العدوان الثلاثي أو حرب 1956 كما تُعرف في مصر والدول العربية أو أزمة السويس أو حرب السويس كما تُعرف في الدول الغربية أو حرب سيناء أو حملة سيناء أو العملية قادش كما تُعرف في إسرائيل، هي حرب شنَّتها كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام 1956، وهي ثاني الحروب العربية الإسرائيلية بعد حرب 1948، وتعدَّ واحدةً من أهم الأحداث العالمية التي ساهمت في تحديد مستقبل التوازن الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت حاسمة في أفول نجم القوى الاستعمارية التقليدية، وتألُّق نجوم جديدة على الساحة الدولية. بدأت جذور أزمة السويس في الظهور عقب توقيع اتفاقية الجلاء سنة 1954 بعد مفاوضات مصرية بريطانية رافقتها مقاومة شعبية شرسة للقوات الإنجليزية بالقناة. بدت علاقة عبد الناصر مع الدول الغربية في تلك الفترة في صورة جيدة خاصة مع موافقة البنك الدولي بدعمٍ أمريكي بريطاني على منح مصر قرضاً لتمويل مشروع السدِّ العالي الذي كان يطمح عبد الناصر أن يحقق به طفرة زراعية وصناعية في البلاد. في تلك الفترة كانت المناوشات الحدودية مستمرة بشكل متقطع بين الدول العربية وإسرائيل منذ حرب 1948، وأعلن عبد الناصر صراحة عداءه لإسرائيل، وضيَّق الخِنَاق على سُفُنِها في قناة السويس وخليج العقبة، ما شجع الأخيرة ووجدت فيه تعليلاً لتدعيم ترسانتها العسكرية عن طريق عقد صفقة أسلحة مع فرنسا، فقرَّر عبد الناصر طلب السلاح من الولايات المتحدة وبريطانيا، إلا أنَّهما ماطلتا في التسليم ورفضتاه في النهاية معلِّلَتين ذلك بوضع حدٍ لسباق التسليح في الشرق الأوسط، لم يجد عبد الناصر بديلاً إلا أن يطلب السلاح من الاتحاد السوفيتي وهو ما قابله الأخير بالترحيب لتدعيم موقفه بالمنطقة؛ فقرَّرت كلٌّ من بريطانيا والولايات المتحدة الرد على الخطوة المصرية، والرد على رفض عبد الناصر الدخول في سياسة الأحلاف، ورفضه الصلح مع إسرائيل طبقاً لشروط الغرب كما أقرتها الخطة «ألفا» وذلك بوضع خطةٍ جديدةٍ أُطلق عليها «أوميجا»؛ هدفت إلى تحجيم نظام عبد الناصر عبر فرض عقوبات على مصر بحظر المساعدات العسكرية، ومحاولة الوقيعة بينها وبين أصدقائها العرب، وتقليص تمويل السدِّ ثمَّ إلغاؤه بالكامل في وقت لاحق. رأى عبد الناصر في تأميم قناة السويس فرصته الوحيدة للحصول على التمويل اللازم لبناء السدِ العالي، وبالفعل أعلن في 26 يوليو 1956 قرار التأميم، ومع فشل الضغط الدبلوماسي على مصر للعدول عن قرارها قرَّرت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وضع خطة لاستخدام القوة العسكرية ضد مصر أُطلق عليها بروتوكول سيفرز؛ آملين بذلك تحقيق مصالحهم من تلك الضربة، فعلى الصعيد البريطاني كان الهدف التخلص من عبد الناصر الذي هدد النفوذ البريطاني بتحقيق الجلاء، وتحالف مع السوفييت، وأمَّم القناة التي تمرُّ منها المصالح البريطانية، وعلى الصعيد الفرنسي كانت فرصةً للانتقام من عبد الناصر الذي ساند ثورة الجزائر، وأمَّم القناة التي كانت تحت إدارة فرنسية، في حين وجدت إسرائيل فرصتها لفكِ الخِنَاق المحكم على سفنها في قناة السويس وخليج العقبة، وتدمير القوات المصرية في سيناء والتي كانت تشكل تهديداً صريحاً لها. طبقاً لبروتوكول سيفرز وفي 29 أكتوبر 1956 هبطت قوات إسرائيلية في عمق سيناء، واتجهت إلى القناة لإقناع العالم بأنَّ قناة السويس مهدَّدة، وفي 30 أكتوبر أصدرت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا إنذاراً يطالب بوقف القتال بين مصر وإسرائيل، ويطلب من الطرفين الانسحاب عشرة كيلومترات عن قناة السويس، وقبول احتلال مدن القناة بواسطة قوات بريطانية فرنسية بغرض حماية الملاحة في القناة، وإلا تدخلت قواتهما لتنفيذ ذلك بالقوة. أعلنت مصر بدورها رفضها احتلال إقليم القناة، وفي اليوم التالي (31 أكتوبر) هاجمت الدولتان مصر وبدأت غاراتهما الجوية على القاهرة ومنطقة القناة والإسكندرية. ونظراً لتشتتُّت القوات المصرية بين جبهة سيناء وجبهة القناة وحتى لا تقوم القوات المعتدية بحصارها وإبادتها، أصدر عبد الناصر أوامره بسحب القوات المصرية من سيناء إلى غرب القناة، وبدأ الغزو الأنجلو-فرنسي على مصر من بورسعيد التي ضُرِبت بالطائرات والقوات البحرية تمهيداً لعمليات الإنزال الجوي بالمظلات. قاومت المقاومة الشعبية ببورسعيد الاحتلال بضراوةٍ واستبسالٍ حرَّك العالم ضد القوات المعتدية، وساندت الدول العربية مصر أمام العدوان وقامت بنسف أنابيب النفط في سوريا، وفي 2 نوفمبر اتَّخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بوقف القتال، وفي 3 نوفمبر وجَّه الاتحاد السوفيتي إنذاراً إلى بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وأعلن عن تصميمه على محو العدوان، كما استهجنت الولايات المتحدة العدوان على مصر، فأدى هذا الضغط الدولي إلى وقف التغلغل الإنجليزي الفرنسي، وقبول الدولتين وقف إطلاق النار ابتداءً من 7 نوفمبر تلاها دخول قوات طوارئ دولية تابعة للأمم المتحدة، وفي 19 ديسمبر أُنزل العلم البريطاني من فوق مبنى هيئة قناة السويس ببورسعيد، تلا ذلك انسحاب القوات الفرنسية والإنجليزية من بورسعيد في 22 ديسمبر، وفي 23 ديسمبر تسلَّمت السلطات المصرية مدينة بورسعيد واستردت قناة السويس، وهو التاريخ الذي اتخذته محافظة بورسعيد عيداً قومياً لها أطلق عليه «عيد النصر». وفي 16 مارس 1957 أتمَّت القوات الإسرائيلية انسحابها من سيناء. كان من تبعات الحرب استقالة رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن، وفوز وزير الشؤون الخارجية الكندي ليستر بيرسون بجائزة نوبل للسلام، ومن المرجَّح أنَّ الحرب قد شجَّعت الاتحاد السوفييتي على غزو المجر. يرى المؤرخون أنَّ تلك الحرب مثلت «نهاية وضع بريطانيا العظمى كواحدة من القوى العظمى في العالم».
