الفَتحُ الإسلَامِيُّ لِلسِندِ أو الغَزْوُ الإسْلَامِيُّ لِلسِندِ (بِالسنديَّة: سنڌ جي اسلامي فتح؛ وبِالأُردُويَّة: سندھ کی اسلامی فتح) وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِلسِندِ (بِالسنديَّة: عربن هٿان سنڌ جي فتح؛ وبِالأُردُويَّة: سندھ کی عرب فتح)، هو سلسلة من الحملات العسكريَّة التي شنَّها المُسلمون لِفتح وادي السند تحت راية دولة الخلافة الراشدة أولًا، ثُمَّ تحت راية الخِلافة الأُمويَّة بعد انتقال الأمر إلى بني أُميَّة. جرت أولى مُحاولات فتح السند خِلال عهد الخليفة عُمر بن الخطَّاب، وكان عُثمان بن أبي العاص الثقفي أوَّل من حاول فتح السند من قادة المُسلمين، ثُمَّ لم تزل السند تُغزى إلى زمان زياد بن أبيه وإلى زمان الحجَّاج بن يُوسُف الثقفي الذي تمكَّن من افتتاح باقي السند. كانت غزوات المُسلمين الأولى أقرب إلى اختبار البلاد وأهلها بِالسرايا، ولم يتحقق فيها فتحٌ مُستدام، وكانت كُل الفُتُوحات تجري برًّا، ولم يركب المُسلمون البحر نحو ثُغُور السند حينذاك نظرًا لمنع الخليفة عُمر القادة وجُنُودهم من رُكُوب البحر لِما في ذلك من مُجازفة، لا سيَّما وأنَّه لم يكن لِلمُسلمين دراية بِالغزوات البحريَّة بعد. وتُعتبر أحداث فتح هذا الإقليم شبيهة بِأحداث فُتُوحات بلاد ما وراء النهر من عدَّة أوجه: فقد بدأ المُسلمون فُتُوحاتهم المُستدامة في هذا الإقليم سنة 89هـ المُوافقة لِسنة 708م، أي بعد أن بدأ قُتيبة بن مُسلم الباهلي فُتُوحاته لِبلاد ما وراء النهر بِسنتين اثنتين، وإن كانت اهتماماتهم بِفتح بلاد الهند ترجع إلى عصر الخُلفاء الراشدين. وقد تمَّت فُتُوحات كُلٍ من إقليم ما وراء النهر وإقليم السند في ظل وحدة العالم الإسلامي التي حقَّقها الخليفة عبد الملك بن مروان الأُموي، كما كانت القيادة العامَّة لِلحملات العسكريَّة المُوجَّهة إلى كِلا الإقليمين مُوحَّدة، فالحجَّاج بن يُوسُف الثقفي هو الذي وجَّه تلك الحملات، وكلَّف قُتيبة بن مُسلم بِفتح بلاد ما وراء النهر كما كلَّف صهره وابن عمِّه مُحمَّد بن القاسم بِفتح إقليم السند. ولم يكن مُحمَّد بن القاسم قد تجاوز العشرين من العُمر لمَّا عُهد إليه بِفتح السند وعُيِّن أميرًا على تلك البلاد، فانتقل إلى مُكران وتمركز فيها، وجعلها نُقطة الانطلاق وقاعدة الفتح، وخرج منها إلى الديبُل، على ساحل بحر العرب، وفتح وهو في طريقه إليها عدَّة قلاع. ولمَّا وصل إليها حاصرها واقتحمها بعد ثلاثة أيَّام، وأعاد تخطيطتها وأسكنها بِأربعة آلاف من المُسلمين، وجعلها قاعدةً بحريَّة. وكان لِفتح هذه المدينة تأثيرٌ كبيرٌ على الوضع الداخلي لِلمُدن والقُرى المُجاورة، حيثُ هرع السُكَّان يعرضون الصُلح على المُسلمين. توجَّه مُحمَّد بن القاسم، بعد ذلك، إلى البيرون، الواقعة على الضفَّة الغربيَّة لِنهر السند، فصالحهُ أهلها، كما صالحهُ سُكَّان سربيدس وسهبان وسدوسان، وهي مُدن تقع على الضفَّة الشرقيَّة لِلنهر، ثُمَّ التقى الراجا داهر بن چچ بن سيلائج في مدينة مهران وانتصر عليه وقتله. سيطر المُسلمون، بعد هذا النشاط الجهادي، على كامل إقليم السند ثُمَّ زحفت جُيُوشهم نحو الشمال الشرقي حتَّى وصلوا مدينة بُرهمناباد وقد لجأت إليها فُلُول جيش داهر بِقيادة ابنه «جيسيه»، فقاتلهم المُسلمون وانتصروا عليهم وفتحوا المدينة عنوة. وفرَّ جيسيه إلى الشمال، وتحصَّن بِالراور عاصمة السند، فلحقهُ المُسلمون وحاصروا المدينة مُدَّة أربعة أشهر قبل أن يفتحوها. وتابع القائد المُسلم زحفهُ حتَّى قطع نهر بياس، أحد روافد نهر السند، ووصل إلى المُلتان فحاصرها وفتحها عنوة، وأرسل فرقةً عسكريَّةً دخلت البيلمان وصالحهُ أهلُ سرست، وفتح الكيرج عنوةً. أضحى وادي السند، بعد هذا الانتشار الإسلامي، في قبضة المُسلمين. فانصرف مُحمَّد بن القاسم إلى تنظيم أُمُور البلاد المفتوحة، والاستعداد لِلزحف نحو إمارة قنَّوج في شمال الهند، لكن أتاه نعي الحجَّاج ثُمَّ نعي الخليفة الوليد بن عبد الملك في سنة 96هـ المُوافقة لِسنة 715م وتولِّي أخيه سُليمان الخِلافة، فتوقَّفت العمليَّات العسكريَّة.
نُبوءة فتح السند والهند
ورد في سُنن النسائي ومسند أحمد حديثان على لسان الرسول مُحمَّد مفادهما أنَّ المُسلمين سيغزون الهند ويفتتحونها، أمَّا الحديث الأوَّل فهو: «عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: عِصَابَتَانِ مِنْ أُمَّتِي أَحْرَزَهُمَا اللَّهُ مِنْ النَّارِ: عِصَابَةٌ تَغْزُو الْهِنْدَ، وَعِصَابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ "»، أمَّا الحديث الآخر: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : "وَعَدَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ الْهِنْدِ، فَإِنِ اسْتُشْهِدْتُ كُنْتُ مِنْ خَيْرِ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ رَجَعْتُ فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ"». يعتقد بعض العُلماء أنَّ النُبُوءة تحقَّقت بِالفعل على يد مُحمَّدٍ بن القاسم ثُمَّ على يد السُلطان محمود بن سُبُكْتِكِيْن الغزنوي، بينما يعتقد آخرون أنَّ غزوة الهند المقصودة ستكون في آخر الزمان، وتحديدًا في زمن قُرب نُزُول عيسى بن مريم.
أوضاع السند قُبيل الفُتُوحات الإسلاميَّة
الوضع الجُغرافي
تشتملُ بلاد السند، التي عرفها المُسلمون أيَّام الفتح، على ثلاثة من أقاليم پاكستان المُعاصرة، هي: السند والپُنجاب والحُدُود الشماليَّة الغربيَّة في البلاد، طبقًا لما أوردتهُ المصادر التاريخيَّة الإسلاميَّة الأولى، وكذلك بعض كُتُب المعاجم الجُغرافيَّة الإسلاميَّة، وما يُفهم من بعضها الآخر، فهي ليست مقصورة على إقليم السند الپاكستاني وحده كما يُفهم لِلوهلة الأولى، فهذا الإقليم لا يشمل سوى أراضي وادي نهر السند السُفلى. وفي ذلك يقول الإصطخري: «وَأمَّا بِلَادُ السِندِ وَمَا يُصَاقِبُهَا مِمَّا قَد جَمَعنَاهُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، فَهِيَ بِلَادُ السِندِ وَشَيءٌ مِن بِلَادِ الهِندِ وَمُكرَان وَطُورَان وَالبُدَهَة، وَشَرقِيَّ ذَلِكَ كُلُّهُ بَحرُ فَارِسَ، وَغَربِيِّهِ كَرمَان وَمَفَازَة سِجِستَان وَأَعمَالُ سِجِستَان، وشَمَالِيِّهِ بِلَادُ هِندٍ، وَجَنُوبِيِّهِ مَفَازَة بَينَ مُكرَان وَالقَفَص، وَمِن وَرَائِهَا بَحرُ فَارِسَ، وإِنَّمَا صَارَ بَحرُ فَارِسَ يُحِيطُ بِشَرقِيِّ هّذِهِ البِلَادِ وَالجَنُوبِيِّ مِن وَرَاءِ هَذِهِ المَفَازَةِ...». ووادي السند هو جُزءٌ من شبه القارَّة الهنديَّة، وقد عُرفت المنطقة الغربيَّة من شبه القارَّة المذكورة باسم «الهندُستان» عند الفُرس، ويُعتقد أنَّ هذا الاسم اشتُقَّ من نهر السند، الذي كان يعرفهُ الفُرس القُدماء باسم «هندُ» أي «النهر» اشتقاقًا من «سندُ» السنسكريتيَّة، جريًا على عادتهم في إبدال السين السنسكريتيَّة بِالهاء. وسُهُول وادي السند تمتد من كشمير شمالًا إلى بحر العرب جنوبًا، وهي من أخصب بقاع العالم، وهي قليلة الانحدار وبِخاصَّةً قُرب الساحل، وفيها قامت حضارة عظيمة قبل نحو 4500 سنة. وينبع نهر السند من السلاسل الشماليَّة لِجبال الهيمالايا ويتَّجه نحو الغرب مُخترقًا مُرتفعات كشمير مُكوِّنًا واديًا عظيمًا هو أحد أهم أجزاء كشمير، ثُمَّ ينحني إلى الجنوب الغربي ويستمرُّ في اتجاهه مُخترقًا الجبال حتَّى يصبُّ به نهر كابُل الذي ينبع من هضبة أفغانستان، ويستمرُّ النهر مُوازيًا لِلجبال المُمتدَّة في الغرب حتَّى يصبُّ في بحر العرب. ولِنهر السند أربعة روافد عظيمة في الپُنجاب، المعروفة بِأرض الأنهار الخمسة.
