجيش الرومي بما لها من أهميَّةٍ كبيرة. ويرتدي الفارس قميصًا معدنيًّا من رقبته حتَّى الفخذين، ويحملُ درعًا مُستديرًا، كما يرتدي قلنسوة على رأسه وقفَّازًا طويلًا يُغطي اليدين إلى ما بعد الرسغ، وينتعل حذاءً من الصُلب. وزُوِّدت جيادُ الضُبَّاط وقوَّاتُ الخط الأماميّ بِمُقدِّمة حديد لِحمايتها، وجُهِّزت الجِياد بِسُروجٍ مُريحة، وركابٍ حديديّ. يستخدمُ الفارس أثناء القتال سيفًا عريضًا وخنجرًا وقوسًا، ويحملُ جُعبةً مملوءة بالسِهام وحربة طويلة، ويُثبِّت بلطة في سرح حصانه أحيانًا. وكان الزيُّ العسكريُّ موحدًا، يشتملُ على معطف ورايةٍ مُثلثة على رأس الرمح، وخصلة من الشعر على الخُوذة. والواقع أنَّ هذا اللباس العسكري للفُرسان، الذي اتصف بِثقل الوزن، شكَّل عائقًا أثناء العمليَّات القتاليَّة أمام القوى الإسلاميَّة التي اتصف مُقاتلوها بِخِفَّة الحركة، إذ حدَّ من حُريَّة حركة الفارس وحرمهُ من الاستفادة من كفاءته القتاليَّة ولياقته البدنيَّة. وانقسمت فرقة المُشاة في الجيش الرومي إلى قسمين:
فرقة المُشاة الثقيلة: ارتدى أفرادُها رداءً معدنيًّا وقفَّازاتٍ طويلةٍ ودُروعًا للسَّاق وخوذة حديديَّة من الأمام، وحملوا دُروعًا مُستديرة كبيرة، وشكَّل الرمحُ والسَّيفُ والبلطةُ سلاحُهم الهُجوميّ. وكان هذا اللباسُ عائقًا ميدانيًّا لِهذه الفرقة من المُشاة تمامًا مثل فرقة الفُرسان الثقيلة. فرقة المُشاة الخفيفة: اقتصرت مُهماتُها العسكريَّة على الدفاع عن الممرَّات والمناطق الجبليَّة، وحِماية القِلاع والمُدن الهامَّة، وشكَّل الرُماة عِماد هذه الفرقة. ويتناسبُ تنظيم الوحدات العسكريَّة مع التكتيل الذي يُنفذونهُ أثناء القِتال، وهو أُسلوبٌ مرنٌ يتغيَّرُ من معركةٍ إلى أُخرى، ويُحدَّدُ من قِبل القادة بالاستناد إلى أُسلوبِ العدوِّ القتاليِّ. وكان هُناك سُلَّمٌ لِرُتب الضُبَّاط. أمَّا المُصطلحات الفنيَّة المُستخدمة في الجيش الرومي فكانت خليطًا من الكلمات اللاتينيَّة واليونانيَّة. وعرِف الروم نظام الكتائب في التكتيك القتاليّ القائم على سلاحيّ الفُرسان والمُشاة، وذلك بعد أن أخذوه عن اليونان، إلَّا أنَّهُ في العصر الإسلاميّ الأوَّل، كانت جُيوشُ الروم تُقسم إلى فرق تُسمَّى «كراديس» يضمُّ كُلٌّ منها زهاء سُتمائة جُندي. والمعروف أنَّ عديد الجيش الرومي النظامي في الشَّام لم يكن كبير الحجم، ولم يكن بإمكان الإدارة العسكريَّة الرومية توفير أكثر من عشرين ألف جُندي للدِفاع عن هذه البِلاد، في ظل الأخطار التي تتعرَّض لها الولاياتُ الأُخرى في آسيا وأوروپَّا ومصر، ولا يُمكنُ الحُصول على جُنودٍ منها، لذا لم يبق مجالٌ في البحث عن قوى عسكريَّة للشَّام سوى أرمينية القريبة التي يُمكنُ الاعتماد عليها. كذلك عمد الروم إلى تجنيد العرب المُقيمين على أطراف الإمبراطوريَّة، وبخاصَّةٍ أنَّهم يتمتعون بِصفةٍ إضافيَّةٍ هي معرفة الأرض ومُناخها بالإضافة إلى أساليب القِتال. وتبنّى هرقل النظريَّة القائلة إنَّ خيرُ وسيلةٍ لِقتال العرب هي استخدامُ عربٍ آخرين إزائهم، لذلك كان من الضروريّ لِلروم أن يحتفظوا بِصداقة بعض القبائل، وتنويع صِلاتهم بالعرب. وكانت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة تعمد إلى تجنيد المُرتزقة لِلقتال في صُفوف جُيوشها عند نُشوب أيِّ حرب، لكنَّ الانهاك الاقتصادي الذي حلَّ بها بعد الحرب الطويلة مع الفُرس جعلها عاجزة عن تجنيدهم ما أن ظهر الخطر الإسلامي، واستعاض هرقل عن المُرتزقة بالجُند الفلَّاحون أهالي الأجناد التي قام بإنشائها، فغدا هؤلاء الذين حصلوا على إقطاعاتٍ مُقابل الالتزام بالخدمة العسكريَّة والنازلون في الإقطاعة، عُنصُرًا ثابتًا في قُوَّات الجيش الرومي، وأمدَّتهم إقطاعاتهم بالوسائل الاقتصاديَّة التي تكفل لهم سُبل العيش، فكان كُلٌّ منهم يخرج إلى الحرب بِسلاحهِ وفرسهِ.
