Wars & conflicts· العصور الوسطى· 1122

الحملة البندقية الصليبية

حَمْلَةٌ صَلِيبِيَّة بِقِيادة جُمهورية البُندقية

الحَملَةُ الصَّلِيبِيَّةُ البُنْدُقِيَّة حملةٌ صليبية أطلقتها جمهورية البندقية باتجاه الأراضي المقدسة، وتمكَّنت من احتلال مدينة صور، واستمرَّت لمدة سنتين، من سنة 1122 إلى سنة 1124م. وقد شكَّل هذا الانتصار بداية مرحلةٍ بلغت فيها مملكة بيت المقدس أقصى اتساعها في عهد بلدوين الثاني. كما حصل البنادقة على امتيازاتٍ تجاريةٍ قيِّمة في صور. ومن خلال شنِّهم غاراتٍ على الأراضي الرومية في طريقهم إلى الأراضي المقدسة وأثناء رحلة العودة، أجبر البنادقة الروم على تأكيد امتيازاتهم التجارية لدى الإمبراطورية وتوسيع نطاقها. أمَّا الدافع الرئيس لهذه الحملة، فكان استنجاد بلدوين الثاني بالبنادقة سنة 513هـ المُوافقة لسنة 1119م، في أعقاب معركةٍ دارت بين المسلمين والصليبيين، مُني فيها الأخيرون بهزيمةٍ ساحقة، إذ أُبيد جيشهم عن بكرة أبيه، وقُتل قائدهم رجَّار السلرنوي أمير أنطاكية، فأصبحت تلك الإمارة لُقمةً سائغةً للمسلمين لو قرروا استردادها. فسارع بلدوين، كما أُسلف، إلى مراسلة البنادقة، وعرض عليهم منحهم امتيازاتٍ تجارية في فلسطين. وأيَّد البابا هذا الالتماس، فقرر الدوق دومنيك ميخائيل الاستجابة له، غير أن الحملة لم يكتمل إعدادها إلا بعد مضي ثلاث سنوات، ولم يصل الأسطول، المؤلف من مائة سفينة حربية، إلى عكَّا إلا في أوائل ربيع الآخر 517هـ، الموافق لأواخر أيار (مايو) 1123م، وكان يحمل أعدادًا كبيرة من الفرسان والمشاة، فضلًا عن أدوات الحصار.

خَلفيَّة الحَملة وأَسبابها

تربُّع بلدوين الثاني على عرش بيت المقدس

كان ملك بيت المقدس بلدوين الأوَّل قد عزم على غزو مصر لتأمين الحدود الجنوبية لمملكته، والحيلولة دون اتحاد الفاطميين والبوريين في دمشق، بما يُهدد الوجود الصليبي في الديار الشامية، ولا سيما بعد أن هاجم الفاطميون عددًا من المواقع الصليبية. وبالفعل، قاد بلدوين قوةً عسكريةً محدودة العدد، تألَّفت من مائتين وستة عشر فارسًا وأربعمائة راجل، فعبر الصحراء من غزة إلى العريش، ثم وصل إلى الفرما الواقعة على ساحل البحر المتوسط، وهي مدخل الديار المصرية، فاستولى عليها وأحرق مساجدها. ثم واصل توغله حتى بلغ مصب نهر النيل، غير أنه توقف عند هذا الحد، ولم يتمكن من التوغل أبعد في مصر بسبب قلة قواته، ولإصابته المفاجئة بمرضٍ ألمَّ به، إذ انتابته حمى عقب تناوله سمكًا. ولمَّا يئس الأطباء من شفاء ملكهم، وأيقنوا أنه ميِّت لا محالة، ارتدوا عائدين إلى بيت المقدس في أواخر سنة 511هـ، الموافقة لربيع سنة 1118م. وأثناء الرحلة اشتدت الحمى على بلدوين، وبلغ به الإنهاك مبلغًا جعله عاجزًا تمامًا، فحمله جنوده في محفَّة عائدين إلى العريش، حيث فارق الحياة يوم 8 ذي الحجة، الموافق 2 نيسان (أبريل)، بين ذراعي أُسقف الرملة. ثم نُقل جثمانه إلى بيت المقدس، ووُري الثرى في كنيسة القيامة إلى جوار أخيه گُدفري البويني، قائد الصليبيين الذين احتلوا بيت المقدس سنة 492هـ، الموافقة لسنة 1099م. أهمل بلدوين الأوَّل، خلال حياته السياسية، مسألة وراثة العرش من بعده، علمًا بأنه لم يترك ولدًا يرث المُلك، ولم يُعيِّن شخصًا بعينه لتولي عرش المملكة. فبادر أمراؤها إلى الاجتماع، ومعهم البطريق «أرنُلف الشوكي»، لبحث مسألة اختيار خليفةٍ للملك المتوفى. واتجهت غالبية الأعضاء إلى استدعاء الأخ الثالث لبلدوين وگُدفري، ويُدعى «يسطس»، واشتهر في التاريخ باسم «يسطس الثالث قُمُّس بولونية». ويذكر ألبرت الأَخِنِّي أن بلدوين كان قد أوصى، في الواقع، بأن يؤول المُلك إلى أخيه المذكور إذا اختار مغادرة فرنسا والقدوم إلى الأراضي المقدسة، كما ذكر أنه أوصى بانتخاب بلدوين البوركي قُمُّس الرها إذا اعتذر شقيقه أو لم يتمكن من الحضور بسبب تقدمه في السن. وبجميع الأحوال، أرسل المجتمعون وفدًا لعرض تولي العرش على يسطس، ودعوته إلى القدوم إلى المشرق لخلافة أخيه الراحل. ويبدو أن يسطس لم يشأ مغادرة قُمُّسيته الهادئة لينخرط في مشكلات الصليبيين في المشرق، غير أن أعضاء الوفد أقنعوه، بدافع الواجب، بقبول المهمة. فتوجَّه قاصدًا بيت المقدس، لكنه، عندما وصل إلى بولية، التقى بوفدٍ آخر حمل إليه نبأ حسم الأمر، وأن بلدوين البوركي قد انتُخب بالفعل، فعاد أدراجه. والواقع أن فريقًا آخر من المجتمعين رأى أن أوضاع مملكة بيت المقدس، بخاصة، وأوضاع الصليبيين، بعامة، تقتضي اختيار بديلٍ على وجه السرعة، على أن يكون من الوسط الصليبي، ممن خبر الحروب مع المسلمين وعانى مشكلاتهم. وكان ما دفعهم إلى ذلك الخطرُ المحدق بالمملكة، إذ استغل الوزير الفاطمي الأفضل شاهنشاه حالة الفراغ والاضطراب الناجمة عن وفاة بلدوين الأوَّل للثأر من الصليبيين، فجمع جيشًا في أسدود، وأبرم حلفًا مع أتابك دمشق ظاهر الدين طغتكين للانقضاض على الصليبيين واسترداد بلاد المسلمين منهم.

وأدرك الصليبيون أنهم لا قِبَل لهم بمواجهة المسلمين وهم على هذه الحال، فسارع جُسلين الكُرتنالي إلى المناداة بأن الشروط المطلوبة تتوافر في بلدوين البوركي، قُمُّس الرها، فضلًا عن أنه ابن عم الملك الراحل، والوحيد الذي ما زال على قيد الحياة من قادة الحملة الصليبية الأولى. وكان ترشيح جُسلين لبلدوين أمرًا مثيرًا للدهشة، إذ كان بلدوين قد طرده من إقطاعه في تل باشر، غير أنه يبدو أنه وجد في ذلك فرصةً سانحة لاسترضائه وإزالة ما علق في نفسه من رواسب الماضي، وأمل أن يكافئه بتعيينه على الرها خلفًا له. ولقي اقتراحه تأييدًا من البطريق أرنُلف، وتمكن الاثنان من إقناع المجتمعين بصواب رأيهما. وصادف، آنذاك، وصول بلدوين البوركي إلى بيت المقدس لزيارتها والحج إلى القبر المقدس. فاستُقبل بكل حفاوة، وكان قد أُبلغ بوفاة ابن عمه في أثناء طريقه إلى المدينة، وفقًا لما أورده وليم الصوري. وفي يوم 14 نيسان (أبريل) 1118م، الموافق لعيد القيامة، أُجريت للملك العتيد طقوس المسح بالدهن، غير أنه لم يُتوَّج إلا بعد بضعة أيام، لأسبابٍ غير معلومة. ويُرجح المؤرخ البريطاني مَلكُم بَرْبِر أن سبب هذا التأخير كان رغبة بلدوين في أن يُتوَّج إلى جانب زوجته، التي لم تكن موجودةً في المملكة آنذاك. وعلى أي حال، فما إن تُوِّج بلدوين في كنيسة القيامة حتى سارع إلى مكافأة جُسلين على موقفه ووفائه، فعينه قُمُّسًا على الرها، على أن يكون تابعًا له في حكمها. غير أن الأخير لم يُغادر المملكة، بل بقي فيها لتأمين الدفاع عن الجليل في مواجهة الهجوم الإسلامي المرتقب من جانب الفاطميين والبوريين. واعترف بالملك الجديد سيدًا عليه كلٌّ من رجَّار السلرنوي، أمير أنطاكية وصهر الملك، وپُنس قُمُّس طرابلس، بعد ممارسة الضغط عليه، توحيدًا لكلمة الصليبيين تحت تاج مملكة بيت المقدس. ولم يعش البطريق أرنُلف مدةً طويلة بعد تتويج بلدوين الثاني، إذ توفي بعد أسبوعين، فأقر الملك اختيار ورمُند البيكيني، الذي كان مغمورًا، خلفًا له.

