يعتبر تيبيريوس يوليوس إسكندر (عاش في القرن الأول الميلادي) قائد وحاكم عسكري من طبقة الفرسان في الإمبراطورية الرومانية. ولد لأسرة يهودية مصرية ثرية في الإسكندرية، لكنه ترك الديانة اليهودية أو أهملها، ليرتقي لاحقا وينصب ثاني وكيل على يهودا (نحو 46 – 48) في عهد الإمبراطور كلوديوس. شغل منصب حاكم مصر (66–69)، واستخدم فيلقه ضد يهود الإسكندرية في رد صارم على العنف العرقي، كما ساهم بدور حاسم في وصول الإمبراطور فسبازيان إلى السلطة. شارك عام 70 م في حصار أورشليم بصفته نائبا للقائد طيتوس. أصبح القائد الأكثر نفوذا بين أبناء جيله من اليهود، ويصنف ضمن أبرز الشخصيات اليهودية في التاريخ العسكري.
== النشأة == ولد تيبيريوس يوليوس إسكندر مطلع عهد الإمبراطور طيباريوس (14–37). يعود نسبه إلى والده إسكندر الألابارش، وهو شخصية سكندرية يهودية شغل منصب ألابارش ليتولى إدارة الجمارك على الحدود العربية، وقد يعبر هذا المسمى عن موظف جمركي رفيع المستوى. حاز والد إسكندر، وهو من أعيان مصر، المواطنة الرومانية، وهو أمر شاع بين أثرياء اليهود في الإسكندرية. أقام الأب علاقات تجارية مع أغريبا، نجل حفيد هيرودس الأول ، ومع أنطونيا الصغرى، والدة الإمبراطور كلوديوس. برز في عائلته أيضا خاله الفيلسوف فيلون. فضل الأب تعليم تيبيريوس وشقيقه الأصغر ماركوس يوليوس إسكندر اللغات الكلاسيكية، بدلا من تلقينهما تعليما يهوديا تقليديا، وهيأهما للالتحاق بالسلك الإداري الروماني. تزوج ماركوس يوليوس إسكندر من الأميرة الهيرودية برنيس. توفي ماركوس عام 43 أو 44 دون أن يترك عقبا. يستهل المؤرخ اليهودي يوسيفوس ترجمته لتيبيريوس بانتفاضه على إلحاده، موضحا أنه «لم يلتزم بعادات أجداده». فسرت هذه العبارة تقليديا بحذوه طريق الارتداد عن اليهودية في سن مبكرة، وتدعم هذا الطرح مشاركته كشخصية في حوارين فلسفيين لخاله فيلون، يطرح فيهما حججا تنفي العناية الإلهية ويسعى فيلون لردها. يرى باحثون معاصرون أن يوسيفوس ينتقد إسكندر لقراره خدمة روما، وتقديمه مصالح الإمبراطورية على الديانة اليهودية. استفاد إسكندر من علاقات عائلته التي تعززت بصول الإمبراطور كلوديوس إلى الحكم عام 41. ساعد أغريبا في تأمين اعتلاء كلوديوس العرش عقب اغتيال كاليغولا، فكافأه بالتعيين ملكا على يهودا. أطلق كلوديوس سراح والد تيبيريوس بعد أن سجنه كاليغولا، وشهدت هذه الفترة زواج شقيقه الأصغر ماركوس من برنيس. تولى تيبيريوس أول منصب رفيع يعين فيه حاكما على طيبة عام 42 م.
== مسيرته حتى عام 63 == تمتع تيبيريوس إسكندر بصلات قوية أهلت لتبوؤ مناصب الإدارة العامة في روما ضمن طبقة الفرسان. تقلد أول منصب معروف له عام 42 تقريبا، حيث عمل كبير الاستراتيجين في منطقة طيبة، وهي إحدى المقاطعات الثلاث التي تقسمت إليها مصر الرومانية. يمثل هذا المنصب وظيفة إدارية وقضائية خالية من أي قيادة عسكرية. واصل إسكندر تواصله مع شقيقه ماركوس الذي عمل بالتجارة في المنطقة نفسها حتى وفاته المبكرة عام 43 أو 44. عينه كلوديوس وكيلا على يهودا عام 46 م تقدير لكفاءته الإدارية في طيبة خلال أربع سنوات. عادت المقاطعة للكم الروماني المباشر عقب وفاة أغريبا عام 44، وشهدت منذ عهد سلفه كوسبيوس فادوس بؤرة للمقاومة الحماسية. اتسمت فترة حكمه بالهدوء كما يذكر يوسيفوس، رغم نظر بعض أبناء جلته إليه كخائن. أصدر أحكاما بإعدام يعقوب وسمعان نجل الثائر يهوذا الجليلي صلبا. ضربت جائحة مجاعة شديدة أرض يهودا في هذه الفترة، وخلفه في المنصب فينتيديوس كومانيوس عام 48. ارتقى إسكندر في الرتب العسكرية بفضل جهوده الميدانية، وعمل ضابطا في أركان القائد غنائوس دوميتيوس كوربولو خلال الحملات ضد فرثية في عهد الإمبراطور نيرون. أوفد عام 63 برفقة صهر كوربولو لمرافقة الملك الأرمني تيريداتس الأول إلى المعسكر الروماني، بعد أن أدار مفاوضات معه، ليبدأ الملك مرحلة الحصول على صفة ملك عميل لروما من نيرون.
