ثورة الهند سنة 1273-1274هـ الموافق 1857-1858م، وسميت أيضا ثورة السيبوى. تلك الثورة وإن انتهت بالفشل إلا أنها عدت من كبرى الثورات الهندية ضد حكم شركة الهند الشرقية البريطانية التي كانت بمثابة سلطة ذات سيادة نيابة عن التاج البريطاني. بدأت الثورة في 10 مايو 1857 في شكل تمرد من جنود جيش الشركة في حامية بلدة ميروت، على بعد 40 ميل (64 كـم) شمال شرق دلهي (دلهي القديمة الآن). ثم مالبثت أن اندلعت في حاميات أخرى ومعها انتفاضات مدنية، وتركزت في سهل الغانج الأعلى ووسط الهند، وقد اندلعت تمردات وثورات أخرى في الشمال والشرق. شكلت تلك الثورة تهديدًا كبيرًا للقوة البريطانية في تلك المنطقة، ولم يتم احتواؤها إلا مع هزيمة المتمردين في قاليور يوم 20 يونيو 1858. ثم منح البريطانيون في 1 نوفمبر 1858 العفو لجميع المتمردين الذين لم يشاركوا في القتل، على الرغم من أنهم لم يعلنوا انتهاء الأعمال القتالية رسميًا حتى 8 يوليو 1859. وأطلق على التمرد العديد من الأسماء، مثل تمرد السيبوي والتمرد الهندي والتمرد الكبير وثورة 1857 وحرب الاستقلال الأولى. من الأسباب التي أدت إلى تمرد الهنود هو الاستياء النابع من عدة تصورات، منها غزو النمط البريطاني للحياة الاجتماعية، والضرائب القاسية على الأراضي، مقابل المعاملة اللينة للأمراء وملاك الأراضي الأثرياء، بالإضافة إلى التشكيك حول التحسينات التي أحدثها الحاكم البريطاني. ومع أن العديد من الهنود قد ثاروا ضد البريطانيين؛ إلا أن الكثير أيضا قد قاتل إلى جانبهم، ولكن ظلت الغالبية متوافقة على ما يبدو مع الحكم البريطاني. كانت تكلفة التمرد من حيث المعاناة الإنسانية هائلة. فدمرت دلهي ولكنو بسبب نهب البريطانيين المنتصرين وحرقهم تلك المدن. وأبيدت قرى ريفية بسبب المقاومة، كما في أجزاء من أوده. وغالباً ما قُتل المتمردون وأنصارهم. وكذلك قُتِل الضباط البريطانيين آمري أفواج السبيوي، بالإضافة إلى المدنيين البريطانيين من نساء وأطفال. بعد اندلاع التمرد في ميروت وصل المتمردون بسرعة إلى دلهي، فأعلن حاكمها المغولي بهادور شاه ظفر ذو ال81 عاما ملكا على هندوستان. وبعدها بفترة وجيزة استولى المتمردون على مساحات كبيرة من المقاطعات الشمالية الغربية وأوده. فجاء رد شركة الهند الشرقية سريعا. فبعد وصول التعزيزات تمكنت من استعادة كانبور بحلول منتصف يوليو 1857، ثم دلهي بحلول نهاية سبتمبر. ولكن استغرق الأمر ماتبقى من 1857 ومعظم 1858 لتتمكن من قمع التمرد في جانسي ولكنو وبالإضافة إلى ريف أوده. وبقيت مناطق هندية أخرى تحت سيطرة الشركة هادئة مثل مقاطعة البنغال ورئاسة بومباي ورئاسة مدراس. وفي البنجاب ساعد أمراء السيخ الجيش البريطاني بقوة من خلال توفير الجند والدعم. لم تنضم الولايات الأميرية الكبيرة مثل: حيدر أباد وميسور وترافنكور وكشمير والولايات الأصغر مثل راجبوتانا إلى الثورة. فحياديتهم خدمت البريطانيين، فوصفها الحاكم العام اللورد كانينج بإنها "مانعة لأمواج العاصفة." اتخذ المتمردون في بعض المناطق، وعلى الأخص في أوده سمات الثورة الوطنية ضد الاضطهاد الأوروبي. إلا أن قادة التمرد لم يعلنوا عن أي بنود كانوا يؤمنون بها أو بشروا بنظام سياسي جديد. ولكن مع ذلك فقد أثبت التمرد أنه مثل نقطة تحول مهمة في تاريخ الهند والإمبراطورية البريطانية. فالنتائج كانت حل شركة الهند الشرقية، وأجبر البريطانيين على إعادة تنظيم الجيش والنظام المالي والإداري في الهند، من خلال إقرار قانون حكومة الهند لسنة 1858. وبعدها أصبحت الهند تدار مباشرة من الحكومة البريطانية بنظام جديد، وهو الراج البريطاني. وفي الأول من نوفمبر 1858 أصدرت الملكة فيكتوريا إعلانًا للهنود، مع أنها تفتقر إلى سلطة الحكم الدستوري، إلا أنها وعدتهم بحقوق مماثلة لحقوق الرعايا البريطانيين الآخرين. ولكن بعد عقود عندما لم تكن تلك الحقوق دوما قابلة للتطبيق، كان الهنود دائما يشيرون إلى إعلان الملكة كمرجعية في مطالباتهم المتزايدة بقوميتهم الجديدة.
تمدد شركة الهند الشرقية في الهند
يعود وجود شركة الهند الشرقية البريطانية في الهند إلى سنة 1612، حيث كانت تدير مناطق الشحن العابر للأغراض التجارية البحتة، إلا أن انتصارها في معركة بلاسي في 1757 مثل بداية موطئ قدم قوي للشركة في شرق الهند. ثم ازدادت الشركة قوة بعد انتصارها في معركة بوكسار سنة 1764 على السلطان المغولي شاه عالم الثاني. وبعد هزيمته منح الشاه المغولي الشركة الحق في «تحصيل الإيرادات» في مقاطعات البنغال (البنغال الحديثة وبيهار وأوديشا)، وعرفت عند الشركة باسم «ديواني». وسرعان ماوسعت الشركة أراضيها حول قواعدها في بومباي ومدراس. واشعلت لاحقا الحروب الأنجلو-ميسور (1766-1799) وحروب الأنجلو-مارثا (1772-1818) فاستولت على المزيد من أراضي الهند. واندلعت سنة 1806 تمرد فيلور بسبب لوائح الزي العسكري الموحد الذي خلق استياء عند السيبوي الهندوس والمسلمين. مع بزوغ القرن التاسع عشر، بدأ الحاكم العام ويلسلي ماسمي عقدين من التوسع السريع لأراضي الشركة. وقد تحقق ذلك إما عن طريق تحالفات فرعية بين الشركة والحكام المحليين أو عن طريق الضم العسكري المباشر. خلقت التحالفات الفرعية الولايات الهندية للمهراجات الهندوس والنواب المسلمين. فألحقت البنجاب والمقاطعة الحدودية الشمالية الغربية وكشمير بعد حرب الأنجلو السيخ الثانية سنة 1849؛ إلا أنهم باعوا كشمير فورا بموجب معاهدة أمريتسار 1846 إلى سلالة دوجرا في جامو، وبالتالي أصبحت ولاية أميرية. تسبب النزاع الحدودي بين نيبال والهند البريطانية والذي ازداد حدة بعد 1801 إلى اندلاع الحرب الإنجليزية النيبالية في الفترة 1814-1816، مما اخضع الجورخاس المهزومين للنفوذ البريطاني. ثم ضمت بيرار في 1854، وبعدها بعامين ألحقت ولاية أوده. وعمليا اعتبرت الشركة حكومة معظم الهند.