دوافع الفتح والتمهيدات
في العصر النبويّ
اتَّخذت الشَّامُ مُنذُ السنة السَّادسة للهِجرة حيِّزًا بارزًا في سياسة الرسول مُحمَّد الخارجيَّة، بعد أن حسم الوضع السياسي الدَّاخلي في الحجاز لِصالح المُسلمين إثر صُلح الحُديبية، وكان اهتمامهُ بِتلك البِلاد كهدفٍ حيويٍّ بوصفها أرضًا عربيَّة كالحجاز أو ذات وجودٍ عربيِّ ملحوظ، ولِإقامة مراكز إسلاميَّة على الأطراف الشَّاميَّة لِنشر الدعوة بين القبائل العربيَّة الوثنيَّة منها والمُتنصرة، واحتوائها تحت راية الدولة الإسلاميَّة في المدينة المُنوَّرة أو عقد صُلحٍ معها لِتمتين النُفوذ الإسلامي في تلك الرُبوع، ولِفك تحالُفها مع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، ولِلسيطرة على طريق التجارة، إذ أنَّ مضاربها تُعدُّ بِمثابة معابر هامَّة لِلتجارة بين الشَّام وأنحاء شبه الجزيرة العربيَّة في الوقت الذي وصلت فيه تجارة القوافل إلى ذُروة النشاط والاستقرار. وأخذ الرسول يُراقبُ الوضع في تلك المناطق من خِلال السرايا المُبكرة التي كان يُرسلها، والرسائل المُوجهة إلى الإمبراطور البيزنطي هرقل والملك الغسَّاني شرحبيل بن عمرو صاحب بُصرى، وسائر رؤساء ومشايخ القبائل العربيَّة. دفعت التطوُّرات في الحجاز القبائل القاطنة في دومة الجُندل إلى القيام بِتحرُّكٍ سريع، وتزعَّم أكيدر بن عبد الملك الكِندي النصراني تحالُفًا قبليًّا راح يتهيَّأ للزحف نحو المدينة المُنوَّرة. ولمَّا علِم النبيُّ بِتلك الاستعدادات خرج من المدينة على وجه السُرعة في شهر ربيع الأوَّل سنة 5هـ المُوافق فيه شهر آب (أغسطس) سنة 626م، وتوجَّه نحو دومة الجُندل مُستبقًا قوى التحالف، ولمَّا وصل إليها لم يجد من يصطدم به. ويبدو أنَّ أكيدر تهيَّب الموقف فانسحب باتجاه الشِمال. واستغلَّ النبيُّ وجوده في تلك المنطقة، فقام بِعمليَّاتٍ استطلاعيَّة. تُعدُّ هذه الغزوة الحلقة الأولى في سلسلة الصراع العسكريّ بين المُسلمين والقبائل الضَّاربة على تُخوم الشَّام بِخاصَّة، وبين المُسلمين والروم بِعامَّة، في صِراع السَّيطرة على الشَّام. يُؤكدُ هذا ما ذكرهُ الواقدي من أنَّهُ قيل للرسول وهو بِصدد مُهاجمة دومة الجُندل: «إِنَّهَا طَرَفٌ مِنْ أَفْوَاهِ الشَّامِ، فَلَوْ دَنَوْتَ مِنْهَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُفْزِعُ قَيْصَرَ». تكثَّفت هجماتُ المُسلمين على المناطق الحُدوديَّة مع الشَّام في السنة السَّادسة للهِجرة، ومنها: سريَّة زيد بن حارثة التي انتهت إلى العِيص، وتلك التي انتهت إلى حُسمى وراء وادي القُرى، وتلك التي خرجت في شهر رجب سنة 6هـ المُوافق فيه شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) سنة 627م باتجاه وادي القُرى، وقد أغفلت رواياتُ المصادر دوافعها ونتائجها، إنما يُمكنُ القول بأنَّها تتعلَّقُ بِسياسة النبيّ الشَّاميَّة. وخرجت سريَّة في شهر شعبان سنة 6هـ المُوافق فيه شهر كانون الثاني (يناير) سنة 628م بِقيادة عبدُ الرحمٰن بنُ عوف باتجاه دومة الجُندل لِقتال قبيلة كَلَب النصرانيَّة، وقد شغلت حيِّزًا هامًّا في سياسة النبيّ الشَّاميَّة. فقد طلب من قائدها أن يتزوَّج ابنة شيخ القبيلة إن استجاب هو وقومه إلى دعوة الإسلام، وذلك بهدف استقطابهم، وتعزيزًا للعلاقات بين الطرفين، إذ كانت هذه القبيلة أهم مجموعة عربيَّة في الشَّام حين ظهر الإسلام كقوَّةٍ سياسيَّةٍ. وقد نجح عبدُ الرحمٰن في مُهمَّته، واعتنق الإصبغ بن عمرو الكلبيّ الإسلام، وتبعهُ أكثر قومه وتزوَّج من ابنته. وتميَّزت السريَّة المعروفة «بِأُم قرفة» بِدوافعها الاقتصاديَّة الواضحة. فقد خرج زيد بن حارثة في شهر رمضان سنة 6هـ المُوافق فيه شهر كانون الثاني سنة 628هـ في تجارةٍ إلى الشَّام، فتعرَّض لاعتداءٍ من قِبل جماعةٍ من فزارة في مكانٍ قريبٍ من وادي القُرى، وعاد إلى المدينة المُنوَّرة، بيد أنَّهُ عاد مُجددًا إلى استئناف مُهمتهِ بعد إصرار النبيّ، ونزل في المكان نفسه، واصطدم مع الجماعة التي اعترضتهُ، فقتل وأسر منهم وعاد إلى المدينة. ويُعدُّ هذا الاختراق لِقبيلةٍ كبيرةٍ كفزارة ما تزالُ غير مُكترثةٍ حتَّى ذلك الحين، بالقُوَّة الإسلاميَّة النَّامية في المدينة؛ عملًا ناجحًا كان له وقعهُ الحسن بين المُسلمين.