== ولاية مصر == عين نيرون إسكندر واليا على مصر في مايو 66 بتزكية من كوربولو، وهو أحد أرفع منصبين يحق لفرسان روما تقلمهما إلى جانب منصب قائد الحرس البلاطوري. افاد إسكندر من الميول الهيلينية للإمبراطور نيرون في تعيين الفرسان، إلى جانب خبرته السابقة بأحوال مصر. اندلعت الحرب اليهودية الرومانية الأولى في يهودا في عام توليه المنصب نفسه، وامتدت أعمال العنف لتطال الجالية اليهودية الكبيرة في الإسكندرية. تطور النزاع العرقي أثناء اجتماع لليونانيين عقب احتجازهم أسرى، مما دفع اليهود للتهديد بإحراق المجمعين. أرسل إسكندر وسطاء لتهدئة اليهود، محذرا من استخدامه الفيلق الروماني حال استمرار العنف. لم تُجدِ التهديدات نفعًا، ويصف يوسيفوس النتيجة قائلاً: تظهر الوثائق التاريخية جانبا أكثر سِلمًا لإدارة إسكندر، حيث استشهد بقراراته الإدارية كسوابق قانونية بعد مرور أكثر من قرن على ولايته. يتضح ذلك من خلال مرسوم صادق عليه في 6 يوليو 68، بعد أقل من شهر على وفاة نيرون. شجب المرسوم التجاوزات الإدارية وفرض إجراءات ضد التقييمات الضريبية غير الدقيقة، والملاحقات القضائية الكيدية، وحبس مديني القطاع الخاص. جاءت الإشارة الوحيدة للوضع السياسي المضطرب في المرسوم كدعوة للثقة في عدالة الإمبراطور الجديد غالبا، وقدرته على إصلاح مظالم الماضي. قدم إسكندر مطالب لغالبا نيابة عن سكان المقاطعة، موضحا أن الإصلاحات هي ثمن ولاء هذا الإقليم الحيوي لإنتاج القمح. لم يستمر غالبا ولا خلفه أوثو طويلا في السلطة. اعترف مجلس الشيوخ الروماني بفيتليوس إمبراطورا في أبريل 69، لكن معارضيه بدأوا التجمع حول إسفسيانوس، قائد القوات الرومانية في حرب يهودا. شكل ولاء إسكندر حجر زاوية لحيازيته فيلقين وسيطرته على شحنات القمح المتجهة من الإسكندرية إلى روما. تواصل إسكندر مع فسبازيان سراً؛ ويرجح مؤرخون لعب برنيس (عشيقة طيتوس نجل فسبازيان) وموظف مصري يدعى باسيلايدس دور الوساطة. اتخذ إسكندر الخطوة الحاسمة الأولى ضد فيتليوس في 1 يوليو: فبمجرد تسلمه رسالة من إسفسيانوس، أوعز لقواته بأداء قسم الولاء لفسبازيان إمبراطورا. تبعت فيالق الشرق هذا النهج، وأصبح ذلك التاريخ يوما للاحتفال بذكرى اعتلاء فسبازيان العرش.
== حصار أورشليم == انتقل إسفسيانوس إلى مصر مخلفا قيادة الحرب اليهودية لنجله طيتوس. أرسل فسبازيان إسكندر، بصفته قائدا مجربا وخبيرا بالشؤون اليهودية، ليعين طيتوس كرئيس للأركان ومستشار ثان له. أدير حصار أورشليم بواسطة أربعة فيالق، وتشبث المدافعون بالهيكل حتى بعد استحوذ الرومان على أسوار المدينة. شارك إسكندر في القرار الأول القاضي بعدم تدمير الهيكل ليبقى معلما معماريا، مع العمل على إطفاء النيران. أُحبطت هجمتان لاحقتان لليهود، وتراجع الناجون إلى داخل الهيكل. اشتبك المدافعون مع القوات الرومانية المكلفة بإطفاء النيران، وألقى جندي روماني غاضب شعلة داخل القدس فأحرقته. تتناقض روايات يوسيفوس حول تسلسل الأحداث والمسؤول عنها، غير أن الأدبيات الحاخامية والمؤرخين يرون أن التدمير تم بإرادة إلهية، ولم يكن نبوخذ نصر والرومان سوى أدوات لتنفيذها.
