Military operations· العصور الوسطى· 1342 – 1342

حصار أنبون

حِصَار أَنْبُون، جُزء من حَرْب الخِلَافَة البِرْطَانِيَّة

حِصَار أَنْبُون () (الفرنسية: Siège d'Hennebont) حصار عسكري فرضته قوات شارل البلوي على ميناء أنبون المُحصَّن الذي كان تحت قيادة جان الفلمنكية. بين أواخر شهر أيار وأواخر شهر حزيران عام 1342م. حصار أنبون جزءٌ من حرب الخلافة البرطانية، وهي حرب خلافة اندلعت في العام السابق بين مدعيين للحق في دوقية برطانية. وتداخلت الحرب مع حرب المائة عام الدائرة بين مملكة فرنسا ومملكة إنجلترا؛ إذ كان فيليب السادس ملك فرنسا يدعم ابن أخيه شارل البلوي، في حين وعد إدوارد الثالث ملك إنجلترا بتقديم الدعم العسكري لجان، زوجة المدعي المنافس جون المُنْفُورِيّ. وكانت هدنة سارية بين فرنسا وإنجلترا عند بدء الحصار، إلا أنها انتهت في حزيران. اجتاح الجيش الفرنسي بقيادة شارل شرق برطانية وتمكن من أسر جون المنفوري، مما دفع جان لتولي القيادة وتركيز كافة مواردها وقواتها في أنبون. تحرك شارل نحو البلدة، في أواخر شهر أيار عام 1342. وفور وصوله، تقدم جزء من جيشه دون أوامر وهاجموا بعض المدافعين عن البلدة الذين كانوا متجمعين خارج بوابتها. تلا ذلك انخراط المزيد من القوات في هذا القتال قبل أن يُجبر الفرنسيون على التراجع في انسحاب فوضوي. لاحق مقاتلو منفور القوات الفرنسية المنسحبة، مما أسفر عن سقوط العديد من الضحايا وحرق المعسكر الفرنسي. بعد يومين، شن الفرنسيون سلسلة من الهجمات الأكثر تنظيماً وتخطيطاً، إلا أنها رُدّت جميعاً. إثر ذلك، تحركت القوة الفرنسية الرئيسية إلى موقع آخر، تاركةً مفرزة عسكرية لمحاولة تجويع البلدة وإجبارها على الاستسلام. وفي أواخر شهر حزيران، غادرت هذه المفرزة أيضاً بعد أن وصلت قوة إنجليزية صغيرة عبر البحر لتعزيز دفاعات البلدة. وعاد شارل مجدداً في شهر تموز بعد حصوله على تعزيزات قوية؛ مما دفع المنفوريين إلى إخلاء أنبون وإعادة الانتشار في مناطق أبعد نحو الغرب، آملين في وصول تعزيزات إنجليزية إضافية.

== الخلفية التاريخية == كانت برطانية مقاطعة تابعة لمملكة فرنسا. ومع أن دوقات برطانية كانوا تابعين للملوك الفرنسيين، إلا أنهم أداروا الدوقية باستقلال. ومع ذلك، عندما اندلعت حرب المائة عام في عام 1337 بين مملكة فرنسا ومملكة إنجلترا، حارب دوق برطانية، جون الثالث، إلى جانب سيده الإقطاعي ملك فرنسا، فيليب السادس. توفي جون في 30 من شهر نيسان عام 1341، مخلفاً وراءه نزاعاً على الخلافة؛ فقد طالب أخوه الأصغر غير الشقيق جون المنفوري بالدوقية، وكذلك طالبت ابنة أخيه جان البنتيفرية. كانت جان متزوجة من شارل البلوي، وهو نبيل فرنسي يتمتع بنفوذ وعلاقات واسعة وخبرة عسكرية، وكان أيضاً ابن أخ الملك فيليب. ومع أن جون كان يمتلك حجة قانونية أقوى، إلا أن الطبقة الأرستقراطية ورجال الدين لم يكونوا يعرفون عنه الكثير وفضلوا شارل بأغلبيتهم، بينما كان دعم جون بالأساس من الطبقات الدنيا في الريف، والبرجوازية في المدن. استولى جون على معظم المواقع المحصنة في برطانية ابتداءً من أوائل شهر حزيران 1341، وبحلول منتصف شهر آب كان قد أثبت أحقيته بالدوقية تقريباً. تجاهل الملك فيليب الموقف في البداية، ولكن بعد أن ساورته شكوك صحيحة في أن جون يتفاوض مع الإنجليز، أعلن شارل وريثاً شرعياً في 7 أيلول. كان الملك الفرنسي يفضل فكرة أن يكون الدوق الجديد قريباً له، لأن ذلك سيجعل المقاطعة ذات الحكم شبه الذاتي تقليدياً تحت السيطرة الملكية المباشرة أكثر حزماً مما سبق، وكان مستعداً لتخصيص موارد عسكرية كبيرة لتحقيق ذلك، فأرسل جيشاً بقيادة ابنه الأكبر، جون دوق نورماندي لدعم شارل، مما أدى إلى اندلاع حرب الخلافة البرطانية.