أسباب الثورة
حدث الثورة الهندية سنة 1857 نتيجة لتراكمات من عدة عوامل مع مرور الوقت، ولم يكن بسبب حدث واحد. فقد كان السيبوي جنودا هنود تم تجنيدهم لخدمة جيش الشركة. وقد كان تعدادهم قبل حدوث التمرد هو أكثر من 300,000 سيبوي في الجيش، مقارنة بحوالي 50,000 بريطاني. وقد قسمت تلك القوات إلى ثلاثة جيوش رئاسية: رئاسة بومباي ومدراس والبنغال. قام جيش البنغال بتجنيد الطبقات العليا، مثل راجبوت وبوميهار ومعظمهم من منطقتي أوده وبيهار، بل وقيد تجنيد الطوائف الدنيا في سنة 1855. وعلى النقيض من ذلك كان جيش مدراس وجيش بومباي أكثر الجيوش محلية ومحايدة طبقيا. لذا لم يرغبهما رجال الطبقات العليا. وقد تم إلقاء اللوم جزئياً على سيطرة الطبقات العليا في جيش البنغال على التمردات الأولية التي أدت إلى الثورة.
عندما عين وارين هاستينغز أول حاكم عام للهند سنة 1772، كان إحدى تعهداته هو التوسع السريع في جيش الشركة. نظرًا لأن المشتبه بهم من سيبوي البنغال - الذين حارب الكثير منهم ضد الشركة في معارك بلاسي وبوكسار - أصبحوا مشتبه بهم الآن في أعين البريطانيين، لذا فقد قام هاستينغز بتجنيد الطبقات الأعلى من أقصى الغرب من منطقة راجبوت الريفية ذات الطبقات العليا وبوميهار من أوده وبيهار، وهي ممارسة استمرت لمدة 75 سنة. ومع ذلك من أجل منع أي احتكاك اجتماعي، اتخذت الشركة أيضًا إجراءات لتكييف ممارساتها العسكرية مع متطلبات طقوسهم الدينية. ونتيجة لذلك كان هؤلاء الجنود يتناولون وجباتهم في منشئات منفصلة؛ بالإضافة إلى أن الخدمة خارج البلد لم تكن مطلوبة منهم لأنها تعد ملوثة لطبقتهم، وسرعان اعترف الجيش رسميًا بالمهرجانات الهندوسية. "هذا التشجيع للحالة الطقسية للطبقة العليا قد جعل الحكومة عرضة للاحتجاج، فكلما اكتشف السيبوي تعديا لصلاحياتهم كانوا يتمردون." يقول ستوكس إن «البريطانيين تجنبوا بدقة التدخل في البنية الاجتماعية لمجتمع القرية». مما أبقاه سليما إلى حد كبير. بعد قيام شركة الهند الشرقية بضم أوده في سنة 1856، شعر العديد من جنود السيبوي بالقلق سواء من فقدان ممتلكاتهم، مثل طبقة ملاك الأراضي في بلاط أوده، أو خوفا من أي زيادة في مدفوعات إيرادات الأراضي التي يمكن أن يحققها الضم. كما ذكر مؤرخون آخرون أنه بحلول 1857، كان الجنود الهنود يفسرون وجود المبشرين بأنه دليل على النية الرسمية، فقد كانوا مقتنعين بأن الشركة تدبر تحول جماعي للهندوس والمسلمين إلى المسيحية. على الرغم من أن الإنجيليين مثل وليام كاري وويليام ويلبرفورس قد نجحوا في مطالبهم أوائل ثلاثينيات القرن التاسع عشر بالإصلاح الاجتماعي، مثل إلغاء الستي والسماح بتزويج الأرامل الهندوس، ولكن لاتوجد أدلة قوية تدل على تأثر ولاء السيبوي بهذين السببيين. ومع ذلك فإن التغيير في شروط الخدمة المهنية قد خلق استياءًا. فمع توسع نطاق حكم شركة الهند الشرقية بانتصارات في الحروب أو الضم، أصبح على الجنود السيبوي أن يخدموا في المناطق قليلة الشهرة مثل بورما، بالإضافة الغاء عن مكافأة «الخدمة الخارجية» التي كانت مستحقة في السابق. كان السبب الرئيسي للاستياء الذي نشأ قبل عشرة أشهر من اندلاع التمرد هو قانون تجنيد الخدمة العامة المؤرخ 25 يوليو 1856. كما ذكر أعلاه فقد أعفي رجال جيش البنغال من الخدمة الخارجية. بحيث تم تجنيدهم فقط للخدمة في المناطق التي يمكنهم المسيرة إليها. وعد الحاكم العام اللورد دالهوسي هذا الأمر شاذًا، حيث أن جميع جنود في جيشي مدراس وبومباي وكتائب «الخدمة العامة» الست في جيش البنغال قبلوا التزامًا بالخدمة في الخارج إذا لزم الأمر. ونتيجة لذلك فإن عبء توفير الوحدات للخدمة الفعلية في بورما لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق البحر. كما وقع القانون من قبل اللورد كانينج خليفة دالهوسي في المنصب، لم يقتض القانون سوى مجندين جدد في جيش البنغال لقبول الالتزام بالخدمة العامة. ومع ذلك كان سيبوي الطبقة العليا خائفة من امتداد ذلك القانون إليهم، وكذلك ربما يمنع الأبناء من اللحاق بآبائهم في خدمة جيش يتمتع بتقاليد قوية لخدمة الأسرة. كانت هناك أيضا شكاوى بشأن مسألة الترقيات على أساس الأقدمية. بالإضافة إلى العدد المتزايد من الضباط الأوروبيين في الكتائب مما جعل الترقيات بطيئة، ولم يصل العديد من الضباط الهنود إلى الرتب العالية إلا في سن متقدمة من الصعب أن يكونوا نشطين فيها.
=== بندقية إنفيلد === أما الشرارة التي اشعلت الثورة فهي ذخيرة بندقية إنفيلد 1853 الجديدة. فكانت تلك البنادق تطلق كرات الميني، وهي ذخيرة أكثر فعالية من البنادق السابقة، وتغطى بلفائف ورقية مطلية بالشحم. ولتلقيم البندقية كان على السيبوي أن يعض الخرطوشة وفتحها لإخراج المسحوق. وقد تردد أن الشحوم المستخدمة في هذه الخراطيش هي شحوم مشتقة من لحم البقر والذي كان مسيئًا للهندوس، وقيل من لحم الخنزير والذي أيضا كان مسيئًا للمسلمين. أشار أحد المسؤولين من الشركة إلى الصعوبات التي قد يسببها ذلك:
ومع ذلك بدأ إنتاج الخرطوشة المطلية الشحوم في فورت ويليام كالكوتا في أغسطس 1856، مشابهة للتصميم البريطاني. وشملت الشحوم المستخدمة الشحم التي قدمته شركة غانغاداره بانيرجي وشركاه الهندية. بحلول شهر يناير انتشرت شائعات في الخارج بأن خراطيش إنفيلد مدهونة بالدهن الحيواني. أصبح ضباط الشركة على دراية بالشائعات من خلال تقارير عن مشاجرة بين سيبوي عالي الطبقة وعامل من طبقة أدنى في دوم دوم. فقد سخر العامل من السيبوي أنه بعضه الخرطوش فإنه يفقد طبقته، مع أن تلك الخراطيش صدرت في تلك الفترة في ميروت فقط وليس في دوم دوم. وسرت أيضا شائعات بأن البريطانيين سعوا لتدمير ديانات الشعب الهندي، وإجبار الجنود المحليين على كسر قانونهم المقدس. وكانت الشركة سريعة في ردع آثار تلك السياسة على أمل أن تهدأ الاضطرابات. وفي 27 يناير، أمر العقيد ريتشارد بيرش السكرتير العسكري بأن تكون جميع الخراطيش الصادرة من المستودعات خالية من الشحوم، وأن السيبوي يمكن أن يشحموها بأنفسهم باستخدام أي مزيج يفضلونه. تم إجراء تعديل أيضًا على المثقاب للتحميل بحيث يتم تمزيق الخرطوشة بالأيدي وليس بالعض. ومع ذلك فقد تسبب هذا في إقناع العديد من جنود السيبوي بأن الشائعات كانت صحيحة وأن مخاوفهم كانت مبررة. بدأت شائعات أخرى بأن الورق الموجود في الخراطيش الجديدة، والذي كان مزججًا وأكثر صلابة من الورق السابق قد تم تشريبه بالشحوم. في فبراير عقدت محكمة تحقيق في باراكبور للوصول إلى أصل تلك الشائعات. فاشتكى الجنود المحليون الذين أتوا شهودا من المغلف «كونه صلب ومثل القماش عند التمزيق»، وقالوا إنه عندما أحرقت الورقة كانت رائحتها شحوم، وأعلنوا أن شكهم في أن الورقة نفسها تحتوي على شحم لا يمكن إزالته من أفكارهم.
