Wars & conflicts· العصور الوسطى· 1096 – 1099

الحملة الصليبية الأولى

أولى الحملات العسكريَّة المُنظَّمة التي شنَّها الغرب الأوروپي على ديار الإسلام، دامت من سنة 1095 إلى سنة 1099ميلادي

الْحَمْلَةُ الصَّلِيبِيَّةُ الْأوْلَى هي أولى الحملات العسكريَّة المُنظَّمة التي شنَّها الغرب الأوروپي على ديار الإسلام بِدعم ورعاية الكنيسة الكاثوليكيَّة، وكان سببها الرئيسي المُعلن هو نزع السيطرة الإسلاميَّة على الديار المُقدَّسة وإعادتها تحت جناح العالم المسيحي، بينما كان لها على أرض الواقع أهدافٌ عديدة سياسيَّة واقتصاديَّة واستراتيجيَّة واستعماريَّة، إلى جانب الهدف الديني. كان السلاجقة قد ظهروا على مسرح الأحداث في الشرق الأدنى في أوائل الثُلُث الثاني من القرن الحادي عشر الميلادي، وتحت رايتهم أخذ المُسلمون يتوسَّعون على حساب الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة في آسيا الصُغرى. وفي سنة 463هـ المُوافقة لِسنة 1071م، هزم المُسلمون الروم في معركة ملاذكرد وأسروا الإمبراطور رومانوس الرابع ثُمَّ افتتحوا أغلب بلاد الأناضول، فوجَّه الروم نداءاتٍ عديدةٍ لِلغرب كان آخرها الذي وجَّهه الإمبراطور ألكسيوس الأوَّل، يطلب فيه المُساعدة لِلوُقُوف بِوجه التوسُّع الإسلامي. استجاب البابا أربانوس الثاني لِاستغاثة الإمبراطور البيزنطي مدفوعًا بِأطماعه الدينيَّة والسياسيَّة، وهي توجيه ما في طبائع أُمراء الإقطاع والنُبلاء من حُبِّ القتال إلى حربٍ مُقدَّسةٍ، تصُدُّ جُيُوش المُسلمين عن أوروپَّا وبيزنطة، وإدخال الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة تحت جناح البابويَّة، وتوحيد العالم المسيحي تحت الحُكم الديني لِلبابوات، والعودة بِرومة لِتكون حاضرة للعالم. وفي مجمعٍ كنسيٍّ عُقد في مدينة إكلرمنت سنة 1095م، ألقى البابا عظةً حثَّ فيها أوروپَّا الكاثوليكيَّة على الحرب لِتخليص القبر المُقدَّس من المُسلمين، ووعد المُحاربين بِأن تكون رحلتهم إلى المشرق بِمثابة غُفرانٍ كاملٍ لِذُنُوبهم، كما وعدهم بِهدنةٍ عامَّةٍ تحمي بُيُوتهم خلال غيبتهم. أصابت دعوة البابا أربانوس نجاحًا كبيرًا، فنهض العديد من النُبلاء والأُمراء لِلزحف شرقًا، وكان لِكُلِّ فريقٍ منهم حوافز دُنيويَّة مُختلفة، إلى جانب الحافز الديني، فقد استهدف النُبلاء المغانم وتأسيس الإمارات، وكانت لِلنُرمان أهدافٌ توسُّعيَّةٌ على حساب الروم والمُسلمين على السواء. وكانت المُدن الإيطاليَّة تهدف إلى توسيع نطاق تجارتها مع الشرق. واجتذب هؤلاء كُلُّهم أيضًا حُب المُغامرة والأسفار. ومن الأخطاء الشائعة أنَّ تسمية «صليبيين» أُطلقت على الغربيين الزاحفين شرقًا لِمُحاربة المُسلمين كونهم كانوا يخيطون صُلبانًا قماشيَّة على ستراتهم، والواقع أنَّ هذه التسمية مُتأخرة نسبيًّا، ودخيلة على اللُغة العربيَّة، فلم يعرف المُسلمون المُحتلين الغربيين إلَّا بالـ«فرنجة» أو «الفرنج» أو «الإفرنج». قُبيل انطلاق هذه الحملة، زحفت عدَّة جُيُوش غير مُنظَّمة من الفلَّاحين الفرنجة والألمان يقودها أميرٌ يُدعى ولتر المُفلس وراهبٌ يُسمَّى بُطرس الناسك وآخرون غيرهما، وعُرفت هذه الحملة بـ«حملة الفُقراء أو الحملة الشعبيَّة» نظرًا لأنَّها تكوَّنت من عوام الناس. واستهلَّ هؤلاء أعمالهم بِذبح اليهود في بلاد الراين، وأثاروا فيما بعد البُلغار والمجريين فهاجموهم وشتَّتوهم. أمَّا الفرق التي وصلت القُسطنطينيَّة فقد سارع الإمبراطور ألكسيوس بنقلها إلى آسيا الصُغرى حيثُ هزمها السلاجقة وأفنوا ثلاثة أرباعها. وتبع هؤلاء جُيُوش صليبيَّةٌ مُنظَّمةٌ بِقيادة ريمُند الرابع قُمَّس طولوشة وصنجيل، وگُدفري البويني، وبوهيمُند الطارنتي، وتنكرد. وأقسم هؤلاء جميعًا باستثناء ريمُند وتنكرد يمين الولاء لِلإمبراطور البيزنطي، وتعهَّدوا بِموجبه بِقبول سيادته على ما يأخذونه من بلادٍ من المُسلمين. وزحفت جُيُوشهم على آسيا الصُغرى، فاستولوا على نيقية سنة 1097م، وهزموا السلاجقة في ضورليم، واحتلُّوا أنطاكية سنة 1098م، والساحل الشَّاميّ، ثُمَّ زحفوا على بيت المقدس واحتلُّوها في شهر تمُّوز (يوليو) 1099م، وأوقعوا بِأهلها المُسلمين واليهود مذبحةً هائلةً دامت يومين، حتَّى أفنوهم عن بُكرة أبيهم، وكان مصير القلَّة التي نجت أن بيعوا في أسواق النخاسة. بعد تمام انتصارهم على المُسلمين، نكث الصليبيُّون بِيمينهم لِلإمبراطور البيزنطي، فلم يُسلِّموه ما احتلُّوه من بلادٍ، فأسَّسوا أربع دُولٍ لاتينيَّة، هي: قُمَّسيَّة الرُّها وإمارة أنطاكية وقُمسيَّة طرابُلس ومملكة بيت المقدس، وقد صمدت مُعظم هذه الدُول ما يقرب من قرنين رُغم أنَّها كانت مُحاطةً بِبحرٍ إسلاميّ، بِسبب الخلافات والإنقسامات الحادَّة بين المُسلمين، ولم تفقد بعض أراضيها إلَّا حينما برز قادةٌ مُسلمون تمكنوا من توحيد كلمة أهل الإسلام خلال العُقُود التالية من تثبيت دعائم الحُكم الصليبي في الشَّام.

الخلفية

يُجمع المُؤرخون على أنَّ لِلحملات الصليبيَّة -وبِالأخص الحملة الصليبيَّة الأولى- جُملة أسبابٍ منها ما يتعلَّق بِالأوضاع الدينيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة لِأوروپَّا الغربيَّة، ومنها ما يتعلَّق بِالعلاقات الإسلاميَّة المسيحيَّة في المشرق العربي والأناضول.

الأسباب الدينيَّة

كان المشرق العربي قُبيل انطلاق الحملات الصليبيَّة مُقسَّمًا بين الدولتين العبَّاسيَّة في بغداد والفاطميَّة في القاهرة، وكان المسيحيُّون في ديار الإسلام آنذاك من أصحاب العلم والنُفُوذ والشأن -بِالأخص في الدولة الفاطميَّة- التي تساهل خُلفاؤها مع أهل الذمَّة لِدرجةٍ كبيرة، فقدَّموهم في الوظائف ممَّا جعلهم يستأثرون بِالنُفُوذ في الدولة، فاقتنوا الأرزاق والأموال ما مكَّنهم من العيش بِرغد، وبنوا الكثير من الكنائس والأديرة. لكنَّ الحال تبدَّل بدايةً من سنة 393هـ المُوافقة لِسنة 1003م خِلال خلافة الحاكم بأمر الله، فقسا على اليهود والنصارى في المُعاملة، ويُحتمل أنَّهُ كان مدفوعًا في ذلك من النقمة الشعبيَّة الإسلاميَّة العامَّة، إذ ساء المُسلمون أن يتقرَّب الخليفة إلى غيرهم بِهذا الشكل المُبالغ فيه، وأن يتقلَّص نُفُوذهم وهم الأكثريَّة لِصالح الأقليَّة، التي عمل بعض أفرادها على إقصاء المُسلمين عن الوظائف الحُكُوميَّة وتقديمهم لِأبناء دينهم. وتشدَّد الحاكم بدايةً مع النصارى الملكانيين بِسبب ازدياد نُفُوذهم في البلاد مُنذُ عهد أبيه العزيز بالله، ورُبَّما كان لِلحُرُوب بين الفاطميين والبيزنطيين الملكانيين دافعٌ آخر لِاضطهاد أتباع هذه الطائفة، كما يبدو أنَّ هذه الخُطوة كانت تستهدف استقطاب الأكثريَّة القبطيَّة في مصر التي كانت على المذهب اليعقوبي المُخالفة لِلملكانيين. لكنَّ تشدُّد الحاكم لم يلبث أن طال النصارى بِعامَّةً، وبلغ ذُروته سنة 399هـ المُوافقة لِسنة 1009م، عندما أمر بِهدم كنيسة القيامة في بيت المقدس، وكتب إلى «باروخ العضُدي» والي الرملة أن يُزيل أعلامها ويقلع آثارها، فهُدمت واقتُلعت المعالم المُقدَّسة المسيحيَّة فيها ومُحقت آثارُها، كما هُدمت كنائسُ وأديرةٌ أُخرى في مصر والشَّام خلال السنة المذكورة. وأنزل الحاكم بِاليهود والنصارى المزيد من ضُرُوب الإذلال، فأجبرهم على الالتزام بِأشكالٍ معيَّنة في اللباس والرُمُوز، فكان المسيحيُّون مُرغمين على تعليق صُلبانٍ في أعناقهم زنة الواحد منها خمسة أرطال (نحو كيلوغرامين) عندما يرتادون الحمَّامات، وكذلك اليهود كان عليهم أن يجعلوا في أعناقهم إطارًا من الخشب بِالوزن نفسه يُشدُّ إليه جُلجُلٌ عوض الصليب.

