كانت ثورة الفلاحين التي بدأت في 28 نيسان\أبريل عام 1834 تمردًا ضد التجنيد الإجباري وسياسة الضرائب المصرية في فلسطين. كان أغلب المتمردين من الفلاحين المحليين إلا أنه أيضاً شارك في الثورة وجهاء من الحضر وكذلك القبائل البدوية والذي كان رد فعل جماعي ضد السلطات المصرية التي انتزعت الحقوق والامتيازات غير الرسمية التي تمتعوا بها تحت الحكم العثماني. تفجّرت الثورة نتيجة عوامل رئيسية ثلاثة هي: الضرائب الباهظة التي فرضتها السلطات المصرية على السكان وإجبارهم على أعمال السخرة، ومحاولتها نزع السلاح من أيديهم، إضافة الى سياسة التجنيد الإجباري التي اتّبعتها وطبّقتها بحزم. ففي بداية سنة 1834، أصدر محمد علي باشا أوامره إلى نجله إبراهيم بتجنيد 15000 شاب للجندية من بلاد الشام، علماً بأن هذا التجنيد، الذي كانت مدته غير محدودة، سبّب العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للعائلات التي تم تجنيد رجالها. بالإضافة إلى هذه العوامل الرئيسية الثلاثة، اندلعت الثورة في فلسطين نتيجة تعاظم استياء النخبة الدينية في القدس وعلماء فلسطين بصورة عامة من سياسات السلطات المصرية، التي جرّدت هذه النخبة الدينية من دورها التقليدي كوسيط بين السلطات والسكان، وقلّصت عدد أعضائها في مجالس الشورى الجديدة. وكذلك نتيجة تعاظم استياء العائلات التقليدية من الدور الكبير الذي راحت تلعبه في الإدارة عائلة عبد الهادي، التي صارت تتصرف بكبرياء، مستحوذة على أكثر من حقها المقبول من السلطة والموارد، وتنامي العداء للحكم المصري بين صفوف البدو الذين وجدوا في هذا الحكم تهديداً حقيقياً لمصالحهم واستقلاليتهم.
== خلفية تاريخية... فلسطين في ظل الاحتلال المصري 1831-1840 == يستند الباحثون الذين اهتموا بدراسة تاريخ فلسطين خلال فترة الاحتلال المصري لبلاد الشام ما بين عامَي 1831-1840، إلى المواد الأرشيفية التي تعود إلى تلك الفترة والتي صنّفها ونشرها المؤرخ اللبناني الشهير أسد رستم ضمن مجموعته، الصادرة في بيروت عن منشورات المكتبة البوليسية، والتي تناولت حروب إبراهيم باشا المصري في سوريا والأناضول (1831-1833 و1839-1841)، والأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي باشا. كما في وسعهم الاستناد إلى سجلات المحاكم الشرعية المودعة في مركز الوثائق والمخطوطات التابع للجامعة الأردنية في عمان، وإلى كتابات الرحالة وتقاريرالقناصل، بالإضافة إلى بعض وثائق المحفوظات العثمانية المتنوعة. بيد أن ما يدعو للأسف، كما يذكر الباحث الفلسطيني خالد صافي هو عدم وجود وقائع فلسطينية مكتوبة في أثناء تلك الفترة.