التدخل الفرنسي والإنجليزي

اجتاح الجيش الفرنسي كامل شرق برطانية باستثناء رين خلال الأشهر الستة التي تلت شهر أيلول 1341، وتمكن من أسر جون المنفوري؛ إذ استسلم جون بعد أن منحه جون، دوق نورماندي، وثيقة أمان تضمن ذهابه إلى باريس وعودته منها، ورافقه بنفسه إلى العاصمة. وفي باريس، عرض الملك فيليب على جون التنازل عن جميع مطالبه في برطانية وممتلكاته فيها لصالح شارل البلوي مقابل راتب سنوي وأراضٍ في فرنسا. رفض جون هذا العرض، وعلى إثر ذلك سحب فيليب وثيقة الأمان التي منحه إياها ابنه، وأمر بسجنه. عندما وصلت أنباء أسر جون، كانت زوجته جان في رين برفقة ابنهما البالغ من العمر عامين والذي سُمي جون أيضاً، وكانت الخزانة الدوقية بحوزتها. ويصفها المؤرخون المحدثون بأنها كانت قائدة مفعمة بالحيوية والفعالية؛ إذ تصرفت بحزم وروح هجومية، فاستدعت الجيش الميداني من غرب برطانية، ودمجته مع بعض القوات الموجودة في رين، وتولت قيادتها بنفسها. ثم استولت على بلدة ردون وانتقلت بعدها إلى أنبون، وهي بلدة صغيرة محصنة بأسوار قوية وتتمتع بمنفذ بحري. ومن هناك، حافظت جان على سيطرتها على معظم غرب برطانية، ونصبت ابنها الرضيع رمزاً للقضية المنفورية ووريثاً لمطالب والده بالدوقية. كانت حرب المائة عام بين مملكتي فرنسا وإنجلترا قد بدأت منذ خمس سنوات عندها؛ ولذلك أرسلت جان كبير مستشاريها، أماوري كليسون، إلى إدوارد الثالث في إنجلترا مصحوباً بمبلغ مالي كبير لتشجيع التدخل العسكري الإنجليزي. وسرعان ما حظيت القضية المنفورية بدعم إدوارد الثالث بوصفها جزءاً من صراعه المستمر مع فرنسا. وكانت هذه بداية الاستراتيجية الإقليمية لإدوارد، التي انحاز بموجبها إلى خصوم أتباع فيليب الفرنسيين في نزاعاتهم معه؛ إذ عزز هذا التوجه ادعاء إدوارد بأنه الملك الشرعي لفرنسا، كما وفر له حلفاء عسكريين محتملين. أتيحت لإدوارد من الناحية الاستراتيجية فرصة تنصيب حاكم في برطانية يكون خاضعاً لنفوذه، ولو جزئياً، مما يتيح له الوصول إلى الموانئ البرطانية، ما كان من شأنه دعم الحرب البحرية الإنجليزية وتوفير موطئ قدم مناسب للجيوش الإنجليزية في فرنسا. ومع ذلك، استغرقت التعزيزات الإنجليزية وقتاً طويلاً للوصول إلى برطانية، ويعود ذلك جزئياً إلى سريان هدنة "إيسبليشين" بين المملكتين. فمع أن الهدنة أوقفت القتال رسمياً، ومنعت كلا البلدين من حشد جيوشهما الميدانية الرئيسة، إلا أن الطرفين لم يلتزما بها التزاماً كاملاً. وكان من المقرر أن تنتهي صلاحيتها في يوم 24 من شهر حزيران عام 1342.

