Wars & conflicts· العصور القديمة الكلاسيكية· 195 – 198

حملات سبتيموس سيفيروس الفرثية

حملات عسكرية رومانية ضد الإمبراطورية الفرثية بين عامي 194 و199م

حملات سِبتِيموس سِيفِيرُوس الفرثية هي سلسلة من الحملات العسكرية التي شنّتها الإمبراطورية الرومانية بقيادة الإمبراطور سبتيموس سيفيروس ضد الإمبراطورية الفرثية وحلفائها في الشرق بين عامي 194 و199م، ضمن إطار الحروب الرومانية الفرثية. اندلعت هذه الحملات في أعقاب عام الأباطرة الخمسة والحرب الأهلية التي نشبت بين سيفيروس ومنافسه بيشينيوس نيجر، بعدما دعمت عدة ممالك شرقية موالية للفرثيين خصمه، وهاجمت المواقع الرومانية في بلاد الرافدين. بدأت المرحلة الأولى من الحرب سنة 194–195م بحملة رومانية ضد مملكة الرها وحدياب ومملكة الحضر، انتهت بإعادة فرض النفوذ الروماني في شمال بلاد الرافدين وتعزيز الوجود العسكري على الحدود الشرقية. وبعد انتهاء الحرب الأهلية مع كلوديوس ألبينوس سنة 197م، شن سيفيروس حملة جديدة واسعة ضد الفرثيين، تمكن خلالها من التقدم على طول نهر الفرات والاستيلاء على بابل وسلوقية، ثم اقتحام ونهب العاصمة الفرثية طيسفون سنة 198م. أسفرت هذه الانتصارات عن أكبر توسع روماني دائم في الشرق منذ حملة طريانوس الفرثية، إذ ضمت روما شمال بلاد الرافدين وأنشأت مقاطعة جديدة فيها. ومع ذلك، فشل سيفيروس في إخضاع مملكة الحضر رغم محاولتين لحصارها، كما أثبتت السيطرة على الأراضي الجديدة صعوبة كبيرة، مما جعلها إحدى أهم المواجهات بين روما والفرثيين في أواخر القرن الثاني الميلادي.

المصادر والتسمية

تبقى ثلاث روايات سردية عن حملات سبتيموس سيفيروس الفرثية، ولا تزال إعادة بناء مجريات الحرب مسألة بالغة الصعوبة. وتطرح رواية هيروديان إشكالات خاصة فيما يتعلق بكلتا الحملتين؛ إذ أغفل تمامًا الحرب الأولى سنة 195، وادعى خطأً أن سيفيروس أرجأ عملياته في الشرق إلى ما بعد هزيمته لكلوديوس ألبينوس، كما دمج حصاري الحضر المنفصلين في حادثة واحدة. ويعرض كتاب هستوريا أوغوستا الحروب في جملة مقتضبة واحدة، ويُعد في معظمه معتمدًا على مصادر سابقة.

يعتمد الباحثون بصورة رئيسية على رواية كاسيوس ديو، المحفوظة في مختصر يوحنا زيفيلينوس، والتي تُستكمل في موضع واحد بمقتطف من إكسربتا فاليسيانا، إلا أن هذا المقتطف لا يضيف إلا القليل إلى رواية زيفيلينوس. واعتمد كاسيوس ديو أيضًا على السيرة الذاتية لسيفيروس، إذ كان يعرف الإمبراطور شخصيًا وعاصره. وتغيب بعض المعلومات الواردة لدى هيروديان عن رواية ديو. ويقدم أوريليوس فكتور أيضًا وصفًا موجزًا للحملة، يتضمن بعض الروايات التي تتعارض مع ما أورده كاسيوس ديو. وتستند دراسة هذه الحملات إلى النقوش والعملات واللقى الأثرية. فقد حدد فيريالي دورانوم، وهو تقويم عسكري اكتُشف في دورا أوربوس، يوم 28 يناير 198 موعدًا رسميًا للاحتفال بانتصار سيفيروس على الفرثيين. ويحتفظ قوس سبتيموس سيفيروس في المنتدى الروماني، الذي كُرس سنة 203، بسجل أثري بارز للحملات الشرقية، إلا أن الباحثين اختلفوا اختلافًا كبيرًا في تفسير مشاهده المنحوتة، لذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها دليلًا تاريخيًا مباشرًا. وتوثق النقوش التنظيمات الإدارية للمقاطعات، والقيادات العسكرية، وهوية المسؤولين، مثل أول حاكم لبلاد الرافدين، تيبيريوس كلوديوس سوباتيانوس بروكولوس، الذين لم تفصل المصادر الأدبية في ذكرهم. وتشير عدة نقوش إلى أن الحرب الفرثية الأولى (194–195) عُرفت باسم حملة بلاد الرافدين، في حين عُرفت الحرب الفرثية الثانية (197–199) باسم الحملة الفرثية.