معركة البلاط أو ساحة الدم

أضحى الصليبيون في شمالي الشام، مع نهاية سنة 512هـ، الموافقة لسنة 1118م، وتربُّع بلدوين الثاني على عرش بيت المقدس، يُشكِّلون أقليةً معترفًا بها. وعلى الرغم من أن المسلمين كانوا يفوقونهم عددًا، فإنهم لم يكونوا متحدين، بل استحكمت الفرقة بينهم. غير أن اندلاع الفوضى بينهم حال دونه قيام تحالف بين أتابك دمشق ظاهر الدين طغتكين وإيلغازي بن أرتق، أمير حلب. وتمتع رجَّار السلرنوي، أمير أنطاكية، بمكانة أبرز الأمراء الصليبيين في الشمال، إلا أنه لم يحاول فرض هيمنته على كلٍّ من جُسلين الكُرتنالي قُمُّس الرها، وپُنس قُمُّس طرابلس، وإن لم يختلف عنهما في الاعتراف بسيادة ملك بيت المقدس، كما أُسلف. أضحت حلب، في أعقاب التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة، تحت رحمة رجَّار، أمير أنطاكية، بعد أن أحاط بها من ثلاث جهات، وهو وضعٌ لم يحتمله الحلبيون، فالتمسوا العون مجددًا من إيلغازي بن أرتق، الذي ساءه سقوط البزاعة في أيدي الصليبيين. وأطلقت وفاة السلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه في تلك السنة (512هـ = 1118م) أطماع الأمراء والولاة في مختلف أنحاء الدولة السلجوقية، وكان من بينهم إيلغازي، الذي طمح إلى ضم حلب إلى أملاكه، وكان يُعد من أقوى الأمراء المسلمين وأكثرهم صلابة. وقد اشتدت رغبته في القضاء على الإمارات الصليبية تمهيدًا لضم حلب. وحشد إيلغازي، في أوائل سنة 513هـ، الموافقة لربيع سنة 1119م، جيشًا من التركمان، وانضم إليه الأكراد النازلون في الشمال، والعرب المقيمون في بادية الشام، ومنهم: أُسامة بن المبارك بن شبل الكلابي، والأمير طغان أرسلان، صاحب بدليس وأرزن، وغيرهما. ورأى أن يلتمس المساعدة من السلطان محمود السلجوقي، الذي خلف أباه محمد، غير أنه لم يتلقَّ منه أيَّ رد، ويُعد ذلك تقصيرًا واضحًا من جانب السلاجقة في الإسهام في قتال الصليبيين. كما أبدى أبو العساكر سلطان بن منقذ، في شيزر، استعداده للتعاون مع إيلغازي ومهاجمة إمارة أنطاكية من الجنوب، لصرف رجَّار إلى جبهةٍ أخرى. وزحف جيش المسلمين، الذي بلغ تعداده أربعين ألف مقاتل، باتجاه أنطاكية. وتلقى رجَّار أنباء هذا الزحف بشيءٍ من الاستخفاف، غير أن البطريق حثه على التماس المساعدة من الملك بلدوين الثاني، ومن پُنس، قُمُّس طرابلس. فأبلغه الأول، وكان في طبريَّة، بأنه سيُسرع في القدوم إليه برفقة پُنس، الأمر الذي كان يقتضي من رجَّار الالتزام بخطة الدفاع حتى تصل الإمدادات الصليبية من الجنوب. وبالفعل، حشد الملك بلدوين الثاني جيش بيت المقدس، وتوجه نحو الشمال، وحمل معه قطعةً من صليب الصلبوت كانت بحوزة رئيس أساقفة قيسارية. كان بنو منقذ، آنذاك، يُغيرون على أفامية، فأرسل إيلغازي بعض فرقه العسكرية نحو الجنوب الغربي لتنضم إليهم، في حين توجَّه هو، بمن بقي معه من الجيش، لمهاجمة أراضي الرها، غير أنه لم يُحاول مهاجمة العاصمة نفسها، نظرًا لمنعتها. فعبر نهر الفرات يوم 4 ربيع الأول 513هـ، الموافق 15 حزيران (يونيو) 1119م، عند بالس، وعسكر في قنِّسرين، التي تبعد خمسة عشر ميلًا إلى الجنوب من حلب، منتظرًا وصول طغتكين.

كان رجَّار قلقًا، على الرغم من رسالة الاطمئنان التي بعث بها إليه الملك بلدوين الثاني، فتعجل الخروج لصد المسلمين، وقاد جميع قوات أنطاكية، التي بلغ تعدادها سبعمائة فارس أوروپي، وخمسمائة أرمني، وثلاثة آلاف من المشاة، بمن فيهم فرق من التركبول. فعبر جسر الحديد على نهر العاصي، وأقام معسكره في «بلاط» أمام تل عفرين، على الحافة الشرقية لسهل سرمدا، إلى الشمال من حصن الأثارب، ظنًا منه أن وعورة تلك المنطقة ستعيق تقدم عدوه، معتقدًا أن الهجوم الإسلامي سيكون من جهة الأثارب أو من جهة زردنا. كان إيلغازي، في غضون ذلك، بالقرب من بلدة البزاغة إلى الشمال من حلب، ينتظر وصول حليفه طغتكين. وكانت قد توافرت لديه معلومات عن تحركات الأمير الصليبي وضعف قواته، بفضل جواسيسه الذين تنكروا في زي التجار ودخلوا المعسكر الصليبي، وهو ما أغرى أمراءه بالهجوم على قلعة الأثارب في 16 ربيع الأول، الموافق 27 حزيران (يونيو)، وكانت حينها في حوزة الصليبيين، فأرسل رجَّار بعض قواته للدفاع عنها بقيادة رجل يُدعى «روبرت البيُوبُنتي». وفي صباح 17 ربيع الأول، الموافق 28 حزيران (يونيو)، أبلغته كشَّافته بأن المسلمين يطوِّقون معسكره. وكان إيلغازي قد رأى استغلال الفرصة ومباغتة الصليبيين بالهجوم قبل وصول المساعدات من الجنوب، فتقدَّم حتى قنِّسرين باتجاه الجيش الصليبي، واشتبك معه في معركةٍ طاحنةٍ في سهلٍ قريب من أرتاح إلى الشمال من الأثارب. وانتهت المعركة بانتصارٍ واضحٍ للمسلمين، ودُمِّر الجيش الصليبي بأكمله تقريبًا، وقُتل أفراده من جميع نواحيهم؛ كما خرَّ رجَّار نفسه صريعًا في المعركة. وقد بلغ عدد القتلى من الصليبيين حدًّا أطلقوا معه على السهل الذي دارت فيه المعركة اسم «ساحة الدم».

==== نتائج المعركة ==== كان لمعركة البلاط نتائج بالغة الأهمية على الصعيدين الإسلامي والصليبي، منها:

على الصعيد الإسلامي

حسمت المعركة مصير حلب، التي كان يتنازعها المسلمون والصليبيون، وابتهج المسلمون بهذا النصر الذي أبقاها في أيديهم. ونظم الشعراء المسلمون القصائد في مدح إيلغازي، ومنهم أبو عبد الله العظيمي، الذي قال:

وأرسل إليه الخليفة الفضل المسترشد بالله الخُلع، وشكره «على ما يفعله من غزو الفرنج»، ولقَّبه «نجم الدين». غير أن إيلغازي لم يستثمر انتصاره في مهاجمة أنطاكية، التي كانت خاليةً ممن يحميها ويدافع عنها، ولا سيما أن الطريق إليها بات مفتوحًا أمامه؛ ولو أسرع إليها لما امتنعت عليه، فكان هذا التصرف السياسي والعسكري غير حكيم. ولم يمكث إيلغازي في ساحة المعركة إلا ريثما وزَّع الغنائم على رجاله، ثم سار إلى سرمدا، فاستسلم له حاكمها «رينالد مازوار»، واكتفى بأن كتب إلى أمراء المسلمين يُعلمهم بما أحرزه من انتصار. وأبقى إيلغازي على حياة رينالد المذكور، إعجابًا بما أبداه من اعتدادٍ بنفسه، وأعطاه خاتمه تأكيدًا له بأنه لن يقتله، في حين أمر بإعدام رفاقه. وكُبِّل سائر الأسرى بالأغلال، وجُرُّوا خلف المنتصرين إلى حلب. ودخل إيلغازي وحليفه طغتكين المدينة، فأشاعا بين أهلها أنهما انتصرا على الأعداء، وأتاحا للأهالي الانتقام من الصليبيين، إذ تركاهم يعذبون الأسرى وينكلون بهم حتى قُتلوا جميعًا. وبذلك بدَّد القائدان المسلمان الثمار التي جنياها من معركة البلاط.