=== الاستياء المدني === أما العصيان المدني فقد كان أكثر تنوعًا. وتشكل الثوار من ثلاث مجموعات: النبلاء الإقطاعيون وملاك الأراضي الريفيون تعلقدار والفلاحون. شعر النبلاء الذين فقد الكثير منهم ألقابًا وأملاكًا بموجب مبدأ الانقضاء (Doctrine of lapse) الذي رفض الاعتراف بأبناء الأمراء المتبنين بصفتهم ورثة قانونيين، أن الشركة تدخلت في نظام الميراث التقليدي. ينتمي قادة هذه المجموعة إلى قادة الثوار مثل نانا صاحب وراني لاكشميباي. فالأخيرة كانت على استعداد لقبول هيمنة شركة الهند الشرقية مقابل الاعتراف بابنها المتبني وريثا لزوجها الراحل. وفي مناطق أخرى من وسط الهند، مثل إندور وسوغار حيث لم يحدث فيها هذا الاستيلاء، ظل الأمراء موالين للشركة حتى في المناطق التي ثار فيها السيبوي. أما المجموعة الثانية وهم التعلقدار فقد خسروا نصف أراضيهم الزراعية للفلاحين نتيجة للإصلاحات الزراعية التي جاءت في أعقاب ضم أوده. عندما اكتسب التمرد أرضًا ، احتل التعلقدار بسرعة الأراضي التي فقدوها، ومن المفارقات أن الكثير منهم لم يواجه معارضة كبيرة من الفلاحين بسبب علاقات القرابة والولاء الإقطاعي، وانضم الكثير منهم إلى التمرد، مسببا فزعا كبيرا للبريطانيين. وقد قيل أيضًا أن تقييمات الإنجليز الثقيلة لإيرادات الأراضي في بعض المناطق أدى إلى فقدان العديد من العائلات المالكة للأراضي أراضيها أو الدخول في ديون كبيرة لمقرضي الأموال، مما وفر سبب للمتمردين في النهاية؛ وناصب المتمردون العداء لمقرضي الأموال بالإضافة إلى الشركة. وكان التمرد المدني غير متكافئ للغاية في توزيعه الجغرافي، حتى في مناطق شمال وسط الهند التي لم تعد تحت السيطرة البريطانية. على سبيل المثال، ظلت منطقة مظفرناغار مزدهرة نسبيًا ومستفيدة من مشروع الري للشركة، هادئة طوال الوقت، وبجوارها ميروت التي بدأت فيها الاضطرابات.
تشكك الكثيرون -وبالذات البريطانيون انفسهم- من أن الإصلاح الاجتماعي المستوحى من النفعية والتبشير بالإنجيل، وكذلك إلغاء الستي وإضفاء الشرعية على زواج الأرامل تسبب باعتقاد أن هناك تدخل في تقاليد الديانة الهندية لهدف رئيسي وهو التبشير. لقد فضل المؤرخون الحديثون ومنهم كريس بايلي أن يصوروا ذلك على أنه «صراع المعرفة»، مثل تصريحات السلطة الدينية قبل الثورة، والسماع إلى الشهادات بعد الثورة، ومن ضمنها قضايا مثل «إهانة النساء»، وارتقاء الأشخاص ذوي الطوائف الأدنى بسبب النفوذ البريطاني، والتلوث الناجم من الطب الغربي ومضايقة واحتقار مدارس التنجيم التقليدية. وكانت المدارس التي تديرها أوروبا مشكلة أيضًا: وفقًا لشهادات مسجلة، فقد عم الغضب بقصص تفيد بأن الرياضيات حلت محل الإرشاد الديني، واختير للطلبة قصص تزدري الديانات الهندية، وكذلك فإن التعليم يجعل الفتيات الصغيرات أكثر عرضة للخطر الأخلاقي. كان النظام القضائي بطبيعته غير عادل للهنود. فقد كشفت الكتب الزرقاء الرسمية، (شرق الهند (التعذيب) 1855-1857) التي عُرضت أمام مجلس العموم خلال دورتي 1856 و 1857، أن ضباط الشركة قد سمح لهم بسلسلة طويلة من الطعون إذا أدينوا أو اتهموا بوحشية أو جرائم ضد الهنود. بالإضافة إلى أن السياسات الاقتصادية لشركة الهند الشرقية كانت تثير الإستياء عند العديد من الهنود.
جيش البنغال
كان كل من «الرئاسات» الثلاث التي قسمتها شركة الهند الشرقية الهند لأغراض إدارية محتفظة بجيوشها الخاصة. وكان جيش رئاسة البنغال هو أكبر الجيوش. وعلى عكس الجيشين الآخرين، فقد كان يجند الهندوس من الطبقة العليا والمسلمين الأثرياء نسبيا بكثافة. شكل المسلمون نسبة أكبر من وحدات الفرسان غير النظامية البالغ عددها 18 وحدة داخل جيش البنغال، في حين أن الهندوس كانوا أساسًا موجودون في 84 من أفواج المشاة والفرسان النظامية. لذلك تأثر السيبوي بقوة في اهتمامهم بحيازة الأراضي وعلاقاتهم بالشخصيات التقليدية في المجتمع الهندي. وكانت الشركة في سنواتها الأولى من حكمها تتسامح بل وتشجع امتيازات الطوائف والتقاليد داخل جيش البنغال، التي حصرت جنودها النظاميين تقريبًا من البراهمة وراجبوت المالكين للأراضي في منطقتي بيهار وأوده. عُرف هؤلاء الجنود باسم بوربيا. ومع مرور الوقت أصبحت تلك التقاليد والامتيازات مهددة من خلال تحديث الأنظمة في كلكتا التي بدأت من أربعينيات القرن التاسع عشر، كان السيبوي قد اعتادوا على وضع طقوس عالية جدًا وكانوا حساسين جدًا من أي تلميح قد يلوث طبقتهم. بدا السيبوي تدريجياً غير راضين عن جوانب عديدة من حياة الجيش. فكانت رواتبهم متدنية، وبعد ضم أوده والبنجاب لم يعد الجنود يتلقون رواتب إضافية (باتا) للخدمة هناك، لأنهم لم يعدونها «مهمات أجنبية». فبدأ الضباط الأوربيون ينفصلون عن جنودهم، وفي أحيانا كثيرة كانوا يعاملونهم بدوافع عنصرية. وفي سنة 1856 أصدرت الشركة قانون التجنيد الجديد، والذي جعل نظريًا كل وحدة في جيش البنغال خاضعة للخدمة في الخارج. على الرغم من أنه كان المقصود أن ينطبق فقط على المجندين الجدد، إلا أن القائمين بالخدمة كانوا يخشون أن يتم تطبيق القانون بأثر رجعي عليهم أيضًا. فهندوسي الطبقة العليا الذي يسافر في ظروف ضيقة بسفينة خشبية بها جنود لن يتمكن من طهي طعامه الخاص بفرنه الخاص، وبالتالي فقد يخسر طبقته بسبب التلوث الطقسي.
