Military operations· عصر البارود· 1628 – 1629

حصار باتافيا

military campaign in Java by Sultan Agung in 1628 and 1629

حصار باتافيا هو حملة عسكرية قادها السلطان أغونغ من ماتارام للاستيلاء على مستوطنة باتافيا الهولندية في غرب جاوة. بدأت المحاولة الأولى عام 1628، والثانية عام 1629؛ وكلاهما باء بالفشل.

== الخلفية == في الأرخبيل الإندونيسي، أنشأت شركة الهند الشرقية الهولندية (VOC) أول قاعدة عمليات لها في أمبوينا. ولتوسيع شبكتها التجارية، طلبت الشركة من سلطنة ماتارام، القوة الصاعدة آنذاك في جاوة، الإذن ببناء لوجيس على طول الساحل الشمالي لجاوة. وقد سمح رادين ماس جولانج، ثاني حكام ماتارام، ببناء أحد هذه المراكز في جيبارا عام 1613، ربما على أمل أن تصبح الشركة حليفًا قويًا ضد عدوه اللدود، الدولة المدينة سورابايا. بعد أن استولت شركة الهند الشرقية الهولندية، بقيادة حاكمها العام ‏ الأشهر يان بيترزون كوين، على ميناء جاكاترا من سلطنة بنتين عام 1619، أسست المدينة لتكون مقرها الرئيسي في آسيا على مدى ثلاثة قرون. وكجزء من سياستها الأمنية، شعَر الجاويون بعدم الترحيب بهم في باتافيا، إذ خشي الهولنديون اندلاع ثورة حالما أصبحوا أغلبية سكان المدينة. ولتلبية احتياجاتها من العمالة، استوردت باتافيا أعدادًا كبيرة من العمال والعبيد من مناطق أخرى في الأرخبيل، مثل جزر الملوك وبالي. ومن أبرز هذه المحاولات رحلة ويليم إيسباندتزون بونتكوي لجلب ألف مهاجر صيني إلى باتافيا من ماكاو، إلا أن نسبة قليلة فقط منهم نجت من الرحلة. وفي عام 1621، بُذلت محاولة أخرى، حيث رُحِّل 15 ألف شخص من جزر باندا إلى باتافيا، ولم ينجُ من الرحلة سوى 600 شخص. وبعد مرور نحو عقد على تأسيسها، بدأت باتافيا، أول مستوطنة هولندية رئيسة ومركز تجاري في جاوة، تجذب بطبيعة الحال عداء الممالك الجاوية المحيطة، التي اعتبرت الميناء والمستوطنة الأوروبية تهديدًا أجنبيًا. وقد طمح سلاطين بانتين إلى استعادة المدينة الساحلية والقضاء على منافس تجاري رئيسي، إلا أنهم لم يكونوا قادرين على شن حملة واسعة النطاق، فاقتصر ردهم على غارات صغيرة متفرقة على المصالح الهولندية خارج أسوار المدينة. في المقابل، في الشرق، توفي ماس جولانغ عام 1613 وخلفه ابنه السلطان أغونغ، الذي أصبح أعظم حكام ماتارام. توترت العلاقات مع شركة الهند الشرقية الهولندية، إذ حذر أغونغ في بداية عهده (1614) السفارة الهولندية من استحالة الحفاظ على السلام إذا حاولوا غزو أي جزء من جاوة، إذ كان مصممًا على أن يصبح الحاكم الوحيد للجزيرة. وفي عام 1618، أدى سوء فهم إلى إحراق حصن شركة الهند الشرقية الهولندية في جيبارا على يد وصي أغونغ، ما أسفر عن مقتل ثلاثة من أفراد الشركة واعتقال الباقين، فاستدعى ذلك ردًا من الأسطول الهولندي، الذي دمر معظم المدينة في العام التالي. ومع ذلك، ظلت العلاقة بين الطرفين متوترة؛ فمثل والده، رغب أغونغ في الحصول على دعم الشركة البحرية ضد سورابايا، وبادر في عام 1621 إلى عقد السلام، فأرسلت الشركة سفارات خلال السنوات الثلاث التالية، لكنها رفضت تلبية طلبه للحصول على دعم عسكري، ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين.

الحصار الأول (22 أغسطس - 3 ديسمبر 1628)

ربما بدأ أغونغ وضع خططه لغزو باتافيا في وقت مبكر من عام 1626. فإلى جانب كراهيته العميقة للهولنديين، مثّلت باتافيا نقطة انطلاق طبيعية لغزو بانتين، آخر دولة جاوية مستقلة كبرى. وللتحضير لذلك، عقد تحالفًا مع سيريبون، على الرغم من أنها كانت تُعامَل عمليًا بوصفها دولةً تابعة لماتارام. وفي أبريل 1628، أُرسل كياي رانغا تابا، وصي عرش تيغال، إلى باتافيا ليقترح، نيابةً عن ماتارام، معاهدة سلام بشروط محددة، إلا أن الهولنديين رفضوا هذا العرض أيضًا. وبالنسبة إلى أغونغ، شكّل هذا الرفض القشة التي قصمت ظهر البعير، فباشر تنفيذ خطته لمهاجمة باتافيا، فأرسل قوتين: قوةً بحرية بقيادة تومينغونغ باهوريكسا، وصي عرش كيندال، وقوةً برية بقيادة الأمير ماندوداريجا.