استأنف الرسول نشاطهُ الجهاديّ في الشِّمال بعد صُلح الحُديبية، نظرًا لِما أمَّنهُ ذلك الصُلح من استقرارٍ في الوضع الداخلي، وبعد أن شهدت الجبهة القبليَّة - الرومية بعض الارتباك؛ إذ تزعزعت ثقة القبائل العربيَّة بالروم، بِفعل مُحاولتها تغيير المُعادلة في العلاقات الثُنائيَّة من واقع فرض سيطرتها المُباشرة عليها وتخفيف مُساعداتها الماليَّة لها، ممَّا أسهم في تراجع الروح المعنويَّة لدى القبائل التي نشأت على الاستقلال ورفض التدخُّل الخارجيّ في شؤونها إلَّا ما كان في إطار التحالُفات والمصالح الخاصَّة، كما أنَّ الاختلاف المذهبي أسهم في خلق وعي لديها تجاه الإسلام على الرُغم من أنَّها وجدت فيه تحديًا عقائديًّا يفوقُ، مبدئيًّا، التحدي الرومي. أرسل النبيّ في تلك الفترة كتابهُ إلى هرقل وكتابًا آخر إلى الحارث بن أبي شُمَّر الغسَّاني ملك تُخوم الشَّام. وتطرَّق في الكتاب الذي أرسلهُ إلى هرقل إلى أوضاع القبائل العربيَّة المُوالية لِلروم، طالبًا منه ألَّا يحول بين الفلَّاحين وبين الإسلام إن قرروا الدُخول فيه أو أن يُعطوا الجزية، الأمر الذي أثار الإمبراطور البيزنطي ودفعهُ إلى استنفار قُوَّاته وحُلفائه من العرب. واعتُرض مبعوث النبيّ الحارث بن عُمير الأزدي إلى ملك الغساسنة من قِبل شرحبيل بن عمرو الغسَّاني، وقتلهُ عند طريق مؤتة؛ الأمر الذي فجَّر الوضع العسكريّ بعد أن بلغ التوتُّر ذروتهُ بين الطرفين، فأعدَّ الرسول حملةٍ من ثلاثة آلاف مُقاتل لِتأديب القبائل العربيَّة إن لم تستجب لِدعوة الإسلام، وإشعارها بِقوَّة المُسلمين، وقُدرتهم على ردع المُعتدين والغادرين. وأدرك النبيُّ مدى الخطر الذي يُهدِّدُ الحملة أمام القُوَّات الرومية وحُلفائها، فسمّى ثلاثة قادة يخلف الواحد منهم الآخر في حال سُقوطه في أرض المعركة، وهُم: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدُ الله بن رواحة. حشد هرقل، الذي كان يتتبَّع أخبار تحرُّك المُسلمين من مقرِّه في أنطاكية، قُوَّةَ عسكريَّةً رومية بِقيادة أخيه تذارق (تُيودور) زحفت باتجاه الجنوب وعسكرت في مؤاب من أرض البلقاء، وانضمَّت إليها في هذا المكان قُوَّاتٌ عربيَّة مُوالية من بهراء وبكر بن وائل ولخم وجُذام تُقدَّر بِمائة ألف مُقاتل. والواقع أنَّ الحملة الإسلاميَّة كانت أقرب إلى أن تكون حملة استطلاعيَّة منها إلى حملةٍ هدفها الدُخول في صدامٍ مُسلَّحٍ غير مُتكافئ، بدليل قلَّة الخسائر التي عانت منها عند الاشتباك مع الروم، إذ قُتل حوالي عشرة من المُسلمين بالإضافة إلى القادة الثلاثة، وقد ترك مقتل هؤلاء أثرًا عميقًا في المدينة وبنُفوس المُسلمين، لكنَّه شكَّل حافزًا جديدًا للاستمرار في مُناوشة الروم واستطلاع أحوال بِلادهم، ووفق بعض المصادر، لم يرَ النبيُّ فيها إخفاقًا أو تراجُعًا لِمشروعه، فقال عن الجُنود المُنسحبين: «لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ الله»، وقد ضعَّف العُلماء هذا الحديث، فقال الإمام الألباني: «فَهَذَا مُنْكَرٌ بَلْ بَاطِلٌ ظَاهِرُ اَلْبُطْلَانِ». أمَّا من الجانب الرومي، فقد كانت جُزءًا من عمليَّة استطلاع تنظيمي لِمناطق خلت من عمليَّاتٍ عسكريَّةٍ مُدَّة عقدين، كان الروم خِلالها يُحاولون تثبيت سُلطتهم في مناطق تخلّى عنها الفُرس على امتداد التُخوم الجنوبيَّة للشَّام، مُعتمدين على مُساعدة القبائل العربيَّة المُتحالفة معهم.