=== الاحتلال المصري لبلاد الشام === يتفق الباحثون على أن مطامع محمد علي في السيطرة على بلاد الشام كانت واضحة قبل فترة طويلة من قيام جيوشه بغزو هذه البلاد، وأنه كان ينتظر الفرصة المناسبة للقيام بذلك. فقد كان محمد علي يطمع في استغلال الموارد البشرية والاقتصادية لبلاد الشام لتعزيز طموحه إلى الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية، والتوسع في منطقة يعتبرها حيوية، على الصعيد الاستراتيجي، للدفاع عن مصر. وتوفرت له، في سنة 1830، الذريعة للقيام بالغزو عندما لجأت مجموعة كبيرة من فلاحي مصر، قدّر عددها بنحو 6000 نسمة، إلى جنوب فلسطين، وذلك "بهدف التملص من الضرائب ومن التجنيد وأعمال السخرة." وكانت المناطق الجنوبية من فلسطين خاضعة في تلك الفترة لحكم عبد الله باشا، حاكم ولاية صيدا. فتوجّه الحاكم المصري بطلب إلى عبد الله باشا لتسليم الفلاحين الهاربين، فرفض هذا الأخير واتّخذ بعض الإجراءات الدفاعية وأمر بإغلاق الحدود مع مصر. ولم يتأخر رد محمد علي باشا، الذي سارع إلى إصدار أوامره، في نهاية تشرين الأول 1831، إلى حملتين عسكريتين مصريتين، برية وبحرية، بقيادة ابنه إبراهيم بالتوجه إلى بلاد الشام، حيث سيطرت القوات المصرية، من دون قتال، على غزة والرملة ويافا وحيفا والقدس، ووصلت في 26 تشرين الثاني 1831 إلى عكا، وفرضت عليها حصاراً طويلاً، برياً وبحرياً، استمر ستة أشهر، إلى ان تمكنت من اقتحامها في 26 أيار 1832، منهيةً بذلك حكم عبد الله باشا، الذي نُفي إلى مصر. وقد أعلن السلطان العثماني الحرب على محمد علي باشا في نيسان 1832، لكن العثمانيين هُزموا في "معركة الزراعة" في 14 نيسان 1832. وفي 21 كانون الأول 1832، ألحق الجيش المصري هزيمة جديدة بالقوات العثمانية بالقرب من مدينة قونية. وكان في وسع القوات المصرية أن تتقدم أكثر داخل أراضي السلطنة، لولا تردد محمد علي ورغبته في تسوية المسألة مع السلطان من خلال المفاوضات. وبفضل وساطة فرنسا وبريطانيا، في الأساس، تمّ التوصل، في نهاية نيسان أو مطلع أيار 1833، إلى صلح بين السلطان العثماني محمود والحاكم المصري، عُرف باسم "صلح كوتاهية"، أنهى حالة الحرب بين الطرفين ووضع بلاد الشام تحت حكم مصري-عثماني مشترك.
=== الإدارة المصرية في فلسطين === عيّنت الحكومة المصرية، في 16 تشرين الثاني 1832، محمد شريف بك حاكماً عاماً على بلاد الشام بأكملها (حكمدار عربستان) ، وقسّمتها إلى ثلاث ولايات هي: دمشق وحلب وصيدا. وبينما أصبحت دمشق مركزاً لهذا الكيان الجديد، صارت فلسطين تابعة لولاية صيدا. وكما كان الحال قبل الغزو المصري، بقي متسلم عكا مسؤولاً عن جميع أنحاء البلاد من صفد في الشمال إلى رفح في الجنوب. وأصبح لزعماء جبل نابلس الذين تعاونوا مع الحكم المصري من البداية، وبخاصة آل عبد الهادي، اليد العليا في الإدارة المحلية في فلسطين. وقد طبّقت السلطات المصرية في فلسطين جملة من الإصلاحات الإدارية، كان من بينها إنشاء مجالس الشورى أو المشورة في كل مدينة يزيد تعداد سكانها على ألفي نسمة، وتراوح عدد أعضاء كل مجلس من هذه المجالس ما بين 12 و 21 عضواً ينتخبون من أعيان البلد وكبار تجارها. وتمثلت الطائفتان المسيحية واليهودية في هذه المجالس على أساس شبيه بالتمثيل النسبي لمختلف المذاهب. بيد أن صلاحيات هذه المجالس بقيت محدودة، حيث كانت الإدارة المصرية في بلاد الشام شديدة المركزية، وظل المصريون، الذين أُرسلوا من القاهرة، يشغلون المناصب العليا في الإدارة. وبحسب صافي، يبدو أن إقامة تلك المؤسسة القضائية العلمانية، التي هدفت إلى الحد من سلطة المحكمة الشرعية، كان محاولة لإقناع الأوروبيين بأن الحكم المصري حكم حديث.