الخلفية

عام الأباطرة الخمسة والحروب الأهلية

تمثلت الخلفية المباشرة لحروب سبتيموس سيفيروس الشرقية في حالة الاضطراب العميقة التي اجتاحت الإمبراطورية الرومانية سنة 193، والمعروفة باسم عام الأباطرة الخمسة. أدى اغتيال كومودوس في 31 ديسمبر 192 إلى أزمة حادة في الخلافة؛ إذ أُعلن برتيناكس إمبراطورًا بدعم من الحرس البريتوري، لكنه قُتل بعد 87 يومًا فقط عندما تمرد أفراد الحرس وعرضوا العرش للبيع لمن يدفع أعلى ثمن، فاشتراه ديديوس جوليانوس. قوبل استيلاء يوليانوس على السلطة بازدراء شديد من الجيش وسكان المدن، وخلال أسابيع قليلة أعلن ثلاثة من حكام الولايات تمردهم: بيشينيوس نيجر في سوريا الرومانية، الذي كان يقود ثلاثة فيالق وحظي بتأييد في روما حتى قبل إعلانه إمبراطورًا؛ وكلوديوس ألبينوس في بريطانيا الرومانية، الذي كان يقود ثلاثة فيالق متمرسة؛ وسبتيموس سيفيروس في بانونيا العليا، الذي تحرك بأسرع ما يمكن. حيّد سيفيروس ألبينوس بمنحه لقب قيصر وجعله وريثًا اسميًا، مما أتاح له التوجه نحو إيطاليا الرومانية. وبعد اقتراب جيشه من إيطاليا، أعلن مجلس الشيوخ الروماني يوليانوس عدوًا للدولة وحُكم عليه بالإعدام. وأعلن سيفيروس إمبراطورًا قبل نهاية مايو 193. ثم وجه اهتمامه إلى نيجر، الذي كان يعتمد على قاعدة دعم قوية في الشرق شملت مصر. وانتهت المواجهة الحاسمة في معركة إسوس سنة 194، حيث هُزمت فيالق نيجر السورية بعد هجوم التفاف نفذه سلاح الفرسان بقيادة فاليريوس فاليريانوس، ففر نيجر إلى أنطاكية، ثم أُلقي القبض عليه وأُعدم. بقي ألبينوس المنافس الأخير لسيفيروس بعد القضاء على نيجر. ففي أواخر سنة 195 أُعلن ألبينوس عدوًا عامًا، وفي 19 فبراير 197 التقى الجيشان خارج لوغدونوم (ليون الحالية). كانت المعركة متقاربة؛ إذ استدرجت فيالق ألبينوس قوات سيفيروس إلى تحصينات ميدانية، وسقط سيفيروس عن جواده أثناء التراجع، لكن هجومًا حاسمًا لسلاح الفرسان بقيادة يوليوس لايتوس قلب موازين المعركة. وانتهى الأمر بانتحار ألبينوس، وأُرسلت رأسه المقطوعة إلى روما.

=== الأسباب الشرقية للحروب الفرثية === دعم عدد من حكام الأراضي الواقعة وراء نهر الفرات بيشينيوس نيجر دعمًا مباشرًا؛ إذ أرسل أبجر الثامن ملك الرها قوات لمساندته، كما أرسل ملك الحضر بارسميا رماةً، بينما قدم نرساي الحديابي حاكم حدياب الدعم له، وأمر الملك الفرثي فولوجاسيس الخامس ولاته بحشد القوات لصالح نيجر، دون أن يتدخل بنفسه في الحرب. وفر بعض جنود نيجر المهزومين عبر نهر دجلة إلى الأراضي الفرثية، حيث قدموا المشورة العسكرية للملك الفرثي.

