الحَملَةُ الصَّلِيبِيَّةُ لِسَنَة 1101م، أو حَملَةُ ضِعَافِ القُلُوبِ، هو مصطلح يُطلق على مجموعةٍ من الحملات الصليبية المحدودة والمنفصلة نسبيًا، نُظِّمت بهدف الوصول إلى الأراضي المقدَّسة عقب نجاح الحملة الصليبية الأولى. إذ أظهرت التطورات اللاحقة مباشرةً لتلك الحملة وجودَ حاجةٍ مُلحّة إلى تعزيز الوجود المسيحي الغربي في مملكة بيت المقدس الناشئة. في أواخر سنة 1100م، انطلقت من لُمبردية جماعةٌ من المقاتلين، رافقهم عددٌ من النساء والأطفال، متجهين نحو الشرق الأدنى. ثم لحق بهم في القُسطنطينية فصيلٌ آخر كان قد انطلق من فرنسا. اتجهت هذه الجموع شرقًا على خلاف الطريق الأكثر أمانًا الذي سلكته الحملة الصليبية الأولى، وذلك لتحرير ريمُند الصنجيلي، قُمُّس طولوشة، الذي كان أسيرًا لدى المسلمين في نيكسار. وعندما أُبلغ السلطان السلجوقي قلج أرسلان بتقدّم هذه القوات، بادر إلى حشد تحالفٍ إسلاميٍّ واسع، وتمكّن من إعاقة زحفهم وإيقاعهم في أوضاعٍ بالغة الصعوبة، إذ عرّضهم لنقص الإمدادات وواصل مهاجمتهم على نحوٍ متكرر. وفي نهاية المطاف، استطاع التفوّق على الجيش الصليبي الكبير عدديًا وإلحاق هزيمةٍ حاسمة به في معركةٍ وقعت قرب مرزيفون، واستمرّت عدة أيام. وصلت إلى القُسطنطينيَّة في أثناء ذلك حملتان أُخريان في أوقاتٍ متفرقةُ، انطلقت إحداهما من إقليم نيفارش، والأُخرى من أقطانية وباڤاريا. وقد اقتنع بعض أفراد هذا الحشد الأخير بالسفر عن طريق البحر، فنزلوا في فلسطين خلال فترةٍ بلغت خمسة أسابيع، وكان هذا الخيار سبب نجاتهم، إذ إن جميع الجُيُوش التي سلكت الطريق البري اعترضها قلج أرسلان، وتمكَّن من التفوُّق عليها وهزيمتها في مُناسبتين مُنفصلتين قُرب هرقلة. أمَّا القلَّة التي نجت من هذه الحملات الكارثيَّة، فقد تمكَّن مُعظمهم، بصعوبةٍ بالغة وبصورةٍ أقرب إلى المُغامرة، من بُلُوغ الأراضي المُقدَّسة، حيث قضوا فيها بضعة أشهر خلال سنة 1102م. يُرجَّح أن نتائج هذه الحملة الصليبيَّة قد أثَّرت تأثيرًا ملموسًا على توجُّه المُؤرِّخين الغربيين في ذلك العصر، كما امتد تأثيرها إلى أجيالٍ لاحقة من المُؤرِّخين في القُرُون التالية، الذين أبدوا تحفظًا على التعمّق في تفاصيلها، معتبرين إياها صفحةً مظلمةً في تاريخ أوروپَّا الكاثوليكية. ومع تطوّر الدراسات التاريخيَّة الحديثة، بدأ الباحثون يُعيدون النظر في هذه الأحداث بموضوعيِّةٍ أكبر، مُستعرضين جميع وجهات النظر، ومتجنبين الاستنتاجات المتسرعة التي رسا عليها بعض المُؤرِّخين القروسطيين، سواء فيما يتعلق بما زعموه من مؤامراتٍ روميَّة، أو القرارات الطائشة التي اتخذها بعض قادة الجيش الصليبي. ومع أن الحملة أخفقت، نظرًا إلى قلة التعزيزات التي وصلت فعليًا إلى الأراضي المُقدَّسة، فإنها لم تُنهِ الحركة الصليبيَّة؛ بل كشفت عن أهميَّة المسلك البحري عبر البحر المُتوسِّط كطريق أكثر أمانًا للوصول إلى الأراضي المُقدَّسة. كما أسهمت في تعزيز القُوَّة التجاريَّة والاقتصاديَّة للجمهوريَّات البحريَّة الإيطاليَّة، التي صارت بدورها شريان حياة الكيان الصليبي القائم في المشرق العربي.
== التسمية == لم تحظَ هذه الحملات بتسميةٍ موحَّدة على الصعيد التأريخي، مما انعكس على تصنيفها في الدراسات المعاصرة. فقد وصفها ستيڤن رُنسيمان بصيغة الجمع «الحملات الصليبية لسنة 1101»، معتبرًا هذه الصيغة أدقّ في تصنيفها، بينما أطلق جان رِتشَرد على جميع الحملات العسكرية التي شنها الصليبيون في الفترة التي تلت مباشرةً سقوط بيت المقدس تسمية «الحملة الصليبية العكسية». وقد اعتبر بعض الباحثين أنه من الأنسب إدراج هذه الحملات ضمن «الموجة الثانية» أو «الموجة الثالثة» التي أعقبت الحملة الصليبية الأولى بفترة قصيرة، بدلًا من التعامل معها كحادثة مكتملة ومستقلة بذاتها. وفي المقابل، وصف المؤرخ ڤوشيه الشارتري هذه الجموع الصليبية بأنها حملة صليبية ثانية، على الرغم من أن التعبير الأقل دقة «الحملة الصليبية لسنة 1101» هو الأكثر شيوعًا في الأدبيات الحديثة. أما على الصعيد الفرنسي، فتُعرف هذه الحملة غالبًا بـ«الحملة الصليبيَّة الإنقاذيَّة لسنة 1101» أو بـ«الحملة الصليبيَّة الداعمة لسنة 1101». أما باللغة الإنگليزية، فتُسمَّى بـ«حملة ضعاف القلوب» أو «الجُبناء». وفي ما يتعلّق بتحديد العدد الإجمالي لهذه الحملات، فقد اتجه غالبية الباحثين إلى تقسيمها إلى ثلاث حملات رئيسة. في المقابل، تبنّى اتجاهٌ بحثيٌّ أقلّ شيوعًا تصنيفًا يُميّز أربع حملات منفصلة؛ إذ عُدَّت المجموعة اللُّمبردية الحملةَ الأولى، تلتها مجموعة قادها وليم الثاني قُمُّس نيفارش وكُنراد كندسطبل ألمانيا، وهي مجموعةٌ يُدمجها جمهور المؤرخين عادةً مع الحملة اللُّمبردية. أمّا الحملة الثالثة فتمثّلت في المجموعة النيفارشيّة، في حين تألّفت الحملة الرابعة من القوات التي قادها وليم التاسع دوق أقطانية، ثم انضمّ إليه لاحقًا ڤُلڤ الأوّل دوق باڤاريا وإيدا النمساوية.