== التسمية == اشتهرت الحرب في مصر والعالم العربي باسم «العدوان الثلاثي» لأنها كانت نتيجة مؤامرة ثلاثية بين دول بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، ويطلق عليها أيضاً «حرب 1956» أو اختصاراً «حرب 56» نظراً لأن وقائع العمليات العسكرية حدثت في عام 1956. بينما أطلق عليها الغرب اسم «أزمة السويس» أو «حرب السويس» نظراً لأن السبب المعلن للعدوان العسكري كان تأمين الممر الملاحي لقناة السويس. أُطلق على العملية العسكرية الإسرائيلية في سيناء اسم «حرب سيناء»، أو «حملة سيناء» نظراً لأن دور الهجوم الإسرائيلي المخطط له كان موقعه شبه جزيرة سيناء، وأطلق الجيش الإسرائيلي أيضاً على خطته اسم «العملية قادش» لما يعتقده بعض الباحثين اليهود بأن مدينة «قادش بارنيا» (بالعبرية קדש ברנע) - المذكورة في التوراة - تقع في منطقة شمال سيناء، وهي آخر موقع على الحدود المصرية خرج منه اليهود مع موسى إلى الشتات، فكان الاسم رمزاً لبداية العودة إلى النقطة الأخيرة في هذا الشتات.
== الخلفية التاريخية == لم تكن أزمة السويس وليدة لحظتها ولكن امتدت جذورها إلى الصراع الطويل بين مصر والقوى الأجنبية الذي اشتدت حدته مع قيام ثورة يوليو 1952 وتحرر مصر من هيمنة الاستعمار لتشكل سياستها الخارجية المستقلة.
اتفاقية الجلاء
بدت أجواء العلاقات المصرية البريطانية إيجابية بعد ثورة يوليو، ومثل توقيع اتفاقية الجلاء في 19 أكتوبر 1954 نقطة مهمة في تلك المرحلة، وحتى مع إقصاء محمد نجيب في 14 نوفمبر 1954 كان الجانب البريطاني مطمئناً لبقاء من سهل له عقد الاتفاقية في السلطة وهو عبد الناصر. تم الجلاء الكامل للقوات البريطانية من الأراضي المصرية في خلال 20 شهر اعتباراً من 19 أكتوبر 1954 على خمس مراحل، مدة كل مرحلة أربعة أشهر حتى جلاء آخر جندي بريطاني عن أرض مصر في 18 يونيو 1956 ورفع العلم المصري لأول مرة على مبنى البحرية البريطانية ببورسعيد، وبلغ مجموع القوات البريطانية التي غادرت القناة 80 ألف جندي وضابط بقيادة الجنرال «هل». سعى الطرفان المصري والبريطاني إلى بدء مرحلة جديدة من التعاون العسكري والاقتصادي تضمنتِ الإفراج عن القسط السنوي من الأرصدة الاسترلينية المصرية في أول يناير من كل عام بموجب اتفاق أغسطس 1955 وكذلك تحسين التجارة بين البلدين.
حلف بغداد
في 24 فبراير 1955 أعلن أن تركيا والعراق وقعتا حلفاً دفاعياً سمي «حلف بغداد»، وانضمت بريطانيا للحلف في 23 مارس، وباكستان في 17 سبتمبر، وإيران في 11 أكتوبر، وسعت بريطانيا صاحبة المشروع إلى استقطاب مصر إلى الحلف رغبةً منها في الحصول على شكل ما من النفوذ يعيد لها مكانتها في المنطقة، فقوبلت بمعارضة عبد الناصر الشديدة للاشتراك في أية أحلاف مع أي دولة أجنبية وتعدى الأمر إلى بذله مجهودات للتصدي لمحاولات ضم دول عربية أخرى مما زاد الحنق والغضب البريطاني تجاهه وأصبح يشكل عقبة أمام تحقيق بريطانيا أغراضها في قيادة العالم العربي. وكانت نهاية سياسة التعاون بين البلدين مع طرد جون جلوب من الأردن بتأثير مصري، فتعالت نبرات السياسيين البريطانيين وعلى رأسهم إيدن رئيس الوزراء اعتراضاً على مسار السياسة المصرية وأصبح العداء والتحدي البريطاني لعبد الناصر معلناً على صفحات الجرائد والأثير الإذاعي يقابله في مصر حملة مماثلة على بريطانيا.
توسع النفوذ المصري
نجحت مصر في إيصال شكري القوتلي إلى حكم سوريا وإسقاط خالد العظم الموالي للبريطانيين في الانتخابات، ووقعت كل من مصر وسوريا والسعودية اتفاقية دفاعية في مارس 1955 من بين بنودها الابتعاد عن كافة الأحلاف الأجنبية وكالعادة لاقت نفوراً بريطانياً. وجاءت مشكلة واحة البُريمي الواقعة بين إمارات الساحل المهادن (الإمارات العربية المتحدة) والسعودية لتجمع بين عبد الناصر والملك سعود، فقد رأت بريطانيا أن تستولي عليها لغناها بالبترول في حين قدمت مصر العون الإعلامي للسعودية. وفي 26 أكتوبر 1955 احتلت القوات البريطانية الواحة وفي اليوم التالي عقد ميثاق عسكري بين مصر والسعودية. أضحت بريطانيا في حالة قلق من امتداد روح القومية العربية خارج مصر والمحاولات المصرية لتقويض مركز الإنجليز في دول أخرى بالمنطقة، فبدأ الأردن يتخلص من روابطه التقليدية مع بريطانيا، وازداد النفوذ المصري في ليبيا، وقوبل سلوين لويد بمظاهرات غاضبة في البحرين وأدى انضمام اليمن لمصر والسعودية إلى إثارة الضجر البريطاني. في مارس 1956 عقد اجتماع في القاهرة جمع مصر وسوريا والسعودية بحث مسألة دعم الأردن وتنسيق الدفاع المشترك، وهكذا تغلغل التأثير المصري وامتد من العالم العربي حتى وصل إلى قلب أفريقيا وقبرص دافعاً شعوبها إلى التخلص من الاستعمار. بالمقابل مضت بريطانيا في تنفيذ مساعيها لفصل الدول العربية عن مصر والتقليل من تأثير عبد الناصر ولكن دون نتيجة مؤثرة.