استغلت كل من الرها وحدياب، وهما مملكتان تابعتان اسميًا للفرثيين، الحرب الأهلية الرومانية، فطردتا، ربما بتحريض من الملك الفرثي، الحاميات الرومانية من شمال بلاد الرافدين وقتلتـا عددًا من جنودها، ثم فرضتا حصارًا على مدينة نصيبين الحدودية. وتمكنت حامية نصيبين من الصمود، وأعلنت ولاءها لسيفيروس بعد هزيمة نيجر. أرسل مبعوثون من الرها وأربيل إلى سيفيروس بعد مقتل نيجر يطلبون الصفح، مدعين أن أعمالهم كانت موجهة ضد أنصار نيجر، وعرضوا إعادة الأسرى والغنائم، إلا أنهم رفضوا إخلاء الحصون التي استولوا عليها أو السماح بعودة الحاميات الرومانية إليها، بل طالبوا بانسحاب ما تبقى من القوات الرومانية من المنطقة. ولخص كاسيوس ديو الموقف بقوله: «ولهذه الأسباب اندلعت هذه الحرب». ويضيف كتاب حوليات أربيل السرياني أن فولوجاسيس الخامس شجع ثورتي الرها وحدياب، لكنه لم يتمكن من التدخل مباشرة بسبب اضطرابات اندلعت في أقاليمه الشرقية. استغل سيفيروس هذا الوضع في ظل استمرار تحالفه المؤقت مع ألبينوس، فجند ثلاثة فيالق جديدة هي: الفيلق البارثي الأول، الفيلق البارثي الثاني، الفيلق البارثي الثالث، وحشد جيشًا قوامه نحو 30 ألف جندي (أي ما يعادل ستة فيالق تقريبًا)، استعدادًا لغزو الرها والحضر. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن جيشه ربما ضم أيضًا قوة من الحرس البريتوري بقيادة غايوس فولفيوس بلاوتيانوس، قائد الحرس البريتوري. رأى كاسيوس ديو، على غرار تقييمه لحملة طريانوس الفرثية، أن الدافع الحقيقي لسيفيروس كان السعي إلى المجد الشخصي. غير أن معظم المؤرخين المعاصرين يعدون هذا التفسير مبسطًا؛ إذ كانت لدى سيفيروس دوافع إستراتيجية مهمة، منها إعادة ترسيخ ولاء الفيالق الشرقية التي كانت موالية لنيجر، وإثبات كفاءته العسكرية قبل مواجهة ألبينوس، والسعي إلى دفع الحدود الشرقية للإمبراطورية إلى ما وراء نهر الفرات.

الحرب الفرثية الأولى

=== الحملات ضد الرها وحدياب والحضر === فرض الملك أبجر الثامن، حاكم مملكة الرها، في سنة 194، وفي ظل حالة الاضطراب التي شهدتها الإمبراطورية الرومانية بشأن الخلافة، حصارًا على الحصن الروماني في نصيبين، بمشاركة قوات الحضر، دعمًا لمنافس سبتيموس سيفيروس، بيشينيوس نيجر. ويرجح أن هذا الحصار كان جزءًا من تمرد شجعه الملك الفرثي فولوجاسيس الخامس. قاد سيفيروس، بعد القبض على نيجر وقتله في ربيع أو صيف سنة 195، غزوًا لبلاد الرافدين لفك الحصار عن المدينة. وعبر الجيش الروماني نهر الفرات، على الأرجح قرب زيوغما، وهزم قوات أبجر الثامن.