الوضع السُكَّاني
استوطنت جماعاتٌ بشريَّةٌ مُختلفة شبه القارَّة الهنديَّة عشيَّة الفُتُوحات الإسلاميَّة. وقد أتت مُعظم هذه الجماعات عن طريق البر، وخاصَّةً من الشمال والشمال الغربي، كذلك من البحر، وخاصَّةً عن طريق بحر العرب من الجهات الغربيَّة. كان المزيجُ البشريُّ في بلاد الهند والسند قد تكوَّن مُنذُ آلاف السنين نتيجة الحملات العسكريَّة والهجرات السلميَّة لِلقبائل التي استقطبها خصب الأراضي في أحواض الأنهار، فأضحى السُكَّانُ مزيجًا يحوي أخلاطًا كثيرةً من البشر، منها الجنس الصيني المغولي، والمُمتزجون بِالعُنصر التُركي، والإيراني التُركي، والتُركي الذي دخل من جهاتها الغربيَّة واختلط مع العُنصر البشري الذي قطن أطراف قارَّة أوروپَّا من جهاتها الشرقيَّة. أُطلق على العناصر البشريَّة التي كانت تُهاجر، من وقتٍ إلى آخر، إلى بلاد السند والهند، قادمةً من أواسط قارَّة آسيا، اسم «العُنصر الآري»، على الرُغم من أنَّهُ لا يُعلم بِالتحديد أين الموطن الأصلي لِلآريين سوى أنَّهُ خارج الهند والسند. وأطلق العُلماء اللاحقون على المزيج البشري الذي يُشكِّلُ سُكَّان هذه البلاد «العُنصر الهندوآري» أي «الهندي الآري». تنصُّ بعض المصادر على أنَّ سُكَّان وداي السند وحُكَّامهم كانوا شديدي الكُره والعداء لِلأجانب، ولعلَّ سبب ذلك هو القُيُود والضُغُوط التي تعرَّض لها السنديُّون من قِبل جيرانهم، وخاصَّةً من جانب الفُرس، وذلك بِحُكم موقع وادي السند القريب من الإمبراطوريَّة الساسانيَّة وما سبقها من إمبراطوريَّاتٍ وممالك فارسيَّة، وبُعد مناطق الهند الأُخرى، وما كان يقوم به شواهين الفُرس من عدوانٍ عليهم، الأمر الذي أجبر الكثير من سُكَّان السند إلى الهجرة خارج بلادهم هربًا، إمَّا إلى الجنوب أو إلى الشمال من أرض السند، كُلَّما أحسُّوا بِالخطر الأجنبي. يُوردُ أبو الريحان البيروني روايةً في مُؤلَّفه حامل عنوان «تحقيق ما لِلهند من مقُولة مقبُولة في العقل أو مرذولة»، تُوضحُ إحدى أسباب كره الهندوس لِلأجانب، وذلك أنَّ شاه فارس گُشتاسپ، الذي اعتنق الديانة المجوسيَّة، شرع في العمل على فرضها بِالقُوَّة أو بِالمُعاهدات على جميع رعاياه في مُختلف أنحاء إمبراطوريَّته، بِواسطة ابنه إسفنديار، ممَّا أجبر الكثير من سكَّان وادي السند المُسالمين بِطبيعتهم، إلى الهجرة فرارًا بِدينهم، وخاصَّةً البوذيين، إلى خارج وطنهم. ومُنذُ ذلك الوقت أضحى أهلُ السند يكنُّون كُرهًا ومقتًا شديدين تِجاه أقاليم خُراسان، ولمَّا وصل المُسلمون إليهم زادهم ذلك استيحاشًا، كونهم لم يتوقعوا ممن يأتيهم من الغرب سوى القهر.
الوضع الديني
عرفت بلادُ السند العديد من المُعتقدات الدينيَّة قُبيل الفتح الإسلامي، وكان أهم ما دان به السُكَّان هُناك: الهندوسيَّة والبُوذيَّة والجاينيَّة والمجوسيَّة، إلى جانب مُعتقدات قبليَّة ومحليَّة أُخرى غير هذه. أمَّا الهندوسيَّة فكانت الديانة الغالبة على أهل البلاد، وبِحسب إحدى الدراسات فإنَّ أغلب سُكَّان المناطق الحضريَّة كانوا من الهندوس. ويقول المُؤرِّخ الفرنسي گوستاڤ لوبون أنَّ المذهب الوِشْنُوي عُرف في بعض المناطق السنديَّة مثل الگُجرات حيثُ وُجدت بعض القبائل القائلة بِعبادة كريشنا، وكان الكثير من النساء يُمنين أنفُسهُنَّ بأن يُصبحن عاشقاتٍ لِهذا الإله، أي لِمُمثليه من الكُهَّان، المعروفين باسم «المهاراجوات». وشاع في السند أيضًا المذهب البراهمي القائل بٍإلهٍ مُجَّردٍ أَعلى وبِأنَّ الناس طوائف مُغلقة لا يجوز أن تختلط دمائها، وأنَّ البراهمة، أي طبقة الكهنوت، هُم على رأس كُل تلك الطوائف، ويختصُّون بامتيازاتٍ كثيرة، أبرزها تفرُّدهم بِشرح النُصُوص المُقدَّسة ومُباشرة الشعائر الدينيَّة والنظر إلى أحكامهم على أنَّها حُجَّة لا تُنقض، واعتبارهم خُلفاء الله في الأرض، وتحريم قتلهم أو إعدامهم وإن ارتكبوا جُرمًا، وإنَّ لهم الحق في كُل ما هو موجود بما فيه أموال طبقة المنبوذين كونهم عبيد لِلبراهمة، وعدم جواز فرض ضرائب عليهم، وحقهم في ميراث المُتوفى الذي لا ورثة له. كان من نتيجة اختصاص البراهمة بِجميع الامتيازات وتقسيمهم المُجتمع إلى طبقاتٍ مُغلفة أن ثارت الطبقة المُحاربة، وانشقَّ بعض أفرادها عن الهندوسيَّة وأسَّسوا بعض المُعتقدات المُخالفة لها، من أبرزها الجاينيَّة، التي أسَّسها «ڤاردهامانا» المُنتمي لِعشيرة كشاتريا، والذي عُرف لاحقًا باسم «مهاويرا»، وخالف البرهميَّة بِأن رفض القول بِتقسيم الناس إلى طبقات، ولم يعترف بِآلهة الهندوسيَّة الثلاثة: براهما وشيڤا ووِشْنُ (ڤيشنو)، وإن اعترف بِبعض الآلهة الأُخرى ولكن لم يعبدها وأتباعه، وأنكر وُجود خالقٍ أعظم، ولم يعترف بِمسألة تعدُّد الولادة التي يقول بها الهندوس نتيجةً لِفكرة تناسخ الأرواح، فكان الجاينيُّون يتَّجهون في عبادتهم إلى أبطالهم الذي يُعتبر مهاويرا آخرهم، فهم يعبدون الإنسان عوضًا عن الله، ويتَّخذون الأصنام لِلعبادة في معابدهم. وحثَّ مهاويرا أتباعه على ترك اللهو وعلى التفرُّغ لِلحياة الروحيَّة وترك أكل اللُحُوم وقتل النفس مهما تكن حيوانًا أو إنسانًا، كما دعا إلى تجرُّد الإنسان من شُرُور الحياة وشهواتها، فالناسك الحق هو الذي يقهر جميع مشاعره، فلا يحتاج إلى شيءٍ حتَّى اللِّباس، لِأنَّهُ لا يشعُرُ بِحرٍّ ولا بردٍ ولا حياء. ولم تنتشر الجاينيَّة بين جماهير شُعُوب السند والهند انتشارًا واسعًا بِسبب شدَّتها ودقَّة فرائضها.
أمَّا البوذيَّة فقد تأسست على يد ابن زعيم عشيرة «شاكيا» المعروف باسم «سندهارتا گوتمة»، وفيما بعد باسم «گوتمة بوذا» أي المُستنير. وبوذا كمهاويرا، ثار ضدَّ استبداد البراهمة، وترك اللُغة السنسكريتيَّة المُقدَّسة واتخذ لُغة العامَّة التي يتكلَّم بها جُمهُور الشعب، وعمل على تخليص المُجتمع من العقائد العتيقة الجامدة، فأنكر الأساطير والخُرافات الواردة في أسفار كتاب «البهگود گيتا»، ونهى عن التفريق بين الطبقات، وسلك طريق الزُهد والتنسُّك. وقد وجدت البوذيَّة موطئ قدمٍ لها في السند مُنذُ حوالي 2,300 سنة بِفضل الملك أشوكا، المُلقَّب بِحامي البوذيَّة، لكنَّ هذه الديانة قصَّرت عن الوُصُول إلى الوجدان رُغم سُمُوِّها عن الهندوسيَّة في المبادئ الخُلقيَّة، ولم تكن وثيقة الصلة بِالعقيدة الهنديَّة الأصليَّة، فبقيت الهندوسيَّة أقرب إلى عواطف الناس ومشاعرهم، على أنها تأثَّرت كثيرًا بِتعاليم البوذيَّة، وتخلَّصت من كثيرٍ من الجُمُود والقسوة والفساد. ويبدو أنَّ العديد من سكَّان وادي السند البوذيين تعرَّضوا - قُبيل الفتح الإسلامي - لاضطهاد حُكَّامهم الهندوسيين، أو أنهم كرهوا أن يتبعوهم بِسبب ميل هؤلاء إلى العُنف، بِعكس أتباع الديانة البوذيَّة الذين يميلون إلى السلم والاستسلام. وتقول الروايات أنَّ أولئك المُلُوك الهندوس كانوا يشعُرون بِالتعالي الطبقي على القبائل البوذيَّة في بلادهم، من شاكلة الزط والميذ والكركيون والويرسيُّون، ففرضوا عليهم الضرائب الباهظة، وسنّوا قوانين وقُيُودًا جائرة، لِتسيير حياتهم اليوميَّة العامَّة. كان من تلك القُيُود، على سبيل المِثال، أن حُرِّم عليهم حمل أي نوع من السلاح، أو ارتداء الملابس الحريريَّة؛ كما أُجبروا على أن لا يركبوا الخُيُول بِسُرُوجها، وأن لا ينتعلوا أحذية، بل يسيروا حُفاة الأقدام، وأن لا يضعوا شيئًا من اللباس على رؤوسهم، بل يسيروا حاسري الرُؤوس. أمَّا المجوسيَّة فقد دخلت السند عن طريق فارس، ويبدو أنها لم تعرف نجاحًا كبيرًا بِسبب مُحاولة فرضها بِالقُوَّة على الناس، فقيت محصورة في بعض الأنحاء بِشكلٍ لا يكادُ يُذكر.