=== السياسة المصرية تجاه الأقليات الدينية === تحسنت أوضاع الطوائف المسيحية واليهودية كثيراً في ظل الحكم المصري، وذلك بعد أن قررت الإدارة المصرية إلغاء الضرائب والعوائد التي كانت تجمع من هذه الطوائف، ومنحتها قدراً أكبر من الحرية الدينية والسياسية. ففي 6 كانون الأول 1831، أعلم إبراهيم باشا المتسلمين جميعاً في ولاية صيدا وسناجق القدس ونابلس وجنين، بإلغاء جميع عمليات الابتزاز المالي للمسيحيين واليهود وإلغاء الإجراءات التمييزية بحقهم، وباتت المساواة الدينية هي الكلمة المفتاح للإدارة المصرية التي أدخلت مصطلح المساواة أمام القانون. كما أولت هذه الإدارة اهتماماً خاصاً للنشاط التبشيري. وفي عام 1832، أرسل إبراهيم باشا مذكرة إلى علماء وأئمة ومشايخ وأشراف القدس، دعاهم فيها إلى تطبيق أوامره "برفع كافة العوائد المرتبة على أديرية طائفة العيساوية وطائفة الموساوية والأغفار الموضوعة على الزوار بكافتهم، وحذرهم فيها من مغبة قيام أحد بمد يده لأخذ نصف فضة واحدة من المرتبات والأغفار المذكورة، وإن تجاسر أحد وأخذ بارة الفرد إن كان من أغفار أو من عوائد أو من شي من هذا حالاً يقع عليه القبض بمعرفة متسلم آغا وينوضع بالسجن..." وبحسب الخوري بولس قرألي، الذي كتب كلمة الناشر لكتاب حروب إبراهيم باشا المصري في سوريا والأناضول، لم تكن علاقات الحكم المصري بمسيحيي بلاد الشام، وبخاصة في جبل لبنان، وليدة الغزو، وإنما كانت تعود إلى سنة 1816، عندما قام محمد علي باشا باستدعاء نحو ثلاثين أسرة من مسيحيي لبنان الموارنة للاشتغال بتربية دودة الحرير وأحلّهم في شبرا وبهتيم. وفي سنة 1818، أقطعت الحكومة المصرية لجالية ثانية من مسيحيي لبنان الموارنة أكبر عدداً من الأولى، أربعة آلاف فدان في الوادي الشرقي بقرب الزقازيق. ويُعتقد بأن هؤلاء المسيحيين اللبنانيين "المتمصرين" ساهموا في تمهيد السبيل للمحالفة السرية التي عقدت في سنة 1824 بين محمد علي باشا وبين الأمير بشير الشهابي حاكم جبل لبنان، وذلك على أثر زيارة هذا الأخير لمصر. ويتابع قرألي بأن موارنة لبنان كانوا الموالين الوحيدين لإبراهيم باشا والقوة الوحيدة التي أمكنه أن يعتمد عليها في سوريا، حيث قَدِم الأمير بشير بنفسه مع فرقة لبنانية لمؤازرة القوات المصرية التي كانت تحاصر عكا، فكان ذلك منه مجاهرة بعصيان عبد الله باشا حاكم عكا وصاحب الولاية على لبنان وفلسطين وإعلاناً للحرب على الدولة العثمانية التي خرج عليها محمد علي باشا. كما قام الأمير بشير وعساكره بحفظ الأمن في البلاد المغلوبة وجباية الأموال الأميرية وإخماد الفتن والثورات.