أرسل المحاصرون عقب هذه الهزيمة وفدًا إلى سيفيروس عارضين إعادة جميع الأسرى والغنائم، وفقًا لرواية كاسيوس ديو. إلا أنهم أصروا على الاحتفاظ بمواقعهم في بلاد الرافدين، وطالبوا في المقابل بانسحاب القوات الرومانية من المنطقة. ويبدو أن الإمبراطور رفض هذا العرض، إذ لم يكن يسعى إلى إظهار القوة وترسيخ هيبة روما فحسب، بل أيضًا إلى معالجة جانب من المشكلة المزمنة في الحروب الرومانية الفرثية. وتقدم نحو الرها بعد فك الحصار عن نصيبين، واستولى عليها دون مقاومة تُذكر. أُلحقت الأراضي المحيطة بالرها، وفقًا لحجرين حدوديين اكتُشفا حديثًا في قيزيلبورج، على بعد نحو 25 كيلومتر (16 ميل) شمال غربي الرها، بمقاطعة رومانية جديدة، في حين بقيت المدينة نفسها تحت حكم أبجر، الذي اضطر إلى إعلان ولائه لروما. كما اتخذ أسماءً رومانية، وأرسل أبناءه رهائن، بل وعرض أيضًا إلحاق عدد من رماة السهام التابعين له بالجيش الروماني. وُضعت مدينة نصيبين تحت إدارة أحد أفراد طبقة الفرسان الرومانية، وهو قائد سلاح الفرسان الشهير فاليريوس فاليريانوس. قسم سيفيروس، أثناء إقامته في نصيبين، جيشه إلى عدة فرق بقيادة تيتوس سكستيوس لاتيرانوس، وتيبيريوس كلوديوس كانديدوس، وبوبليوس كورنيليوس أنولينوس، ويوليوس لايتوس، وشخص يدعى بروبوس، يُحتمل أنه كان صهر سيفيروس. ونفذت هذه القوات حملة قصيرة صدت خلالها عدة هجمات عربية واستولت على حصن مهم لم تُحدد هويته. ويرجح أن هذا الحصن كان قد استولى عليه سابقًا حاكم تراقيا، تيتوس ستاتيليوس بارباروس. وأجبر هذا التقدم سكان الحضر وحكام حدياب في أربيل على طلب الصلح وإعلان الخضوع للرومان. مُنح سيفيروس، بفضل هذه الانتصارات، لقبي بارثيكوس أرابيكوس وبارثيكوس أديابينيكوس، في إشارة إلى انتصاره على العرب والأديابينيين، الذين كانوا مرتبطين بالمجال السياسي الفرثي. لكنه رفض حمل لقب بارثيكوس وحده، حتى لا يُعد ذلك إهانةً مباشرةً للملك الفرثي. ويبدو أن انشغال فولوجاسيس الخامس بإخماد الثورات في فارس وميديا كان عاملًا حاسمًا في نجاح الحملة الرومانية. وبعد فترة، ووفقًا لقطعة محفوظة من رواية كاسيوس ديو في إكسربتا فاليسيانا، عقد سيفيروس وفولوجاسيس الخامس هدنة، وانسحبت القوات الرومانية من بلاد الرافدين لمواصلة الحرب الأهلية.

استمرار الحرب الأهلية في روما

عمد سيفيروس إلى تعزيز شرعيته إمبراطورًا بإعلانه أنه الابن المتبنى للإمبراطور ماركوس أوريليوس وشقيق كومودوس. كما رفع مكانة ابنه الصغير باسيانوس، المعروف لاحقًا باسم كاراكلا، ومنحه اسم ماركوس أوريليوس أنطونينوس. وأدى هذا الإجراء إلى انهيار تحالفه مع كلوديوس ألبينوس، الذي رأى في ذلك تهديدًا مباشرًا لمكانته، فأعلن نفسه إمبراطورًا. أعلن مجلس الشيوخ الروماني ألبينوس عدوًا عامًا في 15 ديسمبر 195. وبحلول أوائل سنة 196، كان سيفيروس قد عزز سيطرته على العاصمة بتعيين حليفه بوبليوس كورنيليوس أنولينوس محافظًا لمدينة روما. وهكذا تهيأت الظروف لاندلاع الحرب الأهلية بين قوات سيفيروس وألبينوس، والتي بلغت ذروتها في معركة لوجدونوم يوم 19 فبراير 197، وانتهت بانتحار ألبينوس ومقتل معظم أنصاره.