أعاد النبيّ إرسال حملة أُخرى إلى الشَّام بِقيادة عمرو بن العاص بعد نحو شهر، عندما بلغهُ أنَّ حُشودًا من بلي وقُضاعة وعاملة وكَلَب وغسَّان ولخم وجُذام تجمَّعت بهدف غزو المدينة المُنوَّرة، وقد بلغ عديدُها ثلاثمائة مُقاتل. وبِفعل الحُشود القبليَّة الضخمة التي صادفها عمرو، طلب نجدة عاجلة من المدينة، فأمدَّهُ النبيّ بِمائتيّ مُقاتل بِقيادة أبي عُبيدة بن الجرَّاح. وبعد عدَّة اصطدامات مع جماعات قبليَّة عادت الحملة إلى المدينة المُنوَّرة. غطَّت هذه الحملة بِنتائجها الإيجابيَّة، المُتمثلة بِفرض الوجود الإسلامي بعد الانتشار الواسع للمُسلمين في هذه المناطق، وتهديد الشَّام وإن بشكلٍ غير مُباشر؛ النتائج السلبيَّة لِغزوة مؤتة، وأعادت الثقة بالنفس إلى نُفوس المُسلمين في المدينة. ووصلت إلى مسامع النبيّ، بعد عودته إلى المدينة في أواخر سنة 8هـ المُوافقة لِأوائل سنة 630م في أعقاب فتح مكَّة وانتصاره في حُنين؛ أنباء عن حُشودٍ روميَّة - عربيَّة مُشتركة بِهدف القيام بِهُجومٍ على المدينة والقضاء على الدولة الإسلاميَّة الناشئة، قبل أن يشتد ساعدها وتُشكِّلُ خطرًا جديًّا على الوُجود الرومي في الشَّام؛ فقرَّر التصدّي لها. فخرج من المدينة في شهر رجب سنة 9هـ المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) سنة 630م على رأس جيش يُقدَّرُ بِثلاثين ألف مُقاتل، ووصل إلى تبوك. ولم يقع قِتالٌ بين المُسلمين وقِوى التحالف بفعل انسحاب هؤلاء شمالًا قبل وُصول المُسلمين. وراح النبيُّ يتَّصلُ بِزُعماء القبائل المسيحيَّة المُنتشرة في المنطقة في مُحاولة لاستقطابهم وفك تحالُفهم مع الروم. وفعلًا وفدت عليه وُفود القبائل المُجاورة وصالحتهُ على الجزية، فحقق بحركته الصعبة تلك، انتصارًا على الجبهة الشماليَّة، إذ ربط العديد من القبائل العربيَّة الشاميَّة بالدولة الإسلاميَّة، فمدَّ نُفوذها إلى عُمق المناطق التي كان سُكَّانُها يعملون لِصالح الروم ويُؤدون دورًا خطيرًا في مُقاومة امتداد الإسلام باتجاه الشِّمال، وفتح منافذ الطُرق إلى الشَّام وبعث رُوح المُقاومة والتحرير في نُفوس العرب المُقيمين بالديار الرومية. وجهَّز النبيُّ، بعد عودته إلى المدينة المُنوَّرة من غزوة تبوك، حملة أُخرى بِقيادة أُسامة بن زيد لِإرسالها إلى التُخوم الشماليَّة. والواضح أنَّهُ لم يستهدف فتح الشَّام أو الدُخول في معركةٍ سافرةٍ مع الروم بِدليل أنَّها تألَّفت من ثلاثمائة مُقاتل فقط، وإنَّما هدف أن تكون أشبه بِمُناورةٍ عسكريَّةٍ، وإظهار قُوَّة المُسلمين أمام القبائل التي ما تزال تُساند الروم، لكنَّ النبي توفي قبل أن تنطلق الحملة.
بعد وفاة الرسول
بعد وفاة الرسول، بُويع أبو بكر الصدِّيق بالخِلافة ليتولّى شؤون المُجتمع الإسلامي الجديد الذي كوَّنهُ الرسول خِلال حياته، وكان أوَّل عمل قام به أبو بكر بعد مُبايعته هو التصدّي لأهل الردَّة ومُدعي النبوَّة الذين انتشرت ظاهرتهم واشتعلت في مُختلف أنحاء شبه الجزيرة لِأهدافٍ مُختلفة، ولكن قبل أن يحوِّل نظره شطر الأنحاء التي أعلن أهلها ارتدادهم عن الإسلام، قرر أبو بكر تلبية رغبة النبيّ مُحمَّد قبل وفاته، وهي إرسال سريَّة أسامة بن زيد إلى مشارف الشَّام للإغارة على القبائل الشاميَّة على الطريق التجاري بين مكَّة وغزَّة، ولمُحاربة الروم. وقد أشار المُسلمون وفي مُقدمتهم عُمر بن الخطَّاب على أبي بكرٍ ألّا يُرسل حملة أسامة بن زيد حتى لا تضعف قوَّة المدينة المنوَّرة بحال هاجتمها قبائل الأعراب المُرتدَّة، ولحاجته إليها في قتالهم وغزوهم، لكن أبا بكر أبى أن يُخالف وصيَّة النبي، وكان جوابه إلى الصحابة صريحًا، فقال: «وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَخَطَفُنَا، وَالسِّبَاعَ مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ أَنَّ الْكِلَابَ جَرَّتْ بِأَرْجُلِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، لَأُجَهِّزَنَّ جَيْشَ أُسَامَةَ». وترتب على انتصار المُسلمين على أهل الرِّدَّة عدَّة نتائج مُهمَّة منها إعطاء المُسلمين الثقة بالنفس وبِالنظام الذي اختاروه وبِالقُدرة على الانتصار، وهي ثِقةٌ هامَّةٌ وضروريَّةٌ في مُواجهة قِوى كُبرى تتمتَّع بِقُدراتٍ ماديَّةٍ وكثرةٍ عدديَّةٍ، هذا إلى جانب الإيمان بالهدف. كما شكَّلت فُرصةً للمُسلمين كي يتدربون تدريبًا عسكريًّا عمليًّا على مُستوى الجُيوش الكبيرة، ابتداءً من الحشد والتعبئة العامَّة إلى التحرُّكات والسير والالتحام، إلى أعمال الدوريَّات والحِصار والجاسوسيَّة والتدابير اللوجستيَّة. ويُمكنُ وصف هذه الحُروب بِمثابة جسر عبر المُسلمون العرب عليه إلى خارج شبه الجزيرة العربيَّة بِهدف الفتح.