بداية الثورة
سبقت التمرد الفعلي عدة أشهر من التوترات المتزايدة إلى جانب حوادث مختلفة. في 26 فبراير 1857 أصبح الفوج التاسع عشر لمشاة البنغال المحلي (BNI) قلقًا من أن الخراطيش الجديدة التي أصدروها قد تكون ملفوفة في ورق مدهون بدهون الأبقار أو الخنازير، والتي كان يجب فتحها عن طريق الفم ومما يمس حساسياتهم الدينية. واجههم عقيدهم مدعومًا بالمدفعية وسلاح الفرسان على منطقة العرض العسكري، لكن بعد بعض مفاوضات سحب المدفعية، وألغي العرض العسكري لليوم التالي.
=== مانغال باندي === في 29 مارس 1857 بمنطقة العرض العسكري في باراكبور بالقرب من كلكتا، أعلن مانغال باندي البالغ من العمر 29 عامًا في فرقة BNI الرابعة والثلاثين التي أغضبته أعمال شركة الهند الشرقية الأخيرة أنه سيثور على قادته. فلما علم الرقيب جيمس هيوسون بسلوك باندي ذهب إليه للتحقيق. فما أن أطلق باندي النار عليه حتى أطلق صافرة الإنذار. وعندما خرج المعاون هنري بو للتحقيق في الاضطرابات، فتح باندي عليه النار إلا أنه أصاب حصان بو. جاء الجنرال جون هيرسي إلى ساحة العرض للتحقيق، حيث إدعى لاحقا أن مانغال باندي كان في حالة من «الهيجان الديني». وأمر القائد الهندي لحرس المقر جماعدار إيشواري براساد بالقبض على مانغال باندي، لكن جماعدار رفض. فتراجعت الحراسة الرباعية وغيرها من الجنود السيبوي، باستثناء جندي واحد يدعى شيخ بالتو قام بحجز باندي من مواصلة هجومه. بعد فشله في تحريض رفاقه على تمرد مفتوح ونشط، حاول مانغال باندي أن يقتل نفسه من خلال وضع المسكيت على صدره وسحب الزناد بإصبع قدمه. ولكنه تمكن فقط من جرح نفسه. تم محاكمته في 6 أبريل، وشنق بعدها بيومين. حكم على جماعدار إيشواري براساد بالإعدام وشنق في 22 أبريل. وتم تفكيك الفوج وتجريدهم من ملابسهم العسكرية لأنهم كانوا يئوون مشاعر سيئة تجاه رؤسائهم خاصة بعد ذلك الحادث. وتمت ترقية الشيخ بالتو إلى رتبة حوِلدار في جيش البنغال، ولكن قتل قبل وقت قصير من تفكيك الفوج BNI 34. اعتقد جنود السيبوي من الأفواج الأخرى أن تلك العقوبات كانت قاسية. ساعدت مظاهرة الخزي أثناء تفكيك الفوج الرسمي في إثارة التمرد في نظر بعض المؤرخين. وعاد الجنود الذين طردوا إلى أوده ساخطين وتملؤهم رغبة في الانتقام.
=== الاضطرابات خلال أبريل 1857 === اندلعت الاضطرابات والحرائق في أغرا والله أباد وأمبالا خلال شهر أبريل. في أمبالا على وجه الخصوص، حيث فيها مجمع عسكري كبير يتم فيه جمع العديد من الوحدات للتدريبات السنوية بالمسكيت، وبدا واضحا للجنرال أنسون القائد الأعلى لجيش البنغال، أن هناك نوعًا من التمرد بسبب الخراطيش. على الرغم من اعتراضات الحاكم العام المدني، فقد وافق على تأجيل تدريبات المسكيت والسماح بتخريم جديد للخراطيش بحيث يسمح للجنود أن يمزقوا الخراطيش بأصابعهم بدلاً من أسنانهم. ومع ذلك، لم يصدر أي أوامر عامة بإجراء هذه الممارسة المعتادة في جميع أنحاء جيش البنغال، وبدلاً من البقاء في أمبالا لنزع فتيل أو التغلب على أي مشكلة محتملة، انتقل إلى شيملا، وهي مركز التلال الرائعة حيث يقضى فيها العديد من كبار المسؤولين الصيف. على الرغم من عدم وجود تمرد مفتوح في أمبالا، إلا أنه كان هناك حريق واسع النطاق في أواخر أبريل. تم إحراق مباني الثكنات (خاصة تلك التي كانت للجنود الذين استخدموا خراطيش إنفيلد) وأجنحة الضباط الأوروبيين.
ميروت
في ميروت حيث يتمركز التجمع العسكري الكبير، 2,357 من الجنود الهنود و 2,038 جنديًا بريطانيًا مع 12 مدفعية بريطانية. احتفظت المحطة بأحد أكبر تجمعات القوات البريطانية في الهند، وتم لاحقًا ذكر ذلك ليكون الدليل على أن اندلاع التمرد كان تلقائيًا وليس مؤامرة مخططة مسبقًا. على الرغم من أن حالة الاضطرابات داخل جيش البنغال كانت معروفة جيدًا، قام المقدم جورج كارمايكل سميث وهو قائد غير متعاطف في سلاح الفرسان البنغالي الثالث في 24 إبريل فأمر 90 من رجاله بالاستعراض وإجراء تدريبات إطلاق النار. فرفض جميع الرجال باستثناء خمسة منهم قبول الخراطيش. في 9 مايو حوكم رافضي الأوامر الـ 85 أمام محكمة عسكرية، فحُكم على معظمهم بالسجن لمدة 10 سنوات أشغال شاقة. وحُكم على أحد عشر جنديا من الشباب الصغار بخمس سنوات سجن. وتم عمل موكب للحامية بأكملها أمام أعين الجميع حيث جرد الرجال المدانين من زيهم العسكري وقيدوا. وبينما هم في طريقهم إلى السجن وبخ الجنود المدانون رفاقهم لفشلهم في دعمهم. واليوم التالي كان يوم الأحد، حذر بعض الجنود الهنود ضباطهم الإنجليز خارج عملهم من أن هناك خططًا لإطلاق سراح المسجونين بالقوة، وانتقل التحذير إلى كبار الضباط الذين لم يتخذوا أي إجراء. فاندلعت الاضطرابات في مدينة ميروت، حيث الاحتجاجات الغاضبة في السوق وأضرمت النيران في المباني. وفي المساء كان معظم الضباط يستعدون للذهاب إلى الكنيسة، بينما الكثير من الجنود الأوروبيين كانوا خارج عملهم وتوجهوا إلى المقاصف أو إلى البازار في ميروت. فأشعلت قوات هندية بقيادة سلاح الفرسان البنغالي الثالث التمرد. قُتل الضباط الأوروبيون الذين حاولوا تهدئة الثورة على أيدي المتمردين. وتعرضت أحياء الضباط والمدنيين الأوروبيين للهجوم، فقتل أربعة رجال مدنيين وثماني نساء وثمانية أطفال. وهاجمت الحشود في السوق الجنود خارج العمل هناك. فقُتل حوالي 50 مدنيًا هنديًا، بعضهم من حاول مساعدة الضباط أو إخفاؤهم عن أيدي السيبوي. على الرغم من أن تصرف السيبوي في إطلاق سراح 85 من رفاقهم المسجونين كان يبدو تلقائيًا، إلا أن بعض أعمال الشغب المحلية في المدينة شجعها كوتوال (قائد الشرطة المحلية) دان سينغ غوجار. اخرج بعض جنود السيبوي (خاصةً من فرقة المشاة البنغالية الحادية عشرة) ضباطًا بريطانيين موثوق بهم ومعهم نساء وأطفال خارج المدينة قبل أن ينضموا إلى التمرد. وذهب بعض الضباط مع عوائلهم إلى رامبور حيث لجأوا إلى النواب. وذكر المؤرخ البريطاني فيليب ماسون إلى أنه يجب على معظم الخيالة (سوار) والسيبوي أن يذهبوا من ميروت إلى دلهي في ليلة 10 مايو. وهي مدينة ذات أسوار قوية تقع على بعد 40 ميلاً فقط، وهي العاصمة القديمة والمقر الحالي للإمبراطور المغولي الاسمي. بالإضافة إلى أنه لا توجد حامية بريطانية هناك على عكس ميروت. ولكن لم هناك أي جهد لمطاردتهم.