=== الوضع السياسي === كان شمال شبه القارَّة الهنديَّة قد تقسَّم إلى عدَّة ممالك مُستقلَّة بِحُلُول أوائل القرن الثامن الميلاديّ بُعيد وفاة الملك هارشاڤاردانا، فسيطر المُلُوك الكاركوطائيُّون في كشمير والهندوشواهين في كابُل على البلاد الشماليَّة الغربيَّة، وسيطر الملك «ياشوڤارمان» على قنَّوج، وسيطر المُلُوك الپالاويُّون على الشمال الشرقي، وتغلَّب المُلُوك الچالوكيُّون على جنوب الهند. أمَّا السند فقد حكمتها السُلالة الرائيَّة، وقد أسَّسها رجلٌ يُدعى «ديوايج»، تمكَّن من مد سُلطانه وتوسيع رُقعة حُكمه حتَّى امتدَّ من مكران شرقًا وُصولًا إلى كشمير غربًا، ومن ثغر الديبُل جنوبًا إلى قندهار شمالًا. دام حُكم هذه السُلالة البُوذيَّة حتَّى سنة 632م، وكان لِآخر مُلُوك هذه الأُسرة، الراجا راءِ سهاسي الثاني، وزيرٌ يُدينُ بِالديانة الهندوسيَّة، من البراهمة المُتطرِّفين، هو «چج بن سيلائج الأروري»، دخل في نوعٍ من التفاهم التآمُريّ، بعد أن تُوفي الملك سالف الذِكر، مع زوجة الأخير «سنها دڤي»، ويبدو أنَّهُ أصبح عشيقها، وتمكَّن نتيجة ذلك من الاستيلاء على الحُكم في بلاد السند، وتمكَّن من توسيع حُدُود مملكته حتَّى سيطر على مناطق وراء نهر السند يُشكِّل البوذيُّون أغلب سُكَّانها، حيثُ حاول أن يفرض عليهم الهندوسيَّة بِالحديد والنار. ظلَّ هذا الملك يحُكم قُرابة ست وأربعين سنة (1 - 46هـ \ 622 - 666م) ثُمَّ خلفه أخوه ويُدعى «چندر بن سيلائج» حيثُ دام حُكمه قرابة أربع سنوات (46 - 49هـ \ 666 - 669م). ثُمَّ جاء داهر بن چچ بن سيلائج، وهو آخر المُلُوك الهندوسيين لِلسند، وحكم قُرابة خمس وخمسين سنة تقريبًا (49 - 94هـ \ 669 - 712م)، وهو الملك الذي وجدهُ المُسلمون لمَّا تقدَّموا فاتحين السند. ومن المعروف أنَّ مملكته كانت قد تعرَّضت لِغزوٍ قنَّوجيٍّ قُبيل الفتح الإسلامي بِفترة، فاستعان على القنَّوجيين بِقائدٍ عربيٍّ اسمه مُحمَّد بن الحارث العلافي، وهو من عرب أهل الشَّام كان قد التجأ إلى السند مع 500 نفرٍ من قومه وبايعوا ملكها داهر، فاستعان بهم ووجَّههم مع جمعٍ من فُرسانه الأشدَّاء لِقتال الأعداء، فحمل العلافي على فيلق الملك القنَّوجي «بنديانرا» في جنح الليل حملةً عظيمة، فاضطرب جيشهُ اضطرابًا كبيرًا وهُزم شرَّ هزيمة، وقُتل وأُسر منه أكثر من خمسين ألفًا، وغنم السنديُّون عدَّة أفيالٍ وأسلحة وعتادًا لا يُحصى، وكان الملك القنَّوجي من جُملة الأسرى، فعفا عنهُ داهر بناءً على نصيحة وزيره «بدهيمن». وبِهذا الانتصار استقرَّت مملكة داهر وقويت شوكتها حتَّى كان زمن الفتح الإسلامي.
=== الوضع العسكري === كانت الأنظمة العسكريَّة في الممالك الهنديَّة التي كانت قائمة زمن الفتح الإسلامي لِلسند، هي ذات الأنظمة التي ورثتها تلك الممالك عن سابقاتها التي قامت في البلاد مُنذُ ما قبل الميلاد. فكانت الخيَّالة الثقيلة تُشكِّلُ لُبَّ الجيش، تدعمها العناصر العسكريَّة الهنديَّة التقليديَّة، أي الأفيال الحربيَّة والمُشاة الخِفاف. ويقول الرحَّالة الصيني تشيونتسانغ أنَّ الهُنُود كانوا يسقون فيلتهم الحربيَّة خمرًا قبل انطلاق أي معركة، ولعلَّهم هدفوا من ذلك - إن صحَّت الرواية - إلى جعل الفيلة أشد خطرًا. وكانت الأفيال تتخذ مكانها خلف الفُرسان، وكانت أصواتها ورائحتها ومناظرها المُخيفة تُلقي الذُعر في خيل العدوّ، وكان الفيَّالة يركبون وفي أيديهم اليُمنى سكاكين طويلة المقابض، فإذا ما ذُعر فيل - وكان هذا يحدثُ أحيانًا - فانقلب يتخبَّط في صُفُوف جيشه، فإنَّ الفيَّال يُبادرُ إلى قتله بِأن يُغمدُ السكِّين في عظام رقبته. ومن الواضح أيضًا أنَّ سلاح الجاسوسيَّة كان معروفًا لدى الممالك الهنديَّة القروسطيَّة، كما تشهد بِذلك الروايات والأحداث المُوثَّقة، كرواية استعانة الراجا داهر بِالجواسيس لِتقفِّي أثر أخيه «دهرسيه» الذي نازعهُ المُلك.
العلاقات العربيَّة الهنديَّة قبل الفُتُوح
تعودُ العلاقات العربيَّة الهنديَّة إلى قُرُونٍ قبل البعثة النبويَّة المُحمَّديَّة، فلقد عرف العرب الهند في الجاهليَّة من خلال الرحلات التجاريَّة البحريَّة التي كانت سُفنهم تنقل خلالها البضائع المُتبادلة بين الجانبين، وهو ما أدَّى إلى أن اختلط العرب بِسُكَّان المُدن وأسواقها على سواحل الهند والسند. فقد كان العرب وحدهم قبل الإسلام، واسطة مُقايضات التجارة الهنديَّة، ما ورد منهُ برًّا عن طريق فارس، فتولَّاهُ المناذرة والغساسنة لِيبلغوا به موانئ الشَّام، أو بحرًا عن طريق المُحيط الهندي وبحر القلزم (الأحمر)، فحملهُ اليمنيُّون من أبناء سبأ القديمة، فمنهُ ما كان من نصيب القُرشيين في رحلة الشتاء التي ورد ذكرُها في القُرآن، لِيسيروا بِدورهم بِأكثره من رحلة الصيف إلى الشَّام، ومنهُ ما كان من نصيب تُجَّار مصر لِيُقايضوا عليه تُجَّار الرومان والإغريق بِموانئهم على ربحٍ طائلٍ وفير. وهكذا، فقد كان العرب قديمًا على معرفةٍ غير قليلة بِالهند وأحوالها عن طريق تُجَّارهم الذين نزلوا بِهذه البلاد في غربها، فاختلطوا بِأهلها ولقوا في الغالب حفاوة وعناية من حُكَّامها، لِيعودوا إلى بلادهم في كُلِّ مرَّة، فيُدهشوا الناس بما يروونه لهم عن ثراء الهُنُود الطائل وما لهم من غرائب العادات والمُعتقدات، ويُبهروا أنظارهم بِما يعرضونه عليهم من لآلئ الهند ونفيس معادنها ومنسوجاتها وعُطُورها وثمارها ثُمَّ سُيُوفها التي اشتهرت بها. لِذلك، أطلق العرب على الهند اسم «بلاد العجائب والغرائب»، ونتيجة العلاقات التجاريَّة القائمة بين الطرفين، انتقلت العديد من الكلمات والمُصطلحات الهنديَّة إلى اللُغة العربيَّة مثل «موز» وهي في السنسكريتيَّة «موجا» وكذلك «كافور» وأصلها «كارپورا» و«الصندل» وهي «جندن»، فضلا عن أسماء أنواع الطيب التي كانت ومازالت لها شهرة واسعة بين العرب، وأسماء الأحجار الكريمة والسُيُوف. كذلك وقف العرب القُدماء على جانبٍ من حضارة الهند وأخبارها وما فيها من عُلُومٍ وآدابٍ وفُنُونٍ عن طريق المدارس العلميَّة في بلاد الرافدين، مهد الحضارات القديمة ومجمعها، التي كانت على اتصالٍ وثيقٍ بِالهند تردُ إليها بضائعُها ويفدُ إليها عُلماؤها. ويُروى أنَّ الحارث بن كلدة الثقفي، طبيبُ العرب قبل الإسلام، الذي قام على علاج الناس بِفارس، وطبَّب بعض أجلَّاء الفُرس، تخرَّج على أيدي الهُنُود بِمدرسة جُنديسابور الساسانيَّة. إضافةً إلى الروابط التجاريَّة، كان هُناك روابط دينيَّة تربط سُكَّان الهند والسند بِشبه الجزيرة العربيَّة على وجه الخُصُوص. فهُناك إشاراتٌ عابرة إلى أنَّ سُكَّان الهند والسند وسرنديب كانوا يذهبون إلى مكَّة لِيُقدِّموا القرابين لِمعبوداتهم، ويتقرَّبون إلى الأصنام بها. استمرَّ الوضع على حالته تلك، من الناحيتين التجاريَّة والدينيَّة حتَّى جاء الإسلام، وبُعث الرسول مُحمَّد في شبه الجزيرة العربيَّة، فزاد من ذلك، لِدرجة أنَّ تُجَّارًا من العرب الداخلين في الإسلام نقلوا معهم الدين الجديد إلى جُزر محلديب وسرنديب، فهاجر إليها أُناسٌ واستوطنوا هاتيك الجُزر، وتزوَّجوا من نسائها. كذلك امتدَّ الإسلام إلى شبه القارَّة الهنديَّة، فوصل أولًا إلى إقليميّ الگُجرات وكوتش، ووُجدت أطلال مساجد ومُستوطنات إسلاميَّة سابقة على الفتح في سواحل الدكن والملبار، ويبدو أنَّ السبب الذي سمح بِدُخُول الإسلام خِلال تلك الفترة كان الصلات والروابط الطاعنة في القِدم، والمصالح المُتبادلة التي ربطت بين ساكني شواطئ بحر العرب الشرقيَّة والغربيَّة، فوصلت معها ثقة بعضهم في بعض لِدرجةٍ سمح فيها بعضُ حُكَّام هاتيك البقاع لِلمُسلمين بِالدعوة إلى الإسلام بين مُواطنيهم ومُمارسة شعائر دينهم بِحُريَّةٍ تامَّة، كما سمحوا لهم بِأن يُقيموا مُستوطناتٍ في الدكن والگُجرات على وجه الخُصُوص. وكان من أولئك الحُكَّام ملكُ الگُجرات، ويُدعى «ولبهري» أو «ڤالبهري»، وقد سمح لِلمُسلمين بِبناء مُستوطناتٍ ومساجد لهم داخل مملكته، وترك لهم كامل الحُريَّة في أن يُمارسوا شعائرهم الدينيَّة. أمَّا الوضع في بلاد وادي السند فكان يختلف تمام الاختلاف - على ما يبدو - في علاقته بِسُكَّان السواحل الشرقيَّة لِشبه الجزيرة العربيَّة، فلا توجد إشارات واضحة تدُل على أنَّ العرب كانت لهم صلات تجاريَّة قويَّة، كتلك التي تمتعوا بها في جنوب مصبِّ نهر السند، مع ممالك تلك النواحي. ولعلَّ السبب وراء ذلك هو انعدام الأمن الملاحي قُرب سواحل بلاد السند، حيثُ كان لِلقراصنة نشاطٌ كبير، فكانوا يترصَّدون السُفُن التجاريَّة التي تقترب من سواحل موانئها، فيستولون على ما تحمله، ويقتُلُون ويسرقون رُكَّابها. اقترح بعض المُؤرِّخين أن يكون عداء حُكَّام وادي السند وكراهيتهم لِلأجانب هي السبب وراء ذلك، بينما قال آخرون أنَّ بعض سُكَّان ذلك الوادي كانوا يسعون وراء الربح الذي لا يُكلِّفهم عناء سوى إرسال قراصنتهم لِترصد سُفُن التُجَّار العرب وسلبها، ممَّا أعدم وُجُود أي علاقة ود ومحبَّة وتجارة على المُستوى نفسه لِموانئ بحر العرب الجنوبيَّة الشرقيَّة، تربطُ بين حُكَّام وادي السند ورعاياهم، وخاصَّةً الجنوبيين منهم، وبين العرب.