=== السياسة المالية والضريبية في ظل الحكم المصري === سعت السلطات المصرية إلى مكافحة الفساد الذي كان منتشراً بين موظفي الإدارة، كما حاولت توحيد النظام النقدي وتثبيت قيمة العملة، وطمحت، من دون نجاح كبير، إلى إلغاء نظام الالتزام في سورية وفلسطين على النحو الذي فعلته في مصر. وبهدف تغطية العجز المستمر في ميزانيتها، فرضت السلطات المصرية على سكان فلسطين جملة من الضرائب المباشرة وغير المباشرة. فإلى جانب ضريبة الميري والخراج، أضيفت ضريبة مباشرة جديدة هي "الفردة" أو "الفرضة"، التي كانت تؤخذ من كل فرد بين الثامنة عشرة والستين، والتي أصبحت من أهم موارد الخزينة المصرية، وضريبة "الشونة"، وهي عبارة عن غلال من الحنطة والشعير والزبيب والسمن وغير ذلك كانت تجمع من كل بلد بطريقة نسبية لمؤونة الجيش المصري. كما كان يجري اللجوء، في أحيان كثيرة، إلى السخرة والمظلمة، التي كان يئن منها ضعفاء الحال من السكان ويعدونها أثقل الضرائب وأذلها لنفوسهم، حيث كانت السلطات المصرية تسخّرهم مع دوابهم لأغراض الحكومة، ليس في وقت الحرب فحسب بل في أيام السلم أيضًا. وكانت هذه السخرة تقع أحياناً في زمن الفلاحة فتصيب الفلاح المسكين من جرائها أضرار جسيمة، حتى أن كثيرين منهم كانوا يقتلون دوابهم ويذبحون بهائمهم فراراً من هذه المظلمة. كما فرضت السلطات المصرية على السكان عدة ضرائب غير مباشرة، مثل الجمارك ورسوم الدخان والمواشي والقطن والزواج والحمامات والصابون والطواحين وغيرها.
=== السياسات الاقتصادية في ظل الحكم المصري === شهدت فترة الوجود المصري في بلاد الشام، وكما يذكر خالد صافي، تعمير مئات القرى، وكان كثير منها في فلسطين. كما شهدت اتّخاذ العديد من الترتيبات لتوسيع زراعة الزيتون، وتشجيع التوسع في زراعة المحاصيل التجارية، مثل القطن، وحبوب السمسم، بالإضافة إلى محاولات لتحسين الثروة الحيوانية. وعلى الصعيد التجاري، شهدت التجارة الشامية عموماً، بما فيها تجارة فلسطين، انتعاشاً مثيراً تحت الحكم المصري، حيث فتح المصريون البلاد واسعة أمام التجارة الأوروبية، كما تزايد حجم التجارة بين مصر وسورية. وكما فعل في مصر، أراد محمد علي باشا أن يطبّق سياسة الاحتكار في سورية وفلسطين بهدف حماية موارده، فاحتكرت السلطات المصرية إنتاج الحرير وتجارة البن وتجارة الأصواف، وجمعت جلود الأغنام والأبقار لنقلها إلى مصر. بيد أن المصريين فشلوا، كما يبدو، في بناء نظام احتكار قوي في فلسطين، على نحو ما فشلوا في مصر، علماً بأن سياستهم الاحتكارية التي امتدت لتشمل كل سلعة تقريباً، ألحقت ضرراً بالتجارة والزراعة. وعلى الصعيد الصناعي، سعى المصريون إلى تحسين وسائل وتقنيات الإنتاج، حيث جلبوا الآلات من أوروبا لتحسين نوعية إنتاج الحرير، كما أنشأوا، بهدف تلبية حاجات جيوشهم بدرجة رئيسية معملاً للحديد في عكا، ومعملاً لصناعة أحذية الجنود، كما أقاموا معملاً للعباءات، وتمّ تصنيع 500 مرجل للصابون، وتشييد طاحونة هوائية على جبل صهيون في القدس من أجل تزويد الجيش بالطحين. وقد تسبب لجوء المعامل المصرية إلى العمل الإلزامي وسياسة التجنيد العام في تدهور عمل المعامل بسبب فرار العديد من الحرفيين إلى الجبال.