دلهي
وصلت طلائع سلاح الفرسان الثالث إلى دلهي صباح يوم 11 مايو. ومن تحت نوافذ مباني قصر الملك، دعوه إلى الاعتراف بهم وقيادتهم. لم يفعل بهادور شاه شيئًا في هذه اللحظة، وكان على ما يبدو يعامل السيبوي بأنهم متلمسين حوائج، لكن سارع الآخرين في القصر بالانضمام إلى التمرد. وخلال النهار انتشرت الثورة. قُتل المسؤولون الأوربيون وخدمهم والهنود المسيحيون وأصحاب المتاجر في المدينة، بعضهم على يد رجال السيبوي وغيرهم على أيدي حشود مثيري الشغب.
كانت هناك ثلاثة أفواج بحجم الكتيبة من مشاة البنغال الأهلية المرابطة في المدينة أو بالقرب منها. فخرجت منها بعض المفارز فانضمت إلى التمرد، بينما امتنعت الأخر، إلا أنها رفضت إطاعة الأوامر واتخاذ أي إجراء ضد المتمردين. وسمع انفجار عنيف في المدينة في فترة مابعد الظهر لعدة أميال. وكان ذلك تفجير الترسانة التي احتوت على مخزون كبير من الأسلحة والذخيرة، وخوفًا من سقوطها بأيدي المتمردين، فتح ضباط الذخيرة البريطانيون التسعة النار على الجنود بمن فيهم رجال حرسهم. وعندما بدت المقاومة ميؤوس منها، فجروا الترسانة. فنجا ستة من الضباط التسعة، إلا أن الانفجار أسفر عن مقتل الكثيرين في الشوارع والمنازل المجاورة والمباني الأخرى. وأخيراً دفعت أخبار هذه الأحداث الجنود السيبوي المتمركزين حول دلهي إلى تمرد مفتوح. فتمكّنوا فيما بعد من سحب ماستطاعوا من الأسلحة من الترسانة، وتمكنوا أيضا من الإستيلاء دون مقاومة على مخزن ذخيرة يبعد 2 ميل (3.2 كـم) خارج دلهي، احتوت على 3000 برميل من البارود.
أنصار والمعارضة
انتشرت أخبار أحداث دلهي انتشار النار في الهشيم، مما أدى إلى اندلاع الانتفاضات بين السيبوي ومسببي الشغب في العديد من المناطق. وفي كثير من الحالات كان سلوك السلطات العسكرية والمدنية البريطانية هو سبب الفوضى. فبمجرد المعرفة بسقوط دلهي عن طريق التلغراف، سارع العديد من مسؤولي الشركة بالخروج مع عائلاتهم وموظفيهم إلى أماكن آمنة. في أغرا على بعد 160 ميل (260 كـم) من دلهي، تجمع مالا يقل عن 6,000 من أشخاص ليسوا مقاتلين في القلعة. بالإضافة إلى أن ردة فعل السلطات العسكرية كانت غير متماسكة. لقد وثق بعض الضباط في جنودهم من السيبوي، لكن آخرين حاولوا نزع سلاحهم لمنع أي ثورة محتملة. وقد نزعت أسلحتهم في فاراناسي والله أباد، مما أدى إلى ثورات محلية.
لم يشارك معظم المسلمين كراهية المتمردين للإدارة البريطانية ولم يتمكن العلماء من الاتفاق على إعلان الجهاد. فهناك علماء مسلمون مثل مولانا محمد قاسم النانوتوي ومولانا رشيد أحمد الكنكوهي الذين حملوا السلاح ضد الحكم الاستعماري. لكن عددًا كبيرًا منهم، ومن الطائفتين السنية والشيعية وقفوا مع البريطانيين. ورفض عدة علماء من أهل الحديث ومن زملاء النانوتوي اعلان الجهاد. أما مولانا محمد نذير حسين الدهلوي وهو أكثر علماء أهل الحديث نفوذا في دلهي، فقد قاوم ضغوط المتمردين بالدعوة إلى الجهاد وأفتى بدلاً من ذلك لصالح الحكم البريطاني، معتبرا أن العلاقة بين المسلمين والبريطانيين عقدًا قانونيًا لا يمكن كسره إلا إذا انتهكت حقوقهم الدينية. بالرغم من أن معظم متمردي السيبوي في دلهي هم من الهندوس، إلا إن نسبة كبيرة منهم كانوا مسلمين. نمت نسبة الغازين إلى حوالي ربع القوة القتالية المحلية بنهاية الحصار وتضمنت فوجًا من الغازين الانتحاريين من قاليور الذين تعهدوا بالقتال حتى يَقتِلوا أو يُقتَلوا على يد القوات البريطانية. دعم السيخ وبشتون البنجاب والمقاطعة الحدودية الشمالية الغربية البريطانيين وساعدوهم في استعادة دلهي. أكد المؤرخ جون هاريس أن السيخ أرادوا الانتقام من ضم الشركة لإمبراطورية السيخ قبل ثماني سنوات بمساعدة أهالي بيهار وبوربيا ('الشرقيين') وأولئك من مقاطعات أغرا وأوده المتحدة اللتين شكلا جزءًا من جيوش شركة الهند الشرقية في حرب السيخ الأولى والثانية. وذكر أيضًا أن السيخ شعروا بالإهانة من موقف السيبوي الذين من وجهة نظرهم لم يهزموا خالصة إلا بمساعدة الإنجليز؛ وأثار ذلك حنقهم واحتقارهم أكثر بكثير مما فعل به البريطانيون.