دوافع الحملة وجُذُورها
كان سقوطُ بيت المقدس بيد الصليبيين سنة 1099م قد أسهم، مع حلول أواخر صيف سنة 1100م، في إذكاء الحماسة الدينيَّة واستنهاض المشاعر التعبويَّة في أوروپّا الغربية. وعلى الرغم من أن البابا أربانوس الثاني، صاحب الدعوة إلى الحملة الصليبية الأولى، كان قد تُوفي في تموز (يوليو) 1099م من دون أن يشهد نتائجها، فإن عددًا كبيرًا من رجال الدين سارعوا إلى مواصلة نهجه، الذي عُدّ ناجحًا، فشرعوا في تعبئة المقاتلين واستقطابهم من مختلف الأقاليم. وقد جاء هذا التحرّك في توقيتٍ مناسب، إذ أدرك قادة الحملة الصليبية الأولى منذ وقتٍ مبكر محدودية قواهم البشرية، ولا سيما نتيجة حالات الفرار وعودة كثيرين ممّن رأوا أنهم قد أوفوا بنذورهم إلى أوطانهم. وفي هذا السياق، ظلّ رأيُ القائلين بعدم توافر أدلة قاطعة تُثبت أن الحبر الأعظم الجديد، البابا بسقاليس الثاني، كان يعتزم الإعلان عن حملة صليبية جديدة، رأيًا هامشيًا في الدراسات التاريخية. ويُرجَّح أن البابا كان، في الواقع، منشغلًا منذ البداية بالمفاضلة بين خيارين استراتيجيين: إمّا توسيع نطاق السيطرة المسيحية، وربما التوجّه نحو مصر، وإمّا إرسال دعمٍ عاجل إلى الممتلكات المسيحية الهشّة المحيطة ببيت المقدس. وقد رجح الخيار الثاني، ويُعتقد أن مناشدات—وربما ضغوطًا شديدة—وُجِّهت إلى أولئك الذين أهملوا الوفاء بنذر المشاركة في الحملة الصليبية الأولى، أو تخلّوا عنها، أو قدموا من مناطق كان إسهامها العسكري محدودًا أو شبه معدوم. وبناءً على ذلك، لم يكن تدخّل البابوية ليخلو من تأثير، إذ يُرجَّح أن بسقاليس الثاني لوّح بفرض الحرمان الكنسي على المتخلّفين عن الوفاء بنذورهم أو على المنشقّين عن الحملة، في مسعىً لتعزيز الجهد العسكري الصليبي وتثبيت الوجود المسيحي في المشرق العربي. ويُمكن فهم خيار البابا المذكور من خلال ما ذكره المُؤرِّخ وليم الصوري:
وفي خضمّ هذا المناخ التعبوي، شرع الناجون الذين عادوا حديثًا إلى أوطانهم من الأراضي المُقدَّسة في تداول أخبار مغامراتهم وتجاربهم، الأمر الذي أثار فضول شرائح واسعة من السكان في مختلف أنحاء أوروپّا. ففي فرنسا، على سبيل المثال، أعلن عدد من الأهالي في وقتٍ مبكر استعدادهم للتوجّه شرقًا نصرةً للقضية المسيحية، غير أنّ هذا الاهتمام لم يقتصر عليها، بل امتدّ إلى الإمبراطورية الرومانية المُقدَّسة وإلى بعض أقاليم إيطاليا. ويرى بعض المؤرخين أن الروايات المتداولة عن النجاحات التي حققها أبناء الدين الواحد أسهمت في تعزيز مصداقية البابوية ورفع مكانتها في نظر العامَّة. ومن بين رجال الدين، برز أكثرهم حماسةً واندفاعًا في استقطاب أنصار جدد كلٌّ من أنسلم الرابع، رئيس أساقفة ميلانو، وتيمو، رئيس أساقفة زلتسبُرغ، وهيوج الديئي، رئيس أساقفة لوطون. أمّا في الأقاليم الواقعة شمال الألب، فقد اتّسم مسار التعبئة بدرجةٍ عالية من التنظيم، وسار وفق مخطط واضح؛ إذ عُقد مجمع في بلنسية خلال أيلول (سپتمبر) 1100م، ثم واصل المبعوثون مسيرهم إلى ليموجش، فإلى بيتارش، حيث بُشِّر بالحملة الصليبية الجديدة خلال مجمع انعقد في 18 تشرين الثاني (نوڤمبر)، بالتزامن مع الذكرى الخامسة لافتتاح مجمع إكلرمنت. وفي المقابل، حظر البابا بسقاليس الثاني على جميع المحاربين القشتاليين والقطلونيين التوجّه إلى الأراضي المقدسة، خشية ترك الجبهة المسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية مكشوفة في خضمّ مساعي انتزاع الأقاليم الأندلسية من المُسلمين هناك. ويُذكر كذلك أن الأديرة، إلى جانب طبقة النبلاء، اضطلعت بدورٍ محوري في توفير الدعم المالي للحملات التي كانت على وشك الانطلاق.