=== السياسات الخدمية في ظل الحكم المصري === كان نظام التعليم العام من أهم إنجازات الحكم المصري في بلاد الشام، ومنها فلسطين. فمنذ سنة 1835، أقام المصريون عدداً من المدارس الحكومية في المدن الرئيسية. ولمواجهة معارضة الفلاحين تسجيل أبنائهم في المدارس الحكومية، أصدر المتسلمون أوامر بأن يتم الإمساك بالأطفال من عمر عامين من أجل إدخالهم في تلك المدارس. ولتجاوز النقص في عدد المعلمين، استدعت السلطات المصرية معلمين من مصر، وتمّ جلب الكتب التي طبعتها الحكومة المصرية في مطبعة بولاق في مصر إلى المدن السورية. ونتيجة التسهيلات التي منحت إلى الإرساليات التبشيرية، أقيم العديد من المدارس الخاصة للأقليات. ووفّر الحكم المصري خلال فترة وجوده في بلاد الشام بداية نظام تعليمي عام شكل تحدياً لاحتكار التعليم الديني التقليدي. كما شهد النظام الصحي تطوّراً لافتاً في ظل الحكم المصري، حيث أقيم العديد من المستشفيات العسكرية في المدن الفلسطينية والسورية الرئيسية، مثل عكا وشفاعمر وقرية ترشيحا وغزة. كما اهتمت السلطات المصرية بالصيدليات. وكان يوجد في كل متسلمية مدير للصحة يدعى ناظر الصحة. وتمّ إنشاء كليات للطب والصيدلة لتعليم السكان، وكانت كبراها في صيدا. وفي بيروت، أقيم المحجر الصحي الرئيسي في سورية سنة 1834. (صافي، الحكم المصري في فلسطين، ص 215-220). وفي مجال الاتصالات، طوّرت السلطات المصرية، لضرورات سياسية وعسكرية في الأساس، الخدمات البريدية في بلاد الشام، حيث أمرت بترميم مكاتب البريد في المدن الرئيسية، وبإصلاح الطريق بين مصر وسورية، كما جلبت عدداً من المصريين للعمل في مكاتب البريد (صافي، الحكم المصري في فلسطين، ص 220-221).
== الثورة على الحكم المصري == شهدت فلسطين في سنة 1834 ثورة واسعة على الحكم المصري، تفجّرت نتيجة عوامل رئيسية ثلاثة هي: الضرائب الباهظة التي فرضتها السلطات المصرية على السكان وإجبارهم على أعمال السخرة، ومحاولتها نزع السلاح من أيديهم، وسياسة التجنيد الإجباري التي اتّبعتها وطبّقتها بحزم. ففي بداية سنة 1834، أصدر محمد علي باشا أوامره إلى نجله إبراهيم بتجنيد 15000 شاب للجندية من بلاد الشام، علماً بأن هذا التجنيد، الذي كانت مدته غير محدودة، وسبّب العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للعائلات التي تم تجنيد رجالها. وبالإضافة إلى هذه العوامل الرئيسية الثلاثة، اندلعت الثورة في فلسطين نتيجة تعاظم استياء النخبة الدينية في القدس وعلماء فلسطين بصورة عامة من سياسات السلطات المصرية، التي جرّدت هذه النخبة الدينية من دورها التقليدي كوسيط بين السلطات والسكان، وقلّصت عدد أعضائها في مجالس الشورى الجديدة. وكذلك نتيجة تعاظم استياء العائلات التقليدية من الدور الكبير الذي راحت تلعبه في الإدارة عائلة عبد الهادي، التي صارت تتصرف بكبرياء، مستحوذة على أكثر من