ولم يكن لِأهل الذمَّة عهدٌ بِمثل هذه الإجراءات والمُضايقات، فعانوا من هذه المحن والشدائد أعوامًا، وأخذ بعضهم يُهاجر سرَّا إلى بلاد الروم، وعندما علم الحاكم بِذلك أصدر قرارًا في سنة 404هـ المُوافقة لِسنة 1013م سمح بِموجبه لِلنصارى واليهود بِالهجرة إلى البلاد الروميَّة أو الحبشيَّة أو النوبيَّة، وأن يحملوا معهم أموالهم وأهلهم وما تحويه أيديهم، فهجر الكثير من النصارى الشوام والمصريين أوطانهم والتحقوا بِديار الروم. وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ أخبار اضطهاد المسيحيين وصلت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وأجَّجت الرأي العام، وما زاد الأُمُور سوءًا كان التعدِّيات التي طالت الحُجَّاج الأوروپيين بعد ضعف الدولة الفاطميَّة وخُرُوج العديد من بلاد الشَّام من تحت جناحها، ففي سنة 414هـ المُوافقة لِسنة 1024م، خرجت حلب من يد الفاطميين ودخلت في حوزة أعراب بني مرداس، ولم تلبث إمارة هؤلاء أن تمدَّدت بِاتجاه الشَّام الجنوبيَّة، ثُمَّ خرجت هذه البلاد من حوزة المرداسيين وانتهى بها الأمر أن دخلت في حوزة السلاجقة، وخِلال هذه الفترة المُضطربة كثُر التعدِّي على الحُجَّاج الأوروپيين بِشكلٍ خاص بِسبب ما كانوا يحملونه معهم من النفائس والأموال، ولمَّا عاد الحُجَّاجُ إلى أوطانهم ونشروا أخبار الاضطهاد الذي تعرَّضوا له في المشرق، أثاروا حماسة المسيحيين وجعلوهم يُفكرون في تأمين حُريَّة الوُصُول إلى الأماكن المُقدَّسة بِأمان. والحقيقة أنَّ بعض جماعات الحُجَّاج الأوروپيين كانت تأتي بِسلاحها الكامل وتسعى وراء المتاعب والأذى اعتقادًا منهم بأنَّهم كُلَّما تعرَّضوا لِمزيدٍ من هذا كانت رحلتهم أكثر نجاحًا وتطهَّروا من خطاياهم إذ كان لِلحج عند الأوروپيين في القُرُونُ الوسطى قيمة اجتماعيَّة، فابتعاد الساعي إلى التوبة لِمُدَّة سنة أو أكثر، وهي الوقت الذي تستغرقه الرحلة عادةً، وما تتكلَّفه رحلته من نفقاتٍ ومشاق يُعدُّ عقابًا وتأديبًا لهُ، وما يغلب عليه من جوٍّ عاطفيٍّ سوف يهبه الشُعُور بِالقُوَّة والطهارة الروحيَّة، فيعود إلى بلده إنسانًا صالحًا. ويعتقد بعضهم أنَّ الحملة الصليبيَّة الأولى كانت التطوُّر المنطقي لِلحج المسيحي إلى فلسطين ذلك أنَّ تيَّار الحج الأوروپي المُستمر كان لا بُدَّ لهُ أن يُؤدي بِالضرورة إلى فكرة أنَّ الأرض التي شهدت حياة المسيح وقصَّته لا بُدَّ أن تكون تحت سيطرة أتباعه، ولم يكن السبب هو الرغبة في حل المُشكلات والصُعُوبات العمليَّة التي كانت تُواجه الحُجَّاج الغربيين، ولكن لِأنَّ أوروپَّا الغربيَّة -التي بدأت تشعر بِقُوَّتها- رفضت بقاء أرض المسيح بِأيدي المُسلمين الذين صوَّرتهم الدعاية الكنسيَّة في صورة الكُفَّار المُتوحشين، وتركَّزت فكرة تخليص الديار المُقدَّسة منهم في أذهان أبناء الغرب الأوروپي في أواخر القرن الحادي عشر الميلاديّ، وقد أدَّى هذا بِالضرورة إلى أهميَّة القيام بِحملة حجٍّ مُسلَّحةٍ لِتحقيق هذا الهدف، وهكذا صار الحج من أهم جُذُور فكرة الحملات الصليبيَّة. وكانت البابويَّة ترمي إلى الاستيلاء على الأماكن المُقدَّسة وجعلها تحت سيطرتها المُباشرة، لِذلك أيَّدت الحركة الصليبيَّة بِكُل قواها وعطفت عليها، ومنحت الغُفران عن الخطايا لِمن يتجنَّد في الجُيُوش المُسافرة إلى المشرق على أمل تحقيق هذه الأُمنية الغالية، فأقبل كثيرٌ من الأتقياء على السفر أملًا بِأن تُقبل توبتهم ولِينالوا الغُفران ويدخلوا الجنَّة.

الأسباب السياسيَّة

لا تقُل الأسباب السياسيَّة لِلحملات الصليبيَّة أهميَّةً عن الأسباب الدينيَّة، بل يعتبرها البعض مُجرَّد حلقةٍ من الصراع العنيف الطويل بين الشرق والغرب الذي تجلَّى من قبل في حُرُوب الفُرس والإغريق وفي حُرُوب قرطاج ورومة وغيرها من الحُرُوب. ففي سنة 13هـ المُوافقة لِسنة 634م ابتدأ الشرق يُهاجم الغرب، هذه المرَّة بِحُلَّةٍ إسلاميَّة، فتمكَّن المُسلمون من إلحاق الهزيمة بِالروم في عدَّة وقعات وافتتحوا الشَّام ومصر والمغرب الأدنى وانتزعوها نهائيًّا من الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة. ولم يكتفِ المُسلمون بِهذه البلاد والمناطق، بل تخطُّوها إلى المغرب الأقصى وبلغوا ساحل المُحيط الأطلسي، واتخذوا من تلك المناطق قاعدةً لِلوُثُوب إلى أوروپَّا، فغزوا جزيرة سردانية سنة 92هـ المُوافقة لِسنة 711م، وفي السنة ذاتها عبر القائد الكبير طارق بن زياد المضيق الفاصل بين شبه الجزيرة الأيبيريَّة والمغرب الأقصى، واستطاع افتتاح شبه الجزيرة المذكورة بِحُلُول أواخر سنة 95هـ المُوافقة لِسنة 714م. وبِفتح أيبيريا بدت خسارة الكنيسة واضحةً جليلة، إذ فقدت بلادًا ارتبطت بها أُصُول المسيحيَّة الأولى مثل الشَّام ومصر فضلًا عن بلادٍ أُخرى كانت بِمثابة أعضاء أساسيَّة في العالم المسيحي مثل إفريقية وأيبيريا. وفي جميع البلاد التي فتحها المُسلمون أقبلت نسبة كبيرة من الأهالي على اعتناق الإسلام عن اختيارٍ وإرادةٍ حُرَّة، كما يقول المُستشرق البريطاني طوماس أرنولد. ولكنَّ المسيحيين في الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وأوروپَّا الغربيَّة، الذين لم يتثاقفوا مع المُسلمين أو يتعايشوا معهم، لم يفهموا طبيعة الديانة الجديدة التي خرجت من شبه الجزيرة العربيَّة، وكُل ما أدركوه هو أنَّ المُسلمين خرجوا لِيبتلعوا بلدًا بعد آخر من البُلدان التي كانت المسيحيَّة قد سبقت إليها، وانتشرت فيها، وصارت تعتز بِبقائها في حوزتها، وبِعبارةٍ أُخرى فإنَّ كنيستيّ القُسطنطينيَّة ورومة ورجالاتهما لم يروا في الإسلام والمُسلمين إلَّا خطرًا جاثمًا هدَّدهما وهدَّد كيانهما، ولم يستطيعوا حتَّى نهاية العُصُور الوُسطى أن ينسوا الخسارة التي لحقت بهم نتيجة لِانتشار الإسلام، ممَّا جعلهم يشعرون دائمًا بِالرغبة في الانتقام من الإسلام والمُسلمين.

وكانت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة أقرب القوى المسيحيَّة إلى حُدُود المُسلمين، وربطتها بِالدولة الإسلاميَّة الناشئة علاقاتٍ مُباشرةٍ وفصلت بينهما حُدُودٌ مُباشرةٌ أيضًا، ممَّا جعل الاحتكاك لا ينقطع بين القُوَّتين. وقد ظهر المُسلمون على الروم خلال فترة ضعف هؤلاء، وظهر الروم على المُسلمين خلال فترة تشرذمهم وتفرُّق كلمتهم. واستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن تُوفي الإمبراطور البيزنطي باسيل الثاني سنة 416هـ المُوافقة لِسنة 1025م، فشكَّلت وفاته انعطافة سلبيَّة في تاريخ الروم دخلت خلالها الإمبراطوريَّة في مرحلة اضطرابٍ سياسيٍّ ودينيٍّ واقتصاديٍّ استمرَّت حتَّى سنة 474هـ المُوافقة لِسنة 1081م. فخلال هذه الفترة تعاقب على العرش البيزنطي أباطرة ضعاف افتقدوا المقدرة والكفاءة التي تمتَّع بها أباطرة الأُسرة الهرقليَّة أو الأُسرة الإيساوريَّة أو بعض أعضاء الأُسرة المقدونيَّة مثل باسيل الأوَّل وباسيل الثاني. وشهدت هذه الفترة أيضًا وُقُوع الانشقاق العظيم بين كنيستيّ رومة والقُسطنطينيَّة نتيجة الخلافات اللاهوتيَّة والسياسيَّة بين الغرب والشرق المسيحيين، كما تراجع الاقتصاد البيزنطي، وأخذت الإمبراطوريَّة تفقد السيطرة على أطرافها. وفي سنة 463هـ المُوافقة لِسنة 1071م، التحم المُسلمون بِقيادة السُلطان السُلجُوقي ألب أرسلان مع الروم بِقيادة الإمبراطور رومانوس الرابع في معركةٍ طاحنةٍ على تُخُوم مدينة ملاذكرد، وقد أسفرت المعركة عن هزيمة الروم ووُقُوع الإمبراطور في أسر المُسلمين، فأطلق السُلطان سراحه لقاء فديةٍ كبيرة وشريطة أن يُطلق سراح أسراه من المُسلمين، ويمدَّ السُلطان بِالعساكر اللازمة عند الطلب. شكَّلت معركة ملاذكرد أقصى ما بذله الروم من جُهدٍ لِوقف الفُتُوحات الإسلاميَّة بِاتجاه الغرب، وأنهت دور الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة في حماية المسيحيَّة من ضغط المُسلمين وفي حراسة الباب الشرقي لِأوروپَّا من غزو الآسيويين، فانساب السلاجقة إلى جوف آسيا الصُغرى وفتحوا أغلب بلادها بِقيادة سُليمان بن قُتلُمش الذي أسَّس دولةً جديدةً عُرفت باسم دولة سلاجقة الروم، واتخذ مدينة نيقية عاصمةً له. اتخذت البابويَّة، ومن ورائها أوروپَّا الغربيَّة من نتيجة هذه المعركة مُسوغًا لِتدخُّلها العسكري في المشرق، لِأنَّ بيزنطة لم يعد بِوسعها حماية العالم المسيحي من المُسلمين نظرًا لِتدمير قُوَّتها العسكريَّة، ومن ثَمَّ فقد جرت العادة على اعتبار هذه الوقعة إحدى حُجج الغرب لِشن حربه المُقدَّسة على ديار الإسلام.

الأسباب الاقتصاديَّة

تشيرُ جميع الوثائق المُعاصرة لِحملتيّ الفُقراء والصليبيَّة الأولى إلى سُوء الأحوال الاقتصاديَّة في غرب أوروپَّا -وبِخاصَّةٍ فرنسا- في أواخر القرن الحادي عشر الميلاديّ. فالمُؤرِّخ المُعاصر «گويبيرت النوگينتي» (الفرنسية: Guibert de Nogent) يُؤكِّد أنَّ فرنسا بِالذات كانت تُعاني مجاعةً شاملةً قُبيل الدعوة لِلحملة الصليبيَّة الأولى، فندر وُجُود الغِلال وارتفعت أثمانها ارتفاعًا فاحشًا، ممَّا ترتب عليه حُدُوث أزمة في الخُبز، فاضطرَّ الناس إلى أكل الأعشاب والحشائش. ويعتبر المُؤرِّخ المصري المُعاصر سعيد عبد الفتَّاح عاشور أنَّ هذا يُفسِّر لِمَ كانت نسبة الصليبيين الفرنجة المُشتركين في الحملة الصليبيَّة الأولى أكبر من الوافدين من أي دولةٍ أُخرى في غرب أوروپَّا. وزاد من سوء الأحوال الاقتصاديَّة في الغرب الأوروپي في ذلك الوقت كثرة الحُرُوب المحليَّة بين الأُمراء الإقطاعيين، وهي الحُرُوب التي لم تنجح الكنيسة أو المُلُوك في وقفها، ممَّا أضرَّ بِالتجارةِ وطُرُقِها والزراعةِ وحُقُولِها أبلغ الضرر. وهكذا جاءت الحملات الصليبيَّة لِتفتح أمام الجوعى في غرب أوروپَّا بابًا جديدًا لِلهجرة، وطريقًا لِلخلاص من الأوضاع الاقتصاديَّة الصعبة التي عاشوا فيها داخل أوطانهم، فضمَّت حملتا الفُقراء والصليبيَّة الأولى جُمُوعًا غفيرةً من المُعدمين والفُقراء والمساكين وطريدي القانون، وجميعهم كانوا يُفكرون في بُطُونهم قبل أن يُفكروا في دينهم، بِدليل ما أتوه طوال طريقهم إلى القُسطنطينيَّة من أعمال العُدوان والسلب والنهب ضدَّ إخوانهم من النصارى -الذين مرُّوا بِأراضيهم- دون أي وازعٍ دينيّ. ويُلاحظ أنَّ الدُويلات البحريَّة الإيطاليَّة القائمة على التجارة كجُمهُوريَّات البُندُقيَّة وجنوة وپيزة رأت في الدعوة الصليبيَّة فُرصةً طيِّبةٍ يجب اقتناصها لِتحقيق أكبر قدرٍ مُمكنٍ من المكاسب الذاتيَّة على حساب البابويَّة والكنيسة والصليبيين جميعًا، فأخذت تعرض خدماتها لِنقل الجُند عن طريق البحر إلى المشرق العربي، وفيما بعد لِنقل المُؤن والأسلحة وكافَّة الإمدادات إلى الصليبيين في الشَّام وتقديم المعونة البحريَّة لِلدفاع عن الموانئ الشاميَّة المُحتلَّة ضدَّ هجمات الأساطيل الإسلاميَّة. وهكذا اصطبغت الحركة الصليبيَّة من أوِّل أمرها بِصبغةٍ اقتصاديَّةٍ بعضها كان استغلاليًَا واضحًا، فالكثير من الجماعات والأفراد الذين أيَّدوا تلك الحركة وشاركوا فيها لم يفعلوا ذلك لِخدمة المسيحيَّة وحرب المُسلمين، وإنما جريًا وراء المال وجمع الثروات وإقامة مُستعمراتٍ ومراكزَ ثابتةٍ لهم في قلب ديار الإسلام بِغية استغلال مواردها والمُتاجرة فيها.