الحملة اللُّمبرديَّة
الاستعدادات
كان اللُّمبرديّون قد أدّوا دورًا هامشيًا إلى حدٍّ كبير في المراحل التمهيدية للحملة الصليبية الأولى؛ إذ انضمّوا سنة 1096م إلى بطرس الناسك في ما عُرف بحملة الفُقراء. غير أنّهم دخلوا، بالتعاون مع أتباعه من الألمان، في صراعٍ مع العناصر الفرنسية، وهو ما أسهم في المآل الكارثي لتلك الحملة. وبعد ذلك، وضع الناجون أنفسهم في خدمة بوهيمُند الأوّل، دوق طارنت، الذي ما لبث أن غدا القائدَ الصليبيَّ الأكثر تقديرًا لدى إيطاليّي الشمال. وكانت أبرزُ شخصيةٍ كَنَسية في لُمبردية، وهو أنسلم الرابع رئيس أساقفة ميلانو، قد طُلِبَ منه تقديم دعمٍ أوسع للقضية الصليبية خلال النصف الأول من سنة 1099م، وذلك عبر رسالة وجّهها البابا أربانوس الثاني، غير أنّ هذه الرسالة فُقدت لاحقًا. ويبدو أن الدعاية للحملة قد تكثّفت، بحسب ما يورده المؤرخ لندُلفُ الأصغر، «بواسطة خيرة شباب ميلانو»، وفي مواضع أخرى «بواسطة رجالٍ كُثُر من مختلف الطبقات الاجتماعية». وقد قوبل هذا النداء بحماسةٍ شعبيةٍ لافتة، إذ كان يُهتف لمن لبّوه بعباراتٍ مثل «فلنمضِ قدمًا» أو «لنتجاوز الحدود». وفي هذا السياق، انطلقت من ميلانو في 13 أيلول (سپتمبر) 1100م حملةٌ صليبية، على الرغم من أن الحيطة كانت تقتضي تأجيلها إلى فصل الربيع تفاديًا لقسوة الشتاء، وقد تألّفت في معظمها من سكّان لُمبردية. وتولّى قيادتها أساسًا صاحبُ المبادرة نفسه، رئيس الأساقفة أنسلم الرابع، وإلى جانبه ألبرت قُمُّس بياندراته، والقُمُّس جِبرت البارمي، وهيوج المنتبلّوي. كما ضمّت الحملة عددًا من الشخصيات البارزة المنتمية إلى نخبة الأرستقراطية في ميلانو ومدن نفارة وفرشلة وطرطونة وبابية وبيشنزة وبارمة، فضلًا عن أتباعهم من الإقطاعيين العلمانيين والكنسيين، ومن بينهم أساقفة بابية وبيشنزة وطرطونة. تكوّنت هذه الحملة في الأساس من عناصر تنتمي إلى أوساطٍ اجتماعية متواضعة، اتّسمت بضعف الانضباط، فضلًا عن مشاركة عددٍ من النساء والأطفال، في حين لم تضمّ سوى نسبةٍ محدودة جدًا من الجنود المدرَّبين تدريبًا جيّدًا. أمّا في ما يخصّ عدد المشاركين، فتكتنفه درجةٌ عالية من الغموض، إذ لا يكاد يوجد باحثٌ حديثٌ واحدٌ يقبل بالأرقام المتباينة التي أوردتها المصادر القروسطية. فقد قدّر ألبرت الأَخِنّي عدد المشاركين بنحو ثلاثين ألف رجل، بينما رفع إيكهارد الأورائي هذا العدد إلى خمسين ألفًا. وفي المقابل، تشير حنّة كومنين، ابنة الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنين، في كتابها «الألكسياد»، إلى وجود خمسين ألف فارس وعشرة آلاف راجل، وهو تقديرٌ يرد بصيغةٍ مماثلة لدى المؤرخ النُرماني أُردِرك ڤيتالس. أمّا المؤرخ المسلم ابن الأثير، فقد رفع عدد الجيش إلى مائة ألف رجل، وهو رقمٌ يُجمع الباحثون على مبالغته، ويُفهم في سياق السعي إلى تعظيم شأن النصر الإسلامي المرتقب. ومن بين المؤرخين المحدثين، يُعدّ «ألك مولندر» من أكثرهم تشددًا في خفض سقف التقديرات، إذ يرى أن عدد المقاتلين وحدهم لم يتجاوز ثمانية آلاف رجل. وفي جميع الأحوال، سرعان ما أدرك كلٌّ من رئيس الأساقفة أنسلم الرابع وقُمُّس بياندراته، الذي كان يُعدّ القائد العسكري الفعلي للحملة، عجزهما عن فرض الانضباط والطاعة على هذا الجمع الكبير والمتنوّع.
الزحف
عزم الزاحفون على سلوك المسار نفسه الذي اعتادت عليه الحملات الصليبية المتجهة شرقًا في أعقاب الحملة الصليبية الأولى، والذي كان يقضي بالوصول أولًا إلى القسطنطينية ثم العبور منها إلى آسيا الصغرى. وخلال خريف سنة 1100م، اجتاز اللُّمبرديون إقليم «كرنية»، ثم وادي نهر صوه، الذي كان آنذاك جزءًا من مملكة المجر، قبل أن يبلغوا بلغراد ويعبروا حدود الإمبراطورية البيزنطية. وتولّى الإمبراطور ألكسيوس الأول كومنين مرافقتهم عبر شبه جزيرة البلقان، مكفلًا لهم إقامة أسواقٍ منظَّمة لتأمين حاجاتهم، غير أنّه، نظرًا لكثرة عددهم وصعوبة ضبطهم، قرّر تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات متفرقة. فأُقيم الفريق الأول في محيط فيلپَّة، والثاني في نواحي أدرنة، والثالث بالقرب من بيسنتة. إلا أنّ هذه الترتيبات لم تُفلح في احتواء الاضطراب، إذ سرعان ما انخرطت كل مجموعة في النهب والسلب والتعدي على السكان المحليين، ولم تسلم من اعتداءاتهم حتى الكنائس الأرثوذكسية. وفي آذار (مارس)، وبعد أن نفد صبر الإمبراطور، أمر بجمعهم جميعًا في معسكرٍ أُقيم خارج أسوار القسطنطينية، تمهيدًا لعبورهم الوشيك إلى آسيا. غير أنّ اللُّمبرديين، وقد بلغهم أن تعزيزاتٍ صليبية أخرى كانت على وشك الوصول، امتنعوا عن الرحيل، الأمر الذي دفع السلطات الروميَّة إلى قطع المؤن عنهم، في محاولةٍ لإجبارهم على عبور البُسفور. إلا أنّ هذا الإجراء أفضى إلى نتيجةٍ عكسية؛ إذ ثار الصليبيون بعد ثلاثة أيام وهاجموا أسوار المدينة، وتمكّنوا من إحداث ثغرةٍ أوصلتهم إلى فناء قصر بلاخيرن، أفخم مقارّ الإمبراطور، حيث قتلوا أحد الأسود المفضّلة لدى ألكسيوس، وحاولوا، من دون جدوى، اقتحام القصر نفسه. ولمّا بلغ الخبر رئيسَ أساقفة ميلانو أنسلم الرابع وقُمُّس بياندراته، اللذين كان الإمبراطور قد استقبلهما بودّ، أُصيبا بالذهول، ولم ينجحا إلا بصعوبة في تهدئة الجموع الغاضبة، واضطرّا كذلك إلى السعي لاسترضاء الإمبراطور واحتواء تداعيات الحادثة. وقد جرى التوصّل إلى المصالحة النهائية بوساطة ريمُند الصنجيلي، قُمُّس طولوشة، الذي كان قد أمضى فصل الشتاء ضيفًا لدى الإمبراطور، وحظي بثقته الكاملة. وكان ريمُند قد شارك شخصيًا في الحملة الصليبية الأولى، غير أنّه، بعد أن أخفق في اقتطاع إقليمٍ خاصٍّ به في الديار الشامية، آثر التوجّه غربًا ووضع خبرته العسكرية والسياسية في خدمة الإمبراطور البيزنطي. وبفضل تدخّل هذا النبيل الفرنسي، اقتنع اللُّمبرديون بمغادرة القسطنطينية والتوجّه إلى نيقوميدية، حيث كان من المقرّر أن ينتظروا وصول الحملات الصليبية الجديدة القادمة من الغرب، تمهيدًا لمتابعة التقدّم إلى قلب الأناضول ضمن إطارٍ أكثر تنظيمًا.