دعم ثورة الجزائر
عقب وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 زاد التقارب المصري الجزائري في الوقت الذي كانت فيه الجزائر تقع تحت الاحتلال الفرنسي، وتبلور هذا التقارب في دعم ومساندة مصر للثورة الجزائرية من خلال توفير أداة إعلامية قوية تحكي معاناة الشعب الجزائري مع الاحتلال في المحافل الدولية، كما قامت بدعم مشاركة وفد جبهة التحرير الوطني في فعاليات مؤتمر باندونغ عام 1955، وكذلك مساندة ودعم الثوار بالسلاح والعتاد والمال. أتى الرد الفرنسي على مصر في صورة تمكين إسرائيل من كل طلباتها من الأسلحة المتطورة خاصة بعدما ضخمت المخابرات الإسرائيلية حجم مساندة مصر للثورة الجزائرية. وجاء تأميم شركة قناة السويس التي كانت تحت إدارة فرنسية ليعطي فرنسا سبباً وجيهاً للتخطيط لهجوم عسكري انتقامي ضد مصر.
=== مشروع ألفا === مع توقيع اتفاقية الجلاء سعت كل من بريطانيا والولايات المتحدة لإيجاد تسوية عربية إسرائيلية رغبة في تأمين المصالح الغربية في الشرق الأوسط ووقف التوغل السوفييتي في المنطقة، وعرف هذا التخطيط الأنجلو-أمريكي بالاسم الرمزي «ألفا»، وشكلت لجنة من الطرفين لوضع المشروع وإخراجه إلى حيز التنفيذ، وقد رأى القائمون على المشروع أن مصر هي نقطة ارتكاز العالم العربي ولها تأثير كبير عليه وأن الدول العربية لن تشارك في التسوية إلا إذ وُجد تعاطف مصري أولاً، ولذلك من الضروري مساندة خطط مصر المستقبلية وخاصة المنح الاقتصادية وضمان الأمن وبناء السد العالي، أما بالنسبة لإسرائيل فيكون العرض وضع حد لمنع مرور السفن الإسرائيلية بقناة السويس وإنهاء حالة الحرب في المنطقة. اشترط عبد الناصر لإتمام التسوية عودة اللاجئين الفلسطينيين والتنازل عن جنوب صحراء النقب لإقامة حدود متجاورة بين مصر والأردن وذلك مقابل السلام. ولكن رفضت إسرائيل متعللةً بأن الشرط الأول سيؤدي إلى ضياع السكان اليهود وسط العرب العائدين، والشرط الثاني مرفوض لأن النقب أعطيت لها بموجب مشروع التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1947. ازدادت حدة التوتر بين البلدين بعد تكرر الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة بل وشنت هجوماً عنيفاً على سيناء أيضاً، وتشددت مصر في منع السفن البريطانية التي تحمل المهربات إلى إسرائيل وجاءت صفقة الأسلحة التشيكية لتزيد الوضع توتراً. في 9 نوفمبر 1955 صرح إيدن بأن على كل من إسرائيل والعرب تقديم تنازلات فيما يخص مسألة الحدود، وأن الحل النهائي ينبغي أن يصل إلى حل وسط لحدود جديدة تقع بين خط 1947 الذي أقرته الأمم المتحدة والذي يتمسك به العرب، والحدود القائمة التي وصلت إليها إسرائيل في حرب 1948. رحبت مصر بالبيان البريطاني في حين شنت إسرائيل حرباً ضارية عليه، وأعلن بن غوريون أن إسرائيل ستلجأ إلى القوة إذا لزم الأمر لفتح الطريق البحري إلى إيلات عبر خليج العقبة. استمرت المباحثات الأنجلو-أمريكية التي كان نصب أعينها ثلاثة موضوعات هي التسوية بين العرب وإسرائيل ومنع التغلغل الشيوعي في الشرق الأوسط والمحافظة على حلف بغداد، وهي موضوعات مثل فيها عبد الناصر عقبة رئيسية وأصبح البريطانيون ناقمين على مصر مدافعين عن إسرائيل. وبعد الإخفاق في اتخاذ أي إجراء مضاد لعبد الناصر وجهت الولايات المتحدة ضربة سحب عرض تمويل السد العالي وتبعتها في ذلك بريطانيا.
صفقة الأسلحة التشيكية
في 25 مايو 1950 صدر التصريح الثلاثي الذي وقعت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ويقضي بالمحافظة على الأوضاع العربية الإسرائيلية الراهنة سواء بالنسبة لهدنة 1949 أو للتوازن في التسليح بين الطرفين. طلبت مصر الأسلحة من الغرب عقب توقيع اتفاقية الجلاء فسوفت بريطانيا ردودها على طلبات التسليح من عبد الناصر، وأصرت الولايات المتحدة على أن ترتبط مصر بشبكة الدفاع الغربية عن الشرق الأوسط، في حين زودت العراق بالأسلحة، أما فرنسا فساومت مصر على التخلي عن شمال أفريقيا خاصة الجزائر وفي الوقت نفسه زودت إسرائيل بالسلاح. ومع قيام إسرائيل باختراق الحدود المصرية ومهاجمة قطاع غزة أصبحت فكرة التسليح مسألة ملحة وأعاد عبد الناصر طلباته مرات أخرى من الغرب دون رد، وأصبح على يقين أنه لن يحصل على الأسلحة من تلك الدول، فتوجه نحو الباب الشرقي الذي يمثله الاتحاد السوفييتي، وهدد دول الغرب بتلك الورقة إذ ربما يدفعهم إلى توريد الأسلحة المطلوبة، فهددته بريطانيا بأنه إذا استلم أي أسلحة من موسكو فلن يتلقى أي سلاح من بريطانيا، ومما زاد الموقف صعوبة موافقة اللجنة المشرفة على تنفيذ التصريح الثلاثي على إعطاء إسرائيل أسلحة جديدة بتوريد فرنسي، وكي تذر بريطانيا الرماد في الأعين قامت بإرسال أربعين دبابة سنتوريون دون ذخيرة إلى مصر، وعندما احتجت مصر شحنت لها عشر قذائف لكل دبابة لاتكفي حتى للتدريب.