في الخامس والعشرين من أغسطس/آب 1628، وصلت طليعة أسطول أغونغ إلى باتافيا. وحمل الأسطول البحري الماتارامي كميات كبيرة من المؤن، شملت 150 رأسًا من الماشية، و5,900 كيس من السكر، و26,600 ثمرة جوز هند، و12,000 كيس من الأرز. وفي البداية، طلب الماتاراميون، كحيلةٍ حربية، الإذن بالرسو في باتافيا بغرض التجارة، غير أن ضخامة الأسطول أثارت شكوك الهولنديين. وفي اليوم التالي، سمح الهولنديون بإنزال الماشية، على أن ترسو سفينة ماتارامية واحدة فقط في كل مرة، تحت مراقبة مئة حارس مسلح من قلعة باتافيا. وفي اليوم الثالث، وصلت ثلاث سفن ماتارامية أخرى، زاعمةً أنها تسعى للحصول على تصاريح سفر للتجارة مع ملقا. ومع تزايد عدد السفن الوافدة، تصاعد قلق الحكومة الهولندية (هوغه ريغيرينغ)، فنقلت مزيدًا من قطع المدفعية إلى المعقلين الشماليين للقلعة. وأخيرًا، في فترة ما بعد الظهر، وصلت عشرون سفينة أخرى تابعة لجيش ماتارام، وبدأت بإنزال قواتها علنًا شمال القلعة، ما دفع الهولنديين إلى سحب جميع أفرادهم إلى داخل القلعة وفتح النار على الجاويين القادمين. ولحرمان الجيش الغازي من أي مأوى، أمر كوين بإحراق معظم ضواحي باتافيا المبنية من أكواخ الخيزران. وفي 28 أغسطس/آب 1628، دخلت 27 سفينة أخرى تابعة لجيش ماتارام الخليج، لكنها رست بعيدًا عن باتافيا. وفي الجنوب، بدأت طلائع القوات البرية لماتارام بالوصول، حيث باشر نحو ألف رجل بالضغط على الجناح الجنوبي للمدينة. وفي 29 أغسطس/آب، شُنّ أول هجوم من بين عدة هجمات ماتارامية على حصن هولانديا، الواقع جنوب شرقي المدينة، إلا أن 120 جنديًا من شركة الهند الشرقية الهولندية، بقيادة جاكوب فان دير بلايتن، تمكنوا من صد الهجوم، متسببين في خسائر فادحة للجاويين. وفي الوقت نفسه، وصلت عدة سفن تابعة للشركة من جزيرتي بانتين وأونروست، وأنزلت 200 جندي إضافي، ما رفع عدد حامية باتافيا إلى 730 رجلًا. وصل القسم الأكبر من الجيش البري لماتارام في أكتوبر، ليبلغ إجمالي قوامه نحو 10,000 جندي. وحاصر هؤلاء جميع الطرق المؤدية جنوبًا وغربًا إلى المدينة، وحاولوا بناء سد على نهر سيليونغ لقطع إمدادات المياه عن الهولنديين، غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل، إذ لم تؤدِّ هجمات ماتارام المتكررة على التحصينات الهولندية إلا إلى تكبيدهم خسائر جسيمة. والأسوأ من ذلك، أن قادة ماتارام لم يكونوا مستعدين لحصار طويل في منطقة تفتقر إلى الدعم اللوجستي المحلي، وبحلول ديسمبر، بدأ الجيش يعاني نقصًا حادًا في الإمدادات. ونتيجة لذلك، غضب السلطان أغونغ من فشل الحملة، فأرسل في الثاني من ديسمبر جلاديه لمعاقبة تومينغونغ باهوريكسا والأمير ماندوداريجا. وفي اليوم التالي، اكتشف الهولنديون أن خصمهم انسحب عائدًا إلى دياره، تاركًا خلفه 744 جثة مقطوعة الرأس من رجاله.