على الصعيد الصليبي

شكَّلت هزيمة الصليبيين في معركة البلاط كارثةً حقيقية، إذ أضحت أنطاكية، البوابة الشمالية للكيان الصليبي في الشام، بلا أمير ولا جيش، في الوقت الذي أخذ فيه النصارى المحليون، من السريان والأرمن الأرثوذكس، يحيكون المؤامرات للتخلص من الحكم الصليبي الواقع عليهم، وكان ذلك أكثر ما أقلق بطريق أنطاكية اللاتيني برنارد البلنسي الذي تولى القيادة. وتوقع سكان المدينة، عندما علموا بنبأ الهزيمة، أن يبادر إيلغازي إلى القدوم لمهاجمتها، في الوقت الذي خلت فيه من العساكر للدفاع عنها، لكن شيئًا من ذلك لم يحصل. وتولى البطريق برنارد رعاية شؤون أنطاكية، التي أخذها الفزع من كل جانب، وحراسة تحصيناتها، حتى وصل بلدوين الثاني في 21 ربيع الآخر 513هـ، الموافق 1 آب (أغسطس) 1119م، فوجد المدينة في حالة يُرثى لها، بعد أن اجتاح المسلمون أراضيها ودمَّروا ضواحيها. استقبل أعيان أنطاكية وسكانها ملك بيت المقدس بالترحاب، كما رحبت به أخته الأميرة سيسيليا والبطريق برنارد. وكان أول ما قام به إبعاد المغيرين عن الضواحي، وطمأنة السكان، وإعادة الثقة إلى نفوسهم. ثم اجتمع بأعيان المدينة للتشاور في أمر حكومتهم المقبلة، علمًا بأن الأمير الشرعي بوهيمُند الثاني، الذي اعترف رجَّار بسيادته، كان صبيًا لم يتجاوز العاشرة من عمره، ويقيم مع والدته في بولية بإيطاليا. ولم يبقَ في الشرق ممثل للأسرة النُرمانية، فتقرر أن يتولى بلدوين الثاني حكومة أنطاكية، بوصفه زعيمًا للصليبيين في الشرق، حتى يبلغ بوهيمُند الثاني سن الرشد، كما تقرر أن يتزوج بوهيمُند الثاني إحدى بنات الملك. كما أعاد بلدوين توزيع إقطاعات الإمارة التي خلت بعد مصرع فرسانها في المعركة، وزوَّج أراملهم بمن يليق بهنَّ من فرسانه.

معركة هاب

ازداد إيلغازي قوةً بعد انتصاره، وطمع في استرداد جميع الحصون الواقعة شرقي العاصي من أيدي الصليبيين. فنهض مع حليفه طغتكين في 2 جمادى الأولى 513هـ، الموافق 11 آب (أغسطس) 1119م، وبدأ بحصار حصن الأثارب، فاستسلمت حاميته مقابل الأمان والسماح لأفرادها بالخروج إلى أنطاكية. وفي اليوم التالي، توجه المسلمون نحو زردنا، فهرب قائد حاميتها، روبرت الأبرص، إلى أنطاكية، في حين استسلم رجاله لإيلغازي، فقتلهم عن آخرهم. وكان بلدوين الثاني قد سارع إلى الخروج لإنجاد الصليبيين في الأثارب، غير أنه ما كاد يصل إلى جسر الحديد حتى التقى بحاميتها، وهي في طريقها إلى أنطاكية. ثم بلغه خبر حصار زردنا، فأدرك عندئذ أن المسلمين يهدفون إلى فتح القلاع الواقعة حول معرَّة النُعمان وأفامية. فتابع زحفه، وعسكر في 4 جمادى الأولى، الموافق 13 آب (أغسطس)، بتل دانيث. وعلم في صباح اليوم التالي بسقوط زردنا، فرأى من الحكمة أن يعود أدراجه إلى أنطاكية. وسرعان ما سقطت سرمين ومعرَّة النعمان وكفرطاب في أيدي المسلمين. وسار إيلغازي بعد ذلك في أثر الصليبيين، يراوده الأمل في مباغتتهم ليلًا قبل وصولهم إلى أنطاكية، غير أن بلدوين كان مستعدًا. فقسَّم جيشه إلى سبع كتائب، وجعل في طليعة الجيش ثلاث كتائب، قدمها أمام باقي الجيش. أما المشاة فجعلهم في الوسط، وأما قُمُّس طرابلس وقواته فكانوا يؤلفون الميمنة، في حين وقف بارونات أنطاكية في الميسرة. وكان في المؤخرة الملك نفسه، على رأس أربع كتائب، اتُّفق على أن تكون مهمتها مساعدة الآخرين. ولم يكتفِ بلدوين بذلك، بل عبَّأ نفسه وجنوده تعبئةً روحية، فبذل اعترافه، وحمل معه صليب الصلبوت ليتقوى به ورجاله، بعد أن سمح له بطريق بيت المقدس وقساوستها بذلك. وحمل رئيس الأساقفة الصليب المذكور، فدعا العساكر إلى الاجتماع، وأمسك بالصليب ليباركهم، فارتفعت معنوياتهم، وأضحوا على أهبة الاستعداد للقتال. وفي 5 جمادى الأولى، الموافق 14 آب (أغسطس)، التقى المسلمون والصليبيون قرب قرية هاب، وهي قلعة حصينة من بلاد العواصم. ودارت بين الطرفين معركة اتسمت بالاضطراب وشدة القتال، وقد وصف وليم الصوري مجرياتها قائلًا:

أسفرت المعركة في الواقع عن نتيجةٍ غير حاسمة، إذ ادعى كل من الطرفين تحقيق النصر، غير أن الصليبيين لم يحققوا مكاسب بارزة. فقد أجبر طغتكين پُنس، قُمُّس طرابلس، الذي كان في ميمنة الجيش الصليبي، على الارتداد، إلا أن عساكر طرابلس حافظوا على مواقعهم. أما روبرت الأبرص، الذي كان يلي پُنس، فقد وقع في كمين نصبه له المسلمون، فأُخذ أسيرًا، ثم قتله طغتكين صبرًا. وفي المقابل، صمد قلب الجيش الصليبي وميسرته في القتال، وتمكن بلدوين، في اللحظة الحرجة، من مهاجمة المسلمين بقوات جديدة، فلاذ عدد كبير منهم بالفرار، غير أن معظم جيش إيلغازي انسحب من أرض المعركة في نظام. وعاد إيلغازي وطغتكين إلى حلب ومعهما عدد كبير من الأسرى، ولم يحاول بلدوين مطاردتهما، بل اتجه جنوبًا نحو معرة النعمان، ومنها إلى الروج. فأجلى بني منقذ عنها، ثم عقد معهم معاهدة أعفاهم بموجبها من الضرائب السنوية التي كان رجَّار قد فرضها عليهم. كما أعاد احتلال البلدات والحصون التي استولى عليها إيلغازي، ومنها كفر روم وكفرطاب وسرمين ومعرَّة مصرين، باستثناء زردنا والأثارب، اللتين بقيتا في أيدي المسلمين. وكان من شأن ذلك أن يضع حدًا، ولو لفترةٍ وجيزة، للتهديدات الإسلامية التي كانت تواجه الصليبيين انطلاقًا من حلب. وبموجب هدنة عقدها إيلغازي مع بلدوين الثاني، اعترف بحق إمارة أنطاكية في الاحتفاظ بممتلكاتها الواقعة شرقي نهر العاصي. وبذلك، حقق الملك الصليبي مكسبًا كبيرًا للصليبيين من دون خوض قتال، واستمرت الهدنة سنةً كاملة.