على الجانب الآخر رحبت موسكو بالطلب المصري ورأت فيه فرصة لمواجهة حلف بغداد المشكل أساساً لإعاقة الاتحاد السوفييتي من التقدم جنوباً، وكذلك ظهور بوادر حلف تركي عراقي وإمكانية ارتباطه بالولايات المتحدة. ذلل الاتحاد السوفييتي مسألة دفع قيمة الأسلحة بالعملة الصعبة وأعد مشروع الاتفاقية بين القاهرة وموسكو، ونص على أن تشتري مصر أسلحة سوفيتية من بينها مقاتلات الميج وقاذفات القنابل طراز إليوشن ودبابات ستالين وغواصات ومدافع وزوارق طوربيد وعربات ميدان ونظام رادار، على أن يُسدد ثمن الأسلحة بالقطن والأرز، وحددت الفائدة 2% وفترة السداد أربع سنوات، وتقرر أن تنسب الصفقة إلى تشيكوسلوفاكيا لعدة أسباب، فعلى الجانب السوفييتي فضلت موسكو ألا تكون هناك مواجهة مباشرة مع الغرب، وعلى الجانب المصري أرادت القاهرة أن تكون في نظر العالم الخارجي أقل ميلاً لليسار لأن إسرائيل نفسها كانت تحصل على السلاح من تشيكوسلوفاكيا أثناء حرب فلسطين آملة بذلك أن يغير الغرب موقفه ويستجيب لطلبات التسليح «وهو مالم يحدث». وأعلن عن الصفقة رسمياً في 27 سبتمبر 1955. حاولت الولايات المتحدة إثناء مصر عن إتمام الصفقة فلم تنجح، وكذلك ثارت بريطانيا ورأت أن الصفقة تخالف اتفاقية الجلاء وتهدد القاعدة البريطانية وتؤدي إلى تسرب الشيوعية إلى الشرق الأوسط، وهو ما نفته مصر. اجتمع وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وأصدروا بياناً تبلور حول تجنب قيام سباق تسليح بين دول الشرق الأوسط، في إشارة إلى أن الصفقة التشيكية ستدفع إسرائيل إلى المطالبة بمزيد من الأسلحة، في حين ردت مصر بأنها بلد حرة ويحق لها أن تشتري الأسلحة ممن تريد خاصة بعد أن أخلف الغرب وعده بتوفير الأسلحة، وتكررت الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة.
=== خطة أوميجا === خطة أوميجا أو حملة أوميجا السرية هي خطة وضعتها الولايات المتحدة تحت إشراف وزير خارجيتها جون فوستر دالاس في محاولة لتحجيم نظام عبد الناصر والحد من قدراته وفعاليته وتشويه صورته أمام العالم، وذلك عن طريق محاولة الإيقاع بين مصر والسعودية لإيقاف التمويل المالي الذي توفره الأخيرة لعبد الناصر، وتدبير انقلاب موال للغرب في سوريا لتغيير النظم الموالي لعبد الناصر، وفرض عقوبات على مصر بحظر المساعدات العسكرية، وتقليص تمويل السد العالي الذي أُلغي تمويله بالكامل في وقت لاحق.
=== الضغط الإسرائيلي === أحكمت مصر الخناق على السفن الإسرائيلية في قناة السويس وخليج العقبة -بما أنها تعد نفسها في حالة حرب مع إسرائيل- ورفضت قرار مجلس الأمن الصادر في نوفمبر 1951 بالسماح للسفن الإسرائيلية بالعبور، ثم فرضت في عام 1953 حظراً شاملاً على الشحنات من وإلى إسرائيل. حاولت إسرائيل عرقلة مفاوضات اتفاقية الجلاء بعمليات تخريبية ضد المصالح البريطانية في مصر، وذلك بهدف الإبقاء على الوجود البريطاني في قاعدة قناة السويس لحمايتها وتأمينها من أي هجوم مصري، كما أثارت إسرائيل مسألة السماح لسفنها بالمرور في قناة السويس لإدراج نص في اتفاقية الجلاء يسمح لها بذلك -بما أن السلطات المصرية هي المتحكمة في مينائي الدخول إلى القناة شمالاً وجنوباً- ولكنها لم تنجح. تكررت الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة الذي كان تحت إدارة مصرية، فأعلن عبد الناصر عن صفقة الأسلحة التشيكية في سبتمبر 1955، وساد الاعتقاد في إسرائيل أن عبد الناصر يمهد لمواجهة يمحو بها إسرائيل أو على الأقل يخضعها -وذلك على الرغم من أن إسرائيل كانت تحصل على الأسلحة التي تحتاج إليها من فرنسا دون قيود- فقررت إسرائيل توجيه ضربة حاسمة لعبد الناصر لمحو تهديداته خاصة في ظل الظروف الدولية المواتية بعد تأميم قناة السويس.