الأسباب الاجتماعيَّة

تألَّف المُجتمع الأوروپي في العُصُور الوُسطى من ثلاث طبقات: طبقة رجال الدين، وطبقة المُحاربين من النُبلاء والفُرسان، وطبقة الفلَّاحين من الأقنان ورقيق الأرض. وكانت الطبقتان الأوَّليتان تُمثلان الهيئة الحاكمة من وجهة النظر السياسيَّة، والأرستقراطيَّة السائدة من وجهة النظر الاجتماعيَّة، والفئة الثريَّة من وجهة النظر الاقتصاديَّة؛ في حين كانت طبقة الفلَّاحين تُمثِّل جُمُوع الكادحين المغلوبين على أمرهم المحرومين من النُفُوذ والثروة، والتي كان على أفرادها أن يعملوا ويشقوا لِيسُدُّوا حاجة الطبقتين الأوَّليتين. والواقع إنَّ آلاف الفلَّاحين عاشوا في غرب أوروپَّا عيشةً مُنحطَّة في ظل نظام الضِيَاع، حيثُ شيَّدوا لِأنفُسهم أكواخًا قذرة من جُذُوع الأشجار وفُرُوعها غُطيت سُقُوفها وأرضيتها بِالطين والقش دون أن يكون لها نوافذ أو بداخلها أثاثٌ عدا صُندُوقٍ صغيرٍ من الخشب وبعض الأدوات الفخَّاريَّة والمعدنيَّة البسيطة. وكان مُعظم أولئك الفلَّاحين من العبيد والأقنان الذين ارتبطوا ارتباطًا وثيقًا بِالأرض التي يعملون عليها، وقضوا حياتهم محرومين من أبسط مبادئ الحُريَّة الشخصيَّة، فكُلُّ ما يجمعه القنّ يُعتبر مُلكًا خاصًّا لِلسيِّد الإقطاعي لِأنَّ القن محرومٌ حتَّى من المُلكيَّة الشخصيَّة. وعاش أولئك الفلَّاحون مُثقلين بِمجموعةٍ ضخمةٍ من الالتزامات والخدمات، فكان عليهم أن يُقدِّموا خدماتٍ مُعيَّنةٍ لِلسيِّد الإقطاعي مثل فِلاحة أرضه الخاصَّة، فضلًا عن تسخيرهم في أعمالٍ شاقَّةٍ مثل شق الطُرُق وحفر الخنادق وإصلاح الجُسُور. كذلك كان على الفلَّاحين دفع مُقرَّرات مُعيَّنة مثل ضريبة الرأس التي يتعيَّن على كُلِّ قنٍّ دفعها سنويًّا رمزًا لِعُبُوديَّته، هذا عدا عن الضرائب المفروضة على ماشيته وما تُنتجه أرضه من خُضروات. أضف إلى ذلك أُلزم الفلَّاحون بِقَبُول احتكاراتٍ عديدةٍ أُخرى، فكان السيِّد الإقطاعي صاحب الضيعة وحده يمتلك طاحونةً وفُرنًا ومعصرةً، بل أحيانًا البئر الوحيدة في الضيعة، وفي هذه الحالة يُصبح كُلُّ قنٍ مُلزمًا بِإحضار غلَّته إلى طاحونة السيِّد لِطحنها، ويحمل خُبزه إلى فُرن السيِّد لِخبزه، وكُرُومه وزيتونه وتُفَّاحه إلى معصرة السيِّد لِعصرها، كُلُّ ذلك لقاء أُجُورٍ مُعيَّنةٍ يُقدِّمها الأقنان لِسيِّدهم الإقطاعي وهُم صاغرون، فإذا امتلك فلَّاحٌ طاحونةً أو غير ذلك من الأجهزة التي من حق السيِّد الإقطاعي وحده أن يحتكرها، صار ذلك جُرمًا خطيرًا يُحاكمُ عليه. وهكذا كانت الغالبيَّة العُظمى من الناس في أوروپَّا الغربيَّة يحيون حياةً شاقَّةً مليئةً بِالذُل والهوان عشيَّة الدعوة إلى الحملة الصليبيَّة الأولى، وممَّا زاد الطين بلَّة كان الظُرُوف الطبيعيَّة التي داهمت الفلَّاحين سنة 1095م، فهطلت كميَّات هائلة من الأمطار جرفت المزارع وأتلفت الأرزاق وخرَّبت بُيُوت الفُقراء والمساكين، وكوَّنت مُستنقعاتٍ آسنةً عملت على نشر الملاريا والطاعون في أوروپَّا، فمات مئات الآلاف من الناس جوعًا ومرضًا، ومن تبقَّى على قيد الحياة من الأقنان والفلَّاحين عاش جائعًا عاريًا، فلم يكن غريبًا والحالة هذه أن تجد دعوى الحرب لدى هؤلاء التُعساء كُلَّ حماسةٍ وتأييد لِيتخلَّصوا ممَّا كانوا يقبعون فيه من ذُل العيش ونكد الدُنيا، لا سيَّما بعد أن قيل لهم إنَّ في الديار المُقدَّسة نهرين من لبنٍ وعسل، وما على أحدهم إلَّا أن يجلس بين النهرين ويغرف بيمينه لبنًا وبِيساره عسلًا، والشرط الوحيد لِامتلاك ذانَيك النهرين قتل المُسلمين وتخليص بيت المقدس منهم، فيكون بِذلك قد ضمن الدُنيا بِلبنها وعسلها والآخرة بِجنَّاتها الوارفة.

مجمعا بلاصانس وإكلرمنت

يرجع الفضل في ابتكار وتنفيذ فكرة إرسال حملةٍ صليبيَّةٍ إلى المشرق لِلبابا أربانوس الثاني. ففي ضوء ما سمعهُ هذا البابا عن وُقُوع الأذى والضرر لِلحُجَّاج المسيحيين المُتوجهين إلى الديار المُقدَّسة، بدأ يُفكِّرُ في مشروعٍ لِطرد المُسلمين من آسيا الصُغرى، بِنفس الجُهُد والعزيمة التي كان يجري بها طردهم من الأندلُس. كما أنَّ البابويَّة كانت قد بلغت حينذاك درجةً كبيرةً من سعة النُفُوذ والسُلطان ممَّا جعلها تُفكِّر في انتهاز فُرصة ضعف الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وعدم قُدرتها على صد الخطر الإسلامي، لِتبسط سيطرتها على الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة. والواقع أنَّ البابا أربانوس كان أصلح شخصيَّة مُعاصرة لِتنفيذ المشروع الصليبي؛ إذ كانت لديه الجُرأة على الدعوة لِهذه الحرب المُكتسية بِغطاءٍ دينيٍّ ورعايتها، فضلًا عمَّا عُرف به من بُعد النظر ومقدرة في اختيار الرجال وتوجيههم والتأثير عليهم. ثُمَّ إنَّ البابا أربانوس الثاني لم يقل مُرونةً عن الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأوَّل كومنين، فلم يكد ذلك البابا يتولَّى منصبه حتَّى فتح باب المُفاوضات مع الإمبراطور البيزنطي لِتسوية المُشكلات المُعلَّقة بين الطرفين، كما رفع الحرمان الكنسي الذي كان مُوَقَّعًا على ذلك الإمبراطور، الأمر الذي أدَّى إلى نوعٍ من التقارب بين الكنيستين الشرقيَّة والغربيَّة وإلى منح الكنائس الكاثوليكيَّة في البلاد الأرثوذكسيَّة قسطًا من الحُريَّة في تصريف شُؤونها. وفي سنة 1090م أرسل الإمبراطور الرومي سفارةً إلى البابا أربانوس الثاني تحملُ لهُ إخلاص الإمبراطور ومحبَّته. على أنَّ تبادُل السفارات والمُجاملات لم يكفِ لِتخليص آسيا الصُغرى من خطر السلاجقة، لِذلك أراد الإمبراطور البيزنطي استغلال تلك العلاقات الطيِّبة مع البابويَّة لِلحُصُول على مُساعدةٍ عمليَّةٍ من الغرب ضدَّ المُسلمين، فانتهز فُرصة عقد مجمعٍ كنسيٍّ بِرآسة البابا في مدينة بلاصانس - بِشمال إيطاليا - في شهر آذار (مارس) سنة 1095م، وأرسل بعثةً من القُسطنطينيَّة لِحُضُور المجمع وطلب مُساعدة البابا. ولمَّا حضر الوفد البيزنطي، لفت أعضاؤه الأنظار بِسبب ملابسهم الشرقيَّة الفاخرة غير المألوفة عند الغربيين، ثُمَّ رفعوا أصواتهم وأوصلوا رسالة إمبراطورهم المُلتمسة المعونة من مُلُوك أوروپَّا بِأن يُوجِّهوا قُوَّة أسلحتهم لِمُعاضدة القُسطنطينيَّة ولِإنقاذ بيت المقدس. وشرع البابا بِتحريض الجميع بِاتحاد قُواهم واتفاق عزائمهم نحو هذه القضيَّة المُقدَّسة، فقبلوا جميعًا الأوامر واعدين بِأنَّهم بعد أيَّامٍ قليلةٍ يجتمعون تحت بيارق الصليب لِذهابهم إلى بلاد فلسطين لِقتال المُسلمين. ثُمَّ لم تمضِ أيَّامٌ قليلة على هذا المجمع حتَّى سكنت ثائرة من حضره من الحُكَّام، بعد أن اعتراهم الخوف من ترك بلادهم وأوطانهم والذهاب إلى بلادٍ وأقاليم مجهولة عندهم وترك أملاكهم تقع لُقمة سائغة في يد أعدائهم. وهكذا لم تحصل ثمرة من المجمع ولم تتقرَّر فيه كيفيَّة مُحاربة المُسلمين.