الغزوات في العصر الراشدي
قال رُواةُ الأخبار ومُتتبعو الآثار أنَّ أوَّل ما اقتُرح على جيش الإسلام غزو الهند والسند، كان أيَّام خِلافة عُمر بن الخطَّاب، وكان ذلك بعد الهجرة النبويَّة بِخمسة عشر سنة، عندما ولَّى عُمر عُثمان بن أبي العاص الثقفي البحرين وعُمان سنة 15هـ المُوافقة لِسنة 636م، فوجَّه أخاه الحكم بن أبي العاص إلى البحرين ومضى إلى عُمان وسيَّر جيشًا إلى تانة (الواقعة شمال مدينة مومباي المُعاصرة على بُعد خمسة عشر ميلًا منها)، فلمَّا رجع الجيش كتب إلى عُمر بن الخطَّاب يُعلمه ذلك، فكتب إليه عُمر: «يَا أَخَا ثَقِيف! حَمَلتَ دُودًا عَلَى عُودٍ، وَإِنِّي أَحلِفُ بِالله لَو أُصِيبُوا لَأَخّذتُ مِن قَومِكَ مِثلَهُم». ووجَّه الحكم بن أبي العاص أيضًا إلى بروص، ووجَّه أخاه المُغيرة بن أبي العاص الثقفي إلى خُورُ الديبُل، فلقي العدوُّ وظفر به. وروى أحد الرجال من بني ثقيف أنَّهُ حينما تقابل جيشُ المُسلمين وجيش الديبُل واحتدم القتال، رأى المُغيرة بن أبي العاص شاهرًا سيفهُ وهو يقول: «بسم الله وفي سبيل الله» حتَّى قُتل. وهكذا، كان عُثمان بن أبي العاص أوَّل من حاول فتح السند من قادة المُسلمين، فغزا ثلاثةً منها، ومن الواضح أنَّ الجيش الذي وجَّهه إلى تانة والحملة التي وجَّهها بِقيادة أخيه الحكم إلى بروص، والحملة التي وجَّهها بِقيادة أخيه المُغيرة إلى الديبُل كانت غاراتٍ بِقُوَّاتٍ خفيفةٍ محمولةٍ بحرًا على السُفُن هدفها الاستطلاع تمهيدًا لِلفتح ولم يكن هدفها تحقيقُ فتحٍ مُستدام، لِأنَّ عُثمان لا يُمكنُ أن يُقدم على الفتح بِدُون مُوافقة عُمر بن الخطَّاب، كما لا يُمكنُ بِهذه القُوَّات الخفيفة السريعة أن يقوم بِالفتح، ويبدو أنَّ هذه الحملات أُرسلت بِأوقاتٍ مُقاربةٍ قبل أن يُصدر عُمر أوامرهُ بِإيقاف هذه المُحاولات. ويبدو من كتاب عُمر لِواليه أنَّهُ كان يخشى على المُسلمين من رُكُوب البحر لِما في رُكُوبه من مُجازفة، وقد منع مُعاوية بن أبي سُفيان واليه على الشَّام من رُكوب بحر الروم (المُتوسِّط) لِفتح قبرص كما هو معروف. ولا شكَّ أنَّ عُثمان بن أبي العاص قد استعان في توجيه حملته إلى الهند بالسُفُن العربيَّة وبحَّارتها المُسلمين الذين كانوا يعرفون جيِّدًا هذه البلاد، وكانوا سادة البحر في هذا الناحية من القِدم، ولم يكن هُناك ما يُخشى منهُ على المُسلمين لكنَّ الخليفة كانت لهُ هذه الفكرة الخاصَّة. وأُضيف سببًا آخر لِامتناع عُمر عن رُكُوب البحر، هو أنَّ الفتح الإسلامي توسَّع في أيَّامه توسُّعًا عظيمًا، فكان هذا التوسُّع بِالمُقارنة بِقُوَّات المُسلمين التي حملت أعباء الفتح يُعتبر مُجازفةً كبيرة، وكان عُمرًا يخاف على المُسلمين من الابتعاد عن مركز الخِلافة ووُجود مسافات وحوائل، رُبَّما تحول بينه وبين إمدادهم حين يحتاجون لِلمدد، فحرص على كبح جماحهم وألَّا يزج بهم في فتحٍ جديدٍ قبل استقرار أوضاعهم.
ولمَّا وُلِّي عُثمان بن عفَّان أمر المُسلمين وولَّى عبد الله بن عامر بن كُريز العراق، كتب إليه يأمرهُ أن يُوجِّه إلى ثغر الهند من يعلم علمه وينصرف إليه بِخبره، فوجَّه حكيم بن جبلة العبدي، فلمَّا رجع أوفدهُ إلى عُثمان، فسألهُ عن حال البلاد وأن يصفها له، فقال: «يَا أمِيرَ المُؤمِنِين، أرضُ سَهلِهَا جَبَلٌ، وَمَاؤهَا وَشَلٌ، وَتَمْرُهَا دَقَلٌ، وَعَدُوِهَا بَطَلٌ، وَخيرُهَا قَلِيلٌ، وَشَرُّهَا طَوِيلٌ، وَالكَثِيرُ بِهَا قَلِيلٌ، والقَلِيلُ بِهَا ضَائِعٌ، وَمَا وَرَاءُهَا شَرٌّ مِنهَا»، فقال لهُ عُثمان: «أخابرٌ أو ساجع؟»، فقال: «بل خابر»، فلم يُغزها أحدًا. ويقول المُؤرِّخ الكبير الإمام مُحمَّد بن جُرير الطبري إنَّ هذه الحادثة وقعت في خِلافة عُمر أثناء فُتُوحات مكران، وهو الذي أصدر أمر المنع بعدما توجّس على المُسلمين، وأمر قادة الجيش بِألَّا يجوزوا نهر السند. ويبدو أنَّ حكيم بن جبلة نزل أحد الموانئ البحريَّة التي تعتمد في حياتها على التجارة لا على الزراعة، فعمَّم بِتقريره ولم يُخصِّص، ولم يكن تقريره عن مُهمَّته مُتكاملًا وسليمًا. ولمَّا كان آخر سنة 38هـ المُوافقة لِسنة 658م وأوَّل سنة 39هـ المُوافقة لِسنة 659م، في خِلافة عليّ بن أبي طالب، توجَّه إلى الهند الحارث بن مُرَّة العبدي مُتطوِّعًا بِإذن عليّ، فظفر وأصاب مغنمًا وسبيًا، لكنَّهُ لم يستطع ورجاله أن يُديموا انتصارهم، لِقلَّة عددهم ولِبُعدهم عن قواعدهم، ولِعدم إدامتهم بِالعدد والعُدد من الدولة، فقُتل أغلبهم بِأرض القيقان، وهي من بلاد السند ممَّا يلي خُراسان. وخِلال هذا الفتح، سمع المُسلمون بِمقتل الخليفة عليّ بن أبي طالب، فرجعوا إلى الكوفة، ولمَّا وصلوا إلى مكران بلغهم أنَّ مُعاوية بن أبي سُفيان أصبح الخليفة.