السد العالي
بدأت مصر تجري محادثات مع البنك الدولي بشأن تمويل مشروع السد العالي، وحينما أُعلن عن الصفقة التشيكية وصرحت موسكو أنها ستقدم المعونة الفنية والمعدات لأي دولة عربية تطلبها على أن يتم سداد قيمتها بسلع خلال خمسة وعشرين عاماً، فزع الغرب وقرر أنه إذا كان السوفييت نجحوا في صفقة الأسلحة فلايجب أن ينجحوا في تمويل السد. وافق ذلك الاتجاه الجانب المصري الذي كان لهوفاً لبناء السد، فاختار أن يمول الغرب المشروع انطلاقاً من مبدأ التوازن ومنع أي هيمنة سوفييتية. أُعلن في 16 ديسمبر 1955 التوصل إلى اتفاق يقضي بأن يتولى البنك الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا تمويل السد بتكلفة تقديرية 1.3 مليار دولار تنقسم على مرحلتين الأولى بمبلغ 70 مليون (الولايات المتحدة 56 مليون، بريطانيا 14 مليون)، والثانية تغطى بقرض من البنك الدولي قدره 200 مليون، بالإضافة إلى 130 مليون قرض من الولايات المتحدة، و80 مليون قرض من بريطانيا، وتُدفع تلك القروض في هيئة أقساط سنوية بفائدة 5% على أربعين سنة، وباقي المبلغ تتحمله مصر بالعملة المحلية، بالإضافة إلى منحتين الأولى من الولايات المتحدة بمبلغ 20 مليون جنيه، والثانية من بريطانيا بمبلغ 5.5 مليون جنيه. اشترطت لندن وواشنطن أن تركز مصر برنامجها التنموي على السد العالي بتحويل ثلث دخلها القومي لمدة عشر سنوات لهذا الغرض، ووضع ضوابطَ للحد من التضخم ومنح عقود البناء على أساس المنافسة مع رفض قبول أي مساعدة من الكتلة الشرقية، وألا تقبل مصر قروضاً أخرى أو تعقد اتفاقيات في هذا الصدد دون موافقة البنك الدولي. استاء عبد الناصر من تلك الشروط وبعد مفاوضات وافق أن يكون للبنك حقوق معقولة في تفقد إجراءات مقاومة التضخم، وقدم عبد الناصر التعديلات التي يراها وفي مقدمتها التعهد بالتنفيذ حتى نهاية المشروع. كان لارتباط قرض البنك ببريطانيا والولايات المتحدة آثار سلبية على التنفيذ فقد أراد الطرفان إخضاع مصر لاستراتيجيتهما في الشرق الأوسط مقابل تمويل السد، وانعكس سوء العلاقات المصرية البريطانية على المشروع، ورد عبد الناصر على الأصوات التي تعالت في بريطانيا تنادي بسحب عرض التمويل انتقاماً من مصر بأن العرض السوفييتي لتمويل المشروع لايزال قائماً وأن مصر ستنظر في أمر الموافقة عليه إذا انقطعت المفاوضات مع الغرب، في حين أقدمت بريطانيا على تحريض السودان ضد السد العالي، وأصبحت الدلائل تشير إلى أن التصدع في العلاقات بين الغرب ومصر سوف يلقي بظلاله على تمويل السد، فأبلغ رئيس البنك الدولي مصر بأنها إن لم تقبل الشروط فإن الحكومة الأمريكية ستكون في حل من العرض، وتبعها إبلاغ واشنطن مصرَ بأنها أعادت إلى الخزانة المبلغ المخصص للمشروع لإنفاقه على مشروعات أخرى، ورغبة من عبد الناصر في كشف الأمور على حقيقتها طلب من السفير المصري في واشنطن التبليغ بموافقة مصر، وقبل نقل الرسالة أعلن سحب العرض الأمريكي لتمويل المشروع، وفي اليوم التالي أعلنت بريطانيا أيضاً سحب عرضها، فسقط بالتالي قرض البنك الدولي لارتباطه بمساهمة الدولتين، وكان الغرض إضعاف عبد الناصر بعد وقوفه عقبة في تحقيق الأهداف الأنجلو-أمريكية الثلاث الرئيسية في الشرق الأوسط بالإضافة إلى اعترافه بالصين الشعبية، وذلك في ظل الإشارات والدلائل على الساحة بأنه من المستبعد أن يساعد السوفييت مصر في بناء السد بسبب التكلفة الضخمة التي ستنهك مواردهم المالية.
أسباب تأميم القناة
في عام 1955 وصل دخل قناة السويس إلى 35 مليون جنيه (100 مليون دولار وقتها) بلغ نصيب مصر منها مليون جنيه فقط، وذلك بعدما خسرت مصر حصتها في القناة بسبب مرورها بأزمة مالية في عام 1875 اضطر معها الخديوي إسماعيل إلى بيع حصة مصر في أسهم القناة لبريطانيا. وكان ميعاد انتهاء عقد الشركة الفرنسية صاحبة امتياز التحكم في القناة يحين في عام 1968 لتعود بعد ذلك القناة إلى ملكية مصر. عقب توقيع اتفاقية الجلاء تخوفت الشركة الفرنسية من التأميم كما حدث بشأن النفط في إيران، فتكون ما يعرف بجماعة السويس للدفاع عن الشركة، واستبعدت الشركة أن تعود القناة إلى مصر، وحاولت مد امتياز القناة عشرين سنة أخرى أو تأسيس شركة جديدة تحصل على امتياز جديد يكون لمصر فيها نصيب، فيما أهملت الشركة تحسينات القناة التي تحتاج بطبيعة الأمر إلى تمويل كبير بهدف الضغط على مصر لتحقيق مطالبها. مثلت القناة أهمية دولية كبرى وخاصة بالنسبة لبريطانيا التي تعد أكثر الدول انتفاعاً بالقناة، حيث تنقل من خلالها النفط وتمر سفنها التجارية إلى الشرق الأوسط التي تمثل ربع تجارتها، بخلاف أهميتها كطريق لدول الكومنولث، وتسهيل مرور قواتها العسكرية، وكونها صاحبة أكبر حصة من الأسهم في القناة بإجمالي 44%، من أجل ذلك قلقت لندن بشأن وضع القناة بعد انتهاء امتيازها، وأعلنت أهمية اتخاذ الترتيبات لضمان مستقبلها بالنقاش مع الحكومة المصرية، في حين اعتبر مجلس العموم البريطاني القناة ممراً دولياً وطالب بإبعاد سيطرة عبد الناصر عنها. على جانبٍ آخرَ ركزت مصر تصريحاتها على صعيدين وأكثر من مستوى، الأول أنها سوف تحصل على النقد اللازم لتمويل السد من تأميم القناة إذا ماعدلت واشنطن ولندن عن التمويل، والثاني بأن القناة جزء لايتجزأ من مصر وأن عودة القناة لمصر جزء متمم لإسدال الستار على النفوذ الأجنبي خاصة بعد توقيع اتفاقية الجلاء، في حين لم يكشف عبد الناصر وقتاً محدداً للتأميم، وخطط بالاتفاق مع محمود يونس على التنفيذ في سرية تامة.