يكادُ يتفق الباحثون في تاريخ الفُتوح الإسلاميَّة على أنَّ الشَّام كانت في مُقدِّمة اهتمامات الخليفة أبي بكر الهادفة إلى التوسُّع عبر المناطق المألوفة للعرب جُغرافيًّا، وكانت هذه البِلاد أكثرُها التصاقًا بِذاكرة العربيّ التاجر، حيثُ سعى إليها في رحلة الصيف أو سمع الكثير عنها من رجال القوافل ورُواة الأخبار. وكانت رؤية الرسول التوسُّعيَّة في تلك المنطقة حاضرة في ذهن أبي بكر الحريص على انتهاج السياسة النبويَّة مُنذُ بداية عهده. وإذا كانت ملامح هذه السياسة قد ظهرت أولًا في العراق، فإنَّ الجبهة الشَّاميَّة قد استقطبت الجانب الأكبر من اهتمامات أبي بكر، وبخاصَّة بعد انتصار المُسلمين في العراق. وتمَّت خطَّة التحرُّك نحو الشَّام في السنة الثانية عشرة للهجرة، بعد مُشاوراتٍ أجراها أبو بكر مع كِبار الصحابة من أهل الحل والعقد، ثُمَّ قام بِتعبئة المُسلمين لِغزو هذه البِلاد. كان ردُّ فعل المُسلمين الفوري الصَّمت، وذلك بِفعل هيبة غزو الروم، حتَّى قام خالد بن سعيد بن العاص الأُموي، فتقبَّل الفكرة، فكان أوَّل من خرج إلى الشَّام بعد أن عقد لهُ أبو بكر لِواء، هو أوَّل لِواء عقدهُ لِحربِ الشَّام. تحمَّست بعض القبائل، في سياق هذه الحملة التعبويَّة، للمُشاركة في عمليَّة فُتوح الشَّام، وأرسلت مُقاتليها إلى المدينة المُنوَّرة، ومع ذلك ظلَّت الاستجابة بالمُشاركة ضعيفة، مما دفع أبا بكر إلى استنفار قبائل اليمن، فجاءهُ المُتطوعون من حِمير ومذحج، ويُشيرُ البلاذري أنَّ أبا بكر سارع فور انتهاء حُرُوب الرِّدَّة إلى تعبئة قبائل نجد والحجاز واليمن لِغزو الشَّام، وسعى لِتشجيعها بالغنائم العظيمة، فسارع النَّاسُ إليهِ بين مُحتسبٍ وطامعٍ، وهذا يعني أنَّ بعض القبائل كانت تدفعُهم غريزة الغزو والغنيمة، وفق تقاليد الغزو المعروفة في المُجتمع العربي، وأنَّ أبا بكر لجأ إلى هذه الوسيلة التشجيعيَّة بعد أن لمس ضعف الاستجابة العربيَّة لِمشروعه، مما يدُلُّ على أنَّ بعض العرب كان الإسلامُ لا يزالُ ضعيفًا في قُلوبهم، كما أنَّ منع أبي بكر المُرتدين من المُشاركة في حرب الفُتوح، وهُم أكثر العرب، قد أثَّر على ذلك. ومهما يكُن من أمر، فإنَّ حركة الفُتوح الإسلاميَّة للشَّام، نوقشت بين أهل الحل والعقد، ثُمَّ عُرضت على عامَّة المُسلمين، ووُضعت الخُطوط العريضة لها أثناء انعقاد اجتماع كِبار الصحابة.
بعد أن استُكمِلت التجهيزات وتمَّت الاستعدادات، عيَّن أبو بكر قادة الجُيوش التي قرَّر أن يُرسلها إلى الشَّام، وهي: الجيشُ الأوَّل بِقيادة خالد بن سعيد بن العاص الأُمويّ، وحدَّد لهُ دمشق كهدف، وتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مُقاتل. وقد أبدى عُمر بن الخطَّاب تحفُظًا على قيادة خالد، لِموقفٍ اتخذهُ من بيعة أبي بكر، فأعفاهُ الخليفة بعد أن اقتنع بِرأي عُمر، واستردَّ منهُ اللواء وعيَّن مكانهُ يزيد بن أبي سُفيان وهو أُمويٌّ أيضًا. وأردف أبو بكر ربيعة بن الأسود بن عامر مددًا لِيزيد، فأضحى عدد قُوَّاته سبعة آلاف مُقاتل، وحدَّد له طريق الزحف وهو: وادي القُرى - تبوك - الجابية - دمشق. وانطلق هذا الجيش في 23 رجب 12هـ المُوافق فيه 3 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 633م سالكًا الطريق المُحدد له. الجيشُ الثاني بِقيادة شرحبيل بن حسنة، وهدفهُ بُصرى عاصمة حوران، وتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مُقاتل على أن يسلك طريق معان - الكرك - مأدبا - البلقاء - بُصرى، وخرج هذا الجيش من المدينة في 27 رجب المُوافق فيه 7 تشرين الأوَّل (أكتوبر). الجيشُ الثالث بِقيادة أبي عُبيدة بن الجرَّاح، وهدفهُ حِمص، ويتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مُقاتل، على أن يسلك طريق وادي القُرى - الحجر - ذات المنار - زيراء - مآب - الجابية - حِمص، وخرج إلى وجهته في 7 شعبان المُوافق فيه 17 تشرين الأوَّل (أكتوبر). الجيشُ الرَّابع بِقيادة عمرو بن العاص، وهدفه فلسطين، ويتراوح عديده بين ستَّة وسبعة آلاف مُقاتل، على أن يسلك طريق البحر الأحمر حتَّى العقبة فوادي القُرى فالبحر الميِّت وُصولًا إلى بيت المقدس، وخرج من المدينة في 3 مُحرَّم 13هـ المُوافق فيه 10 آذار (مارس) 634م. الجيشُ الخامس بِقيادة عِكرمة بن أبي جهل، وقد أبقاهُ في المدينة كاحتياط، وبلغ عديده نحو ستَّة آلاف مُقاتل. وأوصى أبو بكر قادة الجُيوش باللين مع الجُنود وعدم تحميلهم ما يفوق طاقتهم للمُحافظة على قُدرتهم القتاليَّة، وأن يُشاور كُلٌ منهم مرؤوسيه للوُصول إلى القرارات السليمة، وبأن يؤمنوا لهم العدل ويُبعدون عنهم الشرَّ والظُلم في وقت السِلم كي يُلازموهم في وقت الحرب، وعدم الفرار عند لقاء العدوّ لِأنَّ ذلك يُغضب الله، وعدم جواز قتل الأولاد والشُيوخ والأطفال والنساء والعُزَّل أو حرق الزرع وقطع الأشجار ونقض العُهود والغدر، وذلك لِكسب قُلوب سُكَّان المناطق المفتوحة، وعدم التعرُّض للبطاركة والرُهبان والنُسَّاك والمُتصوفون في الأديرة والصوامع والكنائس، على أن يُخيَّر المُشركون المُوالون للروم بين القتال أو الإسلام أو الجزية.
