شكّل حصار مافيكينغ معركة استمرت 217 يومًا للسيطرة على بلدة مافيكينغ (التي تُعرف اليوم باسم ماهيكنغ) في جنوب أفريقيا خلال حرب البوير الثانية من أكتوبر 1899 حتى مايو 1900. نال الحصار اهتمامًا كبيرًا لوجود اللورد إدوارد سيسيل، نجل رئيس وزراء بريطانيا، داخل البلدة المحاصرة، إلى جانب الليدي سارة ويلسون، ابنة دوق مارلبورو وعمة ونستون تشرشل. أدّى الحصار إلى تحويل القائد البريطاني، العقيد روبرت بادن-باول، إلى بطل قومي. وعلى الرغم من أن فك الحصار عن مافيكينغ لم يحمل أهمية عسكرية كبيرة، لكنه شكّل دفعة معنوية للبريطانيين الذين كانوا يواجهون صعوبات كبيرة.
== مقدمة == قُبيل اندلاع حرب البوير الثانية عام 1899، أرسل اللورد وولسلي، القائد العام للجيش البريطاني، العقيد روبرت بادن-باول وعددًا قليلًا من الضباط إلى مستعمرة الكاب، بعدما فشل في إقناع الحكومة البريطانية بإرسال قوات إلى المنطقة. كُلّف بادن-باول بتشكيل فوجين من فرسان البنادق في روديسيا، بهدف إنشاء قوة سريعة الحركة على حدود جمهوريتَي البوير، ترانسفال ودولة الأورانج الحرة. على غرار الحكومة البريطانية، أبدى الساسة في جنوب أفريقيا تخوفهم من أن تؤدي أي تحركات عسكرية إلى استفزاز البوير؛ لذلك زُوّد الضباط البريطانيين بالبنادق والذخيرة فقط، من دون مدفعية أو خيول، وهي عناصر كانت تُعد في ذلك الوقت ضرورية لأي قوة متحركة. نتيجة لذلك، تقرر الحصول على المؤن والنقل والتجنيد بشكل سري. وعلى الرغم من أن الفوجين أُنشئا في روديسيا، فقد اختار بادن-باول بلدة مافيكينغ لتخزين المؤن نظرًا لموقعها القريب من الحدود، ولوقوعها على خط السكك الحديدية بين بولاوايو وكيمبرلي، إضافة لكونها مركزًا إداريًا محليًا. وتوفّرت فيها كميات جيدة من الغذاء واللوازم الأخرى. لكن كانت مافيكينغ معزولة ومكشوفة وقريبة من مناطق سيطرة البوير. وبالرغم من أن أوامر بادن-باول نصّت على قيادة قوة متحركة من الفرسان، قرر تثبيت نصف قواته للدفاع عن مافيكينغ ضد أي هجوم متوقّع. كان معظم المجندين من قِبل بادن-باول من غير المدربين، وقد أدرك التفوق العددي الكبير للبوير، إضافة إلى تكتيكاتهم في حرب العصابات وفشل غارة جيمسون السابقة. لذلك، ارتأى أن الطريقة المثلى لتقييد تحركات البوير تكون بالدفاع لا بالهجوم. بدءًا من أغسطس 1899، شرع في التجنيد سرًّا لتفادي ردود الفعل السياسية، وكان العديد من المجندين غير معتادين على ركوب الخيل، ما جعلهم غير ملائمين لقوة متحركة. أما القوات التي بقيت خارج البلدة المحاصرة، فقد كانت مدرّبة جيدًا، وتمتلك خيولها، ونجحت في أداء دورها المتنقل بكفاءة. بلغ عدد القوات المدافعة عن مافيكينغ نحو 2000 مقاتل، منهم حوالي 500 من فوج الحماية، و300 من بنادق بيتشوانالاند وشرطة الكاب، و300 آخرون من سكان البلدة. سلّح الحصن البريطاني 300 من السكان الأصليين الأفارقة ببنادق، وأُطلق عليهم لقب «الحرس الأسود» واستُخدموا لحراسة المحيط. قبيل الحصار، شكّل اللورد إدوارد سيسيل «فيلق أشبال مافيكينغ» من فتيان تراوحت أعمارهم بين 12 و15 عامًا، أدّوا دور سعاة وخدم، ما أتاح زيادة عدد الرجال من أجل القتال، ويُعتقد أن هذه المجموعة كان لها دور في تأسيس الكشافة لاحقًا.