على أنَّ البابا أربانوس الثاني كان قد آمن بِضرورة مُعاونة الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة ضدَّ المُسلمين فضلًا عمَّا وجده في هذه الفكرة من توجيه جُهُود الأُمراء والفُرسان وجهةً صالحةً تُخفِّف من الحُرُوب والمُنازعات المحليَّة الدائرة بينهم في غرب أوروپَّا. لكنَّ البابا اختار أن يُحيط مشروعه الجديد بِالسريَّة التامَّة، وأخذ يُقلِّب الفكرة في ذهنه حتَّى قرَّر على ما يبدو إعلانها في المجمع الكنسي التالي في مدينة إكلرمنت بِدوقيَّة أقطانية. وعندما انعقد هذا المجمع في 18 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1095م، انقضت الأيَّام التسعة الأولى منه في مُناقشة المسائل الكَنَسيَّة المُختلفة، حتَّى إذا ما تمَّ ذلك وجَّه البابا دعوته في اليوم العاشر إلى المسيحيين جميعًا لِلاتحاد لِاستخلاص الديار المُقدَّسة من المُسلمين. وعرض البابا على المُجتمعين - في أُسلوبٍ بلاغيٍّ جذَّاب - مدى ما تُعانيه الديار المُقدَّسة وحُجَّاجها من متاعب بِسبب سيطرة المُسلمين عليها، الأمر الذي صار يتطلَّب من المسيحيين الغربيين الإسراع لِنجدة إخوانهم في الشرق. ووجَّه أربانوس دعوته هذه لِلقادرين والفُقراء على حدٍّ سواء، لِيترُك الجميع مُشاحناتهم في أوروپَّا الغربيَّة ويُوجهون جُهُودهم ضدَّ المُسلمين في الشرق، حيثُ يرعاهم الله ويُبارك جُهُودهم ويغفر ذُنُوبهم؛ ثُمَّ نادى البابا بِالإسراع في تقديم النجدة بِحيثُ يكون جميع المُتطوِّعين على أهبة الاستعداد إلى الرحيل شرقًا مع بداية فصل الصيف. ومن بعض ما ورد في عظة أربانوس الثاني بحسب المُؤرِّخ وليم الصوري:

«...وإنَّ مهد أيماننا، ومهبط رأس مولانا ومنبع الخلاص قد تملَّكها الآن عنوةً شعبٌ غير مُتألِّه، هو ابن الجارية المصريَّة الذي يفرض على أبناء المرأة الحُرَّة ظُرُوفًا بالغة السوء حتَّى قالت: «اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا». لقد ظلَّ جنس السراسنة البغيض عبر سنواتٍ طوالٍ مضت يبسط سُلطانه على الأراضي الطاهرة التي مشى عليها السيِّدُ بِقدميه، ثُمَّ خضع المُؤمنون لِلقهر، وراحوا يتخبَّطون في قيد الأسر، فدخلت الكلاب الأماكن الطاهرة ودُنِّس الهيكل وضُربت المذلَّة على عباد الرب، واليوم ها هو ذا الشعب المُختار يحتملُ الأحوال التي لا يستحقها، وهاهم رجالُ الدين مُسترقُّون، والكرامةُ ساقطةٌ في الوحل والطين، وأصبحت مدينة الرب - التي هي فوق كُلِّ مدينة - محكومةً لا حاكمةً، فمن ذا الذي لا تنفطرُ نفسهُ كمدًا؟ ولا يذوبُ قلبهُ حسرةً حيثُ تخطرُ بباله هذه الإهانات!! أيُّها الإخوةُ الأعزَّاء: من ذا الذي يستطيعُ سماع هذا كُلُّه ولا تبكي مُقلتاه؟ لقد غضب يسوعٌ فطرد من هيكل الرب جميع من اتخذوه مكانًا لِلبيع والشراء، حتَّى لا يصير بيت أبيه - وهو بيتُ الصلاة - مغارةً لِلُّصوص ومأوىً لِلشياطين...»

ويُروى أيضًا أنَّ البابا وجَّه خطابه إلى أهل فرنسا قائلًا: «أَيَّتُهَا الطَّائِفَةُ الْفَرَنْسَاوِيَّةُ الْعَزِيزَةُ لَدَى الله، إِنَّ كَنِيسَةَ الْمَسِيحِيِّينَ قَدْ وَضُعَتْ رَجَاهَا مُسْنَدًا عَلَى شَجَاعَتِكُمْ، فَأَنَا الَّذِي أعْرَفُ جَيِّدًا تَقْوَاِكُمْ وَكَفَاءَتِكُمْ بِالشَّجَاعَةِ وَالْغَيْرَةِ، وَقَدِ اِجْتَزْتُ الْجِبَالَ الأَلْبِيَّةَ وَحَضَرَتُ لِكَيْ أُنْذِرَ بِكَلَاَمِ اللهِ فِي وَسَطِ بِلَادِكُمْ». وأخذ يُحُثُّهم مُذكِّرًا إيَّاهم بِشاعجتهم القديمة. وقيل أنَّ البابا خصَّ الفرنجة بِكلامه لانقسام أهالي الإمارات الألمانيَّة وقيام فريق منهم ضدَّ الكُرسي الرسولي، ولِانشغال أهالي البلاد الشماليَّة في صد غزوات البرابرة، ولِضعف مملكة إنگلترا حينذاك، فلم يجد الحبر الأعظم أمامه غير بلاد فرنسا لِتُلقي بِثقلها العسكري نحو المشرق. وما أن أتمَّ البابا كلامه حتَّى نهض الفُرسان الحاضرين ووضعوا أيديهم على سُيُوفهم وأقسموا بِأن يُبادروا إلى إنقاذ المسيحيَّة والديار المُقدَّسة وتخليصها من أيدي المُسلمين، كما يُروى أنَّ جُمُوع الحاضرين أخذت تصيحُ «هذه مشيئة الله» (اللاتينية: Deus vult)، فكانت هذه الصيحة إيذانًا ببداية صفحةٍ جديدةٍ في التاريخين الأوروپي والإسلامي قُدِّر لها أن تستمر عدَّة قُرُون.

دعوة الناس إلى الحرب

لم يكد البابا أربانوس يفرغ من خطبته التي دعا فيها لِحرب المُسلمين، حتَّى جثا أدهمار أُسقف لوپوي (الفرنسية: Adhémar de Le Puy) أمام قدميه راجيًا أن يكون لهُ شرف المُساهمة في الحرب المُقدَّسة الآتية، وبِذلك صار هذا الأُسقف أوَّل من افتتح قائمة المُتطوعين، واختاره أربانوس الثاني مندوبًا بابويًّا في الحملة الأولى، ثُمَّ دعاه في وقتٍ لاحقٍ قائد الحملة بِأكملها. ويُقال أيضًا أنَّ تلك الحركة كانت مُجرَّد تمثيليَّةٍ اتفق عليها البابا والأُسقُف قبل انعقاد المجمع. وبجميع الأحوال، يتفق الباحثون على أنَّ حرص البابويَّة على تعيين مندوبٍ عنها يُرافق الصليبيين في رحلتهم إلى ديار الإسلام، معناه أنَّها كانت حريصةً على إشرافها وسيطرتها على الحركة الصليبيَّة وعلى الأراضي التي سيُسيطر عليها الصليبيُّون بعد ذلك. وجديرٌ بِالمُلاحظة أنَّ أحدًا من كبار الأُمراء العلمانيين لم يكن حاضرًا مجمع إكلرمنت لِيُبدي استعداده لِلمُشاركة في تلك الحرب المُنتظرة ضدَّ المُسلمين في المشرق. وقد أحسَّ البابا أربانوس من أوَّل الأمر بِأنَّ مشروعه الصليبي في حاجةٍ إلى تأييدٍ من القوى العلمانيَّة، فجمع الأساقفة وأصدر المجمع قرارًا بِأنَّ كُل من يشترك في الحرب المُقدَّسة تُغفر لهُ ذُنُوبه، فضلًا عن أنَّ مُمتلكات الصليبيين ستوضع تحت رعاية الكنيسة وحمايتها طوال مُدَّة غيابهم. كذلك، استقرَّ الرأي على أن يحيك كُل مُحارب صليبًا من القماش الأحمر على ردائه الخارجي من ناحية الكتف رمزًا لِلحركة التي اشترك فيها والفكرة التي خرج لِيُحارب من أجلها. ثُمَّ إنَّ كُل من يضع هذا الصليب بُغية المُشاركة في الحرب المُقدَّسة عليه أن يتجه فورًا إلى المشرق، فإذا تردَّد وعاد دون أن يُؤدي واجبه أو أظهر تقاعُسًا عن تأدية ذلك الواجب، عُوقب بِالحرمان الكنسيّ. وطلب البابا من الأساقفة دعوة الناس إلى الحرب الصليبيَّة، وأخذ هو بِنفسه يتنقَّل بين المُدن والبُلدان الإفرنجيَّة داعيًا لِلحرب، فعقد مجمعًا في ليمُوجش، وكرَّر الدعوة نفسها في أنجيرش ولومان وطُرش وبيتارش وبرديل وطولوشة وغيرها. وكان أوَّل من استجاب لِلدعوة الصليبيَّة من كبار الأُمراء الأوروپيين هو ريمُند الرابع قُمَّس طولوشة وصنجيل (الفرنسية: Raymond IV de Toulouse et Saint-Gilles)، الذي سبق وحارب المُسلمين في الأندلُس وحجَّ إلى بيت المقدس، فعيَّنه البابا قائدًا عسكريًّا لِلحملة، على أن تبقى الزعامة الروحيَّة لِلمندوب البابوي أدهمار. ولم يلبث أن أقبل على البابا عدَّة أُمراء وكثيرٌ من الناس الراغبين بِالمُشاركة في الحركة الجديدة، وكان من جُملتهم: وليم أُسقف أورنج، وهيوج قُمَّس فرماندوة شقيق فيليپ الأوَّل ملك الفرنجة، وروبرت الثاني قُمَّس الفلمنك، وروبرت قُمَّس نرمندية ابن وليم الفاتح ملك الإنگليز، وأسطفان قُمَّس بلوة، وبلدوين البولوني، وغيرهم. ونبَّه ريمُند الرابع البابا إلى ضرورة الاعتماد على مُساندة قُوَّة بحريَّة لِتنفيذ مشروع الحرب الصليبيَّة، فأرسل أربانوس الثاني مبعوثين إلى جنوة طالبًا مُشاركتها في المشروع الصليبي الكبير. ولم يلبث الجنويُّون أن استجابوا لِدعوة البابا، فأعدُّوا اثنتيّ عشرة سفينة حربيَّة كبيرة لِمُساندة الحملة، فضلًا عن ناقلةٍ كبيرة. وبِذلك حقَّقت جنوة لِنفسها سبقًا كبيرًا مكَّنها من اكتساب حُقُوقٍ في الشَّام، وهي حُقُوقٌ لم يستطع الپيازنة (أهل پيزة) أو البنادقة الظفر بها إلَّا بعد جُهدٍ طويل. وإلى جانب الأُمراء والنُبلاء، أثارت دعوة البابا حركةً شعبيَّةً ضخمةً ارتبطت في التاريخ باسم بُطرس الناسك. فقد ظهرت طائفةٌ جديدةٌ من الدُعاة، إلى جانب الأساقفة، قاموا بِجُهدٍ كبيرٍ واسع النطاق في الدعاية لِمشروع الحرب المُقدَّسة، وكان على رأس هؤلاء كاهنٌ طاعنٌ في السن من مدينة أميان يُدعى بُطرس، واشتهر في التاريخ باسم «بُطرس الناسك» (الفرنسية: Pierre l'Ermite)، يُقال أنَّهُ حاول أن يحُجَّ إلى بيت المقدس ولكنَّهُ تعرَّض في الطريق لِضغط السلاجقة، فعاد إلى بلده دون أن يُحقق أُمنيته، ممَّا ترك أثرًا في نفسه، على أنَّ العديد من الباحثين المُعاصرين يُشكِّكون بِصحَّة هذه الرواية. عمومًا، يبدو أنَّ حماسة بُطرس الناسك وفصاحته وهيئته الغريبة - بِثيابه المُهلهلة وقدميه الحافيتين وحماره الأعرج - جعلت منهُ شخصيَّة ذات تأثيرٍ خطيرٍ على جماهير العامَّة والدُهماء في أوروپَّا الغربيَّة، بِحيثُ أنَّهم كانوا لا يكادون يستمعون لِحديثه حتَّى تغلب عليهم الحماسة، فيجتمعون في سُرعةٍ غريبةٍ ويُشرعون في الزحف شرقًا، دون إعطاء البابا فُرصةً لِتنظيم الحركة الصليبيَّة تنظيمًا جديًّا من الناحيتين السياسيَّة والعسكريَّة، وفي ذلك يقول وليم الصوري:

ومضى بُطرس الناسك في دعوته بِقُوَّة، فطاف بِمُختلف أقاليم فرنسا مثل أُرليانش وشمبانية ولوثرنجية، وخرج من هذه الأقاليم بِعددٍ ضخمٍ من الأتباع - حوالي خمسة عشر ألفًا - اصطحب بعضهم نساءهم وأطفالهم، تدفعهم إلى ذلك النكبات الطبيعيَّة والاقتصاديَّة التي ابتُلي بها الغرب الأوروپي آنذاك. إذ فهم عوام الناس دعوة البابا على أنها فُرصة لِمُستقبلٍ جديدٍ وحياةٍ أفضل في الشرق المُقدَّس، ورُبَّما حلم بعض الفُقراء بِامتلاك الضياع في فلسطين إن قُدَّر لهم النجاة والوُصُول إلى الديار المُقدَّسة، وإن مات أحدهم في الطريق فمن المُؤكَّد أنَّهُ سينال مُكافأةً في الجنَّة حسبما وعد البابا. وأعلن الأخير موعد انطلاق الصليبيين يوم 15 آب (أغسطس) 1096م المُوافق فيه 22 شعبان 489هـ حين تكون المحاصيل الزراعيَّة قد جُمعت من الحُقُول، وحدَّد مكان اللقاء في مدينة القُسطنطينيَّة. لكنَّ الفلَّاحين والعامَّة لم يصبروا حتَّى يرحلوا في الموعد المُحدَّد، فخرجوا على شكل مجموعاتٍ حاملين ما توفَّر لهم من المُؤن، وكانوا غالبًا من دون سلاحٍ سوى العصيّ والسكاكين والسُيُوف الخشبيَّة، ويتوقعون حُدُوث المُعجزات والنصر على الكُفَّار بِعون الملائكة. والواقع أنَّ قلَّة الزاد هذه ساهمت في جعل الصليبيين العوام هؤلاء يتصرَّفون بِتهوُّرٍ في المجر والبلقان في وقتٍ لاحقٍ، في حين استفاد صليبيُّو حملة الفُرسان والنُبلاء المُنظَّمة اللاحقة من محصول الصيف الوفير، فقد توفَّر لهم كميَّات كبيرة من الحنطة لِتغطية حاجاتهم في المراحل الأولى من مسيرتهم. كما أنَّ العوام تحرَّكوا من أوروپَّا الغربيَّة قبل أن تقوم الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة بِتمهيد الطريق لهم، علمًا بِأنَّ بيزنطة لم تكن تتوقَّع قُدُوم القُوَّات الغربيَّة في مثل هذا الوقت المُبكر من السنة وبِتلك الأعداد الضخمة.

تسمية الحملة بالـ«صليبيَّة»

يُشاعُ خطأً أنَّ المُحاربين الأوروپيين سُمُّوا «صليبيين» مُنذُ الأيَّام الأولى لِحملتهم. والواقع أنَّ مُصطلح «الحملة الصليبيَّة» أو «الصليبيين» لم يظهر سوى في أواخر القرن الثاني عشر الميلاديّ، مع استحداث كلمة «Crusesignati» اللاتينيَّة، ومعناها «الموسوم بالِصليب»، لِكي تُعبِّر عن الأوروپيين الغربيين المُحاربين باسم الكنيسة الكاثوليكيَّة، لأنَّهم كانوا يُخيطون صُلبان القُماش على سُتراتهم. ولم يحدث حتَّى أوائل القرن الثالث عشر الميلاديّ أن كانت هُناك كلمةٌ لاتينيَّةٌ تعني «الحركة الصليبيَّة». وفي بداية الأمر كان من يُشاركون في الحملة الصليبيَّة يُوصفون بِأنَّهم «حُجَّاج» (اللاتينية: Preregrini)، وغالبًا ما استُخدمت عدَّة تعبيرات ومُصطلحات أُخرى مثل «رحلة الحج» (اللاتينية: Peregrinatio) التي كانت شائعة تمامًا في الفترة الباكرة من تاريخ الحركة الصليبيَّة، كذلك استُخدمت كلمة «الحملة» (اللاتينية: Expeditio) وعبارة «الرحلة إلى الأرض المُقدَّسة» (اللاتينية: Iter in terramsanctam)، واصطلاح «الحرب المُقدَّسة» (اللاتينية: Sanctus bellum) كما استُخدمت عبارات ومُصطلحات مثل «الحملة العامَّة» (اللاتينية: Passagim general) أو «حملة الصليب» (اللاتينية: Expeditio cucis)، أو «مشروع يسوع المسيح» (اللاتينية: Negotium Jhesus Christi). أمَّا المُصطلح الإنگليزي «Crusade» فقد ابتُكر في القرن الثامن عشر الميلاديّ، وعُرِّب فأصبح «الحملة الصليبيَّة». أمَّا المُؤرخون المُسلمون الذين عاصروا هذه الحملات فلم يستخدموا مُصطلح «الصليبيَّة» إطلاقًا، بل كانوا يُسمُّون هذه الحملات بِـ«حركة الفرنج»، رُغم تمييزهم بين الأقوام الأوروپيَّة المُختلفة التي شاركت فيها، من فرنجةٍ وألمان ونُرمان وإنگليز وغيرهم، وسبب ذلك هو أنَّ الفرنجة سُكَّان بلاد الغال التي عُرفت فيما بعد بـ«فرنسا» كانوا أكثر إقبالًا من غيرهم على المُشاركة في هذه الحركة.

خُرُوج حملة الفُقراء وفشلها

كان أوَّل من خرج من العوام الذين ضربوا بتعليمات البابا عرضَ الحائط جماعة من مدينة قُلُونية مُكوَّنة من الرُعاع والمُجرمين والأفَّاقين والرُهبان والنساء والأولاد والعجزة بِزعامة أميرٍ إفرنجيٍّ يُدعى ولتر المُفلس (الفرنسية: Gautier Sans-Avoir)، فسار بهم ولتر هذا مُخترقًا مملكة المجر دون حادثٍ يُذكر، ولمَّا وصلوا إلى بلغراد، طالبوا السُلطات هُناك بِتزويدهم بِالمُؤن، فلم يُستجب طلبهم، فعمدوا إلى نهب ضواحي المدينة ممَّا دفع بالأهالي لِمُهاجمتهم وتجريدهم من أسلحتهم وما يحملونه من متاعٍ. وعلى إثر ذلك واصل ولتر ومن بقي معهُ من أصحابه سيرهم إلى نيش، فأترالسة، فأدرنة. وبِتاريخ 21 رجب 489هـ المُوافق فيه 20 تمُّوز (يوليو) 1096م اقترب الصليبيُّون من القُسطنطينيَّة، فأذن لهم الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأوَّل بِالانتظار تحت أسوار المدينة ريثما يلحق بهم بقيَّة الجُيُوش.

لكنَّ من لحق بِهؤلاء لم يكن سوى جُمُوعٌ أُخرى من العوام بِقيادة بُطرس الناسك، الذي خرج من قُلُونية في 17 ربيع الآخر 489هـ المُوافق فيه 19 نيسان (أبريل) 1096م مُجتازًا لوثرنجية وفرنكُنية وباڤاريا والنمسا دون أن يُصيبه مكروه؛ وبعد نحو شهرين وصل بلاد المجر، فأحسن ملكها كولومان بن گزاي مُعاملته، إلَّا أنَّ ذلك لم يحل دون حُدُوث بعض القلاقل بين عصابته وبين الأهالي، ممَّا دعاه إلى الإسراع في السير نحو بلغراد، فوصلها بعد اجتيازه نهر صوه على أطوافٍ بسيطة، ثُمَّ تابع سيره إلى نيش حيثُ أقدمت عصابته على اقتراف أعمالٍ مُخزيةٍ؛ من إضرام النيران في المنازل والطواحين الواقعة على طول النهر، وسلب الأهالي وتقتيلهم، فهاجمهم حاكم المدينة وقتل قسمًا منهم، وجرَّد الباقي من أسلحته؛ غير أنَّ بُطرس أعاد النظام إلى جماعته، وأكمل سيره نحو أترالسة فوصلها في 13 رجب 489هـ المُوافق فيه 12 تمُّوز (يوليو) 1096م. وهُناك اجتمع بِمندوبي الإمبراطور البيزنطي، الذين نقلوا إليه رسالة ألكسيوس، وفيها اشترط على الصليبيين بِعدم التوقُّف أكثر من ثلاثة أيَّام في كُلِّ مدينةٍ يحلُّون بها، وذلك مُقابل تأمين إعاشتهم وعلف دوابهم، فوافق بُطرس على هذه الشُرُوط. وفي 3 شعبان 489هـ المُوافق فيه 1 آب (أغسطس) 1096م وصل بُطرس بِجماعته إلى القُسطنطينيَّة، فاجتمع بِولتر المُفلس تحت أسوارها، وانضمَّت إليهما عصاباتٌ أُخرى شعبيَّة، وكان اجتماع تلك العصابات المُختلفة مُشجعًا لأفرادها على إتيان الأعمال الغوغائيَّة التي اعتادوها، فراحوا ينهبون ضواحي القُسطنطينيَّة والقُرى المُجاورة وينهبون من الكنائس نفائسَها، وكُل ما تقع عليه أيديهم، الأمر الذي دعا إمبراطور الروم إلى التعجيل بِترحيلهم ونقلهم إلى الأناضول.

نقلت المراكب البيزنطيَّة جميع الصليبيين عبر بحر مرمرة إلى الأناضول يوم 8 شعبان 489هـ المُوافق فيه 6 آب (أغسطس) 1096م، وألقت بهم على ساحل بتونية. وعلى الرُغم من الضرر الذي ألحقه الصليبيُّون بِرعايا الإمبراطور الآمنين، فإنَّهُ استمرَّ يُحسن النُصح إليهم، فأشار عليهم بِالتجمُّع والانتظار عند أحد المراكز الحصينة قُرب مضيق البُسفور حتَّى تأتيهم الإمدادات والجُيُوش النظاميَّة من الغرب. ولكنَّ جُمُوع العامَّة لم يستطيعوا ضبط أنفُسهم والكف عن النهب والسلب، فساروا على طول شاطئ مرمرة ينهبون الكنائس والمنازل دون أن يكبح جماحهم شيء، حتَّى إنهم نهبوا مدينة نيقوميدية التي كانت مهجورةً مُنذُ أن هاجمها السلاجقة قبل خمس عشرة سنة. وفي مُنتصف شهر أيلول (سپتمبر) 1096م انفردت جماعةٌ من هؤلاء الصليبيين وتقدَّمت نحو أسوار نيقية عاصمة دولة سلاجقة الروم، وأصابت غنيمة كبيرة، بعد أن اشتبكت بِمعركةٍ مع المُسلمين. ولم يقف هؤلاء عند هذا الحد، بل غرَّهم انتصارهم هذا وشجَّعهم على المضي في إغاراتهم والتوغُّل بعيدًا عبر الحُدُود السُلجُوقيَّة، حتَّى إنَّ أحد قادتهم المدعو «رينالد النُرماني»، تمكَّن مع قسمٍ من رجاله الألمان والنُرمان من احتلال أحد الحُصُون في ضواحي نيقية، وهو المُسمَّى بِالروميَّة «إكسيريگوردوس» (باليونانية: Ξερίγορδος). وراحت جُمُوع الألمان والنُرمان والفرنجة تتسابق وتتنافس في شن الغارات على المناطق الزراعيَّة المُجاورة، فسلبوا سُكَّان القُرى ماشيتهم ودوابهم، واعتدوا عليهم واقترفوا بِحقِّهم أعمالًا جُرميَّةً رهيبةً دون تفرقةٍ بين المُسلمين والنصارى، وفي ذلك يقول المُؤرِّخ الفرنسي گوستاڤ لوبون (الفرنسية: Gustave Le Bon): «...وَاِقْتَرَفَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْجَرَائِمِ نَحْوَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى مَا لَا يَصْدِرُ عَنْ غَيْرِ الْمَجَّانِينَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْوَحْشِيَّةِ، وَكَانَ مَنْ أَحُبِّ ضُرُوبِ اللَّهْوِ إِلَيْهِمْ قَتَلَ مَنْ يُلَاقُونَ مِنَ الْأَطْفَالِ وَتَقْطيعِهِمْ إِرْبًا إِرْبًا وَشْيِهِمْ كَمَا رَوَتْ حَنِّة كُومنِين بِنْتُ قَيْصَرِ الرُّومِ». لم يسكت السلطان السُلجُوقي قلج أرسلان بن سُليمان على أفعال الصليبيين، فأرسل أحد كبار قادته العسكريين المدعو «إيلخانوس» على رأس جيشٍ كبيرٍ لِاسترداد الحصن سالف الذِكر، فحاصره ومنع الماء عن الصليبيين حينًا حتَّى استسلموا، فساقهم أسرى بمن فيهم قائدهم رينالد النُرماني. وفي تلك الأثناء كان بُطرس الناسك قد عاد إلى القُسطنطينيَّة لِمُقابلة الإمبراطور البيزنطي، فانتهز رجاله الفُرصة بِغيابه لِمُهاجمة نيقية نفسها، فغادروا حصن «سيڤيتوت» (اللاتينية: Civetot) الذي اتخذوه مُعسكرًا، بعد أن تركوا فيه النساء والأولاد، وساروا دون ترتيبٍ أو نظامٍ مُتجهين نحو العاصمة السُلجُوقيَّة، فنصب لهم السلاجقة كمينًا في وادٍ ضيِّق وأبادوا القسم الأكبر منهم، ثُمَّ لاحقوا فُلُولهم إلى سيڤيتوت واقتحموه، وفتكوا بِكُل من كان في المُعسكر من المُقاتلين وسبوا الباقين، وكان من بين القتلى ولتر المُفلس نفسه. وفرَّت حفنة صغيرة من الصليبيين الناجين إلى قلعةٍ خربةٍ احتموا بها، وأرسلوا تحت جُنح الظلام رسولًا إلى القُسطنطينيَّة لِيُخبر أهل السُلطة بِالكارثة التي حلَّت، ويستنجدهم لِإنقاذ القلَّة الباقية على قيد الحياة والمُكابِدة لِلحصار الشديد. ولمَّا علم بُطرس بِكُلِّ ذلك بادر إلى الإمبراطور واستطاع بِتوسُّلاته إليه وتضرُّعاته أن يحمله على إرسال بعض القوارب إلى البر الآسيوي لِإنقاذ الصليبيين، فأبحرت تلك السُفُن في الحال، وما إن وصلت وشاهدها السلاجقة حتَّى رفعوا الحصار وانسحبوا إلى الداخل. ونقل الروم الأحياء من الصليبيين إلى القُسطنطينيَّة حيثُ خُصِّص لهم مكانُ إقامة في الضواحي بعد أن جُرِّدوا من أسلحتهم. وعلى هذا الشكل انتهت حملة الفُقراء الصليبيَّة، التي أثبتت أنها كانت طائشة وعديمة النظام، واستنفدت صبر الإمبراطور البيزنطي ورعيَّته.