== فُتوحات الشَّام في عهد أبو بكر == انطلقت الجُيوش الإسلاميَّة من قاعدتها في المدينة المُنوَّرة باتجاه أهدافها المُحددة، وقد شعرت القبائل العربيَّة المسيحيَّة المُتحالفة مع الروم بهذا الزحف، فخشيت من اجتياحٍ إسلاميٍّ لِقُراها وأراضيها، كما خشي سُكَّانُ المُدن من توغُلٍ إسلاميٍّ في عُمق الشَّام ممَّا يُشكِّلُ تهديدًا لهم، فكتبوا إلى الإمبراطور البيزنطي هرقل يُعلمونه بالأوضاع المُستجدَّة ويطلبون منهُ مُساعدة عاجلة لِصد الزحف الإسلامي. كان هرقل آنذاك في فلسطين أو في دمشق، فدعا إلى عقد اجتماع مع مُستشاريه وأركان حربه للتشاور. وأدرك في الوقت نفسه مدى جديَّة المُسلمين في تقدُّمهم باتجاه الشَّام في هذه المرحلة التي تختلف في التخطيط والأداء عن الحملات السَّابقة، لذلك عرض على المُجتمعين تجنُّب القِتال وعقد صُلح معهم. إذ أنَّ إعطائهم نصف خِراج البِلاد والاحتفاظ بالنصف الآخر، أفضل من خِسارة خِراج البلاد بِكامله. غير أنَّ المُجتمعين عارضوا هذا الرأي، فنزل عندئذٍ على رأيهم، على الرُغم من أنَّهُ كان أكثرُهم تقديرًا لِخطر المُسلمين على مُلكه ودولته، كما كان أكثرُهم ذُعرًا وخوفًا، حتَّى أنَّهُ رحل عن فلسطين واستقرَّ بعيدًا في أنطاكية في أقصى شمالي الشَّام، لِيُوجِّه الجُيوش منها، ويبعث بِتعليماته إلى قادته، ويُدير العمليَّات العسكريَّة. كان للبيزنطيين في الشَّام جيشان كبيران، يتمركز الأوَّل في فلسطين ويبلُغ عديده سبعين ألف مُقاتل، ويتمركز الثاني في أنطاكية ويبلغ عديده مائتي ألف مُقاتل مُعظمهم من الأرمن والروم.
معركة مؤاب
وصل يزيد بن أبي سُفيان إلى تبوك في أواخر سنة 12هـ، في الوقت الذي نزل فيه شُرحبيل بن حسنة في بُصرى وأبو عُبيدة في الجابية. وكان هرقل قد جهَّز قُوَّة عسكريَّة قِوامُها ثلاثة آلاف مُقاتل بِقيادة سرجيوس قائد منطقة غزَّة، وأرسلها إلى وادي عربة في فلسطين لِحصار المُسلمين المُتقدمين باتجاه الشمال، من الخلف، وقطع خُطوط إمداداتهم مع المدينة. كان من المفروض أن يتصدّى خالد بن سعيد لِهذه القُوَّة، وقد أمرهُ أبو بكر بأن يتقدَّم من تيماء دون أن يقتحم حتَّى لا يُؤتى من خلفه، غير أنَّ خالدًا توغَّل أكثر ممَّا سُمح لهُ حتَّى أنَّهُ سبق جيش أبي عُبيدة المُرابط في الجابية، فبلغ مرج الصَّفر في ضواحي دمشق. علِم يزيد بِتقدُّم جيش سرجيوس، وهو في البلقاء، في مكانٍ يقع شرقيّ البحر الميِّت، ثُمَّ شاهد طلائعُه، فاصطدم به في مؤاب وتغلَّب عليه، وانسحب الروم مُنهزمين إلى داثن، إحدى قُرى غزَّة حيثُ أعاد سرجيوس تنظيم صُفوف قُوَّاته لِيستأنف القِتال. كانت مؤاب أوَّل مدينة رومية في الشَّام تسقط في أيدي المُسلمين، وقد أمَّن لهم فتحها السيطرة العسكريَّة على المنطقة الواقعة جنوبي وادي المُوجب أو نهر أرنون، وسمح لهم القيام بِنشاطاتٍ عسكريَّةٍ في وادي عربة ثُمَّ في داثن، بعد أن أضحى جناحهم الشمالي محميًّا، وأزاح كُل الحواجز العسكريَّة الجديَّة من طريقهم حيثُ أضحى الانتشار في رُبوع فلسطين يتمُّ وفق إرادتهم.
معركة داثن
تحصَّن سرجيوس في داثن وخاض المعركة الثانية ضدَّ المُسلمين فخسرها، وخسر حياته حيثُ قُتل في المُبارزة التي جرت بينه وبين ربيعة بن عامر، وذلك في 24 ذي الحجَّة 12هـ المُوافق فيه 1 آذار (مارس) 634م. عزَّزت معركة داثن النجاح الذي حقَّقهُ المُسلمون أصلًا إلى مدى أبعد شرقًا وفي منطقة مُختلفة. وخلَّفت الخِسارة الرومية صدىً قويًّا تراوح بين الفرح الذي عمَّ السُكَّان اليهود بِخاصَّة الذين عدّوا انتصار المُسلمين فاتحة زوال السيطرة الرومية، وبين الأسى الذي عمَّ الدوائر الحاكمة في القُسطنطينيَّة وبعض القبائل العربيَّة الشَّاميَّة. وتُمثِّلُ هذه المعركة إلى جانب الهدف الديني الأسمى للمُسلمين، المُقاومة الإسلاميَّة للمُحاولات الرومية لِتضييق الخِناق الاقتصادي عليهم من واقع فرض السيطرة على المناطق الحُدوديَّة والتَّحكُّم بِمُرور القوافل التجاريَّة، بعد أن استعاد هؤلاء سيطرتهم على سواحل البحر الأحمر. وتابع يزيد زحفهُ بعد انتصاره، فاجتاز حوران وغوطة دمشق حتَّى وصل إلى أبواب مدينة دمشق، وتمركز حولها، ومنع حاميتها من الاتصال بالقيادة المركزيَّة في أنطاكية، ثُمَّ اتصل ببقيَّة الجُيوش الإسلاميَّة.