يخشى السيخ من إعادة حكم المغول في شمال الهند لأنهم تعرضوا للاضطهاد الشديد في الماضي من تلك الأسرة. أما دعمهم للبريطانيين فكان نابعا من المظالم الملموسة لسلوك السيبوي أثناء حروب الأنجلو السيخية وبعدها. أولاً؛ استاء العديد من السيخ من أن هنود بوربيا من كان يعمل في ولاية السيخ كانوا يحثون في المقام الأول على الحرب التي افقدتهم استقلالهم. استذكر جنود السيخ أيضًا أن المعارك الأكثر دموية في الحرب، تشيليانوالا وفيروز شاه، التي انتصرت بها القوات البريطانية، وكانوا يعتقدون أن السيبوي الهندوستان كانوا يرفضون مقاتلتهم في المعركة. تضاعفت هذه المشاعر عندما تم تكليف السيبوي الهندوستان بدور واضح لتكون قوات حامية في البنجاب ومنحهم مناصب مدنية مريحة فيها. وفي سنة 1857 كان لجيش البنغال 86,000 رجل، منهم 12,000 أوروبي و 16,000 سيخ و 1500 جورخا. وهناك 311,000 جندي من جميع أنحاء الهند، 40,160 جنديًا أوروبيًا و 5,362 ضابطًا. وقد تمردت 54 كتيبة من أصل 74 كتيبة مشاة الأهلية منتظمة في جيش البنغال، ولكن تم تدمير بعضها فورا أو تفككت بسبب نزوح أفرادها من الجنود إلى أهاليهم. كما تم نزع سلاح أو تسريح بعض من الأفواج العشرين المتبقية لمنع أو احباط أي تمرد. وفي المجمل نجت اثنا عشر فوج من أفواج مشاة البنغال الأصلية التي بقيت حتى ظهور الجيش الهندي الجديد. وقد تمردت جميع أفواج الفرسان البنغال الخفيفة العشرة. وأيضا احتوى جيش البنغال على 29 فوج سلاح فرسان غير نظامي و 42 مشاة غير نظامي. من بين هؤلاء تكونت مجموعة كبيرة من متمردي ولاية أوده. ومجموعة أخرى ضخمة من متمردي جواليور، مع أن حاكم تلك الولاية دعم البريطانيين. أما بقية الوحدات غير النظامية فقد كانوا من مجموعات متعددة من أصول قليلة التأثير في المجتمع الهندي المهيمن. ولكن توجد وحدات غير النظامية دعمت الشركة بنشاط، وهي: ثلاث وحدات من مشاة السيخ وخمسة من وحدات المشاة السيخ الستة، ووحدات المشاة الستة ووحدات سلاح الفرسان الست التابعة لقوة البنجاب غير النظامية التي نشأت مؤخرًا. عدد الجنود الهنود في جيش البنغال الموالي للشركة في 1 أبريل 1858 كان 80,053. ومع ذلك فقد رفعت أعدادهم بقوة وعلى عجل في البنجاب والحدود الشمالية الغربية بعد اندلاع التمرد. كان لدى جيش بومباي ثلاث تمردات من أصل 29 فوج من أفواجه، في حين أن جيش مدراس لم يكن لديه أي تمرد، على الرغم من أن عناصر من أفواجه الـ 52 رفضت التطوع للخدمة في البنغال. ومع ذلك ظل معظم جنوب الهند سلبي، مع بعض أعمال عنف متقطع. لأن أجزاء كبيرة من المنطقة هي تحت حكم ملكيات ميسور ونظام الملك، وبالتالي لم تخضع مباشرة للحكم البريطاني.
الثورة
المراحل الأولى
أعلن بهادور شاه ظفر إمبراطورا على الهند بأكملها. تشير معظم الروايات المعاصرة والحديثة إلى أنه تعرض للإكراه من قبل السيبوي ورجاله لتوقيع البيان ضد إرادته. على الرغم من الخسارة الكبيرة في القوة التي عانت منها سلالة المغول في القرون السابقة، إلا أن إسمها لا يزال يحمل مكانة كبيرة في جميع أنحاء شمال الهند. أقسم الأهالي والنبلاء وغيرهم من الشخصيات البارزة بالولاء. أصدر الإمبراطور عملات معدنية باسمه، واحدة من أقدم الطرق لتأكيد المكانة الإمبريالية. ومع ذلك فإن انضمام الإمبراطور المغولي إلى التمرد أدى إلى إبعاد سيخ البنجاب عنهم، لأنهم لا يريدون العودة إلى الحكم الإسلامي، حيث خاضوا العديد من الحروب ضد حكام المغول. وكانت ولاية البنغال هادئة جدا طوال فترة التمرد. أما البريطانيون الذين لم يأخذوا قوة السلطة المغولية على محمل الجد لفترة طويلة فقد تفاجئوا بالكيفية التي استجاب بها الناس العاديون لدعوة ظفر إلى الحرب. تمكن المتمردون الهنود في البداية من دفع قوات الشركة، واستولوا على عدة بلدات مهمة في هاريانا وبيهار والمقاطعات الوسطى والمقاطعات المتحدة. وعندما تم تعزيز القوات الأوروبية وبدأت في الهجوم المضاد، كان المتمردون متضعضعين بقوة بسبب افتقارهم إلى السلطة والقيادة المركزية. على الرغم من أنهم قد أنتجوا بعض القادة الأقوياء مثل بخت خان الذي رشحه الإمبراطور فيما بعد ليكون قائد أعلى للقوات المسلحة بعد أن أثبت ابنه ميرزا مغول أنه غير جدير، فقد أُجبروا في معظم الأحيان على البحث عن قيادة بين الراجات والأمراء. وأثبت بعض هؤلاء بأنهم قادة متفانين، ولكن هناك آخرين كانوا مهتمين بذاتهم أو غير كفؤين.
في المناطق الريفية المحيطة بميروت، شكلت انتفاضة غورجار العامة أكبر تهديد للبريطانيين. في پارکشت گرھ القريبة من ميروت، أعلن الغوجاريين أن تشودري كادام سينغ هو قائدهم، وطردوا شرطة الشركة. قاد كادام سينغ قوة كبيرة وتتراوح التقديرات من 2000 إلى 10,000. وخضعت بولندشهر وبيجنور لسيطرة الغوجار بقيادة واليداد خان وماو سينغ على التوالي. أفادت مصادر معاصرة أن جميع قرى غوجار بين ميروت ودلهي شاركت في التمرد، وفي بعض الحالات بدعم من جالاندهار، ولم يتمكن البريطانيون من استعادة السيطرة على المنطقة إلا أواخر يوليو وبمساعدة من الزط المحليين. وذكر معجم (The Imperial Gazetteer of India) أنه خلال التمرد الهندي سنة 1857 أثبت غورجار ورانغر (مسلمو الراجبوت) أنهم «الأعداء الأكثر عنادًا» مع البريطانيين في منطقة بولندشهر. أصدر المفتي نظام الدين وهو عالم مشهور في لاهور، فتوى ضد القوات البريطانية ودعا السكان المحليين لدعم قوات راو تولا رام. كانت الخسائر كبيرة في الاشتباك اللاحق في نارنول (نسيبور). وبعد هزيمة راو تولا رام في 16 نوفمبر 1857، ألقى الإنجليز القبض على المفتي نظام الدين، واعتقل شقيقه المفتي يقين الدين ونسيبه عبد الرحمن (المعروف باسم نبي بخش) في تيجارا. حيث نقلوا إلى دلهي وشنقوا. بعد أن خسر القتال في نسيبور، طلب راو تولا رام وبرام سوخ يادف أسلحة من روسيا، التي قد دخلت لتوها في حرب القرم ضد بريطانيا.
دلهي
كان البريطانيون في البداية بطيئين في ردهم على الثورة. واستغرق الأمر بعض الوقت لنقل قواتها المتمركزة في بريطانيا عبر البحر إلى الهند، على الرغم من أن بعض الأفواج انتقلت برا عبر بلاد فارس من حرب القرم، وتم تحويل بعض الأفواج المنقولة إلى الصين لتذهب إلى الهند.