الحرب الفرثية الثانية

=== الغزو الفرثي الأول والتمرد الداخلي === بعد انسحاب الرومان من بلاد الرافدين سنة 195، بدأ فولوجاسيس الخامس الإعداد لغزو جديد للمنطقة. وفي أواخر صيف سنة 197، استعاد الفرثيون أرمينيا، ثم اجتاحوا شمال بلاد الرافدين وتقدموا حتى نصيبين، حيث فرضوا حصارًا عليها. وكادت المدينة أن تسقط لولا جهود يوليوس ليتوس، الذي تولى قيادة الحامية ونجح في صد الهجمات. ولما بلغ سبتيموس سيفيروس نبأ الحصار، سار عبر بلاد الرافدين، فاستعاد في البداية أرمينيا بعد خضوع ملكها كسرى الأول الأرمني، ثم مر بمدينة الرها، حيث تلقى من أبجر الثامن الجزية والهدايا وعددًا من رماة السهام، قبل أن يرفع الحصار عن نصيبين. كان الفرثيون قد انسحبوا قبل وصوله، فنال سيفيروس بذلك الهتاف الإمبراطوري العاشر خلال فترة حكمه. ويبدو أن النجاحات الرومانية أدت إلى اندلاع تمرد داخل الإمبراطورية الفرثية. فتوجه فولوجاسيس الخامس على رأس جيش قوامه نحو 120 ألف جندي لمواجهة المتمردين في خراسان. وبعد عبوره نهرًا صغيرًا، طُوق جيشه من جميع الجهات، وقُتل عدد كبير من جنوده أثناء الانسحاب، قبل أن يعيد فرسانه تنظيم صفوفهم ويطاردوا المتمردين حتى بحر قزوين. وبعد هذا الانتصار الأول، واجه جيش فولوجاسيس قوة متمردة أخرى كانت قد انفصلت عن الجيش الرئيسي، وتمكن بعد يومين من القتال من هزيمتها. خلال هذا التمرد، يذكر حوليات أربيل أن حاكم حدياب، نرساي الحديابي، رفض مساعدة فولوجاسيس الخامس في قتال المتمردين، بل أظهر ميلًا للتحالف مع الرومان. فاجتاح الملك الفرثي حدياب، ونهب عاصمتها، ثم أغرق نرساي في الزاب الكبير.. بعد القضاء على التمرد، قاد فولوجاسيس جيشه إلى بلاد الرافدين، وحقق عدة انتصارات على المواقع الرومانية في المنطقة. ولأن الجيش الفرثي لم يكن جيشًا دائمًا، بل كان يتألف من قوات يجمعها النبلاء لكل حملة على حدة، لم يكن باستطاعة الملوك مواصلة القتال إلا خلال موسم واحد. لذلك غادر فولوجاسيس وجيشه شمال بلاد الرافدين في خريف سنة 197، وعادا إلى فارس.

الغزو الروماني والتقدم على طول نهر الفرات

بعد فك حصار نصيبين سنة 197، تقدم الإمبراطور سبتيموس سيفيروس على طول نهر الفرات حتى بلغ قرقيسيا، حيث شرعت قواته في بناء أسطول نهري. ثم واصل الجيش الروماني تقدمه إلى بابل، ومنها إلى سلوقية، واستولى على المدينتين دون مقاومة تُذكر. كانت سلوقية قد دمرها أفيديوس كاسيوس سنة 165، إلا أن الاستيلاء عليها ظل ضروريًا لفتح الطريق نحو طيسفون. وتشير مجموعة من العملات المكتشفة إلى أن سيفيروس وصل إلى سلوقية في أواخر صيف أو أوائل خريف سنة 197.

فرض سيفيروس حصارًا على العاصمة الفرثية بعد فرار فولوجاسيس الخامس من طيسفون. صمدت المدينة عدة أشهر في وجه الحصار، قبل أن يشن الرومان هجومهم النهائي في 28 يناير سنة 198. وبعد أن عانى الجيش الروماني نقصًا في المؤن طوال المرحلة الأولى من الحصار، اقتحم المدينة ونهبها واستعبد سكانها. يذكر كاسيوس ديو أن عدد الأسرى الذين أُخذوا واستُعبدوا بلغ نحو مئة ألف من المدنيين الفرثيين، بينما يضيف هيروديان أن الرومان استولوا أيضًا على الخزانة الملكية. أعلن سيفيروس نفسه فاتحًا لبلاد الفرثيين، واتخذ لقب بارثيكوس ماكسيموس، وهو اللقب نفسه الذي حمله الإمبراطور طريانوس من قبل. أدرك سيفيروس بعد هذا الانتصار، ومع تجدد أزمة التموين، أنه لا يستطيع البقاء طويلًا في طيسفون، فقرر العودة إلى الأراضي الخاضعة للرومان. كان طريق العودة يمر عبر المدينتين المواليتين نصيبين وسنجار، إلا أن الحضر، عاصمة إحدى الممالك التابعة للفرثيين، اعترضت طريقه. كان الإمبراطور يهدف إلى معاقبة ملكها عبدسميا، الذي سبق أن دعم منافسه بيشينيوس نيجر خلال الحرب الأهلية الرومانية السابقة. لذلك فرض حصارًا على المدينة مرتين، لكنه لم يحقق أي نجاح في الاستيلاء عليها.