== مسيرته المتأخرة == استقر وضع إسفسيانوس في روما، وظلت تفاصيل مسيرة إسكندر تحت حكم الإمبراطور الجديد غير واضحة. تشير برديات متهالكة إلى شغل إسكندر منصب «قائد الحرس الإمبراطوري»، وهو ما يحتمل تفسيرين؛ إذ قد يدل على رتبته الميدانية أثناء حملة طيتوس عام 70 م، مما يعني تمييزه بسلطة قيادية مستقلة، أو تعيينه قائدا للحرس البلاطوري في روما، وهو منصب غدا مألوفا لحكام مصر السابقين. وصل إسكندر في كلتا الحالتين إلى مكانة رفيعة في الإمبراطورية الرومانية لم يصل إليها شخص من أصول يهودية، ناهيك عن المعاناة من وصمة الأصول المصرية. يشتكي الخطيب جوفينال في قصيدته الهجائية الأولى، الصادرة أواخر القرن الأول أو مطلع القرن الثاني الميلادي، من المرور أمام التماثيل التذكارية في المنتدى الروماني قائلا: «حيث تجرأ أحد الألابارش المصريين على وضع ألقابه، وذاك رسم يحسن المرور أمامه لما هو أكثر من التبول!». يرجح المؤرخون إشارة النبذ هذه إلى تيبيريوس إسكندر.
== انظر أيضًا == قائمة حكام يهودا الرومانية
ملاحظات
المصادر
=== المصادر القديمة === يوسيفوس، عاديات اليهود 18.259، 19.276، 20.100–103 يوسيفوس، الحرب اليهودية 2.220، 2.309، 2.490–497، 4.616–617، 5.45–46، 5.205، 6.236–243 يوفينال، الهجائيات 1.129–131 سويتونيوس، حياة فسبازيان 6.3 تاكيتوس، الحوليات 15.28 تاكيتوس، التواريخ 2.79
=== المصادر الحديثة === Braund، David C. (1985). Augustus to Nero: A Sourcebook on Roman History: 31 BC–AD 68. Totowa, New Jersey: Barnes and Noble. ص. no. 600. ISBN:0-389-20536-2. Griffin، Miriam T. (1987) [1984]. Nero: The End of a Dynasty (ط. pbk.). London: B. T. Batsford. ص. 213. ISBN:0-7134-4465-7. Levick، Barbara (1999). Vespasian. London: Routledge. ص. 54. ISBN:0-415-16618-7. Modrzejewski، Joseph Mélèze (1995). The Jews of Egypt: From Rameses II to Emperor Hadrian. translated by Robert Cornman. Philadelphia: Jewish Publication Society. ص. 185–190. ISBN:0-8276-0522-6. Schürer، Emil (1973). The History of the Jewish People in the Age of Jesus Christ: Volume I. revised and edited by Géza Vermes، Fergus Millar and Matthew Black (ط. revised English). Edinburgh: T&T Clark. ص. 456–458. ISBN:0-567-02242-0. Scott، Kenneth (1934). "The Role of Basilides in the Events of A.D. 69". Journal of Roman Studies. Society for the Promotion of Roman Studies. ج. 24: 138–140. DOI:10.2307/297052. JSTOR:297052. S2CID:162440786. Sullivan، Philip B. (نوفمبر 1953). "A Note on the Flavian Accession". Classical Journal. ج. 49 ع. 2: 67–70. Turner، E. G. (1954). "Tiberivs Ivlivs Alexander". Journal of Roman Studies. Society for the Promotion of Roman Studies. ج. 44: 54–64. DOI:10.2307/297556. JSTOR:297556. S2CID:163878706.
== قراءات موسعة == Burr, Viktor (1955). Tiberius Iulius Alexander (بالألمانية). Bonn: R. Habelt. Chalon, Gérard (1964). L'Édit de Tiberius Julius Alexander: Étude Historique et Exégétique (بالفرنسية). Olten: Urs Graf-Verlag. Evans, Katherine G. (نوفمبر 1995). "Alexander the Alabarch: Roman and Jew". Summary presented to the Philo of Alexandria Seminar of the November 1995 annual meeting of Society of Biblical Literature. مؤرشف من الأصل في 2026-09-15. اطلع عليه بتاريخ 2007-01-18. {{استشهاد بدورية محكمة}}: الاستشهاد بدورية محكمة يطلب |دورية محكمة= (مساعدة) Kraft، Robert A. (1991). "Tiberius Julius Alexander and the Crisis in Alexandria according to Josephus". في Ed. Harold W. Attridge؛ وآخرون (المحررون). Of Scribes and Scrolls: Studies on the Hebrew Bible, Intertestamental Judaism, and Christian Origins. New York: University Press of America. ص. 175–184. ISBN:0-8191-7902-7. اطلع عليه بتاريخ 2007-01-19. Krauss، Samuel (1901–1906). "Alexander, Tiberius Julius". في Isidore Singer؛ وآخرون (المحررون). الموسوعة اليهودية. New York: Funk & Wagnalls. ص. 357–358. مؤرشف من الأصل في 2011-06-29. اطلع عليه بتاريخ 2007-01-18. Lendering، Jona. "Tiberius Julius Alexander Junior". Livius. مؤرشف من الأصل في 2014-10-28. اطلع عليه بتاريخ 2007-01-18. قالب:صندوق خالف المسبوق
.jpg?width=1600)