=== التوقعات المصرية === توقع عبد الناصر خطورة قراره وأدرك إمكانية وقوع عدوان على مصر لكنه وضع في اعتباره أن السوفييت سيكونون بجواره طالما يطيح بمصالح الغرب، ووضحت له اتصالاته في قبرص رؤية نسبية بأن الخطورة تمثل 90% عقب أسبوعين من إعلان التأميم، ثم يكون العد تنازلي لانخفاض درجة الخطورة فتصل إلى 60% في سبتمبر، ثم 40% في النصف الأول من أكتوبر، و20% بعد ذلك. كان تقدير عبد الناصر أن احتمال التدخل العسكري سيكون محققاً بنسبة 80% خلال الأسبوع التالي للتأميم، ثم تتناقص احتمالات الخطورة إلى 40% في الأسبوع الثاني والثالث من أغسطس، وخلال سبتمبر وحتى نهاية أكتوبر يكون بنسبة 20%، ثم يبدأ بالتلاشي بعد ذلك. كذلك رأى عبد الناصر أن احتمال اشتراك الولايات المتحدة في عمل عسكري مستبعد لانشغالها بالانتخابات كما أنها تفضل الضغط الاقتصادي، ولاتريد وضع نفسها في وضع محرج أمام أطراف عربية صديقة في المنقطة أبرزها السعودية، أما فرنسا فهي لاتستطيع التدخل بمفردها لانشغالها بقمع ثورة الجزائر، وبالنسبة لإسرائيل فقد تفكر في التدخل العسكري، ولكن مسألة التأميم بعيدة عما يمكن أن تتخذه ذريعة لهجومها، وأن من مصلحتها انتظار ما سيقوم به الغرب ضد مصر أولاً، واحتمال استخدامها من قبل بريطانيا وفرنسا كذريعةٍ للاستيلاء على القناة بالقوة ضعيف، لأن مثل هذا التعاون سيلقي بظلال سيئة على علاقة بريطانيا بالدول العربية في الوقت الذي كانت تطمح فيه إلى بناء علاقات طيبة مع تلك الدول. وأخيراً فإن بريطانيا هي الطرف الأكثر شراسة الذي يُخشى من تدخله فعلاً، ولكن في نفس الوقت فإن القوات البريطانية متناثرة، والتعبئة لإعداد حملة عسكرية يتطلب على الأقل شهرين، وفيما يتعلق بالتعاون العسكري البريطاني الفرنسي فهو قائم حتى مع اختلاف سياسة البلدين.
إعلان قرار التأميم
من ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 يوليو 1956 أعلن عبد الناصر:«"قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية".باسم الأمة.رئيس الجمهورية.مادة 1: تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية. وينتقل إلى الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات وتُحل جميع الهيئات واللجان القائمة حالياً على إدارتها.». وكان قد سبقها بلفظ الاسم الحركي «دي لسبس» وهو الذي كان ينتظر سماعه محمود يونس على أثير الإذاعة للبدء في تنفيذ عملية التأميم كما اتفق عليه مسبقاً. تضمن قرار عبد الناصر ما يترتب على التأميم من إجراءات أهمها تعويض المساهمين بقيمة الأسهم مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق عن تاريخ إعلان القرار في بورصة الأوراق المالية بباريس، وأن تدفع تلك التعويضات بعد إتمام تسليم جميع ممتلكات الشركة للدولة. اعتبرت بريطانيا بقرار التأميم أن عبد الناصر وضع إبهامه على قصبتها الهوائية، وأنه بذلك يهدد الحياة الاقتصادية في أوروبا ويجب معاقبته وإعادة القناة حتى لو لزم الأمر استخدام القوة، ووجدت الحكومة البريطانية تعاوناً وثيقاً من نظيرتها الفرنسية ليس فقط انتقاماً من تأميم الشركة الفرنسية، ولكن رغبة في محو عبد الناصر -الذي يقدم دعماً مادياً ومعنوياً لثوار الجزائر- من الوجود، أما الولايات المتحدة فرغم امتعاضها من قرار التأميم إلا أنها لم تؤيد التوجه الأنجلو-فرنسي لاعتبارات كثيرة أبرزها أن القناة لاتؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي كما هو الحال لأوروبا، كما أنه لم يكن لها حصص في أسهم الشركة الفرنسية، بالإضافة إلى انشغالها بالانتخابات الرئاسية.
الإجراءات الاقتصادية ضد مصر
شكلت في بريطانيا لجنة من الوزراء تتولى توجيه دفة سياسة القوة برئاسة رئيس الوزراء عرفت باسم «لجنة مصر»، والتي ارتأت أن أي عمل عسكري ضد مصر كفيل بإسقاط عبد الناصر، وتطرقت لاقتراح رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد بتمكين الأمير عبد المنعم ابن الخديوي عباس حلمي الثاني من الحكم كبديل لعبد الناصر، وأن يكون رئيس وزرائه أحمد مرتضى المرغني «وزير الداخلية في أواخر العهد الملكي». في صخب تلك التحركات فرضت بريطانيا عقوباتٍ اقتصاديةً على مصر، فجمدت أرصدتها الإسترلينية في لندن وعليه قُيدت مصر لأن معظم تجارتها تجري بالصرف بالإسترليني باستثناء جانب صغير يستخدم فيه الدولار وجزء آخر بالمقايضة مع الكتلة الشيوعية، كذلك منعت بريطانيا شحن البضائع إلى مصر، وفرضت الرقابة على جميع حسابات البنوك المصرية لديها، ومنعت تسليم ذهب شركة قناة السويس وودائعها إلى مصر إلا بترخيص من وزارة المالية البريطانية، وامتنعت بريطانيا وفرنسا عن دفع رسوم عبور القناة وأودعتاها لدى مصارفهما، وحذت الولايات المتحدة حذو بريطانيا وجمدت أرصدة مصر الدولارية لديها، وحظرت بريطانيا تصدير الأسلحة والمعدات إلى مصر رسمياً.