الغزوات الأولى في العصر الأُموي
بدأت خِلافة مُعاوية بن أبي سُفيان في الأشهر الأولى من سنة 44هـ المُوافقة لِسنة 664م، ولمَّا تولَّى أرسل إلى عبد الله بن عامر بن كُريز أن يُتابع الحملات العسكريَّة على الهند، فأرسل الأخير المُهلَّب بن أبي صُفرة الأزديّ على رأس جيشٍ لِغزو ثغر السند، فأتى مدينتا بنَّة ولاهور، وهُما بين بلاد كابُل والمُلتان، فلقيه العدوّ، فكبَّدهُ المُهلَّب خسائر فادحة، فقال بعضُ الأزد:
كانت تلك الغزوة أولى غزوات المُهلَّب، وقد لقي خلالها بِبلاد القيقان ثمانية عشر فارسًا من الهياطلة التُرك يمتطون خُيُولًا محذوفة(1) فقاتلوه فقُتلوا جميعًا. وقد سلك المُهلَّب في هذه الحملة الطريق الرئيس الذي يربطُ أفغانستان بِالهند عبر ممر خيبر، وهو الطريق الذي سلكهُ الإسكندر الأكبر في غزو الهند، وهو الشريان الرئيس الذي يربطُ أفغانستان وإيران بِالهند. مهَّدت حملة المُهلَّب لِأوَّل مرَّة لِفتح الهند، ويُمكن اعتبار هذه الحملة أوَّل حملة كبيرة نسبيًّا سلكت الطريق البرِّي، في مُحاولةٍ جديَّةٍ لِفتح الهند، ولكنَّها لم تنجح النجاح المطلوب في ضمِّ جُزءٍ من الهند إلى بلاد المُسلمين وترسيخ أقدامهم فيها، على أنَّها نجحت في مُهمَّتها الاستطلاعيَّة. ثُمَّ ولَّى عبد الله بن عامر في خِلافة مُعاوية بن أبي سُفيان عبد الله بن سوَّار العبدي، ويُقال: ولَّاهُ مُعاوية من قِبله ثغر الهند، فغزا القيقان بِأربعة آلاف مُقاتل، فأصاب مغنمًا، ثُمَّ وفد إلى مُعاوية وأهدى لهُ خيلًا قيقانيَّة، وهذه الخُيُول من أجود الأنواع وقد تمتَّعت بِشُهرةٍ تاريخيَّة. وبعدما أقام ابن سوَّار عند مُعاوية قليلًا، رجع إلى القيقان لِيجد أنَّ الهياطلة استجاشوا، فسدُّوا منافذ الجبال وممرَّاتها، فاحتدم القتال أشدُّ من السابق بين الفريقين، فوقف عبد الله بن سوَّار يخطبُ في جيشه قائلًا: «يَا أَبنَاءَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَار، لَا تُدِيرُوا وُجُوهَكُم عَنِ الكُفَّارِ حَتَّى لَا يَتَشَتَّت إِيمَانُكُم وَتَنَالُوا الشَّهَادَة». فتشجَّع المُسلمون وحمي وطيسُ المعركة، إلَّا أنَّ جيش الهياطلة برز كُلَّهُ إلى الساحة، فهُزم المُسلمون وامتلأت ممرَّات الجبال بِجُثث القتلى، الذين كان عبد الله بن سوَّار من جُملتهم، ورجع من رجع من جيش المُسلمين إلى مكران. ويُمكنُ اعتبار حملة ابن سوَّار من الغارات الاستطلاعيَّة أيضًا، وقد خسر حياته لِاندفاعه عُمقًا وقلَّة قُوَّاته وبُعده عن قواعده. ويُلاحظ أنَّهُ عدل عن الاهتمام بِالمناطق الشماليَّة من الهند لِوُعُورتها، خِلافًا لِما فعلهُ المُهلَّب بن أبي صُفرة من قبله، فسلك ابن سوَّار الطريق الساحليّ وتخلَّى عن المناطق الجبليَّة.
بعد مقتل عبد الله بن سوَّار، بعث مُعاوية رسالةً إلى زياد بن أبيه واليه على العراق، يسأله فيها أن يختار رجُلًا بارزًا لِثغر الهند، فولَّى سنان بن سلمة بن المُحبِّق الهُذلي الثغر المذكور، فرحل بدايةً إلى مكران التي يظهر أنَّها كانت قد انتفضت، فأعاد فتحها عنوةً ومصَّرها وأقام بها وضبط البلاد. وكما كانت عُمان والبحرين قواعد انطلاق الحملات البحريَّة لِغزو الهند، كانت مكران قاعدة انطلاق الحملات البريَّة لِغزو الهند بِالنسبة لِلطريق الساحلي، كما شكَّلت مع كابُل قاعدتيّ انطلاق الحملات البريَّة أيضًا لِغزو الهند التي تسلك عبر ممر خيبر وتُؤدِّي إلى شمال شبه القارَّة. لِذلك كان لِمكران أهميَّة بالغة بِالنسبة لِلحملات البريَّة التي تسلك الطريق البرِّي الساحلي، فالسيطرة على مكران ضروري لِلغاية لِتحقيق هدف فتح الهند. عُزل سنان بن سلمة بعد أن أمضى في ولايته سنتين وشهرٌ واحد، واستعمل زياد بن أبيه على ثغر الهند راشد بن عمرو الجُديدي الأزدي، فأتى مكران ثُمَّ غزا القيقان حيثُ بقي عامًا واحدًا حصَّل فيه جميع الأموال والغنائم التي نهبها العُصاة، ثُمَّ رجع من هُناك عن طريق سجستان حتَّى وصل إلى جبل مُنذر وبهرج حيثُ اجتمع أهالي تلك المنطقة الجبليَّة وشكَّلوا جيشًا قوامه خمسون ألف مُقاتل، وسدُّوا الطريق في وجه المُسلمين والتحموا معهم في معركةٍ عظيمة قُتل فيها راشد بن عمرو، فرجعت الولاية بِذلك مرَّة أُخرى إلى سنان بن سلمة. والظاهر أنَّ سنانًا كان محدود النشاط في عمليَّات الغزو خِلال ولايته الثانية، فاكتفى بِالدفاع، ورضي من الغنيمة بِالسَّلامة، مما قد يعني أنَّ مُقاومة الهُنُود اشتدَّت وطأتها وانتظمت، فأصبح المُسلمون يحسبون لها ألف حساب. وبعد سنتين، ولَّى زياد بن أبيه ابنه عبَّاد ثغر الهند، فانطلق من سجستان، فأتى نهر سناروذ ثُمَّ أخذ على بئر كهك إلى نهر الروذبار من أرض سجستان إلى نهر الهندمند، فنزل مدينة كش في ما وراء النهر، وقطع المفازة حتَّى أتى قندهار، فقاتل أهلها وهزمهم وفتحها بعد أن أُصيب رجالٌ من المُسلمين. ويبدو أنَّ إعداد هذه الحملة كان أفضل من الحملات السابقة، ومع ذلك كان نجاحها محدودًا ومُؤقتًا، فكان انتصار المُسلمين في هذه الحملة انتصارًا تعبويًّا. وبعد عبَّاد بن زياد تولَّى ثغر الهند المُنذر بن الجارود العبدي، فغزا البوقان والقيقان، فظفر المُسلمون وغنموا، وبثَّ السرايا في بلادهم، وفتح مدينة قُصدار، وكان سنان قد فتحها إلَّا أنَّ أهلها انتقضوا، وبها مات المُنذر بعد أن أصابهُ ألمُ وإعياء. ثُمَّ ولَّى عُبيد الله بن زياد، الذي تولَّى العراق بعد أبيه، ثغر الهند حريٍّ بن حريّ الباهليّ، فأعاد فتح البوقان والقيقان بعدما انتفضت، ورسَّخ أقدام المُسلمين فيها. ولمَّا وُلِّي الحجَّاج بن يُوسُف الثقفي العراق، ولَّى سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابي مكران وثغر الهند، ثُمَّ أتبعهُ بِمُجَّاعة بن سعر التميمي، فغزا وفتح مناطق من قندابيل، ويذكر المُؤرِّخون أنَّ كُلًا من الهند والسند وقندابيل أصبحت حينذاك تحت ولاية الحجَّاج، وكان ذلك سنة 85هـ.
الفُتُوحات المُستدامة
دوافع الفتح المُستدام لِلسند
مات مُجَّاعة بن سعر بِمكران بعد سنةٍ من توليته ثغر الهند، فاستعمل الحجَّاج مُحمَّد بن هٰرون بن ذراع النمريّ على المنطقة، وأعطاه كامل الاختيار في الأوامر والنواهي، وأوصاه حول جباية أموال الديوان وإخضاع العلافيين الذين خرجوا على المُسلمين وانضموا إلى ملك السند كما أُسلف، لا سيَّما بعدما قُتل الوالي سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابي على أيديهم لِثأرٍ قبليّ. استمرَّت ولاية مُحمَّد بن هٰرون خمس سنوات تمكَّن خلالها من إخضاع مكران فعليًّا، وتتبع العلافيين وقاتلهم وبعث بِرؤوس من قتلهم إلى الحجَّاج في العراق، وفتح عدَّة فُتُوحات في البرِّ والبحر. كما عمل مُحمَّد بن هٰرون على تطوير العلاقات مع مُلُوك الهند والدُول المُجاورة لِولايته باسم الخليفة في دمشق، فكانت بين الدولة الأُمويَّة وبين المُلُوك الهُنُود علاقات وديَّة وروابط تجاريَّة، وكان من أهم هؤلاء المُلُوك ملك «جزيرة الياقوت»، التي يغلب الظن أنها جزيرة سرنديب (سريلانكا المُعاصرة). وبِحسب المصادر العربيَّة والإسلاميَّة، فإنَّ ملك سرنديب المذكور، أرسل إلى الحجَّاج سفينةً مُحمَّلةً بِالتُحف والهدايا من الدُّرِّ والياقوت والجواهر الثمينة والغلمان والعبيد الأحباش، كما أرسل لِدار الخِلافة - إضافةً إلى ذلك - تُحفًا وطرائف مكنونة لا نظير لها، وتوجَّهت نساءٌ مُسلمات مع الهدايا لِزيارة البيت الحرام ولِيُشاهدن دار الخِلافة الإسلاميَّة. ويقول البلاذري أنَّ أولئك النسوة كُنَّ بنات تُجَّار مُسلمين أقاموا في سرنديب وتزوَّجوا وأنجبوا بها، ثُمَّ وافتهم المنيَّة، فأراد ملك الجزيرة التقرُّب من المُسلمين من خِلال تلك البنات اليتيمات، فأرسلهنَّ إلى بلاد المُسلمين، كما يُحتمل أن يكون بعض أيتام التُجَّار هُم من أرادوا العودة إلى بلاد آبائهم، فطلبوا ذلك بِأنفسهم. ويُقال أيضًا أنَّ ملك سرنديب أرسل خطابًا وديًّا إلى الخليفة الأُمويّ في دمشق وإلى واليه على العراق، الحجَّاج بن يُوسُف الثقفيّ، مع بعض التُجَّار المُسلمين العائدين إلى ديار الإسلام، ومعهم أرامل ويتامى من كانوا قد تُوفوا في بلاده من المُسلمين. تُجمعُ المصادر العربيَّة والإسلاميَّة أنَّ السُفن السرنديبيَّة لمَّا وصلت ساحل بلاد كازرون هبَّت رياحٌ هوجاء وقذفتها إلى سواحل الديبُل، فهاجمها جمعٌ من القراصنة يُقالُ لهم «نكامره» وقتلوا بعض رُكَّابها وبحَّارتها وأخذوا الباقين من النساء والرجال والأطفال أسرى وعبيدًا، كما صادروا