وصول القوات الفرنسية الألمانية
كان أسطفان قُمَّس بلوة قد شارك في الحملة الصليبية الأولى، وتولّى قيادة حصار أنطاكية سنة 1098م، غير أنّه آثر في مرحلةٍ لاحقة الانسحاب من الحصار، معتبرًا أن إطالة أمد هجومٍ بالغ الكلفة ومعرّضٍ لخطر وصول تعزيزاتٍ إسلامية أمرٌ غير ذي جدوى. وإلى جانب ذلك، أقنع الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأول كومنين، الذي كان في طريقه إلى أنطاكية لتقديم الدعم العسكري، بالعدول عن التقدّم، انطلاقًا من قناعته بأن مآل المعركة سيكون حتميًا كارثيًا. وعلى الرغم من أن الصليبيين أتمّوا الحصار بنجاحٍ بعد مغادرة أسطفان مباشرةً، فإن قراره خلّف أثرين متلازمين؛ أولهما أنّه عزّز الشكوك القائمة لدى بعض الصليبيين بشأن رغبة الروم في التعاون العسكري، على الرغم من أنّهم كانوا في الواقع ضحية تقارير مضلِّلة نقلها القُمَّس الفرنسي نفسه. أمّا الأثر الثاني فتمثّل في تضرّر سمعة أسطفان على نحوٍ بالغ، ولم تلبث أن أصبحت موضع انتقادٍ شديد عند عودته إلى بلاده. ويبدو أن حتى زوجته أديلة، ابنة وليم الفاتح، كانت تشعر بخزيٍ عميقٍ من موقفه، وكانت تحثّه، في الخفاء، على استعادة شرفه المهدور. وبما أنّه لم يكن في وسعه التذرّع بضرورة العودة لتولّي شؤون إقطاعيته، إذ كانت السلطة قد أُنيطت مؤقتًا بزوجته، فقد قرّر أسطفان استئناف رحلته إلى الأراضي المقدسة في ربيع سنة 1101م، سعيًا إلى تدارك إخفاقه السابق واستعادة مكانته بين الصليبيين. وعند علمهم بعودة أسطفان، استعدّ العديد من الفرسان الفرنسيين من الشمال، إضافةً إلى الفلمنكيين والبُرغُونيين، لمرافقته، تحت قيادة أسطفان قُمُّس بُرغُونية، وهيوج الثاني صاحب برويز، إلى جانب أسقف سواسون. وخلال رحلتهم، نزل حوالي ثمانية آلاف جندي – وفق تقديرات المؤرخين – في إيطاليا، قبل أن يعبروا البحر الأدرياتيكي ويصلوا إلى القسطنطينية نحو أوائل شهر أيَّار (مايو). وأثناء تقدمهم، صادفوا قوةً ألمانية صغيرة تحت قيادة كُنراد، كندسطبل هنري الرابع، إمبراطور الرومانية المقدسة، يُقدَّر عددها بقُرابة ألفي رجل. ولا يتفق المؤرخون على مدى تفوّق عدد أفراد هذه القوات على عدد اللُّمبرديين؛ فوفقًا لبعض المصادر، كانت القوّات الفرنسية الألمانية تشكّل نحو ثلثي الجيش، بينما يرى آخرون أن اللُّمبرديين كانوا يشكّلون الأغلبية المطلقة. شعر الصليبيون الفرنسيون بسعادةٍ بالغةٍ عند لقاء ريمُند في القسطنطينية، وكانوا رضًى تمامًا عن حفاوة الاستقبال التي أبداها الإمبراطور البيزنطي. وبعد إجراء بعض المناقشات، اتفقوا، وربما بتوجيهٍ من الإمبراطور، على منح ريمُند قيادة الحملة بأكملها، وهو الاقتراح الذي لاقى قبولًا من قِبل اللُّمبرديين، بينما استقبله ريمُند نفسه بترددٍ واضح.
=== في الأناضول === بين شهريّ أيَّار (مايو) وحُزيران (يونيو)، غادرت القوات المكوّنة من الفرنسيين والألمان واللُّمبرديين، إضافةً إلى عددٍ من الروميين تحت قيادة قائد يُدعى «زيطة»، والذي كان معه أيضًا خمسمائة مرتزق من البجناك، فتوجّهوا أولًا إلى نيقوميدية، ثم ساروا في الطريق المؤدية إلى ضورليم. ولم يكن الجميع متفقين على هذا القرار، إذ فضّل بعضهم انتظار وصول تعزيزات إضافية لدعم الحملة، غير أنّ هذا الرأي لم يُأخذ بعين الاعتبار. كان الهدف الرئيسي للحملة الصليبية التوغل في الأراضي المقدسة، مع التركيز تركيزًا غير مباشر على تحرير الطرق في آسيا الصغرى وتأمينها، وهو هدف ثانوي حظي باهتمام كبير من قِبل الإمبراطور. لذا أوصى أسطفان البلوائي بأن يسلك الجيش الطريق نفسه الذي اتبعته الحملة الصليبية الأولى نحو ضورليم وقونية، وقد وافق ريمُند على هذا المخطط، مُطيعًا لتعليمات الإمبراطور، ولأنه كان قد سار على هذا الطريق قبل عدة سنوات. ومع ذلك، أبدى اللُّمبرديون احتجاجًا شديدًا، مؤكدين أنّهم مصرّون بأي ثمن على تحرير بوهيمُند دوق طارنت، بطلهم الوحيد الذي يضعون فيه ثقتهم العمياء. فقد أُبلغوا في القسطنطينية أنه منذ السنة السابقة كان محتجزًا لدى الأمير غازي كُمُشتكين في قلعة نيكسار، الواقعة بين سبسطية وطربزون، في المنطقة النائية شمال شرقي الأناضول. أمَّا ريمُند الصنجيلي، الذي كان يحمل مع الإمبراطور ألكسيوس نفس الحقد تجاه بوهيمُند، وكان معروفًا أيضًا بغيرته من شهرته، فقد نصح بعدم اعتماد أي خطة بديلة عن الخطة الأصلية، ما أشعل جدالًا حادًا تبيّن لاحقًا أنّه كان كارثيًا لمصير الحملة. وعلى الرغم من إصرار الفرنسيين، فقد غلب موقف اللُّمبرديين، لعدم ثقتهم بريمُند، وأيضًا لأن أسطفان البلوائي كان قد فقد مصداقيته بعد انسحابه الكارثي من أنطاكية. وفي الواقع، بحسب بعض الباحثين، لم يُجبر الفرنسيون على تغيير مسارهم، بل قرّروا عن وعي تام مرافقة اللُّمبرديين. وقد استلزم هذا التخلي عن المسار المخطط له بعناية، مُفضّلين اتباع طريقٍ أكثر مباشرةً وخطورةً نحو قلب الأراضي السلجوقية.