== الحصار == تحرك شارل نحو رين، فألقى السكان هناك القبض على القائد الذي عينته جان وسلموا المدينة للجيش الفرنسي، في 15 نيسان. وبعد فترة وجيزة، وصلت قوة إنجليزية صغيرة قوامها 234 رجلاً بقيادة السير والتر ماني إلى بريست في غرب برطانية؛ حيث أُرسلوا قبل القوة الإنجليزية الرئيسية لتأمين حاميات الموانئ البرطانية الرئيسة. ويُرجح أن ماني كان يتلقى أوامر بعدم مهاجمة القوات الفرنسية إلا بعد انتهاء صلاحية الهدنة. خطط إدوارد للهبوط في برطانية بنفسه في شهر حزيران برفقة قوة عسكرية كبيرة، إلا أنه واجه صعوبة بالغة في تجميع السفن. وفي تلك الأثناء، خاضت قوة ماني مناوشات في الغرب لم تسفر عن نتائج تُذكر، بينما فصل شارل مفرزة من قواته لحصار فان وسار ببقية جيشه نحو أنبون.

كانت البلدة تضم حامية عسكرية كبيرة، وكانت الروح المعنوية للمقاتلين مرتفعة. وعندما وصل الجيش الفرنسي في أواخر شهر أيار، تقدم بعض المرتزقة الإسبان والإيطاليين دون اتباع الأوامر العسكرية، واشتبكوا مع مجموعة من المدافعين الذين كانوا متجمعين أمام بوابات البلدة. تكبد رجال شارل خسائر فادحة في هذا القتال ولم يتمكنوا من التراجع؛ مما اضطره إلى إرسال المزيد من الرجال إلى الأمام في مجموعات صغيرة فور توفرهم، في محاولة لصد المنفوريين مؤقتاً والسماح لقواته المندفعة بالانسحاب. وفي المقابل، دفع المنفوريون أيضاً بقوات إضافية إلى المعركة عبر البوابة، ففشلت محاولة شارل لتأمين انسحاب منظم، وارتد الهجوم الفرنسي بأكمله في حالة من الفوضى والاضطراب مع سقوط العديد من القتلى. لاحق المنفوريون القوات الفرنسية المنسحبة وأحرقوا معظم معسكرهم الذي كانوا قد أنشأوه للتو. ووفقاً لرواية تعود لتلك الحقبة، فإن جان ركبت حصانها وجالت في الضواحي وهي ترتدي درعاً كاملاً لرفع معنويات المقاتلين، ومُنحت لاحقاً لقب "شعلة برطانية". اختبر شارل دفاعات البلدة في اليوم التالي، ثُمَّ أصدر أوامر متكررة لشن هجمات مكثفة عليها، إلا أنها رُدّت جميعاً وكبّدت المهاجمين خسائر بشرية. وفي أوائل شهر حزيران، تحصن الفرنسيون لبدء حصار نظامي طويل، آملين أن يؤدي الجوع إلى إجبار البلدة على الاستسلام. نقل شارل قوته الرئيسة إلى أوري، تاركاً قوة صغيرة من المرتزقة معظمهم من الإسبان والعديد من آلات الحصار لمواصلة تطويق أنبون تحت قيادة لويس الإسباني، وهو نبيل إسباني مغترب كان يشغل سابقاً منصب أمير البحر لفرنسا. حاول شارل استمالة المنفوريين وإعادتهم للجانب الفرنسي عبر تقديم وعود بالعفو وإغراءات مالية؛ ومادام البعض قد مالوا إلى التماس أي شروط ممكنة للصلح، إلا أن أغلبية أعضاء مجلس جان ثبتوا على موقفهم؛ إذ تسببت خيانة فيليب لوثيقة الأمان التي منحها الدوق جون لجون المنفوري إحداث حالة عميقة من عدم الثقة في مثل هذه الوعود. قاد ماني قواته عبر المصب المائي في شهر حزيران لإعادة التموين وتعزيز حامية أنبون. فكّك المحاصرون آلاتهم العسكرية وغادروا الموقع بحلول أواخر شهر حزيران، كما تراجع شارل أيضاً عن حصاره لأوري.