مجلس نابلس

تُوِّج بلدوين وزوجته مُرَفِيَة المَلَطِيَّة ملكين على بيت المقدس في بيت لحم يوم عيد الميلاد سنة 1119م. وكان الملك قد منح، قبل 15 كانون الثاني (يناير) 1120م، إمارة الجليل، التي كانت من أملاك جُسلين الكُرتنالي، إلى وليم البوريسي، فاستحوذ بذلك على إحدى أكبر الإقطاعيات في المملكة. وبذل بلدوين جهدًا كبيرًا لوضع قوانين للمملكة، إذ لم تكن لمملكة بيت المقدس، منذ قيامها، مجموعة قوانين رسمية ومتماسكة تنظم الحكم والحياة فيها. وسرعان ما أدرك الصليبيون حاجتهم إلى قوانين تنظم شؤون المملكة، ولا سيما في ظل أغلبية سكانية مسلمة وحرب مستمرة مع جيرانهم المسلمين. لذلك دعا بلدوين وورمُند البيكيني، بطريق المدينة، إلى مجلس عام في نابلس يوم 16 كانون الثاني (يناير)، ودُعيت إليه جميع الشخصيات العلمانية ورجال الدين في المملكة. وأسفر المجلس عن خمسة وعشرين قانونًا كنسيًا تناولت الشؤون الدينية والعلمانية. ولم يكن، في الواقع، مجلسًا كنسيًا خالصًا ولا اجتماعًا للبلاط الملكي؛ ويرى المؤرخ الألماني هنز ماير، نظرًا إلى الطبيعة الدينية للعديد من القوانين التي صدرت عنه، أنه يصح اعتباره برلمانًا ومجمعًا مقدسًا في آنٍ واحد. وكان الاتفاق الذي توصل إليه البطريق والملك بمثابة ميثاق، على غرار ميثاق فرميزة الذي أُبرم بعد ذلك بسنتين.

الاعتراف بالهيئات الدينية العسكرية

شهد مجمع نابلس أول اعتراف رسمي بالتنظيمات العسكرية الرهبانية في الكيان الصليبي. ونظرًا إلى استمرار الحرب بين الصليبيين والمسلمين، وما كان يتعرض له الحجاج النصارى القادمون من أوروپَّا من أخطار، اضطلعت هذه التنظيمات بدور حيوي في تأمينهم. ويُرجح المؤرخان مَلكُم بَرْبِر وكرستوفر تَيَرْمَان أن جماعتي الفرسان اللتين أسسهما هيوج الپَيَنْزي وگُدفري السَنْأُميري لهذه الغاية، قد حظيتا بالاعتراف الرسمي بها خلال المجمع. وهاتان الجماعتان هما الإسبتارية أو فرسان القديس يوحنا، والداوية أو فرسان الهيكل. وقد عُرف الإسبتاريون بهذا الاسم في اللغة العربية تحريفًا لتسميتهم اللاتينية «Ordo Hospitalis»، أي «رهبنة المشفى»، في حين اختلفت الآراء في أصل اسم «الداوية» ومما قيل أنها مُشتقة من اسم النبي داود، إذ كان بلدوين قد أقامهم مؤقتًا في القصر الملكي الكائن في الحرم القدسي، المعروف لديهم بـ«جبل الهيكل»، فعُرفوا لذلك بـ«فرسان الهيكل»، ومن المعروف أن هذا الهيكل منسوب إلى النبي المذكور. وقد عرض موقع قرية النبي صموئيل على الرهبان السيسترسيين، إلا أن قائدهم برنارد الكليرڤوئي تنازل عن المكان للرهبان البريمونستراتيين، الذين شيدوا فيه ديرًا. وعقب انعقاد المجمع، حظي الإسبتاريون والداويون باعتراف جميع الدويلات الصليبية، فامتد نطاق عملياتهم ليشمل كافة الأراضي التي يحتلها الأوروپيون. وكلف بلدوين وورمُند هاتين الهيئتين بمهمة تأمين الطرق وحمايتها من اللصوص وغيرهم ممن دأبوا على سلب الحجاج المسيحيين وقتلهم أثناء رحلتهم إلى بيت المقدس. حظيت هذه الهيئات بعطف بلدوين الثاني، وتمتعت بكثيرٍ من الامتيازات، منها الامتيازات القضائية؛ إذ أُعفي أعضاؤها من المثول أمام المحاكم الكنسيَّة المحليَّة، واختصَّت كنيسة رومة بمقاضاتهم، الأمر الذي جعلهم بمنأًى عن العقوبات الكنسية التي قد يفرضها الأساقفة المحليون. وكان يُسمح لهم بفتح كنائسهم في أيامٍ محدودة عندما تُفرض على المدينة عقوبة الحرمان. وأُعفيت أراضيها من أداء الضرائب الكنسية، مثل ضريبة العشور على الأراضي الزراعية. واستطاعت هذه الهيئات أن تُنمِّي قوتها العسكرية، ففاقت أحيانًا قوة الدولة، وكانت قواتها في تحرُّكٍ دائم، نظرًا إلى اعتماد وجودها على منطق الحرب. ولا شك أنها أمدَّت مملكة بيت المقدس بقُوَّةٍ عسكرية مكَّنتها من تحقيق تطلُّعاتها التوسُّعيَّة وحربها مع المسلمين.

الحملة ومُجرياتها

الدعوة

بعد فترةٍ وجيزةٍ من انعقاد مجلس نابلس، بعث الملك بلدوين والبطريق ورمُند برسائل إلى البابا قالسطوس الثاني، حثّاه فيها على الدعوة إلى حملةٍ صليبيةٍ جديدة، بهدف دعم مملكة بيت المقدس بعد الكارثة التي مُنيت بها في معركة البلاط، كما سبقت الإشارة. وكان كلاهما قد أدرك مدى الضعف الذي أصاب الصليبيين في أعقاب تلك الهزيمة، الأمر الذي جعلهم في حاجةٍ ماسّة إلى دعمٍ خارجي يمكّنهم من التصدي للهجمات الإسلامية المتواصلة. وقد تجلّت هذه الحاجة بصورةٍ أوضح عندما شنّ إيلغازي هجومًا جديدًا على الصليبيين عقب انتهاء الهدنة المبرمة بينهم وبين المسلمين. وفي تلك الأثناء، كان البابا قالسطوس منشغلًا بقضايا أخرى حالت دون تفرّغه لمسألة الحملات الصليبية؛ إذ كان منهمكًا في صراعٍ مع إمبراطور الرومانية المقدسة هنري الخامس بشأن «نزاع التنصيب»، أي مسألة الحق في تعيين الأساقفة. ومع ذلك، كان البابا راغبًا في توجيه أنظار أوروپَّا الكاثوليكية إلى قضيةٍ أخرى، كالحملة الصليبية، ولذلك جاء طلب بلدوين في توقيتٍ ملائم. وكانت جمهورية البندقية القوة الوحيدة التي أبدت اهتمامًا بدعم المشروع الصليبي؛ إذ سعى البنادقة إلى الحصول على مزيدٍ من المراكز التجارية والامتيازات لدى الصليبيين في الشام، فضلًا عن انخراطهم آنذاك في حربٍ تجارية مع الإمبراطور البيزنطي يوحنا الثاني كومنين، الذي كان يتمتع بنفوذٍ اقتصادي وعسكري كبيرين. فبعد اعتلائه العرش، رفض يوحنا الثاني المصادقة على المعاهدة المبرمة سنة 1082م بين الإمبراطورية البيزنطية وجمهورية البندقية، والتي منحت البنادقة امتيازات تجارية واسعة واستثنائية داخل الإمبراطورية. غير أن هذا التحول في السياسة لم يكن مدفوعًا باعتبارات مالية فحسب؛ فقد أدت إساءة تعرّض لها أحد أفراد الأسرة الإمبراطورية على يد بعض البنادقة إلى تصاعد التوتر بين الجانبين، ولا سيما أن القوة البحرية للقسطنطينية كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم البنادقي. وعقب هجومٍ انتقامي شنّه الروم على جزيرة قرفس، أصدر يوحنا الثاني أمرًا بطرد التجار البنادقة من القسطنطينية. وسعى البنادقة إلى الانتقام من الروم، فرأوا في الحملة المتجهة شرقًا فرصةً مواتية لتحقيق غايتهم، فأحال إليهم البابا طلب ملك بيت المقدس.

وفي سنة 1122م، أُعلن عن حملةٍ صليبيةٍ جديدة لنجدة مملكة بيت المقدس. وسرعان ما توافد الفرسان والحجاج من فرنسا وألمانيا وبوهيميا ومختلف الدول الإيطالية وغيرها من ممالك أوروپَّا الكاثوليكية إلى مدينة البندقية. واتُفق على شروط الحملة من خلال مفاوضاتٍ بين مبعوثي الملك بلدوين الثاني ودوق البندقية «دومنيك ميخائيل». وبعد أن قرر البنادقة المشاركة في الحملة، أرسل إليهم البابا قالسطوس رايته البابوية تعبيرًا عن مباركته للحملة وموافقته عليها؛ كما أكّد خلال مجمع اللطران الأول تمتع البنادقة بامتيازات الصليبيين، بما في ذلك غفران خطاياهم. كذلك وضعت الكنيسة عائلات الصليبيين وممتلكاتهم تحت حمايتها. وبعد استكمال الترتيبات النهائية في 8 آب (أغسطس)، أمر ميخائيل بإبحار الأسطول الصليبي نحو المشرق. وفي اليوم ذاته، غادر الأسطول البندقي، المؤلف من أكثر من مائةٍ وعشرين سفينة وعلى متنه ما يزيد على خمسة عشر ألف رجل، بحيرة البندقية. ويبدو أن هذه كانت أول حملة صليبية اصطحب فيها الفرسان خيولهم معهم. وأبحر الأسطول رافعًا راية القديس بطرس التي كان البابا قد أرسلها إلى ميخائيل. وبينما كان الأسطول البندقي يبحر عبر البحر الأدرياتيكي مقتربًا من البحر الأيوني، قرر البنادقة استغلال هذه الفرصة لمهاجمة الإمبراطورية البيزنطية والثأر منها للسبب سالف الذكر. ففرضوا حصارًا على جزيرة قرفس، غير أن الحصار استمر أكثر من سنة، الأمر الذي أثار تذمر الصليبيين ودفعهم إلى تكثيف مطالبهم بمواصلة الإبحار نحو الأراضي المقدسة. ومع استمرار الحصار وتطاول أمده، تلقى البنادقة رسالةً من الدويلات الصليبية تحثهم على استئناف رحلتهم إلى الشام، ولا سيما بعد أن طرأت أحداث جديدة استوجبت حضورهم، وزادت من حاجة الصليبيين المستوطنين إلى مساعدة البنادقة.