جميع الموجودات من التُحف والجواهر والأموال، ولم ينجُ من تلك الغارة إلَّا فئة قليلة، سارعت بِالتوجُّه إلى العراق حاملةً الخبر إلى الحجَّاج بن يُوسُف. ويُقال إنَّ امرأةً من بين الجمع صاحت بِأعلى صوتها: «يا حجَّاج يا حجَّاج أغثني أغثني»، وبحسب البلاذري كانت تلك المرأة من بني يربوع، ولمَّا وصلت هذه الحادثة إلى مسامع الحجَّاج عن طريق الذين فرُّوا من السفينة، وعن طريق تُجَّار الديبُل، وعلِم باستغاثة المرأة به، نهض وقال: «يا لبَّيكِ». إضافةً إلى هذه الرواية هُناك روايةٌ أُخرى، تُفيد أنَّ الخليفة عبد الملك بن مروان كان قد بعث لهُ وُكلاء إلى بلاد الهند لِيشتروا لهُ غلمانًا وجواري، وفي أثناء رحلة العودة هاجمتهم سُفن القراصنة بِالقُرب من الديبُل، فقُتل عددٌ من المُسلمين وأُخذ الباقون أسرى، ولم ينجُ إلَّا من نقل خبر تلك الكارثة. ورواية تقول بِأنَّ أولئك القراصنة هاجموا سُفن بحَّارة المُسلمين وهي تحملُ حُجَّاجًا قادمين من جزيرتيّ محلديب وسرنديب. وفي جميع الأحوال فإنَّ الحجَّاج كتب إلى الراجا داهر يطلب منهُ تخلية النسوة، فقال: «إِنَّمَا أَخَذَهُم لُصُوصٌ لَا أَقدِرُ عَلَيهِم». فأرسل الحجَّاج عُبيد الله بن نبهان لِيغزو الديبُل، فقُتل أثناء حصارها. وكتب الحجَّاج إلى بُديل بن طهفة البجليّ، وهو عاملهُ على عُمان، يأمرهُ أن يسير إلى الديبُل، فلمَّا لقي العدوّ هُناك، نفر به فرسه، فطوَّقهُ العدوّ وقتله. هُناك تبدَّى لِلحجَّاج مدى الإهانة التي تلحق بِهيبة المُسلمين وخُطُورتها إن هو سكت على هذا الأمر، فما زال بِالخليفة حتَّى أذن لهُ بِتسيير الجُند لِفتح السند. يستبعدُ المُؤرِّخ الهندي مُمتاز حُسين پاثان قصَّة سطو القراصنة على سُفُن المُسلمين، وقال بأنها رواية مُصطنعة اختلقها المُؤرِّخون المُسلمون لِتبرير حملتهم العسكريَّة على بلاد السند. والسبب الحقيقي عند پاثان مسألة ذات شقين: الشق الأوَّل هو ما يتعلَّق بِتمرُّد العلافيين واحتمائهم بِملك السند الذي آواهم وأكرمهم، فما كان أمام الخليفة وواليه على العراق إلَّا إرسال حملة لِغزو الراجا داهر لِعقابه ومن في دياره من عُصاة المُسلمين. أمَّا الشق الثاني حسب رأي پاثان فهو السياسة التوسُّعيَّة التي انتهجها الحجَّاج. ردًا على هذه الرواية، قال بعض المُؤرخين المُسلمين المُعاصرين أنَّ أسباب فتح السند فتحًا مُستدامًا تتلخَّصُ في:
القضاء على الحلف السندي الهيطلي: اكتشف المُسلمون أنَّ هُناك حلفًا قائمًا بين السند والتُرك الهياطلة مُنذُ أن لقي المُهلَّب بن أبي صُفرة ثمانية عشر فارسًا تُركيًّا بِبلاد القيقان، خِلال عهد مُعاوية بن أبي سُفيان، لِذلك تلاحقت حملات مُعاوية على تلك البلاد. وفي ولاية الحجَّاج كان المُسلمون يتقدَّمون لِفتح بلاد ما وراء النهر، وهي موطن التُرك، ولاقوا في ذلك عناءًا كبيرًا، فكان لازمًا عليهم حرمان التُرك أيضًا من أي حليفٍ خارجيّ. القضاء على أعمال القرصنة البحريَّة: كانت أعمال القرصنة في بحر العرب تُهدد تجارة المُسلمين، ويُحتمل أن يكون ملك السند نفسه قد رتَّب لها أو لِبعضها على الأقل لِكي يُرهب الأجانب من الاقتراب من أرضه، وقد تكون تلك سياسة الحُكَّام الهندوس في تلك البلاد لِعدم ترك الفُرصة لِمُواطنيهم، وبِالأخص البوذيين، لِلاتصال بِأي شعبٍ أجنبيٍّ، لكي يظلُّوا مُستعبدين تحت حُكم طبقة البراهمة، ورُبَّما كان هذا إحدى أسباب ما أُشيع عن سُكَّان السند بِأنهم يكرهون الأجانب.
حتميَّة الفتح والرغبة بِنشر الإسلام: كانت فُتُوحات المُسلمين قد وصلت إلى حُدُود الصين شرقًا، كما كانت تسيرُ سيرًا حثيثًا مُرضيًا إلى جنوب غرب أوروپَّا. فكان فتح السند نتيجةً طبيعيَّةً وحتميَّة خاصَّةً بعد أن فُتحت بلاد فارس وأقاليمها. إذ أنَّهُ بعد أن دخل إقليما كرمان ومكران، من أراضي فارس، تحت المظلَّة الإسلاميَّة، كان لا بُدَّ أن تدخل الأقاليم المُجاورة لهما هي الأُخرى تحت المظلَّة نفسها أيضًا، سواء عاجلًا أم آجلًا. كما أنَّ الإيمان القويّ المتين للمُسلمين الأوائل ورغبتهم بِنشر الإسلام، كونه أُنزل لِلناس أجمعين وفق المُعتقد الإسلامي، دفعهم قُدُمًا. وبِذلك، تكون مسألة السطو على سُفن المُسلمين وانتهاك محارمهم قد عجَّلت ذلك الفتح الحتمي. احتمال اتصال بعض البوذيين بِالمُسلمين: يعتبر الدكتور سعد بن مُحمَّد الغامدي، الأُستاذ في جامعة الملك سعود، أنَّ بعض البوذيين من الزط والميذ لا يُستبعد أن يكونوا قد دخلوا في مُراسلاتٍ سريَّةٍ مع المُسلمين، وقاموا بِتشجيعهم على فتح بلادهم، لِيتخلَّصُوا من طُغيان طبقة الهندوس الحاكمة؛ خاصَّةً وأنَّهم لا بُد قد سمعوا عن عدم تعرُّض المُسلمين لِأهالي البلاد المفتوحة في دينهم. تُؤيِّدُ بعض المصادر الأجنبيَّة القول بِأنَّ داهر ومن معه من الحُكَّام الهندوس كانوا مبغوضين من قِبل رعاياهم البوذيين الذين اعتبروا هذا السُلالة غاصبة، وأنَّ الحق في الحُكم يرجع لِلسُلالة الرائيَّة البوذيَّة.
الاستعدادات العسكريَّة الإسلاميَّة
ما أن وصلت رسالة الخليفة إلى الحجَّاج حتَّى عاد الأخير وكتب إلى الخليفة رسالةً أُخرى يطلب فيها ستَّة آلاف مُقاتل من أشراف الشَّام وأبنائهم مع عدَّتهم الكاملة من السلاح والعتاد، كما طلب ذِكر أسمائهم فردًا فردًا حتَّى يعرفهم شخصيًّا، ويصمدوا في الحرب رجالًا أشدَّاء. ولمَّا وصلت تلك الجُنُود إلى الحجَّاج أضاف إليهم مجموعة من المُتطوعين من العراق عامَّةً والبصرة خاصَّةً، ووقف الحجَّاج يوم الجُمُعة في جُمُوع المُقاتلين وقال:«إنَّ الأَيَّامَ ذَاتَ دُوَل وَالحَربُ سِجَالٌ، يَومٌ عَلَينَا وَيَومٌ لَنَا، فَعَلَينَا أَن نَصمِدَ فِي اليَومُ الذِي هُوَ عَلَينَا وَنَشكُرَ البَارِي فِي اليَومِ الَذِي هُوَ لَنَا، حَتَّى يَزِيدَ الله النِّعمَةَ عَلَينَا، وَعَلَينَا دَائِمًا أَن نَذكُرَ الله وَنَشكُرَهُ عَلَى نِعمَائِهِ وآلَائِهِ، وَأَنَّ نِعَمَ الله أَبوَابُهَا مَفتُوحَةٌ لَنَا، وَلن يُغلَقُ أَيُّ بَابٍ بِوَجهِنَا مَا دُمنَا مَعَ الله وَفِي سَبِيلِ الله، وَمَا زَالَ فُرَاقُ بُدَيلَ يَحِزُّ فِي نُفُوسِنَا وَيَستَصرِخُ ثَأرَنَا، وَأَنَا أَقُولُ دَائِمًا لَبَّيكِ لَبَّيكِ يَا بُدَيل، والله لَو أَعطُونِي أَموَالَ العِرَاقِ كُلَّهَا عَلَى أَن لَا أَنتَقِم لِهَذَا العَارٍ لَمَا قَبِلتُ وَلَن تَنطَفِئ لَظَى نَارُ غَضَبِي.» اختار الحجَّاج ابن عمِّه مُحمَّد بن القاسم، وكان بِفارس وقد أُمر بِأن يسير إلى الري، فردَّهُ إليه وعقد لهُ على ثغر السند، وضمَّ إليه الجُنُود الشوام الستة آلاف ومُتطوِّعة العراق، وجهَّزهُ بِكُلِّ ما احتاج إليه من العتاد، حتَّى الخُيُوط والمسال، وأمرهُ أن يُقيم بِشيراز حتَّى يجتمع إليه أصحابه ويُوافيه ما عُدَّ له. ولمَّا أنهى الحجَّاج خطبته سالِفة الذِكر، أركب مُحمَّد بن القاسم فرسه ووزَّع الصدقات على الفُقراء والأموال على أتباعه، وبارك لِمُحمَّد بن القاسم غزوه وسفره وترحاله، وأنشد قائلًا:
سار مُحمَّد بن القاسم إلى شيراز وعسكر بها ريثما يصله المدد. ثُمَّ أمر الحجَّاج أن يُجمع كُلُّ ما هو موجود من المجانيق والسِّهام والرِّماح ووضعها في السُفُن الحربيَّة، وعيَّن خُريم بن عمرو المرِّي على رأس القُوَّة البحريَّة وأوصاه إذا حصل خللٌ في السُفُن أن يُجاهد ويجتهد في إصلاحها. وعمد الحجَّاج إلى القُطُن المحلوج، فنُقل بِالخلِّ الحاذق، ثُمَّ جُفِّف في الظل، فقال: «إِذَا صِرتُم إِلى السِّندِ فَإِنَّ الخَلَّ بِهَا ضَيِّقٌ، فَانقَعُوا هَذَا القُطنَ فِي المَاءِ، ثُمَّ اطبُخُوا بِهِ واصطَبِغُوا». أُرسلت المُؤن والعتاد إلى شيراز بِواسطة قافلةٍ كبيرةٍ من الجمال ذات السنامين، وكتب الحجَّاج إلى والي ثغر السند مُحمَّد بن هٰرون بن ذراع النمريّ أن يلتحق بِالحملة مع جميع من كان معهُ من الرجال، والقائد العام لها مُحمَّد بن القاسم. بناءً على ذلك، تجمَّعت تحت إدارة مُحمَّد بن القاسم قُوَّاتٌ تُقدَّرُ بِحوالي خمسة عشر إلى عشرين ألف رجُلٍ تقريبًا. وفي أواخر سنة 92هـ المُوافقة لِسنة 711م، سارت الحملة من شيراز، مُتجهةً من الشرق، وسالِكةً الطريق نفسها التي سلكها الإسكندر الأكبر أثناء رحلة العودة من حملته الشرقيَّة المشهورة، أي عبر الصحراء الگدروزيَّة، حيثُ سارت، كما يبدو، مُحاذيةً لِمياه بحر العرب، حتَّى لا تكون بعيدة عن السُفُن الإسلاميَّة التي سلكت هي الأُخرى البحر، بِالقُرب من اليابسة، على مرأى من القُوَّات البريَّة.