حقها المقبول من السلطة والموارد، وتنامي العداء للحكم المصري بين صفوف البدو الذين وجدوا في هذا الحكم تهديداً حقيقياً لمصالحهم واستقلاليتهم. انطلقت الثورة من جبال القدس ونابلس والخليل حيث أوقع الثوار الجيش المصري في كمين وأبادوا نصفه وشتتوا فلوله، ثم سقطت فلسطين كلها تقريباً، باستثناء مدن غزة والقدس ويافا وعكا، في أيدي الثوار، وامتدت نار الثورة إلى عكار وجبال اللاذقية. واضطر إبراهيم باشا أن يلجأ إلى دير الافرنج في يافا ويتحصن فيه، في انتظار النجدة التي طلبها من والده محمد علي باشا، الذي أبحر من الإسكندرية على رأس أكثر من 15000 جندي ووصل يافا في 30 حزيران 1834. وتيقن زعماء الثوار، مثل قاسم الأحمد وعبد الله الجرار وعيسى البرقاوي، أنه لا قدرة لهم على مواجهة الدولة المصرية، فدعوا إلى إجراء مفاوضات بينهم وبين إبراهيم باشا في محاولة للتوصل إلى مصالحة، لكن محمد علي ونجله قررا قمع الثورة بالقوة لا عقد المصالحة، ونجحا بالفعل خلال مدة قصيرة لا تتعدى أربعة أشهر في قمع الثورة في فلسطين بالتعاون مع بشير الشهابي وحسين عبد الهادي. وبخصوص الدور الذي لعبه الأمير بشير الشهابي في قمع الثورة، يذكر الخوري بولس قرألي أن محمد علي باشا كتب إلى أمير جبل لبنان وسلّمه ولاية الثغور السورية كلها من اللاذقية حتى حيفا بما فيها صفد وطبرية والناصرة وملحقاتها، وطلب إليه ان يجيّش خمسة عشر ألفاً من اللبنانيين متعهداً أن يعفيهم إلى ما شاء الله من الضرائب والتجنيد. فهب الأمير بشير مع رجاله لإعادة هيبة الحكومة المصرية، فقام بنفسه إلى صفد وبعث ولده الأمير خليل لإخضاع آل عكار وجبال اللاذقية فقضى اللبنانيون في هذه الجهات أشهرًا لإعادة النظام.
== نتائج هزيمة الثورة == يعتبر عادل مناع أن الضربة العسكرية والسياسية التي أنزلها إبراهيم باشا بفئة المشايخ الذين قادوا الثورة وفئة أعيان المدن الذين ساندوهم كانت بداية النهاية بالنسبة إلى الزعامات المحلية شبه المستقلة التي تبلورت في مناطق الريف منذ القرن الثامن عشر. ولم تكتفِ السلطات المصرية بإعدام ونفي العشرات من المشايخ والأعيان، ومن جملتهم الشيخ مسعود الماضي وأولاده، وإنما قامت بتدمير قرى كثيرة وإحراقها، وألحقت أضراراً كبيرة ببعض المدن مثل صفد والخليل، كما فرضت غرامات باهظة على الأهالي، ونزعت السلاح من أيديهم وساقت المئات من الشبان إلى التجنيد الإجباري، كما جنّدت نحو عشرة آلاف شخص من أنحاء فلسطين ولا سيما من الفلاحين، وأُرسلوا إلى مصر بالسفن، ففرغ الكثير من القرى من شبابها وخصوصاً بعد أن كانت قد خسرت الكثيرين منهم قبل ذلك خلال أشهر الثورة. ويبدو أن كل هذه الممارسات القمعية خلفت حقداً في قلوب الشعب، الذي ظل على استعداد للتمرد ثانية، الأمر الذي فتح الباب أمام ثورات أخرى في عدة مناطق من سورية، ساهمت في انهيار الحضور المصري في فلسطين وسورية.