== الحصار == بدأت أعمال التحصين حول محيط البلدة الذي بلغ طوله 10 كيلومترات في 19 سبتمبر 1899. وجُهّزت البلدة في النهاية بشبكة واسعة من الخنادق ومواقع المدافع. أعلن رئيس جمهورية البوير في جنوب أفريقيا، بول كروغر، الحرب في 12 أكتوبر 1899. وبأمر من الجنرال بيت كرونجي، قٌطعت خطوط السكك الحديدية والتلغراف المؤدية إلى مافيكينغ في اليوم نفسه، وبدأ الحصار فعليًا في 13 أكتوبر. تعرضت مافيكينغ لأول قصف مدفعي في 16 أكتوبر، بعد تجاهل القادة البريطانيين لمهلة التسليم التي حددها كرونجي في الساعة التاسعة صباحًا. رغم التفوق العددي الدائم لقوات البوير، فقد صمدت الحامية البريطانية 217 يومًا، على خلاف توقعات الساسة من الجانبين. في الواقع، لم يكن هناك خطر كبير على البوير من إبقاء بادن-باول محاصرًا في البلدة، إذ كان عدد القوات النشطة في الحصار قليلًا في معظم الأوقات. بلغ عدد قوات البوير في بعض الأوقات أكثر من 8000 مقاتل، واستُقدمت مدفعية إضافية لفترة قصيرة، غير أن معظمهم كانوا يمرّون بالمعسكر الحاصر فقط. سيطر البوير على السكك الحديدية والطرق المحيطة بالبلدة، واستخدموا المعسكر كنقطة انطلاق. بقي بادن-باول داخل البلدة رغم الأوامر المتكررة بالخروج، وحتى بعدما اضطر لأكل خيوله الخاصة، ظلّ يملك القدرة على الاختراق، لكنه كان بحاجة إلى قاعدة ينطلق منها. رغم قلة الجنود وعدم توفر المدفعية الحديثة، فقد نجح المدافعون في إبقاء نحو 8000 مقاتل من البوير بعيدين عن جبهات قتال أخرى في ناتال ودولة الأورانج الحرة. يرى بعض الكتّاب أن ذلك نُسب إلى خُدع ابتكرها بادن-باول. وُضعت ألغام مزيفة حول البلدة في مرأى البوير وجواسيسهم داخل البلدة، وأُمر الجنود بمحاكاة تجنّب أسلاك شائكة غير موجودة أثناء تنقلهم بين الخنادق، حُركت المدافع وكشاف ضوء (صُنع من مصباح أسيتيلي وصفيحة بسكويت) لإعطاء انطباع بوجود عدد أكبر من الأسلحة. صُنعت مدفعية هاوتزر في ورش سكك الحديد بالبلدة، واستخدم حتى مدفع قديم يعود لعام 1770 وكان يحمل صدفة نقش «B.P. & Co.». لاحظ القادة البريطانيون أن البوير لم يزيلوا أيًا من القضبان، فأُرسل قطار مصفّح من ساحة سكة الحديد في مافيكينغ، محمّل بالقناصة ومسلّح ببنادق «مارتيني-هنري مارك 4»، في هجوم جريء إلى قلب معسكر البوير، ثم عاد إلى البلدة. لكن الخسائر جعلت هذا الهجوم المحاولة الوحيدة من بادن-باول، وأثارت التساؤلات مجددًا حول سبب عدم قيامه بمحاولة اختراق. اضطر بعض الجنود البريطانيين إلى التنكر في زي نساء للقيام بأنشطة عادية مثل جلب الماء أو الحياكة لتضليل العدو. حظي الوضع المعنوي للسكان المدنيين باهتمام خاص، وكان هناك تفاوض على هدنات كل يوم أحد لإقامة أنشطة رياضية، ومسابقات، وعروض مسرحية. من أبرزها مباريات الكريكيت التي أُقيمت أيام الأحد. في البداية، أزعجت هذه المباريات القائد الجديد للبوير، الجنرال يعقوبوس فيليبس سنايمان، الذي خلف كرونجي، وهدّد بإطلاق النار على اللاعبين إن واصلوا اللعب. لاحقًا تراجع عن موقفه بل ودعا البريطانيين للعب. ردّ عليه بادن-باول بقوله إن عليه أولًا إنهاء المباراة الحالية، وكان سجل النقاط حينها «200 يوم من دون خسارة». ومثل حصار كيمبرلي القريب، رأت قوات البوير أن البلدة محصنة بشدة ولا يمكن السيطرة عليها. في 19 نوفمبر 1899، أُعيد نشر 4000 من قوات البوير في أماكن أخرى، لكن استمر الحصار وقصفت البلدة. وعندما علم البوير بقرب وصول قوات بريطانية لفك الحصار، شنّوا هجومًا نهائيًا في الساعات الأولى من 12 مايو، وتمكّنوا من اختراق الدفاعات وإشعال النار في أجزاء من البلدة، لكنهم رُدّوا في النهاية.

