مجزرة النوير هي عملية قتل جماعي وقعت بين 15 و18 ديسمبر 2013، واستهدفت آلاف المدنيين من النوير في جوبا، عاصمة جنوب السودان. ونُفذت المجزرة على يد جنود من قبيلة الدينكا ينتمون إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، والحرس الرئاسي المعروف باسم «كتيبة النمر»، وقوات ماثيانغ أنيور، بدعم من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية، وبإشراف الرئيس سلفا كير ميارديت ومجلس أعيان الدينكا وعدد من كبار القادة العسكريين داخل الجيش الشعبي لتحرير السودان. قُتل خلال أربعة أيام ما يقارب 20 ألف مدني من النوير، ما أثار موجة غضب واسعة في ولايات جونقلي وولاية أعالي النيل وولاية الوحدة، وأدى إلى هجمات انتقامية متكررة ضد الدينكا نفذها جيش النوير الأبيض وجنود نوير منشقون عن الجيش الشعبي لتحرير السودان، وهو ما شكّل بداية الحرب الأهلية في جنوب السودان. كما أدت المجزرة إلى توسيع مواقع حماية المدنيين التابعة لـبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان في أنحاء البلاد. واستمرت الحرب الأهلية حتى عام 2018، وأسفرت عن نحو 400 ألف وفاة إضافية بين المدنيين. وصفت الأمم المتحدة المجزرة بأنها تطهير عرقي، بينما صرحت وزيرة التنمية الدولية البريطانية بريتي باتل عام 2017 بأن أعمال القتل المستمرة في جنوب السودان «تحمل أسس إبادة جماعية».
== الخلفية == في يناير 2013 أحال الرئيس سلفا كير عشرات الضباط الكبار في الجيش إلى التقاعد، ثم أقال في يوليو من العام نفسه كامل حكومته، بما في ذلك نائبه رياك مشار والأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم. وجاء ذلك بعد إعلان مشار نيته الترشح ضد كير في الانتخابات الرئاسية لعام 2015. أثارت هذه الإقالات مخاوف من عدم الاستقرار في الدولة الفتية الخارجة حديثًا من الحرب الأهلية السودانية الثانية. ووفقًا لبعض الباحثين، فإن هذه الخطوات هدفت إلى منع انتقال ديمقراطي للسلطة في جنوب السودان. وفي هذه الأثناء، عزز كير نفوذ مجلس أعيان الدينكا، وهو مجلس سياسي يضم شيوخ وزعماء قبيلة الدينكا، كما بدأ سرًا في تجنيد ميليشيا قبلية عُرفت باسم ماثيانغ أنيور أو «كتيبة النمر»، بقيادة بول مالونغ أوان.
== المجزرة == يُعتقد أن المجزرة اندلعت عقب خلاف داخل الحرس الرئاسي، بعد صدور أوامر بنزع سلاح بعض الجنود، حيث جرى تجريد الجنود المنتمين إلى النوير فقط من أسلحتهم، ما أدى إلى اندلاع إطلاق النار. في مساء 15 ديسمبر 2013، وبعد ما وُصف بمحاكاة انقلاب داخل ثكنات «جيادا» العسكرية، جرى استدعاء وتسليح «كتيبة النمر» في جوبا، لتبدأ لاحقًا عمليات قتل جماعي استهدفت النوير على أساس عرقي. وأفادت تقارير بأن العملية كانت منظمة ومنهجية، حيث أقيمت نقاط تفتيش في أنحاء جوبا، ثم نُفذت عمليات تفتيش منزلية وقتل مباشر للمدنيين من النوير. وفرّ آلاف المدنيين إلى مواقع الأمم المتحدة طلبًا للحماية، فيما استمرت عمليات القتل حتى 19 ديسمبر. وبحسب تقارير متعددة، تراوح عدد الضحايا بين 15 ألفًا و20 ألف قتيل، بينهم نساء وأطفال، مع ورود تقارير عن حالات اغتصاب جماعي وأكل لحوم بشر. كما تحدثت شهادات عن نقل الجثث بشاحنات عسكرية وإلقائها في نهر النيل، إضافة إلى دفن جماعي وحرق بعض الجثث داخل المدينة.
=== مجزرة قوديلي === في ليلة 16 ديسمبر 2013، قامت قوات من الجيش والشرطة بجمع ما بين 200 و400 مدني من النوير داخل مركز شرطة قوديلي، ثم أطلقت النار عليهم بشكل عشوائي داخل غرفة مكتظة. وأدان المسؤول الأممي إيفان شيمونوفيتش هذه الجريمة ووصفها بأنها «فظائع مروعة»، واتهم الرئيس سلفا كير بالتقليل من شأن المجزرة التي نفذها جنود تابعون له.
== الضحايا == خلال أربعة أيام فقط، قُتل أكثر من 20 ألف مدني من النوير في جوبا. كما أدت الحرب التي اندلعت بعد المجزرة إلى مقتل نحو 400 ألف شخص ونزوح أكثر من 2.24 مليون شخص داخل جنوب السودان وخارجه.
== الجناة == نُفذت المجزرة على يد قوات أمنية يغلب عليها أبناء الدينكا، واعتبرت تقارير حقوقية أن طبيعة الهجمات أظهرت مستوى عاليًا من التنظيم والتخطيط المسبق. وخلصت لجنة التحقيق التابعة للاتحاد الإفريقي إلى أن المجزرة نُفذت «في إطار سياسة دولة»، وأن تنفيذها لم يكن ممكنًا دون تعاون من جهات عسكرية وحكومية متعددة.
== التدخل الأوغندي == بعد أيام من اندلاع المجزرة، أرسلت أوغندا وحدات من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية إلى جنوب السودان دعمًا لحكومة سلفا كير. وفي يناير 2014 اعترفت أوغندا رسميًا بمشاركة قواتها في القتال إلى جانب الجيش الحكومي ضد قوات النوير الموالية لرياك مشار، وهو ما أثار انتقادات إقليمية ودولية. كما وردت تقارير عن استخدام ذخائر عنقودية خلال المعارك قرب مدينة بور، لكن حكومتي أوغندا وجنوب السودان نفتا تلك الاتهامات.
== ردود الفعل == وصفت عدة منظمات دولية المجزرة بأنها تطهير عرقي، فيما دعا البابا فرنسيس إلى السلام والمصالحة في جنوب السودان. كما أعربت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان عن قلقها العميق من أعمال العنف، بينما طالبت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) بوقف القتال فورًا. ودعت الولايات المتحدة وبريطانيا رعاياهما إلى مغادرة جنوب السودان مع تصاعد أعمال العنف في جوبا.
== التأثير == أظهرت دراسات أكاديمية لاحقة أن المجزرة ساهمت في تعميق الكراهية العرقية بين الدينكا والنوير، كما كشفت أبحاث أجريت على اللاجئين في أوغندا أن أبناء النوير تعرضوا لمستويات أعلى بكثير من العنف والاستهداف مقارنة بمجموعات إثنية أخرى.