=== ازدياد النفوذ الأجنبي في فلسطين === بعد انتهاء الثورة بهزيمتها، ازداد دور القناصل الأجانب الذين صاروا يتدخلون في الشؤون الداخلية للبلاد بحجة مساعدة الطوائف التي بسطوا حمايتهم عليها. وكان إبراهيم باشا قد شجّع التغلغل السياسي والديني-الثقافي الأوروبي وسهّله من خلال السماح بفتح قنصليات في المدن الداخلية مثل دمشق. وفي فلسطين، كان التطور الأهم هو فتح القدس أمام القنصليات الأوروبية، حيث توّج البريطانيون نفوذهم بافتتاح أول قنصلية أوروبية في القدس سنة 1838، كانت فاتحة عهد جديد من توسع نفوذ قناصل الدول الأجنبية، التي افتتحت قنصليات لها في القدس. وبينما تحوّل القناصل بسرعة إلى فاعل رئيسي في حياة البلاد، كثفت الجمعيات التبشيرية نشاطها منذ الثلاثينيات، كما زاد اليهود الأوروبيون في هجرتهم إلى القدس، وخصوصاً من هولندا وألمانيا، وحصلوا على الحماية من الدول الأوروبية كروسيا وبريطانيا والنمسا، حيث وجد في الخليل وحدها أكثر من مئتي يهودي يتمتعون بالحماية الأجنبية. بيد أن السلطات المصرية، وعلى الرغم من التسهيلات التي منحتها لليهود، بقيت حازمة في دفاعها عن حرمة الحرم الشريف في القدس، وظلت مصرةً على منع اليهود من البناء في المناطق الملاصقة له، وهو ما يتبيّن من المذكرة التي أرسلها محمد شريف باشا، حكمدار أيالات بر الشام، إلى أحمد آغا دزدار، متسلم القدس، بتاريخ 24 ربيع الأول سنة 1256، والتي يؤكد فيها ضرورة منع اليهود من تبليط محل ملاصق لحائط الحرم الشريف، وتحذيرهم من رفع الأصوات وإظهار المقالات، على أن تُعطى لهم فقط الرخصة بالزيارة على الوجه القديم.
== نهاية الحكم المصري وأثره == في 25 أيار 1838، أعلن محمد علي باشا تصميمه على أن يجعل من مصر وسورية مملكة وراثية مستقلة، الأمر الذي عاظم من مخاوف السلطان العثماني ودفعه إلى التقرّب أكثر من القوى الأوروبية. ففي 16 آب 1838، وقّعت بريطانيا مع السلطنة العثمانية اتفاقية تجارية حملت اسم معاهدة بلطة ليمان، كانت فاتحة لاتفاقيات تجارية مماثلة وقّعتها دول أوروبية أخرى مع السلطنة. وقد تركت هذه الاتفاقيات تأثيراً سلبياً كبيراً على تجارة الدولة المصرية. وفي 24 حزيران 1839، اندلع القتال بين القوات العثمانية والمصرية، حيث لقي العثمانيون هزيمة قاسية في معركة نصيبين. وكان في وسع المصريين مواصلة تقدمهم نحو إستانبول لولا تدخل القوى الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها بريطانيا، التي أكدت للسلطان العثماني الجديد، عبد المجيد الأول، الذي اعتلى العرش في تموز 1839، حرصها على ضمان وحدة أراضي السلطنة العثمانية واستقلالها. وفي 15 تموز 1840، تمّ التوقيع في لندن على معاهدة بين بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا، من جهة، والدولة العثمانية، من جهة ثانية، ونصت معاهدة لندن على تسليم محمد علي ولاية مصر على أساس وراثي في مقابل انسحاب قواته من بلاد الشام. وبعد التوصل إلى هذه المعاهدة مباشرة، أبحر الأسطولان البريطاني والنمساوي نحو بيروت وسيطرا عليها في 10 تشرين الأول 1840. ولم يعد أمام محمد علي باشا سوى الموافقة على العرض الذي تضمنته المعاهدة، وهو ما فعله، في 27 تشرين الثاني، عندما وقّع اتفاقاً مع البريطانيين يتضمن موافقته على سحب جيوشه من بلاد الشام في مقابل الاعتراف له بولاية وراثية على مصر. وهكذا، انسحبت القوات المصرية من دمشق في 30 كانون الأول 1840، ووصلت إلى غزة في 1 شباط 1841 لتعبر الحدود إلى مصر. وبخصوص الآثار