كان من حظ الصليبيين أن معظم الطرق التي سلكوها نحو أنقرة كانت تحت سيطرة الروم، مما سهّل عليهم تزويد الجيش بكافة أنواع المؤن واللوازم. وكان السلطان السلجوقي الشاب، وحاكم تلك البلاد آنذاك، قلج أرسلان دواد بن سُليمان، الذي، رغم فقدانه لعاصمته نيقية سنة 1097م، سرعان ما برز كخصم صلب ومثابر. وعندما وصل الجيش الصليبي إلى أنقرة يوم 23 حُزيران (يونيو)، قضى على الحامية الإسلامية القليلة المتبقية واستولى على المدينة خلال فترة وجيزة. واحترامًا للقسم الذي أدّاه أمام الإمبراطور ألكسيوس، والذي كان مطابقًا للقسم الذي أدّاه الصليبيون سنة 1097م، سلّم ريمُند ملكية المدينة إلى ممثلي الإمبراطور.
اتّجه الصليبيون بعد مغادرتهم أنقرة نحو مسارٍ يسلك الشمال الشرقي إلى جنقرة، في منطقة بفلاغونيا الداخلية، وهو الطريق الضروري للوصول إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى أماسية ونيكسار. وعند هذه النقطة، بدأت سلسلة من الصعوبات تتلاحق على الصليبيين، إذ يصعب تحديد المواقع التي اجتازوها بدقة، حيث تقتصر المصادر الأولية على الإشارة إلى أنّ بعض المدن التي عبروها لم تُحدد هويتها بدقة. وكان السلطان قلج أرسلان يراقب تقدّم العدو البطيء عن كثب، وقرر التراجع تدريجيًا مع تطبيق سياسة الأرض المحروقة، ما عرقل إمدادات خصومه. وعند اطلاع الأمير غازي كُمُشتكين على المناورات الجارية للصليبيين، شعر بقلقٍ شديد وقرر تجديد تحالفه مع السلطان السلجوقي، وتوسّع هذا الحلف ليشمل رضوان بن تُتُش، أمير حلب، كما انضمّ إليه «قراجة» أمير حرّان، ليصل عديد جيش المسلمين إلى ما بين أربعة وستة آلاف فارس. وعندما وصل ركب الصليبيين إلى جنقرة، كان السلاجقة قد تجمّعوا، وبادرت التعزيزات القادمة من حلب بالالتحاق بهم، مما جعل القلعة منيعة لا تُقهر، في حين أنّ المؤن القليلة التي حصل عليها الصليبيون من خلال نهب القرى المحيطة لم تكن كافية، ما اضطرهم إلى المضي قدمًا. وكان حرّ شهر تمُّوز (يوليو) شديدًا، فاقتنع المقاتلون باتباع نصيحة ريمُند، الذي اقترح التوجّه شمالًا نحو قسطموني، ومن هناك إلى بعض الحصون الروميَّة على بحر البنطس (الأسود). ومن المحتمل أن ريمُند كان يأمل في نيل رضا الإمبراطور البيزنطي من خلال استعادة المدينة التي كانت مسقط رأس الأسرة الحاكمة في القسطنطينية. تبيّن أنّ التقدّم نحو قسطموني كان بطيئًا ومرهقًا، وتفاقمت صعوبته نتيجة ندرة المياه والمحاصيل التي أُحرقت من قبل القوات المسلمة. كما شرع هؤلاء الأخيرون في تطبيق استراتيجية هجومية جديدة، تقوم على شن هجمات محدودة على الوحدات المتقدّمة أو المتأخّرة للجيش الصليبي. وفي وادٍ على طول الطريق، بينما كان بعض الصليبيين يجمعون الشعير، لعدم حلول موسم نضوج القمح، أو يجمعون التفاح البري، وقع عددٌ منهم في كمين وقُتلوا بسبب النيران التي أُشعلت في بعض الشجيرات. وقد أسفرت إحدى الهجمات المفاجئة الأولى على الصفوف الخلفية للجيش عن فرار سبعمائة لُمبردي، ما أدّى إلى وقوع مجزرة في صفوف المشاة. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، نجح أسطفان البُرغوني في إعادة تنظيم الطليعة وصدّ هجمات المسلمين. وخلال الأيام التالية، بقي ريمُند، قائد المؤخرة، منشغلاً بإبعاد القوات المسلمة، التي لم تُظهر أي رغبة في الانخراط في معركةٍ مفتوحة، ما اضطر الجيش إلى السير متماسكًا دون القدرة على إرسال كشّافين للبحث عن الطعام أو جمع معلومات حول الأراضي التي يعبرونها. وفي محيط قسطموني، أدرك القادة بوضوح أن الفرصة الوحيدة للنجاة كانت التوجّه نحو الساحل، لكن اللُمبرديين رفضوا هذا الاقتراح مجددًا. وربما نسبوا صعوباتهم إلى فكرة ريمُند بالانحراف نحو قسطموني، أو اعتقدوا أنّه بعد مغادرة الأراضي السلجوقية سيكون السير في أراضي الدانشمنديين أسهل نظرًا لأنها أقل تحصينًا. وأجبر عناد اللُمبرديين النبلاء الأوروپيين على تغيير مسار الجيش نحو الشرق، إذ لم يكن عددهم كافيًا للتوجّه شمالًا بأمان والوصول بسلام. وهكذا، وبعد خمسة عشر يومًا من مغادرة جنقرة، عاد الصليبيون إلى الطريق المؤدي إلى نيكسار بدلًا من الاستمرار نحو الشمال.