استغرق الأمر بعض الوقت لتشكيل القوات الأوروبية الموجودة في الهند لتصبح ميدانية، ولكن في نهاية الأمر غادر رتلين ميروت وشيملا. وتقدموا ببطء نحو دلهي، حيث قاتلوا وقتلوا وشنقوا العديد من الهنود على طول الطريق. وبعد شهرين من اندلاع التمرد الأول في ميروت، التقت القوتان بالقرب من كارنال. القوة المشتركة بما في ذلك وحدتين من جورخا يخدمان في جيش البنغال بموجب عقد من مملكة نيبال، قاتلت القوة الرئيسية للمتمردين في بادلي كي سراي وارجعتها إلى دلهي. فأسست الشركة قاعدة لها على التلال الشمالية المطلة على دلهي وبدأ بحصار المدينة. استمر الحصار تقريبا من 1 يوليو إلى 21 سبتمبر، إلا أن التطويق اكتمل بصعوبة. فبالنسبة لجزء كبير من الحصار كانت قوات الشركة متفوقة عدديا، وإن يبدو في كثير من الأحيان أن قوات الشركة وليست دلهي هي التي كانت تحت الحصار، حيث يمكن للمتمردين الحصول على الموارد والتعزيزات بسهولة. لعدة أسابيع بدا من المحتمل أن المرض والإرهاق وغارات المتمردين المستمرة من داخل من دلهي ستجبر قوات الشركة على الانسحاب، إلا أنه قد تم قمع التمرد في البنجاب، مما سمح لرتل البنجاب المتكون من جنود بريطانيين وسيخ وباختون لمساعدة قوات الحصار في تلال دلهي في 14 أغسطس. وفي 30 أغسطس عرض المتمردون شروطًا رفضتها قوات الشركة.
وأخيرا انضمت قافلة الحصار المنتظرة بفارغ الصبر إلى القوة المحاصرة لدلهي. وفي 7 سبتمبر قصفت مدافع الحصار ثغرات الجدران وأسكتت مدفعية المتمردين. وجرت محاولة لاقتحام المدينة من خلال الثغرات وبوابة كشمير، حيث انطلقت يوم 14 سبتمبر. فنال المهاجمون موطئ قدم داخل المدينة إلا أنهم تعرضوا لخسائر فادحة، بمن فيهم جون نيكولسون الذي رغب في الانسحاب، لكن أقنعه الضباط الصغار بالتمسك بالثغرة. بعد أسبوع من القتال في الشوارع وصل البريطانيون إلى القلعة الحمراء. كان بهادر شاه ظفر قد فر بالفعل إلى ضريح همايون. فاستعاد البريطانيون المدينة.
شرعت القوات الغازية بسلب ونهب المدينة. قُتل عدد كبير من الأهالي ردا على مقتل الأوروبيين والمدنيين الهنود الذين ذبحهم المتمردون. وخلال اقتتال الشوارع وضعت المدفعية في المسجد الرئيسي للمدينة. حيث قصفت الأحياء الواقعة ضمن نطاقها؛ فدمرت منازل الأمراء المسلمين المحتوية على ثروات ثقافية وفنية وأدبية ونقدية لا حصر لها. سرعان مااعتقل البريطانيون بهادر شاه، وفي اليوم التالي قام الضابط البريطاني وليام هودسون باستخدام سلطته الخاصة وأعدم ولدي السلطان وهما: ميرزا موغال وميرزا خزير سلطان وحفيده ميرزا أبو بكر بالرصاص في خونی دروازة (البوابة الدموية) بالقرب من بوابة دلهي. عند سماع الخبر كانت ردة فعل ظفر شاه الصمت بينما كانت زوجته زينات محل مقتنعة أن ابنها هو الآن وريث السلطان. وبعد وقت قصير من سقوط دلهي شكل المهاجمون المنتصرون رتلا لمساعدة قوات الشركة الأخرى التي تحاصر أغرا ، ثم ضغطوا على كانبور، حيث استعادوها بعد ذلك. وساعدت تلك الشركة بتأمين خط اتصال مستمر من الشرق إلى غرب الهند رغم أنه كان ضعيفًا.
كاونبور (كانبور)
تمرد جنود السيبوى الذين هم تحت قيادة الجنرال ويلر في كاونبور (الآن كانبور) في يونيو وحاصروا التخندق الأوروبي. لم يكن ويلر جنديًا مخضرمًا ومحترمًا فحسب، بل كان أيضا متزوجًا بإمرأة هندية من الطبقة العليا. لذا فقد اعتمد على مكانته الخاصة وعلاقاته الودية مع نانا صاحب لإحباط التمرد، فلم يتخذ تدابير جيدة لرفع التحصينات وتجهيز الإمداد والذخيرة أمام الحصار. واجه المحاصرون ثلاثة أسابيع من الحصار بقليل من الماء والطعام، فمات الكثير من الرجال والنساء والأطفال. وفي 25 يونيو وافق البريطانيون بمؤونة بالكاد تكفيهم لثلاثة أيام على تقديم نانا صاحب ممر آمن إلى الله أباد بشرط أن يحتفظوا بأسلحتهم الشخصية وأن يكون الإخلاء نهار يوم السابع والعشرين (أراد نانا صاحب إخلائهم ليلة 26). فخرج الأوروبيون صباح يوم 27 يونيو تاركين التحصين وشقوا طريقهم نحو النهر حيث بانتظارهم القوارب التي وفرها نانا صاحب لنقلهم إلى الله أباد. وفي اثناء الإجلاء قام المتمردون بسحب العديد من جنود السيبوى الموالين للشركة وقتلهم. وبدا أن بعض الضباط البريطانيين الجرحى ممن تخلف عن الركب قد تعرض أيضا للاختطاف والقتل من السيبوى الغاضبين. ومع وصول العدد الأكبر من الأوربيين إلى المرسى المحاط بالسيبوى المتمركزين على ضفتي نهر الجانج بحيث أضحوا أهداف واضحة، اندلع إطلاق الرصاص وترك أصحاب القوارب قواربهم، فاشتعلت النار فيها باستخدام جمار الفحم الأحمر. فحاول الإنجليز الهرب بالقوارب ولكن علقت جميعها باستثناء ثلاثة منها. وقد تمكن قارب في البداية من الهروب حاملا أكثر من عشرة جرحى ولكنه أغرق بعدها على أيدي المتمردين. وبعد توقف الرمي اتجه سلاح الفرسان المتمرد نحو النهر للقضاء على أي ناجين من المذبحة. وبعدها قبض على الناجين وقتل الرجال. وبعد انتهاء المذبحة كان معظم الذكور من الأوربيون قد قتل بينما نقل ممن نجا النساء والأطفال حيث احتُجزوا ليُقتلوا لاحقًا في مذبحة بيبييجار. لم ينج من تلك المذبحة سوى أربعة رجال فقط على أحد القوارب: جنديان خاصان وملازم والكابتن موبراي طومسون الذي كتب سرداً مباشراً عن تجربته تلك تحت عنوان قصة كاونبور (لندن، 1859). وقد نفى تاتيا توب وجود أي مخطط لتلك المذبحة خلال محاكمته، حيث وصف الحادث كالتالي: صعد الأوروبيون القوارب المخصصة لهم، فرفع تاتيا توب يده اليمنى للإشارة إلى رحيلهم. في تلك اللحظة أطلق شخص ما من الحشد بوقًا عاليًا مما خلق جوا من الارتباك والاضطراب، فقفز البحارة من قواربهم. وبدأ المتمردون برمي الرصاص رميا عشوائيا. فوصلت الأنباء إلى نانا صاحب الذي كان مقيما في سافادا كوتي (بنغلو) المجاورة، فجاء على الفور لإيقافه. وذكر بعض المؤرخين البريطانيين أنه ربما كان نتيجة حادث أو خطأ؛ أطلق شخص ما النار بطريق الخطأ أو متعمدا، وقد رد الجنود البريطانيون المذعورين على النار، مما جعل من المستحيل وقف المذبحة. نقل الناجون من النساء والأطفال إلى نانا صاحب، حيث احتجزوا أولاً في سافادا كوتي ومن ثم في منزل كاتب القاضي المحلي (Bibighar وتعني نزل النساء) حيث انضم إليهم لاجئون من فتح جره. وبالعموم تم احتجاز خمسة رجال ومائتين وست نساء وأطفال في نزل النساء لأسبوعين. وقد أخرج في أسبوع واحد 25 شخصًا ميتا بسبب الزحار والكوليرا. وفي تلك الفترة تمكنت قوة إغاثة تابعة للشركة من التقدم نحو الله أباد بعد أن هزمت المتمردين، وبحلول 15 يوليو أضحى جليا أن نانا صاحب لن يتمكن من الاحتفاظ بكاونبور، فاتخذ هو ومعه زعماء التمرد قرارا بقتل الرهائن. ولكن رفض المتمردين السيبوي تنفيذ هذا الأمر، فذهب جزاران مسلمان واثنين من الفلاحين الهندوس وواحد من حراس نانا الشخصيين إلى نزل النساء (Bibighar) مسلحين بالسواطير والبلطات فقاموا بقتل النساء والأطفال. فامتلئت الجدران والأرضيات بالدماء وبقايا أطراف بشرية. فألقيت جثث الموتى ومن ينازع الموت في بئر قريبة يبلغ عمقها 50 قدم (15 م)، وبعد امتلائها إلى علو 6 قدم (1.8 م) فوق البئر ألقيت بقية الجثث في نهر الغانج. أرجع المؤرخون هذا الفعل القاسي إلى العديد من الأسباب. ومنها اعتقاد المتمردين أن قوات الشركة لن تتقدم من كاونبور إذا لم يكن هناك رهائن لإنقاذهم، لذا فقد صدرت الأوامر بقتلهم. وفسر مؤرخون آخرون أن عمليات القتل كانت محاولة لتقويض علاقة نانا صاحب مع البريطانيين. وربما كان ذلك بسبب الخوف، الخوف من ان يتعرف عليهم بعض السجناء لمشاركتهم في أعمال القتل.