== التداعيات == حشد الفرنسيون أكثر من 10,000 رجلًا، وربما أكثر من ذلك، في أواخر شهر حزيران لبدء موسم الحملات العسكرية، وخُصص معظمهم لتجديد الهجوم في برطانية. وبحلول أوائل شهر تموز، ظهر أثر هذا الحشد؛ إذ نفذ الطعام من المنفوريين في أوري وهجروا البلدة ليلاً، ووافقت فان على شروط الاستسلام وسقطت في أيدي الجيش الفرنسي، كما انحازت العديد من المواقع الأخرى إلى الفرنسيين. ورأت جان صعوبة موقفها في أنبون واستحالة الدفاع عنها، فغادرتها متوجهة إلى بريست، وعاد شارل لحصارها هناك مجدداً بحلول شهر آب. وهبطت قوة إنجليزية في 18 آب تضم أكثر من 2,000 جندي في بريست، مما أدى إلى فك الحصار عن البلدة وإجبار شارل على سحب جيشه من غرب برطانية. زحف الإنجليز بعد ذلك نحو مورلي، وهي بلدة تقع على الساحل الشمالي وتتمتع بتحصينات قوية ومرفأ آمن وتبعد 50 كيلومتراً (30 ميلاً) عن بريست، وفرضوا حصاراً عليها. أدرك شارل حينها أن قواته تفوق الإنجليز عدداً بكثير، وحاول فك الحصار عن مورلي، إلا أنه هُزم في 30 أيلول في معركة مورليكس. هبط إدوارد الثالث في بريست برفقة 3,000 رجل إضافي في 26 من شهر تشرين الأول، وزحف نحو فان وحاصرها، لينتهي الأمر بتوقيع هدنة "ماليسترويت" في 19 كانون الثاني 1343، ولم تتجدد الأعمال العدائية حتى شهر حزيران 1345. سافرت جان إلى إنجلترا ولم تشارك بعد ذلك في الحرب، وتوفيت في أيلول 1374؛ حيث أقامت في قلعة تيكهيل، وأُشيع في ذلك الوقت أنها أصيبت بالجنون، وهو ما يقبله معظم المؤرخين، على الرغم من وجود آراء تشير إلى أنها احتُجزت لأسباب سياسية وليس بسبب مرضًا عقلي. وتوفي زوجها قبلها في عام 1345. استمرت حرب الخلافة البرطانية سلسلةً متباعدة وغير حاسمة من الحصارات والمناوشات والهدن، وغالباً بوصفها جُزءًا من حرب المائة عام. وسيطر الفرنسيون في الغالب على الأجزاء الشرقية والجنوبية من برطانية، وواصلوا دعمهم القوي لشارل البلوي، بينما ظل غرب برطانية وشمالها خاضعين لسيطرة المنفوريين أو الإنجليز إلى حد كبير. قُتل شارل البلوي في عام 1364 في معركة أوري، وهُزم جيشه هزيمة ساحقة. ووقعَّت أرملته جان البنتيفرية في العام التالي، على معاهدة غيراند التي اعترفت بابن جون المنفوري دوقاً لبرطانية، مما وضع حداً للحرب. أما حرب المائة عام فاستمرت حتى عام 1453، حيث انتهت بانتصار الفرنسيين.

انظر أيضًا

حرب المائة عام معركة مورليكس شارل البلوي فيليب السادس ملك فرنسا بلوا

الملاحظات

المراجع

فهرس المراجع

=== ثبت المراجع (حسب تاريخ النشر) === المقالات المُحكَّمة

الكتب

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