== وُصُول الحملة النظاميَّة إلى القُسطنطينيَّة == بعد قيام حملة الفُقراء كانت الاستعدادات تجري في الغرب الأوروپي لِتحرُّك الجُيُوش النظاميَّة بِاتجاه الشرق، وقوامها الأُمراء الإقطاعيُّون في فرنسا وإيطاليا ونرمندية. وطبيعي أن يكون أفراد هذه المجموعة أكثر تقديرًا لِخطَّة سيرهم بعد الاستعدادات بِالسلاح والأموال والرجال والعتاد، والاتصال مُسبقًا بِأُمراء ومُلُوك وحُكَّام النواحي الذين سيمُرُّون بِأراضيهم حتَّى يمُدُّوا يد المُساعدة لهم. وتعدَّدت قيادات هذه المجموعة، فلِكُلِّ قائدٍ رجاله وجُندُه، كما اختلفت أهواؤهم واتجاهاتهم وسياساتهم، وكانوا على تبايُنٍ في نظرتهم إلى مفهوم الحركة الصليبيَّة، ممَّا جعل تلك الحملة في حقيقة أمرها عبارة عن عدَّة حملات رُبما عملت أحيانًا في اتجاهاتٍ مُعارضة.

توافُد جُيُوش النُبلاء وتقسيمها

تُقدِّر أبحاثٌ مُعاصرة أنَّ أعداد المُقاتلين الذين غادروا أوروپَّا الغربيَّة بعد مجمع إكلرمنت تتراوح بين 70,000 و80,000 مُقاتل، انضمَّ إليهم مزيدًا من الرجال الذين اصطحب بعضهم أهله وعياله، خلال السنوات الثلاث لِلحملة. وتُفصِّل تلك الأبحاث أعداد الصليبيين على الشكل التالي: ما بين 7,000 و10,000 فارس، وما بين 35,000 إلى 50,000 راجل، وما بين 60,000 إلى 100,000 شخص من غير المُحاربين. أمَّا تقسيم تلك الجُيُوش ومسيرها فكان على الشكل التالي:

الجيش الأوَّل: كان على رأسه هيوج قُمَّس فرماندوة (الفرنسية: Hugues de Vermandois)، وهو الابن الأصغر لِهنري الأوَّل ملك الفرنجة وشقيق فيليپ الأوَّل كما أُسلف، وكان يطمع في أن يحصل في الشرق على السُلطة والأموال ما يُلائم أصالة نسبه، والراجح أنَّ أخاه فيليپ هو الذي شجَّعهُ على الاشتراك بِالحملة الصليبيَّة كي يلتمس الرضا من البابويَّة، في حين نصَّت مصادر لاتينيَّة عائدة لِتلك الفترة أنَّهُ قرَّر المُشاركة بعدما شهد خُسُوفًا لِلقمر ليلة 11 شُباط (فبراير) 1096م، فاعتبر ذلك إشارةً إلهيَّة. ويبدو أنَّ هيوج هذا كان أوَّل الأُمراء الصليبيين المُغادرين، كما كان أوَّلهم وُصُولًا إلى الأراضي الروميَّة. فقد ارتحل من فرنسا إلى إيطاليا في رمضان 489هـ المُوافق لِآب (أغسطس) 1096م، على رأس جيشٍ صغيرٍ من أتباعه وبعض الفُرسان من ضياع أخيه، وأرسل رسولًا خاصًّا إلى القُسطنطينيَّة يحملُ رسالةً تفيضُ غطرسةً وغُرُورًا، ويطلب من الإمبراطور أن يُقابله بما يليق بِمكانته السامية، فقال:

واجتاز هيوج وأتباعه رومة وبلغوا ثغر باري في أواخر شوَّال المُوافق لِأوائل تشرين الأوَّل (أكتوبر)، وأرسل من هذه المدينة وفدًا من أربعةٍ وعشرين فارسًا إلى دراست أخطر حاكمها الدوق يوحنَّا كومنين ابن أخي الإمبراطور بِأنَّهُ على وشك الوُصُول، وكرَّر طلبه بِما ينبغي الاحتفال بِاستقباله. ويبدو أنَّ الإمبراطور البيزنطي استُفزَّ بمُحتوى هذه الرسالة، وتخوَّف من تكرار تجربة حملة الفُقراء، فأرسل إلى ابن أخيه وقائد أُسطُوله أن يُعلماه بِوُصُول الصليبيين ما إن يظهروا في البلقان. وما أن أبحر هيوج برجاله من باري حتَّى ضربت أُسطُوله الصغير عاصفة بحريَّة أغرقت بعض السُفُن بِكُلِّ ما عليها من الرُكَّاب، فانتشلهُ الدوق يُوحنَّا حاكم دراست مع قادته ومن نجا من أتباعه وزجَّ بهم في السجن، ثُمَّ أرسلهم إلى القُسطنطينيَّة كي يقضي فيهم الإمبراطور بِما يشاء، فحبسهم حينًا بِانتظار وُصُول القادة الباقين، فإذا قُدِّر لهم النجاح في الحُضُور أطلق سراح هيوج ومن معه، أمَّا إن كان الأمر غير ذلك فسيُبقيهم أسرى طول حياتهم.

الجيش الثاني: تلا وُصُول هيوج قُمَّس فرماندوة إلى القُسطنطينيَّة، وُصُول گُدفري البويني (الفرنسية: Godefroy de Bouillon) دوق لوثرنجية الواطئة، ورافقهُ أخوه بلدوين البولوني (الفرنسية: Baudouin de Boulogne) فضلًا عن عددٍ آخر من كبار الأُمراء. ويبدو أنَّ المكانة البارزة التي تمتَّع بها گُدفري في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة، وأهميَّة الإمارات التي شارك أصحابها في تلك الحملة جعلت لها مكانة خاصَّة دفعت كثيرًا من الفُرسان إلى الانضمام إليها، فاكتسبت طابعًا مُميزًا من أوَّل الأمر. هذا مع مُلاحظة أنَّ مُعظم المُشتركين في هذه الحملة كانوا من القطاع الإفرنجي في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة، ولم يكن من القطاع الألماني سوى القليل، ممَّا جعل الطابع العام لِحملة گُدفري البويني إفرنجيًّا، وقد ظهر أثر ذلك عندما استقرَّ أولئك الصليبيُّون بالشَّام، إذ سُرعان ما ذبلت العلاقات الإقطاعيَّة التي ربطتهم بإمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة، وأقاموا مَلَكيَّة جديدة في بيت المقدس وفق النُظُم والتقاليد الإفرنجيَّة. وآثر گُدفري ألَّا يسلك الطريق الذي يجتاز إيطاليا كي يتجنَّب الحرج في علاقاته مع البابويَّة نظرًا لِأنَّهُ كان من أنصار إمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة هنري الرابع الذي كان بِدوره على خلافٍ معها مُنذُ سنة 1076م، نتيجة النزاع حول أحقيَّة أي الجهتين في تنصيب الأساقفة والمطارنة في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المُقدَّسة. لِذا سلك هذا القائد الطريق الذي يجتاز بلاد المجر وبُلغاريا عبر بلغراد - نيش - أترالسة - فيلپَّة - أدرنة، في الوقت الذي كان المجريُّون ما يزالون يحملون كثيرًا من الحقد والضغينة لِلصليبيين بعد الضرر الذي لحق بهم على أيدي جُمُوع بُطرس الناسك ورُعاع حملة الفُقراء. لِذلك رأى گُدفري أن يُبدِّد تلك المخاوف عند المجريين قبل أن يعبر بلادهم، فعقد اجتماعًا مع الملك كولومان بن گزاي على الحُدُود المجريَّة الألمانيَّة. وفي ذلك الاجتماع قدَّم گُدفري أخاه بلدوين لِيظلَّ رهينةً لدى الملك المجري حتَّى يتم انتقال قُوَّاته عبر الأراضي المجريَّة. وفي الوقت نفسه أصدر گُدفري أوامر مُشدَّدة لِرجاله لِيحول بينهم وبين أعمال النهب والعدوان على الأهالي أو مُمتلكاتهم. وبِفضل جُهُود التنظيم والاتفاق المُسبق هذا سار جيش گُدفري إلى القُسطنطينيَّة دون أن يُواجه متاعب، فلمَّا جاوز أدرنة بلغهُ أنَّ هيوج الفرماندوي قد زُجَّ في السجن مع ثُلَّةٍ من رفاقه النُبلاء، فأرسل على جناح السُرعة عددًا من الرُسُل إلى الإمبراطور ألكسيوس لِلإلحاح عليه بِضرورة إطلاق سراح هؤلاء، ويلومه على ما أنزله بهم «وهُم الذين وهبوا أنفُسهم لِرحلة الحج نفسها». وبِحسب وليم الصوري فإنَّ الإمبراطور رفض طلب گُدفري، فما كان من الأخير إلَّا أن أذن لِعسكره بِنهب نواحي أدرنة، فدمَّروها دمارًا شاملًا على مدى ثمانية أيَّام، وما كادت أنباء ما فعلوا تصل إلى سمع الإمبراطور حتَّى بعث رُسُلًا من لدُنِّه إلى گُدفري يرجوه أن يكف أيدي جُنده عن أعمال التخريب هذه مُؤكدًا لهُ أنَّهُ سيستجيب لِرجائه ويُطلق سراح النُبلاء الذين في حبسه، فقبل گُدفري هذا الإجراء وأمر جُنده بِالتوقُّف عن مُتابعة السلب والنهب، ثُمَّ سار إلى القُسطنطينيَّة، فوصلها في 5 مُحرَّم 490هـ المُوافق فيه 23 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1096م، وعسكر خارجها في الطرف الشمالي لِلقرن الذهبي بناءً على طلب الإمبراطور، الذي أرسل إليه هيوج الفرماندوي يدعوه لِزيارته. والحقيقة إنَّ الإمبراطور البيزنطي كان يرمي من وراء هذه الدعوة أن يضمن سيطرته على گُدفري وجُنُوده مُدركًا أنَّ قُوَّته من المُمكن أن تجعله شديد الخُطُورة على الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة ومصالحها، فطلب مُنهُ أن يُقسم لهُ يمين الولاء، بِمعنى أن يكون القائد الصليبي تابعًا لِلإمبراطور الرومي في الأراضي الآسيويَّة التي عساه ينجح في استردادها من المُسلمين. غير أنَّ گُدفري رفض الدعوة بِحُجَّة أنَّهُ حلف يمين الولاء لِلإمبراطور هنري الرابع، وأنَّ هذا اليمين يمنعهُ من أن يحلف يمينًا أُخرى لِلإمبراطور البيزنطي، كما أصرَّ على ألَّا يلتزم بِشيءٍ إلَّا بعد انضمام سائر القادة الصليبيين إليه. عندئذٍ شدَّد ألكسيوس كومنين الضغط على القائد الصليبي بِمنع المُؤن عن جيشه، فما كان من الأخير إلَّا أن اتفق مع أُمرائه وقادته بِاجتياح القُرى والبلدات من نواحي القُسطنطينيَّة بِجماعاتٍ مُسلَّحةٍ كبيرة، فنهبوها وأحرقوها وعادوا يسوقون أمامهم قُطعان الأبقار والأغنام التي غنموها. ولمَّا رأى الإمبراطور ردَّة الفعل الصليبيَّة هذه عدل بسُرعةٍ عن قراره، وسمح لهم بالإقامة في ضاحية پيرا -من ضواحي القُسطنطينيَّة (شمال القرن الذهبي)- حتَّى يحتموا بها من قسوة الشتاء من ناحية، وحيثُ يسهُل على الإمبراطور مُراقبتهم والإشراف عليهم من ناحيةٍ أُخرى. ومكث الصليبيُّون في الضاحية المذكورة طوال الأشهر الثلاثة الأولى من سنة 1097م دون أن يقبل گُدفري تأدية يمين الولاء لِلإمبراطور أو حتَّى مُقابلته، فضاق الأخير ذرعًا، ومنع التموين عن الصليبيين مرَّةً أُخرى، الأمر الذي أدَّى إلى صدامٍ عسكريِّ بين الطرفين هُزم فيه الصليبيُّون، ممَّا جعل گُدفري يُدرك حقيقة قُوَّته، فلم يجد بدًّا من مُسالمة الإمبراطور، فقصد قصره حيثُ قدَّم ولاءَه واعترف بِألكسيوس كومنين سيدًا على جميع البلاد التي سيأخذها من المُسلمين، وأن يرُدَّ إليه جميع البلاد التي كانت تابعة لِلإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وضاعت منها بسبب الفُتُوحات الإسلاميَّة.