=== معركة مرج الصفَّر === رأى هرقل أن يضرب أولًا جيش خالد بن سعيد الزَّاحف باتجاه مرج الصَّفر، فاستنفر العرب المُتنصرة مثل بهراء وسُليح وتنّوخ ولخم وجُذام وغسَّان، فتوافدوا وعسكروا في مكانٍ قريبٍ من آبل وزيراء والقسطل بِقيادة ماهان الأرمني، فاصطدم بهم خالد بن سعيد بعد أن استأذن أبا بكر وانتصر عليهم. وفرَّ ماهان مع من تبقّى من جُنوده من ساحة المعركة. كتب خالد بن سعيد بأنباء الانتصار إلى أبي بكر، وطلب منهُ إرسال المزيد من الإمدادات، فاستجاب لِطلبه، ثُمَّ تسرَّع خالد، فشقَّ طريقهُ إلى مرج الصَّفر مُتجاوزًا القواعد العسكريَّة الضروريَّة للزحف، وبخاصَّةً إرسال الطلائع لاستكشاف المنطقة ورصد وُجود تحرُّكات العدوّ، ممَّا أعطى الفُرصة لِماهان الذي كان يُراقب تحرُّكاته لِمُهاجمته. وعندما وصل إلى مرج الصَّفر بين الواقوصة ودمشق، قُطع عليه خط الرَّجعة دون أن يشعر، ثُمَّ التفَّ حول الجيش الإسلامي وفاجأهُ. فلاذ خالد بن سعيد بالفِرار تاركًا جيشه تحت رحمة الروم، لكنَّ عِكرمة بن أبي جهل نجح في إعادة تنظيم صُفوفه وانسحب من ميدان المعركة، وعسكر على مقربةٍ من دمشق. وجرت المعركة في 4 مُحرَّم 13هـ المُوافق فيه 11 آذار (مارس) 634م. وبحسب بعض الروايات التي تخالفها روايات أخرى، فقد وصلت أنباء هذه الهزيمة إلى مسامع أبي بكر، فكتب إلى خالد بن سعيد، الذي وُصف بأنَّهُ قائد غير كُفوء، يُعنِّفه، ويتَّهِمهُ بالجُبن والفرار طلبًا للنجاة، وأمرهُ بأن يظل في مكانه.
مسيرة خالد بن الوليد من العراق إلى الشَّام
وضع هرقل خطَّة عسكريَّة لِمُواجهة المُسلمين على أثر انتشارهم في أجزاءٍ من الشَّام، تقوم على عددٍ من الأُسس، وهي تتمحور حول ضرب الجُيوش الإسلاميَّة مُنفردة، وذلك عبر تراجع الروم وفق خطةٍ تكتيكيَّة والتَّخلّي للمُسلمين عن مناطق الحُدود الشماليَّة لِشبه الجزيرة العربيَّة، ثُمَّ تتجمَّع وحدات الجيش الأوَّل في فلسطين بعد تعزيزها، بِقيادة تذارق (تُيودور) أخي هرقل لِمُواجهة جيش عمرو بن العاص، وعلى الجانب الآخر تتجمَّع وحدات الجيش الثاني في أنطاكية بِقيادة وردان أميرُ حِمص، ثُمَّ يزحف الجيش الثاني من أنطاكية إلى حِمص ويُباشر القِتال مع كُل جيشٍ من الجُيوش الإسلاميَّة الثلاثة بشكلٍ مُنفرد بحيثُ يستدرج كُل جيشٍ منها إلى القِتال على حدة، فيهزمهُ ثُمَّ يميلُ إلى الآخر، وهكذا إلى أن ينتهي منها جميعًا، مُستخدمًا أُسلوب «المُناورة بالخُطوط الدَّاخليَّة». وبناءً على ذلك، تراجع الروم بسُرعة من أمام المُسلمين مُتخلين عن الأراضي المُتاخمة لِشبه الجزيرة العربيَّة، ثُمَّ استجمعوا قِواهم في أنطاكية وفلسطين استعدادًا للتصدي للمُسلمين. وهكذا نشأت أمام المُسلمين حالة جديدة لم يكونوا يتوقعونها.