حصار الحضر

بدأ الحصار الأول لمدينة الحضر بين شهري فبراير ومارس سنة 198. استخدم الرومان في هذه الحملة آلات الحصار، خلافًا لما حدث خلال حصار طريانوس للحضر. إلا أن الخسائر البشرية الكبيرة وتدمير عدد من تلك الآلات أديا إلى انتشار الاضطراب في صفوف الجيش الروماني، فتمرَّد بعض الجنود، وأمر الإمبراطور بإعدام ضابطين. مع إصلاح آلات الحصار واستمراره، لم يحقق الرومان أي تقدم يُذكر، فرفعه سيفيروس وانسحب إلى نصيبين في ربيع سنة 198. يُرجع المؤرخون سبب إخفاق المحاولة الأولى إلى سوء التخطيط للحملة. استأنف سيفيروس حصار المدينة في ربيع سنة 199. وتُعد هذه المحاولة أقرب ما وصلت إليه روما من فتح الحضر. شُيدت عدة آلات حصار جديدة، صنعها هذه المرة حليف من بتونية خصيصًا للحصار. حقق الرومان نجاحًا أوليًا بعدما هدموا جزءًا من أسوار المدينة، غير أن فرسان الحضر كانوا على استعداد، فصدوا الهجوم الروماني المضاد، ثم أحرقوا آلات الحصار وهاجموا فرق التموين. كما استخدم المدافعون النفط الخام لإثارة الفوضى في صفوف الجيش الروماني. أمر سيفيروس جيشه بالتراجع بعد احتراق آلات الحصار، آملًا في التوصل إلى تسوية تدفع أهل الحضر إلى الاستسلام. لكن المدافعين رفضوا فتح أبواب المدينة، وعندما شن الإمبراطور هجومه الأخير، مُني بخسائر أفدح واضطر إلى التراجع مرة أخرى. أمر سيفيروس مجددًا بإعدام قادة التمرد، وكان منهم يوليوس ليتوس. واستمر الحصار الثاني مدة عشرين يومًا فقط ولم يحقق نجاحًا أفضل من سابقه. مع أن سيفيروس انتصر في الحرب، إلا أن الحضر لم تسقط في يده قط.

ما بعد الحرب

=== إعادة تنظيم المقاطعات === كان أكثر النتائج دوامًا لحملات سبتيموس سيفيروس التوسع الدائم للأراضي الرومانية إلى ما وراء نهر الفرات. فقد أُنشئت مقاطعتان جديدتان من الأراضي التي احتُلَّت، لتشكلا منطقة عازلة تهدف إلى حماية مقاطعة سوريا من أي غزو فرثي مستقبلي. يُثبت وجود مقاطعة الرها نقشٌ يذكر أول وكيل مالي لها، وهو غايوس يوليوس باكاتيانوس، إلا أن تاريخ تأسيسها لا يزال محل جدل؛ إذ يرجع بعض الباحثين إنشاءها إلى سنة 195، بينما يربطه آخرون بالحملة الفرثية الثانية. كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت المقاطعة قد شملت كامل أراضي الرها أم جزءًا منها فقط، إذ احتفظ أبجر الثامن بمملكته واستمر في إرسال قوات لدعم سيفيروس خلال الحرب الثانية، مما يدل على أن قسمًا من الإقليم ظل خاضعًا لحكم ملك تابع لروما.

أما مقاطعة بلاد الرافدين فقد وُضعت تحت إدارة حاكم من طبقة الفرسان يخضع مباشرة للإمبراطور، على غرار النظام الإداري المطبق في مصر. كانت عاصمتها على الأرجح نصيبين، التي رفعها سيفيروس إلى مرتبة مستعمرة رومانية وأعاد تسميتها سبتيميا نصيبين، كما رُفعت مدينتا سنجار، التي يُعتقد أنها نالت هذه المكانة منذ عهد الأنطونيين، ورأس العين، التي سميت سبتيميا ريساينا، إلى المرتبة نفسها. كما مُنحت حران وتدمر صفة المستعمرة الرومانية. تولت حامية المقاطعة كل من الفيلق البارثي الأول والفيلق البارثي الثالث، وهما اثنان من الفيالق الثلاثة التي أنشأها سيفيروس خصيصًا لحملاته الشرقية. شملت المقاطعة معظم شمال بلاد الرافدين، يحدها نهر الفرات غربًا، ونهر دجلة شرقًا، ونهر الخابور جنوبًا، وسلسلة جبل سنجار شمالًا قرب ثانوريس، في حين بقيت مملكة الحضر مستقلة، وأصبحت حدياب تابعة لروما وراء نهر دجلة. وللحد من القوة العسكرية لمقاطعة سوريا، التي كانت قد أصبحت مرتين قاعدة لمنافسين على العرش الإمبراطوري، قسمها سيفيروس إلى مقاطعتين منفصلتين: سوريا الجوفاء في الشمال، وكانت عاصمتها اللاذقية ثم أنطاكية، وفينيقيا السورية في الجنوب، وعاصمتها صور.