=== المُناوشات في الأراضي المُقدَّسة === استأنف الصليبيون، بعد انتهاء مُدَّة الهدنة، عملياتهم العدائية ضد القرى الإسلامية، فتعاون أهل أنطاكية مع جُسلين الكُرتنالي، قُمُّس الرها، وهاجموا الأثارب في شهر صفر سنة 515هـ، الموافقة لسنة 1121م، فقتلوا جماعةً من أهلها وأحرقوا البلدة، وأسروا من لم يعتصم بالقلعة. ونزلوا في ربيع الآخر، الموافق لشهري حزيران (يونيو) وتمُّوز (يوليو)، في «نواز» بـجبل السُمَّاق، ثم زحفوا إلى الأثارب مُجددًا، فأحرقوا الدور والغلال. وأغار بلدوين الثاني على حلب، فأخذ الناس والدواب من حاضر المدينة، فخشي إيلغازي على حلب، التي أخذ يُهدِّدها خطر الصليبيين، فأمر ابنه سُليمان، النائب عنه في حكمها، بأن يعقد هدنة مع الصليبيين على ما يريدون. وتمَّ الاتفاق على أن يتخلَّى المسلمون للصليبيين عن سرمين والجَزَر وليلون وأعمال الشمال، وأن تُقسَّم الجهات الزراعية المحيطة بحلب، وكذلك رحى الغربية، بالتساوي بين المسلمين والصليبيين، وأن يُهدم تل هراق بحيث لا يبقى لأيٍّ من الفئتين حكمٌ فيه، وأن تُسلَّم الأثارب للصليبيين. غير أن الجنود المسلمين الذين كانوا فيها رفضوا التخلي عنها، فبقيت في أيديهم. وغادر بلدوين الثاني بيت المقدس إلى أنطاكية للتوقيع على الاتفاقية.

وفي غضون ذلك، أعلن سُليمان الثورة على والده إيلغازي، بسبب منحه حلب لدُبَيْس بن صدقة، فاستغلَّ الصليبيون ذلك واحتلُّوا زردنا، وبدأوا بالتقدُّم نحو حلب. واحتلَّ بلدوين عددًا من القلاع، منها الخناصرة وبرج سينا والنقرة والأخص، وذلك في جُمادى الآخرة، الموافقة لشهري آب (أغسطس) وأيلول (سپتمبر). وردًّا على مبعوث سُليمان الذي طلب الهدنة، أصرَّ بلدوين الثاني على أن يتنازل المسلمون عن الأثارب، التي حاصرها ثلاثة أيام، إلا أنه فشل في السيطرة عليها، فعاد إلى أنطاكية. استغلَّ طغتكين، في هذه الأثناء، توجُّه بلدوين إلى أنطاكية، فهاجم مملكة بيت المقدس، مستفيدًا من عدم قدرة الملك الصليبي على إدارة مملكته وإمارة أنطاكية في وقتٍ واحد. فهاجم طبريَّة وخرَّب الأراضي المحيطة بها، فجهَّز بلدوين جيشًا لمقاومته، فانحاز طغتكين شرقًا. فلحق به بلدوين، واحتلَّ جرش ودمَّرها بالكامل في شهر جُمادى الأولى سنة 515هـ، الموافق لتمُّوز (يوليو) 1121م، بسبب عدم قدرة الصليبيين على الاحتفاظ بها.

وفي أوائل سنة 516هـ، الموافقة لسنة 1122م، ثار پُنس، قُمُّس طرابلس، على حكم الملك بلدوين الثاني، ورفض الولاء له. فعدَّ الملك الصليبي ذلك إساءةً لا يمكن السكوت عنها، وتجهَّز للزحف إلى طرابلس لإخضاعه، فتقدَّم من عكَّا باتجاه الشمال، وما كاد يقترب من طرابلس حتى أعلن پُنس خضوعه له، فعفا عنه الملك. واستغلَّ إيلغازي خروج الملك الصليبي إلى طرابلس، فجدَّد هجماته على الأراضي الصليبيَّة، استجابةً لإلحاح ابن أخيه بَلَك بن بهرام، أمير خرتبرت، وذلك بعد أن سوَّى الخلافات بينه وبين ابنه سُليمان، وتلقَّى وعدًا من طغتكين بالمساعدة. فحاصر زردنا، ووقعت بينه وبين الصليبيين مناوشات لم تتطور إلى معركة، إذ خشي الملك الصليبي الوقوع في الكمائن الإسلامية، كما أُرهق المسلمون من جرَّاء الكرِّ والفرِّ، فعادوا إلى بلادهم، وتوجَّه بلدوين الثاني إلى أنطاكية. وفي 9 رجب 516هـ، الموافق 13 أيلول (سپتمبر) 1122م، كان جُسلين، قُمُّس الرها، عائدًا إلى مقر حكمه برفقة ڤاليران، صاحب البيرة، وستين فارسًا. وعندما اقترب من سروج، التقى بجيش بلك بن بهرام الذي كان يشنُّ الغارات على بلاد الرها، فهاجمه جُسلين، غير أنه انهزم ووقع في الأسر مع ڤاليران وفرسانه. فعرض عليه بلك إطلاق سراحه مقابل التنازل عن الرها، لكنه رفض، فعندئذٍ حمله بلك مع سائر الأسرى إلى قلعة خرتبرت. ويبدو أن قوَّة الصليبيين لم تتأثَّر كثيرًا بغياب جُسلين عن مسرح المواجهات مع المسلمين، إذ شنُّوا غاراتٍ ناجحةً على الأراضي الإسلامية، غير أن أسره شكَّل ضربةً موجعةً على أيِّ حال، لما ترتَّب عليه من أعباءٍ جديدة زادت من متاعب الملك الصليبي، الذي تولَّى الوصاية على قُمسيَّة الرها إلى جانب إمارة أنطاكية. وفي أوائل شهر رمضان 516هـ الموافق 3 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1122م، توفي إيلغازي بقريةٍ يُقال لها «عجولين» من أعمال ميَّافارقين. ولم تلبث إمارة الأراتقة أن تصدَّعت إثر وفاته، فانقسمت إلى إماراتٍ صغيرةٍ توزَّعت بين أبنائه وأقاربه؛ فأخذ ابنه سُليمان ميَّافارقين، أي القسم الشمالي من ديار بكر، ونال ابنه الآخر حسام الدين تيمورطاش ماردين والجزء الجنوبي منها، واحتفظ ابن أخيه بلك بمنطقة خرتبرت في الشمال، وأضاف إليها حرَّان في الجنوب، في حين آلت حلب إلى بدر الدولة سليمان بن عبد الجبَّار بن أرتق. استغلَّ الملك بلدوين الثاني تمزُّق الإمارة الأرتقية، فهاجم بزاعة الواقعة إلى الشمال الشرقي من حلب، واستولى على البيرة الواقعة شرقيها، فأضحت المدينة محاصرةً بممتلكات الصليبيين وقوَّاتهم. وجد سُليمان بن عبد الجبَّار نفسه عاجزًا عن وقف غارات الصليبيين على حلب وأعمالها، وقد أكثروا من الإغارة على المدينة ونواحيها وتخريبها وتحريقها، فمال إلى مهادنتهم، وطلب الصلح من الملك بلدوين الثاني في شهر صفر 517هـ، الموافق لشهر نيسان (أبريل)، مقابل ردِّ الأثارب إلى إمارة أنطاكية. فوافق الملك الصليبي على ذلك، وتسلَّم الحصن، وتمَّت الهدنة بين الطرفين، واستقام أمر الناس في أعمال حلب، وجُلبت إليهم الأقوات وغيرها. وبذلك نجح بلدوين الثاني، في أقل من أربع سنوات، في إعادة حدود إمارة أنطاكية إلى ما كانت عليه سنة 512هـ، الموافقة لسنة 1118م.