=== واقعة مرزيفون === ما إن عبر الصليبيون نهر قِزل إرماق حتّى دخلوا أراضي الدانشمنديين، حيث أقدموا على عملية نهب وُصفت في المصادر بأنّها «طائشة» استهدفت قريةً يقطنها نصارى أروام، وهو ما تؤكّده أيضًا رواية حنّة كومنين. وفي شهر آب (أغسطس)، بلغ الجيش الصليبي تخوم مدينة مرزيفون، فنصب معسكره في موضعٍ يتوسّط المسافة بين نهر قِزل إرماق ومدينة أماسية. استعدّ الجيش الإسلامي بكامل قواه للاشتباك مع العدو، واضعًا خطةً تقوم على استهدافه من مسافاتٍ بعيدة في المرحلة الأولى، بهدف تحييد تفوّقه في القتال المُتلاحم. وعلى الرغم من وجود بعض التفاصيل غير الواضحة في الروايات، فإنّ المؤرّخين يتّفقون على أنّ المواجهات امتدّت عدّة أيّام. ففي اليوم الأوّل، الذي صادف يوم جمعة، تمركز الرماة المسلمون حول المعسكر من جهاته المختلفة، ومن هناك أمطروا الصليبيين بوابلٍ كثيفٍ من السهام، وهم يُهلِّلون ويُكبِّرون، ثم ما لبثوا أن انسحبوا بسرعة لإفساح المجال أمام مجموعاتٍ أخرى كانت تُعيد تنفيذ التكتيك نفسه من مواقع متعدّدة. وتمكّن الصليبيون في هذه المرحلة من الحفاظ على تماسكهم والصمود أمام الهجوم. غير أنّ حركة الوحدات كانت بالغة الصعوبة، بسبب ثِقَل العتاد العسكري، وتباعد التشكيلات، فضلًا عن تعقّد الاتصالات الناتج عن الحواجز اللغوية بين المقاتلين الأوروپيين القادمين من أقاليم متعدّدة. وفي اليوم الثاني، شنّ كُنراد الكندسطبل هجومًا على حصنٍ سلجوقيٍّ صغير قريب من المعسكر، وتمكّن من التغلب على حاميته، إلّا أنّه وقع أثناء عودته في كمينٍ أُجبر على إثره على الانسحاب، متكبّدًا خسائر جسيمة قُدّرت ببضع مئات من الجنود الألمان، فضلًا عن فقدان الغنائم التي استولى عليها. ونظرًا إلى جهل بقية الجيش الصليبي بالأسباب الحقيقية لعدم عودة كُنراد، ساد في صفوفهم شعورٌ بالقلق من احتمال أن يكونوا قد تُركوا لمصيرهم. وعلى نحوٍ لافت، امتنع الطرفان في اليوم الثالث، الذي وافق يوم أحد، عن القيام بأي أعمالٍ عدائية، في هدنةٍ مؤقّتة تعكس حالة الترقّب والإجهاد التي بلغها الطرفان.
في صباح يوم الاثنين، ألقى رئيسُ أساقفة ميلانو عظةً أمام مجمل الحشد الصليبي، دعاهم فيها إلى الاعتراف بخطاياهم والتوبة، وعرض عليهم ذخيرةً للقدِّيس أمبروز، إلى جانب الحربة المُقدَّسة التي كان ريمُند يحملها معه. وعقب ذلك، أُعيد تنظيم الجيش في تشكيلٍ قتالي، وقُسِّم إلى خمس مجموعات مميّزة: مجموعة البُرغُونيين، ومجموعة ريمُند والروم، ومجموعة الألمان، ومجموعة الفرنسيين، وأخيرًا مجموعة اللُّمبرديين. وفي محاولةٍ لكسر الطوق المعادي، شنّ بعض الصليبيين هجومًا مباغتًا على القوات الإسلامية، مُلحقين بها خسائر عدّة، غير أنّ هذا التقدّم تحقّق بثمنٍ باهظ. ومع انضمام تعزيزاتٍ دانشمندية وحلبية جديدة في اليوم التالي إلى قوات قلج أرسلان، بات في وسع الأخير توجيه ضربةٍ عنيفة إلى الطليعة اللُّمبردية، وهي الأكثر تعرّضًا للعدو. وسرعان ما تبيّن اختلال ميزان القوى في مواجهة جيشٍ يتألّف من وحداتٍ أنهكها الجوع وتدنّت معنوياتها، الأمر الذي دفع المحاربين الإيطاليين إلى الانسحاب من ساحة القتال. فانفرط عقدهم بقيادة قُمُّس بياندراته في حالةٍ من الذعر، تاركين خلفهم نساءهم وكهنتهم. ولم يلبث المرتزقة البجناك أن حذوا حذوهم، إذ لم يروا أي أملٍ في النجاة، فآثروا الفرار حفاظًا على أرواحهم. في هذا الظرف، وجد ريمُند نفسه معزولًا، غير أنّه تمكّن، بمساعدة حرسه الشخصي، من بلوغ تلٍّ صخري والتحصّن فيه، إلى أن وصل أسطفان البلوائي وسَمِيُّه البُرغُوني لنجدته. وطوال ساعات بعد الظهر، أبدى الفرنسيون والألمان مقاومةً عنيفة، غير أنّ روح التماسك أخذت تتآكل تدريجيًا مع امتداد القتال. ومع حلول الليل، استبدّ القلق بريمُند، فاستغلّ جنح الظلام، ورغم إصابته، نجح كُنراد وأسطفان في إنقاذه، فانسحب نحو الساحل برفقة حرسه البربنصي ومرافقيه من الجنود الروم. وتورد روايةٌ أخرى أنّ ريمُند كان أوّل من فرّ من ساحة المعركة، مدفوعًا بـ«خوفٍ غير معقول»، سرى أثره سريعًا إلى بقية وحدات الجيش المنهكة بفعل القتال الطويل، ووهن الخيول، وندرة الأقوات. ومهما يكن من أمر، فمن المؤكّد أنّه قبل بزوغ الفجر كان آخر المقاتلين الصليبيين قد كفّوا عن القتال ولاذوا بالفرار، تاركين المعسكر بأكمله، بمن فيه من غير المقاتلين، فريسةً في أيدي المسلمين. وصف ابن الأثير هذه المعركة مُكتفيًا بقوله:
الخاتمة والبحث عن كبش فداء
أقام المنتصرون في المعسكر الصليبي مجزرةً بحق المتخلّفين المتواجدين فيه، ثم انطلقوا لمطاردة الفارّين، والذين نجا منهم على الأرجح فقط أولئك الذين كانوا على ظهور الخيل. وبما أن معظم اللُّمبرديين سافروا سيرًا على الأقدام، فقد قُتلوا جميعًا تقريبًا باستثناء قادتهم، الأمر الذي أسفر عن إبادة نحو أربعة أخماس الجيش الصليبي. كما اغتنم السلاجقة أثقالًا ثمينةً وأسلحةً، وأُسر النساء والأطفال ونُقلوا إلى دور الحريم أو إلى أسواق النخاسة في الشرق. وفي مؤلَّفه، يقتصر ألبرت الآخني على تعداد النبلاء من شمال فرنسا الذين قضوا، غير أنّه يُرجّح أن كُل فوجٍ من الجيش تكبّد خسائر فادحة. وقد قدّر جان رِتشَرد إجمالي القتلى والأسرى بما بين خمسين ألفًا ومائة وستين ألفًا. قال وليم الصوري واصفًا هذه الحادثة:
تمكّن ريمُند وحرسه من الوصول إلى ميناء بافرة الرومي الصغير عند مصب نهر علي، حيث وجدوا سفينة أقلّتهم إلى القسطنطينية. وتوفي رئيس أساقفة ميلانو، أنسلم، يوم 30 أيلول (سپتمبر) في العاصمة الروميّة. أمّا الفرسان الآخرون الذين نجوا من المقتلة، فقد شقّوا طريقهم نحو البحر، ووصلوا إلى سينوپ، ومن هناك واصلوا رحلتهم ببطء حتى بلغوا القسطنطينية في مطلع الخريف. ألقت المصادر الصليبية بالمسؤولية عن هذه الهزيمة على الروم، جاعلين إياهم كبش فداء. فقد ترددت شائعات مفادها أن ريمُند الصنجيلي استجاب لتوجيهات الإمبراطور ألكسيوس، الذي طلب منه الانحراف عن الطريق الرئيسي والسقوط عمدًا في كمينٍ إسلامي. قال الصوري: «لَقَدْ عاملَ الإمبراطورُ الحُجَّاجَ أطيبَ مُعاملةٍ حينما كانوا عنده، لكنَّهُ نهجَ نهجَ الإغريقِ المألوفَ، فأكلَ الحسدُ قلبَهُ من نجاحِ الصليبيين، وعزمَ على إنزالِ المضرَّةِ بهم، ومن ثُمَّ والى بعثَ الرُّسُلِ إلى التُّركِ يحثُّهم للعملِ على ما فيه القضاءُ على الحُجَّاج، ودأبَ على مُكاتبتِهم وإخبارِهم شِفاهًا بواسطةِ رُسُلِه بقُربِ وُصولِ الحُجَّاج، ويُنَبِّهُهم مُقدَّمًا إلى أنَّ سلامةَ أنفُسِهم تُحتِّمُ عليهم ألَّا يَدَعوا هذا الحشدَ الكبيرَ يمرَّ بسلام. وهكذا كان كالعقربِ التي إنْ وُوجِهَتْ لم تلدغْ، ولكنَّ السُّمَّ كُلَّ السُّمِّ في حُمَتِها التي ينبغي استئصالُها». وفي الحقيقة، كان ألكسيوس غاضبًا من نتائج حملة ريمُند وأصحابه؛ ورغم استقباله لهم بأدب، أظهر برودًا شديدًا تجاههم ولم يخفِ استيائه. ويُرجح أن استعادة مدينة قسطموني والمناطق الداخلية من بفلاغونيا كانت لتثير شفقته، لكن هدفه الأساسي كان تأمين طريق آمن ومباشر إلى الشام، بما يجعل الدفاع عن الأراضي المستعادة في جنوب غرب الأناضول أكثر سهولة. كما كان قصد الإمبراطور استغلال وصول الأوروپيين إلى الشرق الأدنى لتوسيع ممتلكاته نحو الجنوب الشرقي لا الشمال الشرقي، حيث بدأ مفاوضات سلام مع الأمير الدانشمندي مقابل تحرير بوهيمُند. وقد أدت خاتمة الحملة إلى نتائج أخرى، أبرزها تعزيز الروح المعنوية لدى المسلمين وتلاشي أسطورة عدم هزيمة الصليبيين القادمين من الغرب.
الحملة النيفارشيَّة
بعد أيّامٍ قليلةٍ من مغادرة اللُّمبرديّين نيقوميدية، وصل إلى القسطنطينية جيشٌ فرنسيٌّ قوامُه قُرابة خمسةَ عشرَ ألفَ رجلٍ، كان معظمُه مؤلَّفًا من عناصر نيفارشيّة، وذلك تحت إمرة القُمُّس وليم الثاني النيفارشي. غير أنّ تقدير «ألك مولندر» يبدو أكثرَ تحفّظًا؛ إذ يذهب إلى أنّ عدد القادرين على القتال لم يتجاوز قُرابة ثلاثة آلاف مقاتل. وتذكر وثيقةٌ حُرِّرت في بلدة مولِسمه أنّ وليم المذكور كان، في 30 كانون الثاني (يناير) 1101م، يُتمّ الاستعدادات للرحلة التي كان يعتزم القيام بها إلى بيت المقدس؛ ومن ثمّ فمن المشروع الافتراض أنّه تحرّك بعد ذلك بقليل، في أوائل شباط (فبراير). وبعد أن شقّ الجيش طريقه عبر إيطاليا، أبحر من إبرنطس إلى أفلونية في إپيروس، وحافظ على انضباطٍ يُثنى عليه أثناء مروره في مقدونية، قبل أن يستقبله ألكسيوس استقبالًا وديًّا. غير أنّ وليم لم يكن راغبًا في الإبطاء؛ إذ كان يتوق إلى أن يضمّ قواته إلى قوات أسطفان قُمُّس بُرغُونية، جارِه في الوطن، فأسرع بمُتابعة زحفه.
ولمّا بلغ نيقوميدية أُبلغ بأنّ سائر المقاتلين كانوا قد اتّجهوا إلى أنقرة، فلحق بهم في أواخر تمّوز (يوليو)؛ غير أنّه، حين استفسر عنهم هناك، لم يستطع أحدٌ أن يحدّد له موضعهم. فعاد وليم أدراجه ليسلك طريق قونية، وهو المسار الذي كانت الحملة الصليبية الأولى قد خلّفت فيه آثارها المدمّرة عميقًا. ولمّا بلغها في منتصف آب (أغسطس)، وجد المدينة تحت سيطرة حاميةٍ سلجوقيةٍ قويّة؛ وقد أخفق هو وجيشه في اقتحامها بعد حصارٍ دام ثلاثة أيّام. فآثر الانصراف وألّا يُضيّع مزيدًا من الوقت؛ غير أنّ هجومه كان قد استرعى انتباه قلج أرسلان والأمير غازي الدانشمندي، اللذين اندفعا جنوبًا، مدفوعين بنشوة انتصارهما على اللُّمبرديّين، فعبرا — على الأرجح — أراضي قيصرية ونيكده، ثم بلغا هرقلة، على مشارف قيليقية، قبل وصول الصليبيين وقائدهم. وتقدّمت القوّات النيفارشيّة ببطءٍ من قونية شرقًا، وقد أعاقها شُحُّ المؤن وردمُ المسلمين للآبار. ولمّا اقتربوا من هرقلة، منهكين وواهنين، باغتهم الجيش الإسلامي بأسره، وكان يفوقهم عددًا بكثير ويتموضع في مواقع حصينة. وفي ذروة معركةٍ خاطفةٍ انهارت المقاومة، وأُبيد معظم ذلك الجيش الفرنسي الكبير المتمرّس؛ ولم ينجُ سوى القُمُّس وليم نفسه وعددٍ من النبلاء الفرسان الذين تمكّنوا من الإفلات. وأُسرت نساء الصليبيين اللواتي كُنَّ في المعسكر — ويُقدَّر عددهنّ بألفٍ على الأقل — ثم أُرسلن شرقًا، كما في حالة الحملة السابقة. ويُعزى ما يكتنف هذا الاشتباك من نقصٍ في التفاصيل، على الأرجح، إلى قلّة الناجين منه. بلغ الناجون مشارف الحصن الرومي جرمانيقيّة، الواقع شمالَ غرب سليقية، بعد أيّامٍ عصيبةٍ قضوها في اجتياز جبال طوروس. ويبدو أنّ الحاكم الرومي عرض أن يضع في خدمتهم حرسًا قوامه اثنا عشر مرتزقًا من البجناك، لمرافقتهم حتّى حدود الشام. وبعد أسابيع قليلة، وصل القُمُّس وليم ورفاقه إلى أنطاكية في حالٍ يُرثى لها؛ إذ كانوا شبه عراةٍ ومجرّدين من السلاح، وزعموا أنّ البجناك سلبوهم متاعهم ثم تركوهم في القفر الذي كانوا يعبرونه. ونظرًا إلى أنّ ألبرت الأَخِنّي — وهو المصدر الوحيد المتعلّق بالحملة النيفارشيّة — لا يقدّم إيضاحًا إضافيًّا لهذه الواقعة، فإنّه يتعذّر الجزم بما حدث على وجه الدقّة.