الإجراءات الدبلوماسية ضد مصر
مؤتمر لندن
قررتِ الدول الثلاث (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا) تعبئة الرأي العام الدولي ضد مصر، وفي 2 أغسطس 1956 اجتمع وزراء خارجية الدول الثلاث وأصدروا بياناً استعرض الطابع الدولي لشركة قناة السويس وأحكام اتفاقية القسطنطينية التي ضمنت حرية الملاحة في القناة دون تمييز وأن مصلحة العالم في بقاء الصفة الدولية لها بصرف النظر عن انقضاء مدة الامتياز، وأن الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية تهدد حرية الملاحة وأمن القناة مما يجعل من الضروري إنشاء نظام دولي لإدارة القناة وضرورة إقامة مؤتمر في 16 أغسطس 1956 تُدعى إليه الدول المنتفعة من القناة، وهي الدول التي وقعت على معاهدة القسطنطينية أو التي حلت محلها في الحقوق والالتزامات. تولت بريطانيا تنظيم المؤتمر في لندن فدعت الدول التسع الموقعة على اتفاقية القسطنطينية وهي (المملكة المتحدة، ألمانيا (ممثلةً للإمبراطورية الألمانية)، النمسا والمجر (ممثلتا الإمبراطورية النمساوية المجرية)، إسبانيا، فرنسا، إيطاليا، هولندا، الاتحاد السوفييتي (ممثلاً للإمبراطورية الروسية)، تركيا (ممثلة للدولة العثمانية)) كما وجهت الدعوة لستة عشر دولة أخرى معنية باستخدام الملاحة في القناة وهي (أستراليا، نيوزلندا، إندونيسيا، اليابان، سيلان، الهند، باكستان، إيران، اليونان، السويد، النرويج، الدانمارك، البرتغال، أثيوبيا، الولايات المتحدة) بالإضافة إلى مصر. وكان جلياً أن اختيار تلك الدول جاء لأنها محابية للغرب، ولم تدع الدول العربية رغم أنها المورد الأساسي للنفط، وكذلك دول الكتلة الشرقية لموقفها المتعاطف مع مصر. ورفضت الحكومة اليونانية الاشتراك في المؤتمر، ووافقت الهند على الاشتراك بشرط ألا يمس اشتراكها الحقوق والسيادة المصرية، ولايتخذ المؤتمر أي قرار نهائي إلا بموافقة مصر، ووافقت الحكومة السوفييتية مع المطالبة بتوجيه الدعوة إلى مجموعة أخرى من الدول منها الدول العربية والدول الاشتراكية، أما الحكومة المصرية فرفضتِ الاشتراك في مؤتمر يبحث السيطرة على جزء من أراضيها ودعي له أربع وعشرون دولة من أصل خمسة وأربعين دولة لها حق الحضور -وهي الدول التي تمر سفنها بالقناة-. انعقد المؤتمر فيما بين 16 و23 أغسطس 1956، وانتهى إلى تأييد المشروع الأمريكي المقدم بأغلبية الأصوات، والذي تضمن اقتراحاً بإقامة مجلس دولي يقوم على إدارة القناة، وعارضت هذا المشروع كل من الهند والاتحاد السوفييتي وإندونيسيا وسيلان، وجرى عرض المشروع على مصر عبر لجنة خماسية برئاسة «روبرت منزيس» ورفضه عبد الناصر.
==== إعاقة الملاحة ==== حاولت فرنسا وبريطانيا الرد على عبد الناصر بالشروع في تنفيذ «العملية تكديس» (الإنجليزية: Operation Pile-Up) التي تهدف إلى إعاقة حركة الملاحة بالقناة، عن طريق إرسال سفن للمرور بالقناة فوق طاقتها المرورية، وفي نفس الوقت سحب المرشدين الأجانب لإثبات فشل مصر في إدارة القناة والحصول على فرصة للتدخل المسلح، ولكن تمكن محمود يونس -مهندس عملية التأميم- من إدارة حركة الملاحة بكفاءة واقتدار، بمساعدة المرشدين المصريين واليونانيين وضباط البحرية المصرية. كذلك شرعت بريطانيا وفرنسا في تنفيذ «العملية قافلة» (الإنجليزية: Operation Convoy) والتي قامت على أساس وضع سفن حربية عند طرفي القناة وتنظيم قوافل للمرور دون دفع رسوم، فإذا أعاقت مصر مرورها تقوم السفن الحربية بقيادة القافلة والمرور بالقوة، لكن السلطات المصرية رفضت تعطيل الملاحة وسمحت للقوافل بالمرور دون دفع رسوم، على أن تحصل الرسوم لاحقاً عبر إرسال الإيصالات إلى الشركات مالكة السفن.
هيئة المنتفعين
لمنع وصول رسوم القناة إلى مصر وجهت بريطانيا الدعوة إلى الدول الثماني عشر -دول مؤتمر لندن- لإنشاء هيئة جديدة باسم هيئة المنتفعين تكون بمثابة شركة جديدة للقناة تعمل بالوكالة عن المنتفعين وتمارس عنهم الحقوق التي كفلتها لهم معاهدة القسطنطينية، وفي حالة إصرار مصر على الرفض، تُقيم الهيئة على ظهر سفينتين بمدخل ومخرج القناة (بورسعيد والسويس)، وتحصل رسوم المرور وتدفع إلى مصر حصتها، وفي حالة رفض مصر مرور السفن تكون في حل من استخدام القوة ضدها. وانعقد مؤتمران في لندن في 19 و22 سبتمبر لوضع اللمسات الأخيرة لتلك الهيئة، واتخذت من لندن مقراً لها، وعين قنصل الدانمارك في نيويورك مديراً لها، وأنيط بالهيئة الوصول إلى حل نهائي للمشكلة القائمة، ومساعدة الأعضاء على ممارسة حقوقهم، وضمان الملاحة الآمنة، وأن تتسلم وتحتفظ وتنفق الإيرادات المتحصلة من رسوم القناة مع عدم المساس بالحقوق القائمة انتظاراً للتسوية النهائية، ولكن لم تمارس الهيئة مهامها في ظل المعارضة السوفييتية، واعتراض الولايات المتحدة على دفع الرسوم لها واستمرار الخلاف بين أعضائها.
==== اللجوء إلى مجلس الأمن ==== في 23 سبتمبر سلمت كل من بريطانيا وفرنسا خطاباً رسمياً إلى رئيس مجلس الأمن يتضمن الموقف الناشئ عن العمل الذي قامت به الحكومة المصرية، وفي 24 سبتمبر طلبت مصر بحث شكواها تجاه ما تقوم به بريطانيا وفرنسا ضدها من أعمال. وأصدر مجلس الأمن قراره في 13 أكتوبر 1956 والذي كان حول مشروع بريطاني فرنسي تكون من قسمين، تضمن القسم الأول مبادئ ستة تكون أساساً للمفاوضات التي تجرى مستقبلاً لتسوية الأزمة وهي (تكون حرية العبور مكفولة والقناة مفتوحة للجميع دون أي تمييز، أن تحترم سيادة مصر، تعزل القناة عن السياسة، تحدد الرسوم بين مصر ومستخدمي القناة بطريقة يتفق عليها، تخصص نسبة عادلة من الرسوم لإنماء القناة والنهوض بها وتشغيلها، عند حدوث أي نزاع بين شركة قناة السويس والحكومة المصرية فيما يختص بالشئون المعلقة يحل هذا النزاع بطريقة التحكيم) وحاز على موافقة بإجماع الأصوات الأحد عشر، أما القسم الثاني فتضمن الاعتراف بهيئة المنتفعين، وأن تبقى القناة مفتوحة أمام جميع السفن مهما كانت جنسيتها -في إشارة إلى السفن الإسرائيلية-، إلا أنه لم يفز حين الاقتراع عليه إلا بتسعة أصوات واعتراض صوتين هما الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا والأولى لها حق الفيتو، وعليه أسقط القسم الثاني من مشروع القرار، وأمام فشل السياسة الأنجلو-فرنسية في تحقيق مآربها عن طريق الضغط الدبلوماسي، قررت سلوك طريق القوة العسكرية المدبر له مسبقاً.