بلدوين الثاني يقع في أسر المسلمين

سار الملك بلدوين الثاني، بعد أن استردَّ الأثارب، إلى الرها لتنظيم أمورها، فعيَّن «جفري الراهب»، صاحب مرعش، حاكمًا عليها، ثم توجَّه لمقاتلة بلك بن بهرام، الذي كان يحاصر كركر على نهر الفرات، بغية تخليص جُسلين وڤاليران وغيرهما من قادة الصليبيين من الأسر. وعسكر في 19 صفر 517هـ، الموافق 18 نيسان (أبريل) 1123م، في أورش بالقرب من قنطرة سنجة بين كيسوم وسميساط، وهو مكانٌ لا يبعد كثيرًا عن كركر، ولم يكن يعلم أن الأمير المسلم كان على مسافةٍ قريبةٍ منه. وخرج بلك للصيد، فاكتشف موقع الصليبيين، فسارع إلى إصدار الأمر لجيشه بمهاجمتهم، فاندفعت قوَّاته بشدَّة وفاجأتهم، فوقع بلدوين وابن أخته في الأسر. ثم تقدَّم بلك نحو كركر وسيطر عليها، وعامل أسيره باحترامٍ لائق، وأرسله إلى قلعة خرتبرت، فسجنه مع جُسلين وڤاليران. شكَّل أسر بلدوين الثاني خسارةً كبيرةً للصليبيين في الديار الشاميَّة، على الرغم من أن الأمور في بيت المقدس لم يطرأ عليها تغيُّرٌ يُذكر بعد أن اختير «يسطس گرنير الفلمنكي»، صاحب قيسارية وصيدا، وصيًا على المملكة. وعندما توفي في شهر ربيع الآخر، الموافق لشهر حزيران (يونيو)، خلفه وليم البوريسي في الوصاية، كما اختير البطريق برنارد البلنسي وصيًا على أنطاكية. وشعر بلك من جهته بفخرٍ شديد، فدفعه الزهو إلى السعي لإعادة توحيد مُلك الأراتقة تحت سُلطانه. وبدأ بتحقيق ذلك بالاستيلاء على حرَّان، ثم اتجه إلى حلب وانتزعها من ابن عمه سُليمان بن عبد الجبَّار، الذي كان قد استاء منه لتسليمه الأثارب إلى الصليبيين، واتهمه بالعجز عن الدفاع عن بلاده. ودخل المدينة في 29 ربيع الآخر، الموافق 26 حزيران (يونيو). ومن حلب، وسَّع بلك نطاق هجماته على إمارة أنطاكية، فاستولى على البارة الواقعة غربيَّ معرَّة النعمان. ثم بلغه في 12 جمادى الآخرة، الموافق 7 آب (أغسطس)، أن بلدوين الثاني وجُسلين تمكَّنا، بمساعدة الأرمن في تل باشر، من الاستيلاء على قلعة خرتبرت وأنهما يحاولان الفرار من السجن؛ فاتجه بلك إلى كفرطاب. تمكَّن جُسلين وحده من الفرار من محبسه، وسعى إلى جمع الجيوش الصليبية والعودة بها إلى خرتبرت لإنقاذ الملك. غير أن بلكًا كان قد اتخذ احتياطاته، فنقل بلدوين وبقيَّة الأسرى إلى قلعة حرَّان، التي كانت أشدَّ أمنًا من خرتبرت. وأمام هذا التطوُّر، تخلَّى الصليبيون عن محاولة إنقاذ ملكهم، في حين واصل جُسلين مهاجمة قرى المسلمين وضياعهم، وارتكب فيها مذابح انتقامية. ومع ذلك، لم تُفضِ تحرُّكاته إلى نتائج حاسمة في الصراع الإسلامي الصليبي.

معاهدة ورمُندي

عندما بلغ البنادقة نبأ أسر الملك بلدوين وما أعقبه من غزوٍ لأراضي مملكة بيت المقدس، رفعوا الحصار عن جزيرة قرفس وأبحروا نحو الأراضي المقدسة، وسرعان ما وصل أسطولهم إلى عكَّا، بعد أن اشتبك مع أسطولٍ فاطميّ مقابل يافا، فهزمه وشتَّته. وعقب وصوله، قام ميخائيل برحلة حجّ إلى بيت المقدس، حيث احتفل بعيد الميلاد سنة 1123م، والتقى بالبطريق ورمُند ووليم البوريسي، الوصي على العرش. وبعد انتهاء الاحتفالات، ناقش الصليبيون الوجهة التي ينبغي توجيه الأسطول وقوات التعزيزات الصليبية، البالغ قوامها خمسة عشر ألف مقاتل، إليها؛ إذ أدركوا أن هذه القوات البحرية ستكون عاملًا حاسمًا في الاستيلاء على أحد آخر الموانئ الإسلامية على ساحل الشام. ورغب بارونات جنوب المملكة في مهاجمة عسقلان، في حين فضّل بارونات الشمال توجيه الأسطول إلى صور، التي كانت أكبر مساحةً وأكثر ثراءً، فضلًا عن كونها ميناءً مهمًا لدمشق. ويذكر وليم الصوري أن الخلاف كاد أن يتطور إلى نزاعٍ خطير. غير أن البنادقة، الذين كانوا يفضّلون ميناء صور على ميناء عسقلان لما يوفره من مزايا تجارية، اختاروا صور هدفًا للحملة الصليبية. أُبرمت معاهدة تحالف بين مملكة بيت المقدس وجمهورية البندقية قبيل بدء حصار صور في شباط (فبراير) 1124م. وتولى البطريق ورمُند التفاوض بشأن المعاهدة، التي عُرفت باسمه. وكانت قد سبقتها معاهدات أُبرمت بين مملكة بيت المقدس والبندقية وسائر الدويلات الإيطالية، كما مُنح البنادقة امتيازات في سنتي 1100 و1110م مقابل تقديم المساعدة العسكرية للصليبيين؛ غير أن المعاهدة الجديدة كانت أكثر شمولًا واتساعًا بكثير. فقد منحت البنادقة حق امتلاك كنيسة وشارع وساحة وحمامات وسوق وموازين وطاحونة وفرن خاص بهم في كل مدينة خاضعة لسيطرة ملك بيت المقدس، باستثناء بيت المقدس نفسها، حيث كانت استقلاليتهم فيها أكثر محدودية. وفي سائر المدن، سُمح لهم باستخدام موازينهم البندقية الخاصة في معاملاتهم التجارية مع البنادقة الآخرين، أما في غير ذلك من المعاملات، فكان عليهم الالتزام بالموازين والأسعار التي يحددها الملك. وفي عكَّا، مُنح البنادقة حيًا خاصًا بهم، بحيث يحق لكل بندقي أن «يتمتع بالحرية ذاتها التي يتمتع بها في البندقية نفسها». أما في صور وعسقلان، رغم أن المدينتين لم تكونا قد احتُلّتا بعد، فقد مُنحوا ثلث كل مدينة وثلث الأراضي الريفية المحيطة بها، وهو ما كان قد يصل في حالة صور إلى إحدى وعشرين قرية. وأُعفيت هذه الامتيازات من الضرائب، باستثناء السفن البندقية التي كانت تنقل الحجاج؛ إذ كانت هذه السفن خاضعةً للضريبة، ويحق للملك شخصيًا الحصول على ثلث إيراداتها. وفي مقابل مساعدتهم في حصار صور، حصل البنادقة على ثلاثمائة بيزنط سنويًا من إيرادات المدينة. كذلك سُمح للبنادقة بتطبيق قوانينهم الخاصة في الدعاوى المدنية التي تقع بين البنادقة، أو في القضايا التي يكون فيها البندقي هو المدعى عليه؛ أما إذا كان البندقي هو المدعي، فتُعرض القضية أمام محاكم المملكة. وفي حال غرق سفينة بندقية أو وفاة أحد البنادقة داخل المملكة، كانت ممتلكاته تُعاد إلى البندقية بدلًا من مصادرتها من جانب الملك. كما كان كل من يقيم في الحي البندقي في عكَّا، أو في المناطق المخصصة للبنادقة في سائر المدن، خاضعًا للقانون البندقي. وقّع المعاهدة كلٌّ من البطريق ورمُند؛ وإبرمار، رئيس أساقفة قيسارية؛ وبرنارد، أسقف الناصرة؛ وأشيتينوس، أسقف بيت لحم؛ ورجَّار، أسقف اللد؛ وگلدين، رئيس دير القديسة مريم في وادي يهوشافاط؛ وجيرار، رئيس دير كنيسة القيامة؛ وأيكارد، رئيس دير هيكل الرب؛ وأرنُلد، رئيس دير جبل صهيون؛ ووليم البوريسي؛ والمستشار باغان. وباستثناء وليم البوريسي والمستشار باغان، لم يشهد أيٌّ من أصحاب المناصب والسلطات العلمانية على المعاهدة، وهو ما قد يشير إلى أن البنادقة كانوا يعدّون مملكة بيت المقدس إقطاعيةً بابوية. وفي النهاية، وافق الصليبيون على المعاهدة، التي منحت البنادقة امتيازات تجارية مقابل تقديم المساعدة العسكرية في مواجهة المدن الساحلية المصرية.