الحصار الثاني (مايو - سبتمبر 1629)

بعد فشل الحصار الأول، أدرك أغونغ أن العقبة الرئيسة أمام غزو باتافيا كانت لوجستية، نظرًا إلى المسافة الشاسعة، التي تقارب 300 ميل، والتي كان على قواته قطعها من قواعد إمدادها في جاوة الوسطى. ولذلك، قرر إنشاء عدد من قرى زراعة الأرز، التي يديرها مزارعون جاويون، على الساحل الشمالي لجاوة الغربية، الممتد من سيريبون إلى كاراوانغ. وأسفرت هذه السياسة عن الموجة الأولى من هجرات الجاويين إلى هذه المنطقة قليلة السكان سابقًا، ما أدى إلى نشوء حقول الأرز الواسعة التي ميّزت المناطق الممتدة من سيريبون إلى إندرامايو، وكاراوانغ، وبيكاسي، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم. وبحلول مايو 1629، أصبحت ماتارام مستعدة لشن هجومها الثاني على باتافيا. تألف الغزو الثاني من قوتين: جيش سوندا بقيادة ديباتي أوكور، وصي عرش بريانجان التابع لماتارام، والجيش الجاوي الرئيس بقيادة أديباتي جوميناه، ليبلغ قوام القوتين معًا نحو 20 ألف جندي. وكانت الخطة الأصلية تقضي بأن ينتظر أوكور وصول الجيش الرئيس في بريانجان، ثم يتقدمان معًا في يونيو، إلا أن نقص الإمدادات أجبره على بدء التقدم نحو باتافيا على الفور. وعندما وصل جوميناه إلى بريانجان، استشاط غضبًا لما اعتبره إهانة من أوكور، فأقدم مسؤولو ماتارام وجنودها الغاضبون على تخريب بريانجان، ونهبها، واغتصاب نسائها. وحين بلغ أوكور الخبر عبر زوجته، انسحب غاضبًا من الحملة، بل وقتل عددًا من مسؤولي ماتارام التابعين لقواته. وإدراكًا منه لمصير تومينغونغ باهوريكسا والأمير ماندوداريجا، أيقن أوكور أن السلطان أغونغ لن يتسامح مع الفشل، فضلًا عن الخيانة، فاختار التمرد على ماتارام بدلًا من الاستمرار في الحملة. ومع تفاقم نقص الإمدادات، وانتشار الملاريا والكوليرا في المنطقة، وصلت قوات ماتارام التي بلغت باتافيا في حالة إنهاك شديد. وأقامت هذه القوات معسكرها جنوب المدينة في منطقة تُعرف اليوم باسم ماترامان، المشتقة تسميتها من «ماتارامان». وواصلت القوات حصار باتافيا، فعطلت إمدادات المياه عبر تلويث نهر سيليونغ، ما تسبب في تفشي وباء الكوليرا داخل المدينة. وخلال هذا الحصار الثاني، توفي يان بيترزون كوين فجأة في 21 سبتمبر/أيلول 1629، ويُرجَّح أن يكون ذلك نتيجة تفشي الكوليرا. ومع تصاعد المشكلات الداخلية بين قادة ماتارام، واستمرار الأمراض ونقص الإمدادات، اضطرت قواتها في نهاية المطاف إلى التراجع.

== التداعيات == أدى انسحاب ديباتي أوكور من الحملة وتمردّه إلى إضعاف سيطرة ماتارام على بريانجان، مما خلق حالة من عدم الاستقرار في غرب جاوة لعدة سنوات. ومع ذلك، تمكن الهولنديون من ترسيخ وجودهم بقوة في جاوة. وقد دفع فشل حملة باتافيا السلطان أغونغ إلى تحويل طموحاته التوسعية شرقًا ومهاجمة بليتار وباناروكان وبلامبانجان في جاوة الشرقية، وهي مملكة تابعة لمملكة غيلغيل البالية. بسبب صرامة السلطان أغونغ في التعامل مع الفشل،رفضت أعداد كبيرة من القوات الجاوية العودة إلى ديارهم في ماتارام. وقرر العديد منهم الزواج من نساء محليات والاستقرار في قرى شمال جاوة الغربية. نتج عن ذلك نشأة قرى زراعة الأرز في منطقة بانتورا في غرب جاوة، والتي تمتد عبر بيكاسي، وكاراوانغ، وسوبانغ، وإندرامايو، وسيريبون. وقد أسهمت هجرة الجاويين واستقرارهم في شمال جاوة الغربية في خلق ثقافة مميزة، تطورت لاحقًا لتصبح مختلفة تمامًا عن نظيراتها في مرتفعات سوندا وجاوة الوسطى. في العقود اللاحقة، نجحت شركة الهند الشرقية الهولندية في توسيع نفوذها بالاستحواذ على بويتنزرغ ومرتفعات بريانغان، بالإضافة إلى موانئ ماتارام الساحلية الشمالية مثل تيغال وكيندال وسيمارانغ، وذلك من خلال امتيازات مُنحت على حساب ماتارام. وقد تحقق ذلك بالدرجة الأولى نتيجةً للمشاكل الداخلية التي عانى منها بلاط ماتارام، والتي تمثلت في نزاعات الخلافة والصراع على السلطة. وقد تحولت بعض معسكرات ماتارام السابقة إلى أسماء أماكن في جاكرتا اليوم، ويمكن التعرف عليها من خلال أسمائها الجاوية الأصلية، مثل ماترامان وباسيبان وكامبونغ جاوا.

الملاحظات

المراجع

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