=== فتح فنزبور وأرمائيل === زحف مُحمَّد بن القاسم مع مُحمَّد بن هٰرون حتَّى وصلا بلدة فنزبور، فوجدا أهلها قد جمعوا لهم، فحاربوهم شُهُورًا حتَّى افُتتحت بلدتهم، وغنم المُسلمون منها وسبوا. ثُمَّ تابعوا الزحف حتَّى وصلوا أرمائيل، فحاربوا حاميتها العسكريَّة أيَّامًا حتَّى فتحوها. ويذكر ابن مُنظر البحري أنَّ مُحمَّد بن هٰرون لاقى مصاعب ومشقَّات كثيرة من عناء السفر وعناء الرُكُوب، فما أن وصل إلى أطراف أرمائيل حتَّى زُهقت روحه، فدُفن هُناك. وحدَّد البلاذري موضع دفن مُحمَّد بن هٰرون، فقال أنَّهُ دُفن بِقُنبُل، بين أرمائيل والديبُل. ولمَّا فُتحت أرمائيل، وصلت مُحمَّد بن القاسم رسالةً من الحجَّاج، وكانت تتضمَّن وصايا حربيَّة هامَّة أشار فيها إلى أنَّهُ إذا وصل المُسلمون منازل الديبُل وسوادها، أن يحذروا تلك المنازل ويحفروا الخنادق أينما وصلوا لِتكون ملاذًا وحمايةً لهم، وأن يُكثروا من تلاوة القُرآن والدُعاء وطلب النصر من الله. وأوصى الحجَّاج أيضًا أن يحفر المُسلمين الخنادق بِعرض اثنيّ عشر ذراعًا وبِعُمق ستَّة أذرع، وأن يتريثوا عند مُقابلة العدوّ، وإذا رفع أولئك عقيرتهم بِالصياح والقول البذيء وخرجوا لِلقتال، فلا يُقابلهم المُسلمون ولا يُقاتلوهم حتَّى يصلهم أمر الحجَّاج، فيتصرَّفون بِما يُمليه عليهم حتَّى تتكلَّل مُهمتهم بِالنجاح والتوفيق.
فتح الديبُل
بعد تمام فتح فنزبور وأرمائيل، توجَّه مُحمَّد بن القاسم بِجيشه الجرَّار إلى مدينة الديبُل، وهي هدفه الأكبر. وكان آنذاك «جيسيه بن داهر» أميرًا على النيرون، فكتب رسالةً إلى أبيه يُخبره بِقُدُوم المُسلمين، ويسأله السماح له بِقتالهم. استدعى داهر أعيان العلافيين العرب واستشارهم في الأمر، فقالوا له إنَّ مُحمَّد بن القاسم هو ابن عم الحجَّاج، وقد جاء بِجيشٍ قوامه الشُجعان من أبناء الشَّام، وقد جُهِّزوا بِكُلِّ أنواع السلاح، وإنَّهم قادمون لِقتاله، وأنَّهم (أي العلافيين) يُفضِّلون ألَّا يتقابلون معهم. فلمَّا سمع داهر أقوال العلافيين، منع ابنه جيسيه من مُقاتلة مُحمَّد بن القاسم وأتباعه. بعد خُرُوج مُحمَّد بن القاسم من أرمائيل، جعل مُحمَّد بن مُصعب بن عبد الرحمٰن على مُقدِّمة الجيش، وجهم بن زحر الجعفي على مُؤخرة الجيش، وعطيَّة بن سعد العوفي في الميمنة، وموسى بن سنان بن سلمة الهذلي على الميسرة، ثُمَّ جلب باقي المُقاتلين من الرُماة والخواض والسيَّافين معهُ إلى قلب الجيش حتَّى جاء يوم الجُمُعة من سنة 93هـ المُوافقة لِسنة 712م.
ويبدو أنَّ مُحمَّد بن القاسم بقي في أرمائيل مُدَّةً طويلة لأنَّهُ قد وافته فيها إمداداتٌ بريَّة وعلى رأسها جهم بن زحر الجعفي سالف الذِكر، كما وصلته الإمدادات البحريَّة التي فيها الرجال والسلاح، وعلى رأسها خُريم بن عمرو، ومعهُ عددٌ من كبار الأشراف والأعيان، منهم: عبدُ الرحمٰن بن سُليم الكلبي الذي عُرف بِشجاعته ورُجُولته وتجاربه القتاليَّة، إذ كان قد تولَّى بيروت وإمارة ساحل الشَّام وردَّ غارةً بيزنطيَّة على مدينة طرابُلس الشَّام، وكان مع عبد الملك بن مروان ضدَّ عمرو بن سعيد بن العاص حين عصى الأخير بِدمشق سنة 69هـ، كما كان مع الحجَّاج في حربه مع ابن الأشعث في وقعة دير الجماجم سنة 82هـ. ومنهم أيضًا سُفيان بن الأبرد الكلبي المشهور بِالجَلَد وسداد الرأي والعفَّة، وقطن بن مُدرك الكلابي المعروف عنهُ المُعاونة في الشدائد والمُدلهمات وصدق القول، والجرَّاح بن عبد الله الحكمي صاحب الخبرة الواسعة في فُنُون القتال والحرب، ومشاجع بن نوبة الأزدي. وصل المُسلمون سواد الديبُل خلال شهر رجب سنة 93هـ المُوافق فيه شهر نيسان (أبريل) 712م، فأمر مُحمَّد بن القاسم بِحفر خندقٍ كما نصح الحجَّاج، ورفع الرايات والأعلام وأنزل الناس على راياتهم، وأخرج المجانيق ونصبها، وكان منها منجنيقٌ ضخم خاصٌ بِالخليفة تُعرف بِـ«العروس»، قيل أنَّ نصبه احتاج إلى خُمسُمائة رجل. وكان في وسط الديبُل معبدٌ بوذيٌّ كبير فيه تمثالٌ هائلٌ لِبوذا (المعروف في المصادر الإسلاميَّة بِـ«البُدّ») بلغ ارتفاعه أربعين ذراعًا، وكان لِلمعبد قبَّة عالية تُرفرف عليها راية خضراء ترتفعُ أربعون ذراعًا أيضًا، ولِلراية هذه أربعةُ ألسُنٍ تتطايرُ في الهواء. حاصر المُسلمون الديبُل وأخذوا يقذفونها بِالحجارة والنيران، وقاتلوا حُماتها بِشدَّة، فخرجوا إليهم ولكنَّهم انهزموا ورُدُّوا إلى البلد. وكان لِمنجنيق العروس أثره البالغ في النيل من الروح المعنويَّة لِلمُدافعين، حيثُ كسرت إحدى قذائفه دقلًا كبير الحجم كان يحملُ رايةً حمراء. ويُروى أنَّ مُحمَّد بن القاسم دعا أمير جُند منجنيق العروس، وهو جُعُونة بن عقبة السُّلمي، وقال له أنَّهُ سيُعطيه عشرة آلاف درهم إن كسر رأس معبد البُدّ وعمود الراية التي تُرفرف فوقه، وفي اليوم التاسع من الحصار استدعى مُحمَّد بن القاسم جُعُونة المنجنيقي وأعطاه الأوامر بِضرب المعبد والعدوّ، كما أنَّهُ هيَّأ الجيش لِلقتال، على أن يبدأ الرُماة أولًا ثُمَّ يرميهم الفُرسان. وبدأ جُعُونة بِضرب المعبد بِالمنجنيق، فرماه بِالحجر الأوَّل فطارت رايته وبعض قاعدته، ثُمَّ رمى الحجر الثاني فأصاب قبَّة المعبد فانهارت تمامًا، وفي الحجر الثالث أصبح أنقاضًا مع الأرض سواء، ثم قُرعت الطُبُول في الديبُل، وبدأ هُجُوم الجيش الإسلامي هجمةً واحدة، وثلم المنجنيق سور الديبل فوصل المُسلمون إلى أعلى السور وأبراجه، ورفعوا راية التوحيد في أعلى قلعة المدينة مكان الراية الحمراء، وبِهذا أصبحت الديبُل أوَّل حلقة في سلسلة مُدن وادي السند التي فتحها المُسلمون. ويُروى أنَّ «جاهين بن برسايد راوت»، والي الديبُل، ألقى بِنفسه من سور الحصن وفرَّ هاربًا، وسارع أهل المدينة إلى طلب الأمان، وتوجَّه مُحمَّد بن القاسم إلى السجن الذي ضمَّ الأسرى المُسلمين الذين قُبض عليهم في الغارة البحريَّة، فحرَّرهم ووضع بدلًا عنهم مجموعة من قراصنة الديبُل. ويُقال أن سجَّان المُسلمين كان شخصًا يُدعى «قيله بن مهترائج»، وهو رجلٌ عاقلٌ داهية عُرف بِالأدب والكتابة البارعة وفعل الخير، فلمَّا حرَّر مُحمَّد بن القاسم الأسرى سألهم عن كيفيَّة مُعاملته إيَّاهم، فقالوا أنَّهُ لم يُعاملهم إلَّا بِطيبةٍ خالصة، وكان يُواسيهم دائمًا، فالتفت القائد المُسلم إلى قيله المذكور وعرض عليه الإسلام، فقبل ونطق بِالشهادتين. بعد ذلك فرز مُحمَّد بن القاسم الغنائم والعبيد، فأرسل خُمسُها إلى الخزانة العامَّة وبيت المال عند الحجَّاج، ثُمَّ وزَّع ما بقي على المُجاهدين والمُقاتلين حيثُ أعطى كُل فارس ضعف سهم راكب الجمل أو الماشي، ثُمَّ رتَّب أُمُور المدينة وأهلها، وأنزل فيها أربعة آلافٍ من المُسلمين، وبنى مسجدًا، فكان أوَّل مسجدٍ بُني في هذه المنطقة، وعيَّن وداع بن حميد البحري عاملًا عليها وأوصاه بِأن يترك قيله بن مهترائج سالف الذِكر يقوم بِأعمال الحسابات والنفقات ويمسك سجلَّات الديوان، وخرج يُريدُ مدينة النيرون.