أدى قتل النساء والأطفال إلى تصلب الموقف البريطاني ضد متمردي السيبوي. كان الرأي العام البريطاني في حالة ذهول، حيث فقد معارضو الإمبريالية والمؤيدين للهند كل الدعم. أصبحت كاونبور نداء حرب للبريطانيين وحلفائهم إلى نهاية الصراع. اختفى نانا صاحب عند انتهاء التمرد ولم يكن معروفا ماذا حدث له. أشارت روايات بريطانية أخرى إلى أن التدابير العقابية العشوائية قد اتخذت في أوائل يونيو قبل أسبوعين من مقتلة بيبيغار (ووقعت بعد مقتلة ميروت ودلهي)، وبالذات من المقدم جيمس جورج سميث نيل القائد في الله أباد لرماة مدراس أثناء تحركه نحو كاونبور. ففي بلدة فتح بور القريبة، هاجم الأهالي وقتلوا السكان الأوروبيين المحليين. وبسبب ذلك أمر نيل بإحراق جميع القرى الواقعة بجانب طريق Grand Trunk Road وقتل سكانها بالشنق. كانت أساليب نيل «قاسية ورهيبة» ورغبة في ترهيب السكان، لكنها تسببت باندلاع تمردات سيبوي ومجتمعات قرى كانت محايدة في السابق. قُتل نيل في معركة في لكناو في 26 سبتمبر، ولكن لم يعط له أي قيمة اعتبارية على الإطلاق بسبب إجراءاته العقابية، على الرغم من أن المصادر البريطانية المعاصرة كرمته هو و«قبعاته الزرقاء الشجاعة». وعندما استعاد البريطانيون كاونبور، أخذ الجنود سجناءهم إلى بيبيغار وأجبروهم على لعق بقع الدماء من الجدران والأرضيات. ثم شنقوا أو «فجروا من المدفع»، وهو عقاب مغولي تقليدي على التمرد، ومعظم السجناء كان من السيبوي. على الرغم من أن البعض ادعى أن متمردي السيبوي لم يشاركوا فعليًا في عمليات القتل بأنفسهم إلا أنهم لم يتحركوا لإيقافها، وقد أقر بذلك الكابتن طومسون بعد مغادرة البريطانيين كاونبور في المرة الثانية.
لكناو
بعد فترة وجيزة من اندلاع الأحداث في ميروت، اندلع تمرد آخر في ولاية أوده (حاليا في ولاية أوتار براديش)، والتي بالكاد اكملت عام على ضمها. وكان لدى المفوض البريطاني المقيم في لكناو السير هنري لورانس ما يكفي من الوقت لتعزيز موقعه داخل مجمع الإقامة. فعدد المدافعين بما فيهم السيبوي الموالين حوالي 1700 رجل. وعندما فشلت هجمات المتمردين، بدأوا في إطلاق وابل من نيران المدفعية على المجمع. كان لورنس واحدًا من أوائل الضحايا، فخلفه جون إردلي إنجليس. حاول المتمردون اختراق الجدران بالمتفجرات وتجاوزها عبر الأنفاق التي أدت إلى التحام مباشر تحت الأرض. وبعد 90 يومًا من الحصار قل عدد المدافعين إلى 300 من السيبوي الموالين و 350 جنديًا بريطانيًا و 550 من غير المقاتلين. في 25 سبتمبر تمكن رتل إغاثة بقيادة السير هنري هافلوك يرافقه السير جيمس أوترام (الذي كان نظرياً رئيسه) من شق طريقه من كاونبور إلى لكناو في حملة قصيرة، وتمكن الرتل الصغير عددياً من هزيمة قوات المتمردين في سلسلة من معارك كبيرة. وعرفت باسم «أول حملة إغاثة إلى لكناو»، لم يكن جنود الرتل بالقوة لكسر الحصار أو انقاذ أنفسهم، فأجبروا على الانضمام إلى الحامية. وأخيرا في أكتوبر تمكنت قوة عسكرية أكبر بقيادة السير كولين كامبل القائد الأعلى الجديد من تخليص الحامية، فقاموا في 18 نوفمبر بإجلاء الجيب المدافع داخل المدينة. فغادرت النساء والأطفال أولاً، ثم قاموا بانسحاب منظم، أولاً نحو علم باغ على بعد 4 ميل (6.4 كـم) شمالًا حيث تم ترك قوة قوامها 4000 شخص لبناء حصن، ثم إلى كاونبور، حيث هزموا تانتيا توب في محاولته لاستعادة المدينة في معركة كاونبور الثانية. وفي مارس 1858 تقدم كامبل مرة أخرى إلى لكناو بجيش كبير، فالتقى بقواته في علم باغ، وسعى في تلك المرة إلى قمع التمرد في أوده. وساعدته في مهمته فرقة نيبالية كبيرة أتت من الشمال بقيادة جونغ بهادر رنا. قاد شقيقه الأصغر الجنرال دير شمشير رنا تلك القوة في أجزاء مختلفة من الهند بما في ذلك لكناو وفاراناسي وباتنا. كان تقدم كامبل بطيئًا وممنهجا، حيث عبرت قوة بقيادة الجنرال أوترام النهر على جسر من البراميل الخشبية في 4 مارس لتمكينهم من إطلاق المدفعية في الجناح. دفع كامبل جيش المتمردين الكبير وغير المنظم في لكناو إلى القتال الأخير الذي وقع في 21 مارس. كان عدد قتلى قوات كامبل الخاصة قليل، ولكن حركاته الحذرة سمحت لأعداد كبيرة من المتمردين بالانتشار في أوده. فاضطر لقضاء الصيف والخريف في التعامل مع جيوب المقاومة المتناثرة بينما مات رجاله بسبب الحر والمرض وحرب العصابات.