حصار صور

بدأ حصار الصليبيين والبنادقة لمدينة صُور يوم 22 ذي الحجَّة 517هـ الموافق 16 شباط (فبراير) 1124م. وأُقِرَّ البطريق ورمُند قائدًا عامًّا للجيش، فيما أرسل نبلاء مملكة بيت المقدس مبعوثين إلى پُنس لحثّه على الانضمام إلى الحصار. فبادر الأخير إلى التوجّه نحو المدينة برفقة حاشية كبيرة، الأمر الذي أسهم في زعزعة ثقة حاميتها، وفقًا لرواية وليم الصوري. وعلى الرغم من أن كُلًّا من ڤوشيه الشارتري ووليم الصوري يؤكدان أن پُنس ظلّ «مطيعًا دومًا» لورمُند ولسائر أمراء مملكة بيت المقدس طوال فترة الحصار، فإن روايتهما توحي، في الوقت ذاته، بأن پُنس كان يُنظر إليه بوصفه أحد القادة العامّين للجيش الصليبي، وهو ما يعكس مكانته ودوره في قيادة القوات المُحاصِرة.

والواقع أنه منذ أن فرض بلدوين الأول حصارًا على صُور سنة 1111م، واجه حكّام المدينة، التابعين للدولة الفاطمية، صعوباتٍ متزايدة في الدفاع عنها وإدارة شؤونها، مما دفع الفاطميين إلى التعاون مع أمراء دمشق البوريين لإيقاع مملكة بيت المقدس بين شقيّ الرحى، فتنازل الوزير الأفضل شاهنشاه عن صُور لصالح طغتكين، الذي بادر إلى إقامة حامية عسكرية فيها. ومع ذلك، ظلّ الدعاء على منابر المدينة يُقام باسم الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، وهو ما كان يعني، وفقًا للتقاليد السياسية والدينية الإسلامية، استمرار تبعية المدينة له من الناحية الرسمية. وأفضى هذا الوضع الملتبس إلى نشوء مطالبة بالسيادة على صُور من جانب الطرفين؛ غير أن الخليفة الآمر سعى إلى حسم هذا التنازع، سيَّما بعد أن اغتيل الوزير الأفضل في ليلة عيد الفطر 515هـ الموافق لشهر كانون الأول (ديسمبر) 1121م، فبادر الخليفة ليستعيد سلطاته، وأرسل أسطولًا تمكَّن من السيطرة على المدينة في ربيع سنة 1122م. وكان من شأن هذا التطوّر أن يجعل الطرفين معنيَّين بالدفاع عن صُور في حال تعرّضها للحصار. إلا أن الفاطميين والبوريين لم يتمكّنوا من تنسيق جهودهم، بسبب ما اتّسمت به سياسات الآمر من حزمٍ ومواقفَ اتخذت طابعًا تصعيديًّا تجاه البوريين، الأمر الذي حال دون قيام تعاون فعّال بين الطرفين في الدفاع عن صُور. ومع ذلك، ظلّ كلا الطرفين يمثّل تهديدًا قائمًا؛ إذ كان الأسطول الفاطمي يتمتّع بقوةٍ بحريةٍ معتبرة، ويُحسَب له حساب في المنطقة، ويمكنه تقديم الدعم والإمدادات إلى المدافعين عن صُور. وإلى جانب الأسطول الذي كان الفاطميون يعملون على تجهيزه، والمكوَّن من أكثر من سبعين قادسًا، شرعوا كذلك في حشد جيشٍ برّي لنجدة المدينة وفكّ الحصار عنها. وفي المقابل، كان من الممكن التعويل على طغتكين للتحرّك نحو صُور على رأس جيش إغاثة، على غرار ما جرى خلال الحصار السابق بين سنتيّ 1111 و1112م.

==== واقعة يافا ==== يلحظ المتتبِّع لتاريخ الدولة الفاطمية، بعد مقتل الوزير الأفضل، فتورًا ملحوظًا في مواجهة الصليبيين؛ إذ برز اتجاهٌ قوي في الدوائر الفاطمية، ولا سيما بين مُتطرِّفي الشيعة، يدعو إلى مُهادنتهم والإبقاء عليهم في جنوبيّ الشام، باعتبار أن وجودهم يضمن حماية الدولة الفاطمية المتداعية من أطماع السلاجقة. غير أن الخليفة الآمر لم يكن قادرًا على إظهار سياسته المتراخية تجاه الصليبيين، حرصًا على مكانته في العالم الإسلامي؛ لذلك استغلَّ وقوع الملك بلدوين الثاني في أسر بلك بن بهرام، فشنَّ هجومًا على الصليبيين في يافا، بتحريضٍ من طغتكين وآق سُنقُر البُرسُقي، أتابك الموصل وأعمالها. كانت الحامية الصليبية في المدينة قليلة العدد، حتى أوشكت على الاستسلام، غير أن وصول نجدةٍ صليبية حال دون سقوطها، واضطر الجيش الفاطمي إلى التراجع نحو يبنا الواقعة على الطريق بين يافا وعسقلان. وهناك التقى بالقوة الصليبية القادمة لنجدة المدينة، فمُني بهزيمةٍ جسيمة، واضطر أفراده إلى الفرار، فيما تعقَّبهم الصليبيون، فأوقعوا القتل في صفوفهم، وأسروا عددًا منهم، واستولوا على ما وجدوه في طريقهم من أمتعةٍ وغنائم.

==== سُقُوط صور ==== لم تُثبِّط هزيمة الجيش الفاطمي في يافا عزم المأمون البطائحي، الذي تولَّى الوزارة في مصر خلفًا للأفضل؛ فعقد اتفاقًا مع الخليفة الآمر على تعديل خطة نجدة صُور. وبدلًا من توجيه الجيش نحو يافا، تقرَّر تحويل مسار القوة العسكرية إلى بيت المقدس، في حين يُبحر أسطولٌ جديد إلى صور لفكِّ الحصار عن حاميتها. غير أن الأسطول الفاطمي أبطأ في مسيره نحو وجهته، لكثرة سفن النقل التي كانت ترافقه. وفي هذه الأثناء، بلغ الأسطول البندقي خبرُ تحرُّك أسطولٍ من مصر، قوامه نحو مائة سفينة، متجهًا إلى صُور لنجدة حاميتها؛ فسارع إلى الإبحار جنوبًا لاعتراضه، وأصدر الدوق ميخائيل أمره بتقسيم سفنه إلى قسمين: قوةٌ أقل عددًا تتقدَّم الأسطول، وأخرى أكبر حجمًا تتوارى خلفها. وكان الهدف من هذا الترتيب استدراج الأسطول الفاطمي بعيدًا عن صور، ثم الاشتباك معه في معركةٍ بحرية. وأثناء إبحار الأسطول الفاطمي نحو صُور، لمح رجاله سربًا صغيرًا من السفن البندقية، فتوقَّفوا لمواجهته، ظنًّا منهم أن التغلب عليه سيكون يسيرًا. وقبيل بدء الاشتباك، فوجئوا بظهور سربٍ بندقي أكبر بكثير من خلف السرب المتقدِّم؛ وما إن أدركوا تفوُّق خصمهم العددي حتى ساد الخوف والذعر بين أفراد الأسطول، ولا سيما أنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بين قوتين معاديتين. وسرعان ما اقتحمت القوة البندقية السفينة الرئيسة وقتلت أمير الأسطول، مُلحقةً بالأسطول الفاطمي خسائر فادحة؛ فقُتل نحو أربعة آلاف رجل، من بينهم الأمير، وفُقدت تسع سفن. كما استولى الأسطول البندقي على عشر سفن تجارية أثناء عودته إلى عكَّا. ووصف ڤوشيه الشارتري هول هذه المعركة قائلًا:

وهكذا وجد الفاطميُّون أنفسهم عاجزين عن الدفاع عن صور وحمايتها بعد تدمير أسطولهم البحري، فقرَّر الخليفة الآمر، عقب التشاور مع قادة جيشه، التخلِّي عن المدينة وإعادتها إلى طغتكين ليتولَّى أمرها، مع العلم أن الأخير لم يكن يملك آنذاك حيلةً لدفع الخطر عنها أيضًا. واستمرَّ حصار صور طوال فصل الربيع وأوائل الصيف، ظلَّ خلاله الصليبيُّون يقذفون أسوار المدينة بلا انقطاع. وفي المقابل، كان أهل صور يواجهون الهجمات بالمجانيق، التي أمطرت المحاصرين بالحجارة والنار الإغريقية، وأبدوا استبسالًا في الدفاع والقتال على الرغم من محدودية إمكاناتهم. غير أن الحصار اشتدَّ عليهم بمرور الوقت، وأخذ الماء في المدينة بالنفاد، وبدت علامات السأم والوهن على معظم السكان، فطلبوا العون من بلك بن بهرام، الذي كان قد أضحى آنذاك أبرز قوةٍ إسلامية في المنطقة. وكان بلك حينذاك يحاصر منبج، بعدما تمرَّد عليه حاكمها حسَّان بن كمشتكين. وأثناء الحصار، بلغته استغاثة أهل صور، كما وصله كتابٌ من طغتكين يستدعيه لإنجاد المدينة، فعزم على الاستجابة، وقرَّر أن يستخلف ابن عمه حسام الدين تيمورطاش على مواصلة حصار منبج. وبينما كان قائمًا على إدارة الحصار، أصابه سهمٌ أُطلق من القلعة في ترقوَّته اليسرى، فقضى عليه، وحُمل جثمانه إلى حلب، حيث دُفن. وحثَّ الصوريون أمير دمشق والخليفة الفاطمي في القاهرة على الإسراع إلى نجدتهم قبل فوات الأوان. فبعث طغتكين إلى القاهرة يستحثُّ الخليفة الآمر وقادته على التحرُّك العاجل لإنقاذ المدينة، غير أن رسائله لم تلقَ الاستجابة التي كان يرجوها. وبدلًا من إرسال قوةٍ فاطمية إلى صور مباشرةً، وجَّه الفاطميون جيشًا لمهاجمة بيت المقدس، على أمل الضغط على الصليبيين المحاصرين وصرفهم عن مواصلة حصار المدينة. إلا أن هذه المحاولة اصطدمت بمقاومةٍ شديدة من صليبيي المملكة، فآثر القائد الفاطمي عدم التقدُّم لمهاجمتهم. وفي الوقت نفسه، شنَّ جيشٌ فاطمي آخر غارةً على البيرة شمال بيت المقدس، لكنها لم تُحقِّق غايتها، ولم تُسهم في إنقاذ صور. وانتهج طغتكين الأسلوب نفسه، فهاجم بانياس، واتخذ منها معسكرًا له، مترقِّبًا وصول أخبارٍ عن أسطولٍ فاطمي قد يبلغ الساحل، ليعمل إلى جانب قواته في مواجهة الصليبيين. غير أن هذه الترقُّبات لم تلبث أن خابت، إذ لم يكن في مقدور الخليفة الآمر تجهيز أسطولٍ حربي. ومع ذلك، ظلَّ الصليبيون يخشون احتمال إرسال الفاطميين سفنًا لمهاجمة أسطولهم، واتصال القوة البحرية الفاطمية بالقوات البرية القادمة من دمشق؛ لما قد يترتَّب على ذلك من تطويقهم من الخلف. وبادر البطريق ورمُند إلى مهاجمة قوات طغتكين، فأمرا پُنس قُمُّس طرابُلس ووليم البوريسي بالتوجُّه إلى بانياس والاشتباك مع جيش دمشق، وقطع الطريق عليه إذا حاول التقدُّم نحو صور. وقد حقَّقت هذه الخطوة غايتها؛ إذ أجلى طغتكين عساكره وعاد إلى دمشق، تاركًا أهل صور يواجهون الحصار بمفردهم.

واشتدَّت وطأة الحصار داخل المدينة بعدما أوشكت المؤن والمياه على النفاد، وهلك عددٌ كبير من رجال الحامية، فبذل أهل صور محاولةً أخيرة لاستنفار طغتكين لنجدتهم. غير أن قدرته على تغيير مجرى الأحداث كانت قد انعدمت، فلم يجد بدًّا من التعامل مع الأمر الواقع، فراسل الصليبيين «بالمُلاطفة والمُداهنة والإرهاب والإرغاب»، وعرض عليهم وقف القتال وتسليم المدينة، على أن يُسمح للجند ولمن أراد من السكان بمغادرتها ونقل أمتعتهم دون تعرُّضٍ لهم أو لما يحملونه، مع ضمان سلامة من يختار البقاء فيها وصون حقِّه في الإقامة بوطنه، على أن تُنفَّذ هذه الترتيبات بإشراف الطرفين. وافق القادة الصليبيون على هذه الشروط، رغم معارضة العساكر والبحَّارة لها؛ إذ حالت بنود الاتفاقية دون حصولهم على ما كانوا يتطلَّعون إليه من سلبٍ ونهب. وفُتحت أبواب المدينة يوم الإثنين 23 جمادى الأولى 518هـ، الموافق 7 تمُّوز (يوليو) 1124م، فتسلَّمها القادة الصليبيون من قاضيها الأعز بن اللبَّان، وتولَّى الجيش الصليبي أمرها. وبسقوط صور، فقد المسلمون أحد أهم ثغورهم وأشدِّها حصانةً، في حين عزَّز الصليبيون بذلك مواقعهم الساحلية، وصارت بحوزتهم قاعدة بحرية من الطراز الأول من ناحية الموقع ذي الأهمية الفائقة في حالتيّ الهجوم والدفاع معًا، فغدا الحدث محطةً بارزةً في تاريخ الحملات الصليبية.

== التَّداعِيَّات == أبدى الصليبيون دهشةً كبيرةً ما إن دخلوا المدينة وعاينوا معالمها؛ فأُعجبوا بتحصيناتها ومتانة مبانيها، وضخامة أسوارها وارتفاع أبراجها، فضلًا عن عظمة مينائها الذي كان من العسير اقتحامه. كما أثنوا كثيرًا على أهلها لما أبدوه من صمودٍ واستبسال، وما تحمَّلوه من شدة المقاومة ومكابدة الجوع ونقص الطعام؛ إذ لم يجد الصليبيون، بعد استيلائهم على المدينة، سوى خمسة مكاييل من القمح فيها. وفي ظل حكامها الجدد، قُسِّمت صور وريفها إلى ثلاثة أجزاء بموجب معاهدة ورمُندي؛ فخُصِّص ثلثا المساحة للأملاك الخاصة بالملك بلدوين، في حين جُعل الثلث الباقي مستعمراتٍ تجاريةً تتمتع بالحكم الذاتي لصالح المدن التجارية الإيطالية، ولا سيما دوق البندقية، الذي أولى اهتمامًا خاصًّا بتوريد الرمال المروية إلى صُنّاع الزجاج في البندقية، وبالاستثمار في مزارع قصب السكر في البر الرئيسي. وإلى جانب ذلك، خُصِّصت حارة للجنويين وحيٌّ للپيازنة. وكان بلدوين الثاني قد أُطلق سراحه على يد حسام الدين تيمورطاش، الذي خلف بلكًا في حكم حلب، يوم 15 جمادى الأولى 518هـ، الموافق 30 حزيران (يونيو) 1124م، في وقتٍ كانت فيه صور لا تزال ترزح تحت الحصار. ويبدو أن تيمورطاش لم يرغب في تحمُّل مسؤولية إبقاء الملك الصليبي في الأسر، فآثر إطلاق سراحه مقابل فديةٍ كبيرة بلغت مائة ألف بيزنط، أي نحو ثمانين ألف دينار. غير أن بلدوين، ما إن استعاد حريته، لم يلتزم بالشروط التي أُطلق بموجبها، بل استأنف أعماله العدائية ضد حلب ودمشق، وفي الوقت نفسه استغلَّ الظرف لتعزيز علاقاته بالبنادقة، فمنحهم امتيازاتٍ تجاريةً واسعة في صور، بما ضمن استمرار وجودهم البحري في الشرق اللاتيني. وشملت هذه الامتيازات ضمان حقوق الملكية لورثة البنادقة الذين تعرَّضت سفنهم للغرق، أو الذين وافتهم المنية في صور. وبعد حصول البنادقة على هذه الامتيازات، وتحقيق الغاية التي قدموا من أجلها، أبحروا بقيادة دوقهم عائدين إلى بلادهم. وأثناء رحلة العودة، شنَّ أسطولهم، المؤلَّف من اثنتين وسبعين سفينة، غاراتٍ على جزر رودس وخيوس وشامُس ولسبوس وأندروس، ثم استولى على جزيرة جفلونية في البحر الأيوني. وأمام هذه التطورات، اضطر الإمبراطور يوحنا الثاني كومنين في نهاية المطاف إلى القبول بالتسوية؛ إذ رأى أن مواصلة القتال ستكبِّده نفقاتٍ تفوق ما يمكن أن تحققه من مكاسب، ولم يكن مستعدًّا لتحويل الأموال المخصَّصة لقواته البرية إلى البحرية لبناء سفنٍ جديدة. لذلك، أعاد تأكيد معاهدة سنة 1082م مع البنادقة في شهر آب (أغسطس) سنة 1126م.

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