التي تركتها سياسات الحكم المصري في بلاد الشام، ومن ضمنها فلسطين، على الصعيد الديموغرافي، يذكر خالد صافي أنه بينما تسببت الحروب وسياسات التجنيد الإلزامي والضرائب العالية في إفراغ مناطق عديدة من عدد كبير من سكانها، وبخاصة من الشبان، حاول الحكم المصري التحفيز على النمو السكاني من خلال التشجيع على الزواج وتحديد المهور. وفي الوقت الذي وصل فيه إلى فلسطين عدد كبير نسبياً من اليهود من دول أوروبا، تواصل هروب الفلاحين من مصر إلى فلسطين، بحيث أصبح الوجود المصري جزءاً من النسيج الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني. وعند انتهاء الحكم المصري، هرب كثيرون من الجنود والضباط من الجيش المصري وانضموا إلى العثمانيين، واستقروا في فلسطين ومناطق أخرى من سورية. وعلى الصعيد السياسي، ترافق انسحاب القوات المصرية من بلاد الشام مع انطلاق سياسات الإصلاح العثمانية، التي عُرفت باسم التنظيمات، حيث واصلت السلطات العثمانية، التي استعادت سيطرتها على بلاد الشام، السياسات نفسها تقريباً التي تبنّاها الحكم المصري في مجال الإدارة، من خلال الحفاظ على مؤسسة مجلس الشورى، وفي مجال التعامل مع الأقليات الدينية، من خلال إعلانها عن حماية المسيحيين وضمان حريتهم الدينية. وعلى الصعيد الاقتصادي، راحت مدينتا يافا وحيفا الساحليتان تتحوّلان بالتدريج إلى مدينتين كبيرتين وحديثتين، وأصبحتا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، رأسي جسر اقتصاديين للتجارة المتنامية مع أوروبا.
== الجدل حول الحكم المصري كفاتحة "تحديث" فلسطين == يخالف الباحثان عادل مناع وخالد صافي الباحثين الذين يعتبرون أن عملية "تحديث" فلسطين بدأت مع الاحتلال المصري لبلاد الشام. فبالنسبة للأول، لم تؤدِ سياسة الإصلاحات التي اتبعتها الإدارة المصرية إلى تغييرات جذرية في البنية الاجتماعية-الاقتصادية في فلسطين. كما أن إجراءاتها الإدارية، ولا سيما إقامة مجالس الشورى، لم تتعدَ كونها إصلاحات هامشية لم تمس بنية الهرم الاجتماعي القائم ولا صيغة العلاقة القائمة بين الأهالي ومؤسسات الدولة. أما النفوذ الأوروبي، الذي راح يتوسّع باطراد منذ عهد ظاهر العمر، فقد ارتقى درجة جديدة خلال الثلاثينيات، أي أن التغيير لا يتعدى كونه تغييراً كمياً لا تغييراً نوعياً. ويستخلص مناع، في النهاية، أن الإصلاحات المصرية في بلاد الشام جاءت، في معظمها، لخدمة الدولة في مجالات الضرائب والتجنيد ومركزية الإدارة، ولم تترك آثاراً بعيدة في المجتمع وثقافته وبنيته الاقتصادية، كما أن الفترة القصيرة التي حكم فيها محمد علي باشا في بلاد الشام لم تعطه الفرصة لتجذير التغييرات التي بدأ تطبيقها قياساً بما قام به فعلاً في مصر. ومن جهته، يعتبر خالد صافي أن "التحديث" الذي شهدته فلسطين خلال الحكم المصري تمّ فرضه من الأعلى وضد إرادة السكان، وأن الحكم المصري عمل على تسريع عملية التغيير، لكن لم يكن هو الذي أوجدها، بحيث يمكن اعتبار المرحلة المصرية مرحلة انتقالية بين التغييرات التي جرت في القرن الثامن عشر والتحولات الحاسمة التي حدثت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فالمجتمع الفلسطيني كان مجتمعاً ديناميكياً باستمرار، وعملية التغيير التي شهدها نجمت بفعل أوضاع خارجية وداخلية، سياسية واقتصادية ودينية وثقافية، انطلقت منذ النصف الأول من القرن الثامن عشر، وقبل فترة طويلة من الحكم المصري.
== انظر أيضًا == معركة الخليل حصار القدس حصار الكرك قاسم الأحمد