=== الآثار العسكرية والاقتصادية === كان لإنشاء وجود روماني دائم في عمق بلاد الرافدين آثار عسكرية واقتصادية كبيرة. فقد كشفت الصور الجوية عن زيادة ملحوظة في عدد الحصون الرومانية الصغيرة المنتشرة في المنطقة خلال هذه الفترة، ممتدة من مملكة الأنباط عبر سوريا وصولًا إلى شمال العراق. كما عُززت الحاميات في مدن مثل دورا أوربوس وعانة، وقُويت تحصينات تدمر وأفاميا وطيبة وبلد سنجار بشكل كبير. وقد أُقيمت هذه المواقع على مسافات تسمح لكل منها بدعم الأخرى، وفقًا للممارسات الدفاعية الرومانية المعتادة. ساهم الوجود العسكري المتزايد في تنشيط الاقتصاد المحلي من خلال رواتب الجنود، ونشاط مرافقيهم، وأعمال إنشاء البنية التحتية. كما أدى نهب طيسفون إلى إدخال ثروات كبيرة إلى خزينة الدولة الرومانية، إذ بيع عدد كبير من الأسرى عبيدًا، مما أدى إلى انخفاض أسعار العبيد في أنحاء الإمبراطورية، بينما يذكر هيروديان أن الخزانة الملكية الفرثية وقعت أيضًا في أيدي الرومان. وقد ساعدت هذه الموارد الاستثنائية سيفيروس على تنفيذ إصلاحات غير مسبوقة، تمثلت في زيادة رواتب الجنود والسماح لهم بالزواج أثناء الخدمة العسكرية، وهو ما عزز ولاء الجيش على المدى الطويل، لكنه زاد أيضًا من العبء الاقتصادي للمؤسسة العسكرية في المقاطعات الشرقية.

=== الأهمية بعيدة المدى === مثلت الحملات الفرثية لسبتيموس سيفيروس أكبر توسع دائم للإمبراطورية الرومانية في الشرق منذ عهد تراجان، كما أرست الأسس الإدارية والعسكرية للحدود الرومانية في بلاد الرافدين خلال الجيل التالي. مع ذلك، فقد ثبت أن الحفاظ على هذه المكاسب كان أمرًا بالغ الصعوبة. رأى كاسيوس ديو، وهو رأي حظي بتأييد كثير من الباحثين المحدثين، أن المقاطعة الجديدة لم تحقق عائدات تذكر مقارنة بالتكاليف الباهظة التي فرضتها، وأن توسع روما حتى أصبحت تجاور الميديين والفرثيين جعلها تخوض حروبًا متواصلة دفاعًا عن مصالح غيرها. كما أدت الحملات المتكررة إلى زيادة زعزعة استقرار الدولة الأرشكية، إذ عكست الثورات التي أجبرت فولوجاسيس الخامس مرارًا على مغادرة الجبهة الغربية مملكةً أخذ نظامها الإقطاعي يتفكك تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية. ولم تمض سوى عقود قليلة حتى سقطت الإمبراطورية الفرثية وحلت محلها الإمبراطورية الساسانية، وهي دولة أكثر مركزية وقوة، سيطرت على سياسة روما الشرقية لقرون لاحقة.

انظر أيضًا

الملاحظات

المراجع

=== فهرس الإحالات === بالإنجليزيَّة

بالإيطاليَّة

بالفرنسيَّة

بالألمانيَّة

=== ثبت المراجع (مُرتَّبة حسب تاريخ النشر) === الكُتُب بالإيطاليَّة

بالإنجليزيَّة

المقالات المُحكَّمة بالإنجليزيَّة

بالفرنسيَّة

بالألمانيَّة

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