فتح النيرون
لمَّا وصل خبر فتح الديبُل على يد جيش الإسلام إلى الراجا داهر، وعلم أنَّ والي المدينة فرَّ إلى جيسيه في النيرون، وأنَّ أهالي الديبُل خضعوا لِلمُسلمين الذين عاملوهم بِالحُسنى، كتب إلى ولده جيسيه يقول له أن يتوجَّه إلى مدينة بُرهمناباد ويترك أمر النيرون إلى راهبٍ بوذيٍّ يُعيِّنهُ واليًا عليها، ويُوصيه بِالحفاظ على المدينة بِكُلِّ قُوَّة. وفي الوقت نفسه، كتب داهر إلى مُحمَّد بن القاسم يُهدده ويتوعَّده وجيشه بِالفناء فيما لو واصل التقدُّم، لأنَّ الديبُل لم تكن سوى مدينة يعمل أهلها بِالصناعة والتجارة، وما يليها أشدُّ بأسًا وقُوَّة. ولمَّا وصل القائد المُسلم إلى تُخُوم النيرون وصلته رسالة داهر، ونصُّها:
بسم الله العظيم ذي الوحدانيَّة وربِّ سيلائج:من داهر بن چچ ملك السند وراي الهند وقائد البر والبحر إلى المغرور والمفتون بِنفسه مُحمَّد بن القاسم الذي يهوى القتل والحرب بدون رحمة، حتَّى أنَّهُ لا يغفرُ لِجيشه وجعل الجميع في محرقة الموت.وكان قبل ذلك من رأى في منامه الغرور، وتوجَّه إلى منطقتنا، وقد بايعه أبو العاص بن الحكم على ذلك، لِأنَّهُ تصوَّر في ذهنه المريض أنَّهُ سيفتح ولاية الهند والسند ويستقر فيها. فذهب إلى نفرٍ قليلٍ من أتباعنا فقتلوه في سواد الديبُل وهُزم تمامًا جيشه الضعيف، والآن جاءنا مُحمَّد بن القاسم بِذهنه المريض أيضًا لِيلقى هو وجيشه المصير نفسه، وهو عندما فتح الديبُل، وهي مدينة التجارة والصناعة، عليه أن يعلم أنَّها ليست قلعة حربيَّة، وليس فيها المُقاتلون الأشدَّاء الذين سيُلاقيهم وسيكون فناؤه على أيديهم، وأنا لو أشرت بِإصبعي إلى جيسيه بن راي داهر لَمحا جيشك من الوُجُود وجاء بك أسيرًا إليَّ، جيسيه الذي قهر المُلُوك، وقاتل جبابرة الزمان، ذو الحسب والنسب من الرُهبان الأكابر، والذي حنا لهُ مُلُوك الهند رؤوسهم، وأصبحت الهند والسند تُدينان لهُ بِالولاء والطاعة، كما أعلن مُلُوكُ مكران وطوران التبعيَّة له، وهو صاحبُ مائة حلقةٍ من الأفيال، إنَّهُ سيركب الفيل الأبيض الذي لم ولن يُقابلهُ لا فرس ولا فارس.وإنِّي أُحذرك بِأنَّهُ لن يتمكَّن أيُّ مليكٍ أو جيشٍ - حتَّى انصرام العالم - من مُجابهته حتَّى في المنام. وإنَّ مصيرك هو مصير بُديل نفسه، وإنَّك لن تسطيع مُواجهتنا في القتال، فاسلم بِجلدك وجيشك.(2) يُلاحظ أنَّ في هذه الرسالة إشارة إلى الحملة الإسلاميَّة الأولى ضدَّ الديبُل التي أرسلها سنة 15هـ المُوافقة لِسنة 636م عُثمان بن أبي العاص والي البحرين وعُمان، لكنَّ المعلومات عن مصير الحملة كما ذكرها داهر في رسالته غير صحيحة كما أُسلف. كما احتوت على إشارةٍ إلى بُديل بن طهفة البجليّ الذي أرسلهُ الحجَّاج ضدَّ الديبُل قبل نحو ست سنوات من إرسال مُحمَّد بن القاسم، فقُتل خِلال الحملة، كما أُسلف أيضًا. ولمَّا وقع كتاب داهر بِيد مُحمَّد بن القاسم، استدعى مُترجمه وأملى عليه الرسالة التالية:
من مُحمَّد بن القاسم الثقفي قاتل الكُفَّار والآخذ بِثأر المُسلمين من المُتمردين والمُعاندين، إلى الكافر الجاهل المُنكر المُتكبِّر المغرور بِسُلطان أيَّامه والزمان، الذي لا يعرف الوفاء ومُرور الأيَّام التي يتخلَّلها الجفاء، المغرور داهر بن چچ البرهمي الغدَّارأمَّا بعد: فلا بُدَّ لك من العِلم بِأنَّ ما سطَّرته من الجهالة وغاية الحماقة وافتتانك بِرأيك الركيك قد وصلنا. وعلمنا مضمون أحوالك ومقالك، وفهمنا كُل ما سطَّرته من الحديث عن القُوَّة والشوكة والعدَّة والآلة والأهبة بِالأفيال والحشم والجيش. ونحنُ بِقُوَّة الله وحوله قد وُهبنا القُوَّة والعدَّة والأهبة، ولا حول ولا قُوَّة إلَّا بِالله العليّ العظيم. ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ ثُمَّ لا ينظرون، ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ﴾، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.أيُّها العاجز، ماذا ينفعك رُكُوبُ الفيل وكثرة العدد والعدَّة؟ ولعلمك أنَّ الفيل ذليل وعاجزٌ أيضًا وهو أضعفُ العُدد ولا يستطيع أن يُبعد الذُبابة عنه التي هي أضعف المخلوقات. ونحنُ نفتخرُ بِفُرساننا وهُم من حزبُ الله ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وخيلُ الله وفُرسانها هُم المنصورون. ولتعلم بِأننا جئنا لِقتالك بِسبب أفعالك السيِّئة وخصالك غير المُرضية، وبِسبب استكبارك حيثُ أوقفت سُفن سرنديب وأسرت المُسلمين.وإنَّك تعلم بِأنَّ أوامر دار الخلافة خلافة النُبُوَّة مُطلقة ونافذة في جميع أنحاء الدُنيا، وأنت تُعلن التمرُّد والعصيان، وتأخذ أموال بيت مال المُسلمين التي كان الوُلاة والمُلُوك السابقون يُعطونها ويعتبرونها حقًا بِذمَّتهم فيُرسلونها إلى دار الخِلافة، ولِأنَّك لوَّثت نفسك بِهذه الخِصال الدنيئة، وتمرَّدت على الطاعة والقيام بِالواجب، فقد جاءنا الأمر الإلٰهي من دار الخِلافة كي أنتقم من تلك الأفعال، وأتوجَّه لِقتالك، ولسوف أقهرك وأهزمك أينما واجهتك بِعون الله تعالى، وسأبعثُ بِرأسك بِمشيئة الله إلى العراق، أو أُضحِّي بِروحي في سبيل الله، وأعتبر هذا الجهاد واجبًا عليّ لِقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وقبلتُ الجهاد في سبيل مرضاة الله تعالى، وإني آمل الكثير من كرم الله ونصرته لِجُنُوده إن شاء الله تعالى.كُتب في سنة ثلاث وتسعين من الهجرة(2)
يُروى عن أبي الليث التميمي عن جُعُونة بن عقبة السُّلمي أنَّ مُحمَّد بن القاسم وصل إلى سواد النيرون في اليوم السابع لِمُغادرته الديبُل، بعد أن قطع بِالجيش مسافة خمسةٍ وعشرين فرسخًا. ولمَّا وصل المُسلمون إلى منطقة ولهار العُشبيَّة الخضراء حيثُ يُوجد نهر السند وجدوه جافًا خاليًا تمامًا من الماء، وكان الجيش قد أنهكه التعب وأخذ منه العطش مأخذًا كبيرًا، فوقف مُحمَّد بن القاسم وصلَّى ركعتين قائلًا: «يَا دَلِيلَ المُتَحَيِّرِين وَيَا غَيَّاثَ المُستَغِيثِن، أَغِثنِي بِحَقِّ بِسمِ الله الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ». انهمرت الأمطار بعد ذلك حتَّى امتلأت الوديان بِالمياه الوفيرة، كما امتلأ حوض نهر السند بِالماء، أمَّا أهل النيرون فقد أغلقوا الحصن على أنفُسهم، فحاصرهم مُحمَّد بن القاسم طيلة ستَّة أيَّام، نقُصت خلالها المُؤن الغذائيَّة لِلمُسلمين وأعلاف حيواناتهم من الخيل والجِمال، فبعث الراهب البوذيّ، الذي عُيِّن واليًا على المدينة، بِرسولين مُحمَّلين بِالغذاء والأعلاف إلى مُحمَّد بن القاسم ومعهُما رسالةً يقول فيها أنَّهُ ومن معهُ من الخدم والحشم والرعيَّة في خدمة دار الخِلافة، ثُمَّ فتح باب المدينة وسمح لِلمُسلمين بِدُخُولها، وأخذ يبيع ويشتري البضائع معهم. وأرسل أعيان المدينة كتاب صُلحٍ إلى الحجَّاج بن يُوسُف يُعلنون فيه دُخُولهم تحت جناح دولة الإسلام، فكتب الحجَّاج إلى مُحمَّد بن القاسم يُعلمه بِضرورة مُعاملة الأهالي بِالحُسنى وإكرامهم وتأمينهم واحترام علية القوم منهم، فأجابهُ إلى ذلك وأقرَّ الصُلح، ووزَّع العُلُوفة على الجيش، ثُمَّ أمر ببناء مسجدٍ في المدينة، وعيَّن لها حاكمًا وإمامًا، ثُمَّ غادرها بعد عدَّة أيَّامٍ إلى حصن سيوستان الواقع على قمَّة جبلٍ إلى الغرب من نهر السند.