وهكذا جاءت تلك الاتفاقيَّة التي تمَّت في شهر نيسان (أبريل) 1097م واضحةٌ حاسمة، ممَّا جعل الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة تعتمد عليها وتتمسَّك بها في المُطالبة بِحُقُوقها من الصليبيين طوال القرن الثاني عشر الميلادي، والحقيقة إنَّ هذه الاتفاقيَّة ولَّدت مُشكلةً في العلاقة بين الروم والصليبيين، إذ إنَّ الإمبراطوريَّة اختارت ألَّا تُفسِّرها في ضوء ما كان لها من مُمتلكاتٍ في القرن الحادي عشر الميلادي -على عهد باسيل الثاني- وإنما في ضوء ما كان لِلإمبراطوريَّة قديمًا من أملاكٍ واسعةٍ في الشرق على عهد الإمبراطور جستنيان، أي لم ترغب فقط باسترداد جميع البلاد الواقعة في الأناضول، بل تلك الواقعة في أطراف الشَّام والعراق مثل أنطاكية والرُّها إضافةً إلى الشَّام نفسها. وعلى الرُغم من أنَّ يمين الولاء الذي أقسمه گُدفري جعل منه -ولو من الناحية الأدبيَّة- تابعًا لِلإمبراطور البيزنطي، إلَّا أنَّهُ كان كارهًا لِاتّباعه حاكمًا غير إمبراطوره، لا سيَّما وأنَّهُ كاثوليكي زحف تنفيذًا لِدعوة البابا، بينما ألكسيوس كومنين هو حامي الكنيسة الأرثوذكسيَّة التي تُخاصم البابويَّة وبينها وبين الكاثوليك شقاقٌ ونُفُور، لِذلك أخذ يتحيَّن الفُرص لِلتملُّص من يمينه هذا. وأغدق الإمبراطور البيزنطي الدوق گُدفري بِالهدايا الثمينة والخُيُول المُطهَّمة، كما غالى في إمداد جيشه بِالإمدادات السخيَّة. وفي 25 ربيع الآخر 490هـ المُوافق فيه 10 نيسان (أبريل) 1097م أمر ألكسيوس كومنين بِنقل گُدفري وجيشه إلى الشاطئ الآسيوي بانتظار بقيَّة القادة الصليبيين، فما كاد يتمُّ نقلهم حتَّى وصل الجيش الثالث. الجيش الثالث: تولَّى بوهيمُند الطارنتي النُرماني (اللاتينية: Boamundus Tarentinus) -الابن الأكبر لِروبرت جيسكارد دوق قلورية وبولية- قيادة هذا الجيش، وصحبه ابن أخيه تنكرد، وتألَّف من المُقاتلين النُرمان الأشدَّاء. والواقع إنَّ النُرمان لم يحفلوا في بادئ الأمر بِدعوة البابا أربانوس الثاني إلى الحملة الصليبيَّة نظرًا لِاستمرار الحُرُوب الأهليَّة بينهم في جنوبيّ إيطاليا، فقد تنازع بوهيمُند مع أخيه الأصغر رجَّار بُرسا بِشأن وراثة والدهما، إذ ورث الأخير أملاك النُرمان في جنوبيّ إيطاليا، وكان على بوهيمُند أن يحصل على المناطق الواقعة شرق البحر الأدرياتيكي، وهي طارنت وأورية وطارنت وأبرنطس وواري، لكنَّهُ لم يحظَ بِشيءٍ بِسبب الحرب التي نشبت بين النُرمان والروم في سنة 478هـ المُوافقة لِسنة 1085م، لِذلك رغب بِالاستعاضة عنها في مكانٍ آخر. وعندما وصل جيش هيوج الفرماندوي إلى إيطاليا في طريقه إلى الشرق أدرك بوهيمُند أهميَّة الحركة الصليبيَّة وأنَّهُ يصح الاستفادة منها لِلتعويض عمَّا حُرم منه، وهو الذي اتُّصف بالجشع وفساد الضمير واكتسب الكثير من طُمُوح النُرمان إلى السُلطة، فاستغلَّ الفكرة الدينيَّة لأغراضه، ووزَّع بيده صُلبانًا من قُماشٍ على أصحابه عندما قرَّر المُشاركة في الحملة الصليبيَّة أثناء حصار أمالفي التي ثارت على الحُكم النُرماني. وما اتصف به الصليبيُّون الفرنجة من الحماس أثار الجُنُود النُرمان الذين لقوا التشجيع من زعيمهم بوهيمُند، فأعلن هذا أنَّهُ سيشترك في الحملة الصليبيَّة، ودعا المُؤمنين المسيحيين لِلحاق به، فانضمَّ إليه نُرمان صقلية وفرنسا، والتفَّ حوله عددٌ من الجُند كانوا أقل من أتباع گُدفري على أنَّهم فاقوهم في عدَّتهم وتدريبهم، وتُقدِّر أبحاثٌ مُعاصرة أعدادهم بِقُرابة خمسُمائة فارس وما بين 2,500 و3,500 راجل إضافةً إلى 2,000 جُندي من أتباع تنكرد.