ازداد الموقف العسكريّ وُضوحًا بعد استعدادات الروم وحشدهم الجُند. ووقف القادة المُسلمون في الشَّام على هذه التعبئة الرومية، فتشاوروا فيما بينهم واستقرَّ الرأي على اقتراحٍ قدَّمهُ عمرو بن العاص ويقضي باجتماع الجُيوش الإسلاميَّة في مكانٍ واحد، وقضت الخِطَّة بالجلاء بِأقصى سُرعةٍ مُمكنة عن المناطق التي فتحوها في الدَّاخل، إذ المُهمُّ في الحرب ليس السيطرة على العواصم والبُلدان، بل القضاء على جُيوشِ العدو وسحق مُقاومتها. والتراجع حتَّى جِوار بُصرى، مع تجنُّب الاشتباك بالعدوّ والدُخول معهُ في معركةٍ غير مُتكافئة، على أن يتم تنظيم المرحلة التالية من العمليَّات فيما بعد. تنفيذًا لِهذه الخِطَّة سار أبو عُبيدة باتجاه بُصرى، وجلا يزيد عن الغوطة ورفع الحِصار عن دمشق، ثُمَّ جلا شُرحبيل رافعًا الحِصار عن بُصرى، واجتمعت الجُيوش الثلاثة في جوار بُصرى في حين أخذ عمرو بن العاص ينسحب تدريجيًّا بِمُحاذاة الضفَّة الغربيَّة لِنهر الأُردن لِيتصل بِزُملائه. بعد تنفيذ إجراءات التراجُع والتَّجمُّع في جوار بُصرى، كتب أبو عُبيدة رسالةً إلى أبي بكر يُعلمهُ بِقرار القادة ويطلب مُوافقته عليه. وفعلًا وافق أبو بكر على هذا القرار وأدرك في الوقت نفسه حرج موقف المُسلمين على الجبهة الشَّاميَّة، وأنَّهم بحاجة إلى قيادةٍ عسكريَّةٍ فذَّة تُخرجهم من هذا الوضع الحرج، وجدها في خالد بن الوليد الذي انتشرت أخبار انتصاراته على الفُرس في العراق، فاستشار أصحابه فوافقوه. كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد بالعراق يأمُرهُ بالمسير إلى الشَّام في نصف الجيش، وكان خالد آنذاك في الحيرة وقد أنشأ لِنفسه موقعًا ثابتًا مُوطد الأركان نسبيًّا، في غربي الفُرات. لكنَّهُ لم يكن ينطوي مُنذُ البداية على الرغبة في فتح إقليم لِنفسه والاستقرار فيه، فرَّحب بالدعوة فورًا من واقع كونها تحديًا لِكفاءته العسكريَّة؛ فأطاع أمر الخليفة على وجه السُرعة. اصطحب خالد معهُ إلى الشَّام تسعة آلاف مُقاتل، وهم الذين قدموا معه يوم جاء إلى العراق، وترك ثمانية آلاف بِقيادة المُثنّى بن حارثة الشيبانيّ وهم الذين كانوا معهُ في العراق. خرج خالد بن الوليد من الحيرة في 8 صفر 13هـ المُوافق فيه 14 نيسان (أبريل) 634م، وأرسل رسالةً عامَّةً إلى المُسلمين في الشَّام يُخبرهم بأمر الخليفة بِنجدتهم، ورسالة خاصَّة إلى أبي عُبيدة يُخبره بأمر الخليفة تعيينه قائدًا عامَّا لِجُيوش المُسلمين في هذه البِلاد. واخترق الصحراء التي تفصلُ العراق عن الشَّام في ثمانية أيَّام وقيل خمسة أيَّام، في طريقٍ وعرة لم يسلُكها أحدٌ قبله، وهي طريق قراقر - عين التمر - سُوى - أرك - تدمر - القريتين - الغوطة - بُصرى. ويتمَّيز هذا الطريق بأنَّهُ خالٍ من قلاع الفُرس والروم ومسالِحهم، ويصل بِسالكه إلى بُصرى دون أن يتعرَّض لِهجمات العدوّ. واجتهد خالد حين أشرف على الشَّام وأراد أن يتوغَّل فيها؛ ألَّا يترك خلفهُ مواقع قائمة للروم أو لِحُلفائهم من العرب، فصالح أهل مصيَّخ وبهراء وأرك بعد أن اصطدم بهم، وضرب الحصار حول تدمر.
فتح تدمر والقريتين وحوارين
كانت تدمر من المراكز العسكريَّة المُحصَّنة، فحاصرها المُسلمون من كُلِّ جانب وقد تحصَّن بها أهلها، فهدَّدهم خالد وقد أصرَّ على فتحها. ويبدو أنَّهم أدركوا حرج موقفهم في ظل غياب الدعم الرومي فمالوا إلى طلب الصُلح وفتحوا أبواب مدينتهم للمُسلمين. واصل المُسلمون سيرهم حتَّى وصلوا إلى القريتين، فاعترضهم أهلها. وجرى اشتباكٌ بين الطرفين أسفر عن انتصار المُسلمين، ثُمَّ مرّوا بِحوارين، فتحصَّن أهلها وراء أسوارهم وطلبوا مُساعدة عاجلة من المُدن والقُرى المُجاورة، فجاءهم جيشان، الأوَّل من بعلبك والثاني من بُصرى، يبلغ عديدهُما أكثر من أربعة آلاف مُقاتل، لكنَّ المُسلمين اصطدموا بهما قبل أن يصلا وشتتوهما. واضطَّر أهالي حوارين إلى قُبول الصُلح. توجَّه المُسلمون بعد حوارين باتجاه الجنوب قاصدين غوطة دمشق، فاعترضهم الغساسنة بِقيادة الحارث بن الأيهم، وجرى اشتباكٌ بين الطرفين أسفر عن انتصار المُسلمين. وتراجع الغساسنة إلى حُصون دمشق، وواصل المُسلمون تقدُّمهم حتَّى بلغوا الثنية ووقفوا على التل المعروف بهذا الاسم ونشروا عليه الرَّاية السوداء المُسماة بالعُقاب وهي رايةُ النبيّ، وأغاروا على بعض قُرى الغوطة، وعسكروا أمام الباب الشرقي لِدمشق على دير صليبا. وفي رواية أنَّ خالدًا عسكر على باب الجابية الغربي، وأجرى مُباحثات مع أُسقف المدينة وعامل هرقل منصور بن سرجون أسفرت عن مُعاهدة صُلح. وكتب خالد كتابًا لِأهل المدينة يتعهَّد لهم بأنَّهُ لو دخلها لن يتعرَّض لهم أحد في أنفُسهم وأموالهم وكنائسهم وأن لا تُسكن دورهم طالما أعطوا الجزية. والواضح أنَّ دمشق لم تكن هدف خالد الآني، إنما أراد أن يحمي مؤخرة جيشه عندما يستأنف الزحف باتجاه الجنوب.