التخطيط
ظهرت أولى خطط التخطيط العسكري ضد مصر حتى قبل تأميم القناة تحت اسم "ستوكبايل (الإنجليزية: Stockpile)" وكانت خطة أمريكية إسرائيلية لتزويد إسرائيل بالسلاح الذي يمكنها من توجيه ضربة عسكرية ضد مصر في الوقت المناسب، ولكن أٌرجأت لتغير الأوضاع بعد تأميم القناة ودخول أطراف جديدة على خط الصراع. بعد التأميم وضعت بريطانيا اسم مبدئي لخطتها العسكرية ضد مصر هو "هاميلكار (الإنجليزية: Hamilcar)" ووضعت على أساس الخطة 700، وكانت عملياتها في بادئ الأمر موجهة نحو الإسكندرية. في نفس الوقت كانت فرنسا وإسرائيل تعدان خطتهما المشتركة لعمل عسكري ضد مصر اختير له الاسم "فارس أو موسكتير (الإنجليزية: Operation Musketeer) (الفرنسية: Opération Mousquetaire)"، ولكن بعد تنسيق العمليات العسكرية بين بريطانيا وفرنسا اختير الاسم «فارس أو موسكتير» لسهولة نطقه باللغتين الإنجليزية والفرنسية على خلاف «هاميلكار» الذي ينطق بطريقة مختلفة بالفرنسية، وفي ذلك الوقت رفضت بريطانيا دخول إسرائيل في العمليات المشتركة تفادياً لإثارة الرأي العربي والدولي ضدها، وكانت عمليات الخطة لاتزال موجهة نحو الإسكندرية. من جانبها أعدت إسرائيل خطة منفردة للتدخل تحسباً لأي احتمالات أطلق عليها «قادش» كانت تعمل عليها منذ عقدت مصر صفقة الأسلحة التشيكية. مع علم مصر بالخطة الموجهة ضدها بدأت القوات المصرية تتخذ مواقعها في الإسكندرية، فعُقدتِ اجتماعات في لندن لبحث تلك التطورات تقرر خلالها زيادة القوات عن طريق إشراك إسرائيل في العمليات العسكرية، وتغيير موقع الهجوم من الإسكندرية إلى بورسعيد، وأصبح اسم العملية موسكتير المعدلة أو الفرسان الثلاثة على أن تقوم إسرائيل بعمليات واسعة النطاق ضد الأردن لتضطر مصر إلى التدخل لمساندة الأردن، وتعمل القوات الإسرائيلية على الوصول بالنزاع المسلح إلى قرب حدود الضفة الشرقية ليبدأ حينها التدخل الأنجلو-فرنسي. في 10 أكتوبر هاجمت القوات الإسرائيلية مركز قلقيلية الأردني وأدى الهجوم إلى مقتل 48 أردني، إلا أن مصر لم تتورط في المعركة كما كان متوقعاً. عقب عقد معاهدة سيفرز تقرر أن تهاجم إسرائيل سيناء ويكون هدفها الرئيسي الوصول إلى مشارف القناة لتعطي القوات الأنجلو-فرنسية مبرراً للهجوم، ووضعت القوات المتحالفة تحت قيادة السير تشارلز كيتلي «قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط» وعين الأدميرال بيير بارجو «قائد القوات الفرنسية» نائباً له.
بروتوكول سيفرز
اجتمعت القيادات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية سراً في قرية سيفرز بإحدى ضواحي باريس في الفترة من 22 إلى 24 أكتوبر 1956 لتنظيم رد عسكري على مصر. مثل الجانب الفرنسي جي موليه، كريستيان بينو، بورجيس مونوري، ومثل الجانب الإسرائيلي دافيد بن غوريون، شيمون بيريز، موشيه دايان، أما الجانب البريطاني فمثله سلوين لويد وممثلون عن وزارة الخارجية في مرحلة أخرى من المفاوضات وهما باتريك دين، ودونالد لوجان، وأقرت خطة الحملة العسكرية على مصر أو ما سمي «بروتوكول سيفرز أو سيفر» كالتالي:
بعد ظهر يوم 29 أكتوبر 1956 تقوم القوات الإسرائيلية بهجوم واسع النطاق على القوات المصرية بهدف الوصول إلى قناة السويس في اليوم التالي. في يوم 30 أكتوبر 1956 تقوم حكومتا بريطانيا وفرنسا بتسليم حكومتي مصر وإسرائيل طلباً قائماً على البنود الأساسية التالية: إلى حكومة مصر وقف مطلق لإطلاق النار. انسحاب جميع القوات إلى بعد 10 أميال من قناة السويس. قبول احتلال القوات البريطانية والفرنسية للمواقع الرئيسية على القناة من أجل تسهيل الملاحة لكل سفن العالم وإلى أن يتم التوصل إلى ترتيبات نهائية. إلى حكومة إسرائيل انسحاب قواتها إلى بعد 10 أميال شرق قناة السويس. يتم إبلاغ الحكومة المصرية بقبول مصر فإذا اعترضت إحدى الدولتين أو لم تعلن قبولها خلال 12 ساعة فللقوات الفرنسية والإنجليزية اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تنفيذ مطالبهما. لن يطلب من إسرائيل تنفيذ الطلب المقدم إليها في حالة رفض مصر. في حال رفضت مصر تشن عليها القوات الفرنسية والبريطانية هجوماً صباح يوم 31 أكتوبر 1956. ترسل إسرائيل قواتها للاستيلاء على خليج العقبة ومضايق تيران وصنافير لتأمين الملاحة. لن تهاجم إسرائيل الأردن خلال عملياتها ضد مصر فإذا هاجمت الأردن إسرائيل فسوف تقف بريطانيا إلى جانب الأردن.