أبحر بوهيمُند بِجيشه من باري في شوَّال 489هـ المُوافق فيه تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1096م، ونزل في إقليم إپيروس على الشاطئ الشرقي، وسلك الطريق القديم غير المألوف إلى القُسطنطينيَّة المُسمَّى «طريق أغناتيا» كي يتجنَّب إشراف الروم ورقابتهم. وبِفعل شدَّة صرامته في حفظ النظام ورغبته في الظُهُور أمام الإمبراطور بِمظهرٍ طيِّب؛ منع أفراد جيشه من التعدِّي على السُكَّان ونهب القُرى والمُدن التي يجتازون، فلم تحدثِ اصطدامات مع الحاميات البيزنطيَّة، وزُوِّد الصليبيُّون بِالمُؤن دون حُدُوث مُشكلات. وحدث أن ترك بوهيمُند جيشه تحت قيادة تنكرد وأسرع إلى القُسطنطينيَّة كي يقف على ما يجري من مُفاوضاتٍ بين الإمبراطور والقادة الغربيين الذين سبقوه، ويُعبِّر عن إخلاصه ونواياه الطيِّبة، فوصل إليها في 15 ربيع الآخر 490هـ المُوافق فيه 1 نيسان (أبريل) 1097م، ولحقه جيشه بعد أُسبُوعٍ تقريبًا. والحقيقة أنَّ حملة بوهيمُند النُرمانيَّة كانت تُثيرُ فزع البلاط البيزنطي أكثر من حملة گُدفري، بِسبب أنَّ النُرمان بالذات لهم سوابق خطيرة في الهُجُوم على الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، فضلًا على أنَّ هذه الحملة جاء على رأسها ابن روبرت جيسكارد الذي ما زالت مُحاولته غزو الأراضي الروميَّة وتهديد القُسطنطينيَّة نفسها سنة 1081م ماثلة في أذهان الروم. لكنَّ بوهيمُند فطن لِهذا، فكان أن ضبط جُنُوده ومنعهم من الاعتداء على الأهالي كما أُسلف، وتوجَّه لِمُقابلة الإمبراطور بِمُفرده لِيُهدِّئ من روعه، مُدركًا أنَّ الوقت غير مُلائم لِلقيام بِمُحاولةٍ توسُّعيَّةٍ على حساب الروم في البلقان، علمًا بأنَّهُ كان اقترح على گُدفري في مُراسلةٍ سابقةٍ أن يتعاونا على نهب جُزُر بحر إيجة والقُسطنطينيَّة، لكنَّ الأوَّل رفض. وكان أن تمَّت المُقابلة بين بوهيمُند والإمبراطور ألكسيوس في جوٍ مُشبعٍ بِالودِّ والتفاهم، وسُرعان ما أقسم بوهيمُند يمين الولاء لِلإمبراطور وأعلن تبعيَّته له، فغمره -هو الآخر- بِالأموال والهدايا الثمينة، لِلحد من أطماعه ونشاطه في الشرق، لأنَّ كُلَّ ما سيُسيطر عليه من بلادٍ سيكون باسم الإمبراطور البيزنطي، لكنَّ بوهيمُند أدرك غاية الإمبراطور ورأى أن يحتاط لِنفسه ومُستقبله، فطلب من ألكسيوس منحه إقطاعًا كبيرًا في إقليم أنطاكية، فلبَّى الإمبراطور طلبه، ووعده بِمنطقةٍ واسعةٍ حول أنطاكية طولها مسيرة خمسة عشر يومًا وعرضُها مسيرة ثمانية أيَّام. وطلب بوهيمُند أيضًا أن يُعيَّن دُمُسْتُقًا لِلشرق، أي قائدًا عامًّا لِلقُوَّات البيزنطيَّة في آسيا، لكنَّ الإمبراطور لم يُمكنه تحقيق ذلك الطلب بِحُكم تشكُّكه في الصليبيين عامَّةً والنُرمان خاصَّةً، ولِذلك أجاب بوهيمُند بأنَّ الوقت لم يحن بعد لِلبت في ذلك الموضوع وأنَّهُ يُمكن لبوهيمُند أن يصل إلى تحقيق رغبته هذه عن طريق إثبات حُسن نيَّته وولائه. وبعد انتهاء المُشاورات والمُفاوضات بِشأن الترتيبات المُستقبليَّة المذكورة استُدعي جيش بوهيمُند إلى القُسطنطينيَّة، ونُقل أفراده إلى البر الآسيوي في 11 جُمادى الآخرة المُوافق فيه 6 نيسان (أبريل)، فانضمُّوا إلى جيش گُدفري على مقرُبةٍ من خلقدونية. الجيش الرابع: تولَّى قيادة هذا الجيش ريمُند الرابع قُمَّس طولوشة وصنجيل (الفرنسية: Raymond IV de Toulouse et Saint-Gilles)، وتألَّف جيشه من فُرسان جنوبي فرنسا وبربنصة. وكان هذا القائد من أغنى الصليبيين، فحشد جيشًا كثير العدد، وعيَّن ابنه برتراند على أملاكه أثناء غيابه، واصطحب معهُ زوجته ألڤيرا القشتاليَّة (الفرنسية: Elvire de Castille) ووريثه الفنش، ورافقه المندوب البابوي أدهمار اللوپويئي. انطلقت هذه الحملة في شوَّال 489هـ المُوافق فيه تشرين الأوَّل 1096م، وانضمَّ إليها عددٌ كبير من نُبلاء جنوبي فرنسا، فعبرت جبال الألب واخترقت شمالي إيطاليا حتَّى رأس البحر الأدرياتيكي، ثُمَّ التزمت الطريق البرِّي الذي يجتاز إستريا ودلماسية (شرق الأدرياتيك)، وسلكت طريق أغناتيا. وصل الجيش إلى الحُدُود البيزنطيَّة شماليّ دراست في شهر ربيعٍ الأوَّل 490هـ المُوافق فيه شُباط (فبراير) 1097م، فاستقبلهم الدوق يوحنَّا كومنين، وكان بانتظارهم أفرادٌ من الحرس البُشناق لِيصحبوهم إلى القُسطنطينيَّة. وأرسل ريمُند في غُضُون ذلك سِفارةً إلى العاصمة الروميَّة لِيُعلن عن قُدُومه، ثُمَّ سبق جيشه ووصل إليها في 6 جُمادى الأولى المُوافق فيه 21 نيسان (أبريل)، في حين وصل الجيش بعد ستَّة أيَّام. وما لبث الإمبراطور البيزنطي أن دعا ريمُند لِلمُثُول أمامه، وطلب منهُ أن يحلف يمين الولاء لهُ أُسوةً بِالقادة الذين سبقوه. وهُنا وجد ريمُند نفسهُ في مركزٍ لا يُحسد عليه، ذلك أنَّهُ كان يطمح في الحُصُول على زعامة الصليبيين جميعًا في الشرق بِحُكم صلته بالبابويَّة ومُرافقة المندوب البابوي لِحملته، وهو شرفٌ لم تحظَ به سائر الجُيُوش الصليبيَّة، ولكنَّ هذه الزعامة التي اعتمدت على تأييد البابويَّة لا يُمكن أن تتفق ويمين الولاء لِلإمبراطور البيزنطي راعي الكنيسة الأرثوذكسيَّة. أضف إلى ذلك رأى ريمُند أنَّ قسمه هذا سيهبط به إلى مُستوى القادة الآخرين، ولمَّا علم بِأنَّ بوهيمُند نجح في اكتساب صداقة الإمبراطور البيزنطي وتأييده، وسعيه إلى أن يُصبح دمستقًا لِلشرق، خشي بأن يُؤدي قسمه إلى أن يجد نفسه خاضعًا لِغريمه النُرماني بِوصفه مُمثلًا لِلإمبراطور؛ ما زاده تمسُّكًا بِرأيه، وأعلن أنَّهُ لم يحمل الصليب لِيخضع لِسيِّدٍ غير المسيح، ولم يُغادر بلاده لِيُحارب من أجل سيِّدٍ غير السيِّد المسيح. وأضاف أنَّهُ سينضوي تحت لواء الإمبراطور إذا قاد الجُيُوش المسيحيَّة بِنفسه. وسُرعان ما تأزَّم الموقف بين ريمُند من جهة والإمبراطور ألكسيوس من جهةٍ أُخرى، ممَّا أنذر بِحُدُوث صدامٍ مُسلَّحٍ بين الطرفين لولا سعي كُلٍّ من گُدفري والمندوب البابوي أدهمار لِترطيب الأجواء بين الرجُلين، فوافق ريمُند على أن يُعدِّل في صيغة القسم بِأن وعد بِاحترام وتبجيل حياة الإمبراطور وشرفه وأنَّهُ يحرص ألَّا يُصيبه ضررٌ من جانبه ومن جانب رجاله، فاكتفى ألكسيوس كومنين بِذلك وأقرَّه، وبعد انتهاء المُفاوضات عبر مع قُوَّاته إلى الجانب الآسيوي. الجيش الخامس: كان هذا الجيش تحت قيادة كُلٍ من روبرت قُمَّس نرمندية، وهو الابن الأكبر لِملك إنگلترا وليم الفاتح، وصهره أسطفان قُمَّس بلوة، وابن عمِّه روبرت الثاني قُمَّس الفلمنك، وتألَّف من الفُرسان القادمين من غربي فرنسا ونرمندية وبعض مناطق الشمال فضلًا عن الكثير من الفُرسان الإنگليز من أتباع الملك وليم الأصهب أخي روبرت. انطلقت الحملة من فرنسا في شهر ذي الحجَّة 489هـ المُوافق فيه تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1096م، فعبرت جبال الألب إلى إيطاليا والتقى أفرادها بِالبابا أربانوس الثاني في لُكَّة، حيثُ حصلوا على مُباركته. وأقلع هذا الجيش من أبرنطس إلى البلقان في أوائل شهر نيسان (أبريل) 1097م، فرسا في دراست ومنها زحف مُخترقًا البلقان إلى القُسطنطينيَّة، فوصلها في جُمادى الأولى 490هـ المُوافق فيه أيَّار (مايو) 1097م. ويبدو أنَّ ألكسيوس كومنين لم يُواجه من تلك الحملة متاعبَ وصُعُوباتٍ مثلما لاقى من الحملات السابقة. ولم يُمانع قادة هذه الحملة مُطلقًا في أن يقسموا يمين الولاء والتبعيَّة لِلإمبراطور البيزنطي، ولِذا حرص الأخير على أن يُغدق عليهم وعلى رجالهم الإمدادات والمُؤن والإنعامات فضلًا عن الأموال والخُيُول المُطهَّمة. وبعد أن قضى هؤلاء الصليبيُّون أُسبوعين في القُسطنطينيَّة، عبروا البُسفور إلى آسيا الصُغرى، وأسرعوا اللحاق بِبقيَّة الصليبيين الذين كانوا قد شرعوا فعلًا قي حصار نيقية.

السياسة الروميَّة تجاه الصليبيين

لم يتوقَّع الإمبراطور الرومي ألكسيوس كومنين وُصُول هذه الأعداد الضخمة من المُقاتلين الغربيين، إذا اعتقد بدايةً أنَّ الغرب سيمُدُّهُ بِفرقٍ من المُرتزقة محدودة العدد الذي تعوَّد الروم أن يُجنِّدوهم في خدمتهم، ولمَّا كان عاجزًا على أن يفعل شيئًا تجاه هذا الأمر فإنَّهُ قرَّر أن يتعايش مع الواقع ويُفيد من الموقف بأفضل المكاسب، فاتخذ من التدابير ما كفل لهُ ذلك، فلم يسمح سوى لِلقادة وعددٍ قليلٍ من مُرافقيهم دُخُول عاصمته، ومن ثُمَّ ضرب الصليبيُّون خيامهم في ضواحيها، وحرص على أن يستعرض أمامهم عظمة الإمبراطور البيزنطي بِهدف إبراز مظاهر الثراء والفخامة التي تميَّزت بها الإمبراطوريَّة، وكان رونق المراسم الملكيَّة حاضرًا لدى استقبالهم، ولا شكَّ بِأنَّهم بُهروا بِمظاهر الحضارة الروميَّة لِأنَّهم لم يلمسوا شيئًا من ذلك في الغرب الأوروپي. وعمد ألكسيوس كومنين إلى إغداق الهدايا عليهم لِيستقطبهم، وقد ترك ذلك أثرًا عند أسطفان البلوائي على الأقل. إلَّا أنَّ هذا لم يحجب الصعوبات السياسيَّة التي نشأت نتيجة وُصُول الصليبيين، غير أنَّ وسيلة الضغط في يد ألكسيوس كومنين تمثَّلت في أنَّهُ الوحيد الذي يملك السُفُن الكافية لِنقل الجُيُوش الصليبيَّة عبر البُسفور في الوقت الذي لم يكن بِوسعه الانتظار طويلًا لِنقلهم، فقد حتَّمت عليه مصلحته أن ينقل أقسام الجُيُوش إلى آسيا الصُغرى على وجه السُرعة بعد وُصُولها، حتَّى لا يزداد عدد القُوَّات كثيرًا في ضواحي العاصمة ما يُسبِّب مُشكلاتٍ أمنيَّةٍ وتموينيَّة. ومن الواضح أنَّ ألكسيوس كومنين أراد أن يطَّلع على نوايا الصليبيين فيما يتعلَّق بِالأراضي التي سيستولون عليها في الشرق، وبِخاصَّةً تلك التي كانت داخلة في نطاق الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة قديمًا. وقد حافظ على مصالحه من خلال فكرة اليمين الإقطاعي المعروفة في المُجتمع الغربي لِتثبيت حُقُوقه على كثيرٍ من البلاد التي ستُنتزع من أيدي المُسلمين. ومع ذلك، فإنَّ ألكسيوس كومنين لم يكن ساخطًا، وإذ توجَّهت الجُيُوش الصليبيَّة مُجتمعةً لِقتال المُسلمين بَعُدَ الخطر عن القُسطنطينيَّة، وعزم على أن يتعاون مع الصليبيين بِإخلاصٍ بِشرط ألَّا يُضحِّي بِمصالح الإمبراطوريَّة في سبيل مصالح فُرسان الغرب، وأنَّ واجبه نحو قومه الروم يأتي في المقام الأوَّل، يُضاف إلى ذلك أنَّهُ لم يختلف عن كُل الروم في الاعتقاد بِأنَّ سعادة العالم المسيحي تتوقَّف على سعادة الإمبراطوريَّة المسيحيَّة العتيقة، التي هي استمرارٌ لِلإمبراطوريَّة الرومانيَّة.

معارك الصليبيين في الأناضول

حصار وسُقُوط نيقية

تجمَّعت الجُيُوش الصليبيَّة كُلِّها على الشاطئ الآسيوي قُرب سميرنة حيثُ حضر بُطرس الناسك لِمُقابلة الأُمراء ومعهُ حُطام حملة الفُقراء. وهُناك اتُفق على أن يبدأ الصليبيُّون بِالهُجُوم على مدينة نيقية، عاصمة دولة سلاجقة الروم. ومن الواضح أنَّ الصليبيين كانوا لا يستطيعون المضي في جوف آسيا الصُغرى تاركين خلفهم نيقية بِأيدي المُسلمين، ممَّا يُهددهم ويُهدِّد مُواصلاتهم مع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة. لِذلك صدرت الأوامر إلى الجُنُود في أواخر شهر نيسان (أبريل) 1097م بِالزحف على نيقية لِاستخلاصها من السلاجقة. وقد أمدَّ الإمبراطور البيزنطي الصليبيين بِآلات الحصار والطعام والمُؤن، ولكن لم تشترك سوى فرقة صغيرة من القُوَّات الروميَّة في حصار هذه المدينة قويَّة التحصين. وفي ذلك الوقت كان قلج أرسلان مُتغيبًا عن عاصمته، حيثُ دخل في نزاعٍ في قبادوقية مع الدانشمنديين حول مدينة ملطية. ويبدو أنَّ قلج أرسلان لم يهتم كثيرًا بِأنباء الحملة الصليبيَّة، إذ ظنَّ أنَّ الأمر لا يعدو وُصُول بعض جُمُوعٍ أُخرى من العامَّة غير المُدرَّبين، من عيِّنة أتباع بُطرس الناسك الذين قضى عليهم السلاجقة في سُهُولةٍ تامَّة. أضف إلى ذلك، فإنَّ عُيُون الإمبراطور البيزنطي وجواسيسه أعطوا قلج أرسلان صورةً غير حقيقيَّة عن الخلافات المُستحكمة بين الإمبراطور من جهة والأُمراء الصليبيين من جهةٍ أُخرى، ممَّا جعل السلطان السُلجُوقي يطمئن إلى أنَّ الصليبيين لن يصلوا بِأيِّ حالٍ إلى نيقية، بِدليل أنَّهُ ترك زوجته وأولاده وأمواله داخل أسوار المدينة ولم يُحاول نقلهم منها.

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