الحملة الأقطانيَّة الباڤاريَّة
قُرابة منتصف شهر آذار (مارس)، وبينما كان قُمُّس نيفارش يُتمّ نقل جنوده عبر البُسفور، كان جيشٌ آخر أكبر عددًا، مؤلَّف من فرنسيين وألمان، في طريقه إلى القسطنطينية. وضمت الكتيبة الفرنسية في طليعتها وليم التاسع دوق أقطانية، الذي عُدّ أشهر تروبادوريَّة عصره، وكان سياسيًا الخصم الأبرز لريمُند الصنجيلي. فقد كانت زوجته، الدوقة فيلپَّة، ابنة الشقيق الأكبر لريمُند، ما جعلها صاحبة حقٍّ مُفترض في وراثة مقاطعته. ورافق وليم التاسع كلٌّ من هيوج السادس من آل لوزنيان، وهيوج الفرماندوي، الذي كان قد غادر الحملة الصليبية الأولى عقب سقوط أنطاكية، وكان يتوق إلى الوفاء بنذره بالتوجّه إلى بيت المقدس. واستنادًا إلى مصادر غير مباشرة، ولا سيّما المعطيات المرتبطة بالانخفاض السكّاني المفاجئ الذي سُجِّل في تلك المناطق، استنتج الباحثون أنّ أكبر الجيوش عددًا كانت تلك التي تجمّعت في شهر أيلول (سپتمبر) سنة 1100م في لُمبردية، وكذلك الجيش الذي حُشد في أقطانية بعد ذلك بقليل. وبعد مغادرتهم فرنسا، تقدّم نحو ستة عشر ألف مجنّد — على الأرجح — عبر جنوب ألمانيا والمجر، حيث التحق بهم في الطريق ڤُلڤ الأوّل دوق باڤاريا، الذي، بعد حكمٍ طويل اتّسم بالحكمة في بلاده، قرّر أن يكرّس سنواته الأخيرة للقتال تحت راية الصليب في فلسطين. غير أنّ بعض الباحثين رجّحوا دوافع مختلفة، معتبرين أنّ الدوق ربما كان يبتغي الحج تكفيرًا عن خطاياه أكثر من سعيه إلى خوض حملة عسكرية. وإلى جانب الفرسان والمشاة المجهّزين تجهيزًا جيدًا الذين رافقوه، انضمّ رجالٌ جمعهم أحد أنشط المندوبين البابويين، وهو تيمو رئيس أساقفة زلتسبُرغ المذكور سابقًا، فضلًا عن إيدا مرغريفيَّة النمسا الأرملة. وكانت الأخيرة قد اقتنعت بخوض تجربة الحملة الصليبية، فسلكت مع الجيوش المتحالفة الطريق عبر نهر الطونة حتى بلغراد، ثم تابعت المسير عبر شبه الجزيرة البلقانية. غير أنّ الجنود هذه المرّة لم يُظهروا الانضباط الكافي، حتى إنهم أساؤوا التصرّف عند وصولهم إلى أدرنة، ما دفع السلطات الروميّة إلى إرسال قوّات من البجناك والقمانيين للحيلولة دون وقوع مزيدٍ من الاضطرابات. واندلع اشتباكٌ فعلي لم ينتهِ إلّا بتدخّلٍ شخصي من الدوقين وليم وڤُلڤ، اللذين ضمنا مرورًا أكثر انتظامًا لقواتهما على طول الطريق. وعند مرافقتهم إلى القسطنطينية في مطلع حُزيران (يونيو)، استقبل الإمبراطور ألكسيوس القادة الثلاثة الرئيسيين للحملة بحفاوة، عارضًا نقل الجنود إلى ما وراء البُسفور. كان الخيار الأكثر اتساقًا مع مقتضيات العمل العسكري أن يُضمّ الوافدون الجدد إلى القوات التي سبقتهم إلى التوغّل في آسيا الصغرى، بما يضمن وحدة القيادة وتكامل الجهود. غير أنّ التنافسات الشخصية والسياسية بين قادة الصليبيين حالت دون تحقيق هذا الترتيب. فلم يُبدِ الدوق وليم استعدادًا للتنسيق مع جيشٍ يقوده غريمه، قُمُّس طولوشة، في حين أنّ ڤُلڤ الباڤاري، الخصم التقليدي للإمبراطور هنري الرابع، لم يكن على الأرجح ميّالًا إلى التعاون مع كُنراد، الكندسطبل التابع لذلك الإمبراطور. وفي هذا السياق، واصل قُمُّس نيفارش تقدّمه السريع نحو أنقرة، بينما آثر الجيش الأقطاني الباڤاري التريّث خمسة أسابيع في ضواحي البُسفور، الأمر الذي أفضى إلى مزيدٍ من التباعد في المواقف. وهناك وقع انقسام إضافي يفتقر إلى التبرير الموضوعي؛ إذ ساور بعض الحجاج القلق، لعدم ورود أخبار عن الحملة اللُّمبرديَّة، فساورهم الظنّ بأنّ الإمبراطور ألكسيوس الأول كومنين يُضمر مؤامرةً ضدّ الصليبيين. وقد أفضت هذه المخاوف، التي لم تستند إلى دلائل قاطعة، إلى اضطرابٍ واسع النطاق؛ إذ عمد عدد كبير من الحجاج إلى بيع خيولهم لتمويل انتقالهم بحرًا، قبل أن يتراجع بعضهم عن قراره خشية اعتراض البحرية الرومية لسفنهم وأسرهم. وقد نقل المؤرخ إكهارد الأورائي، وهو من الحجاج المدنيين الذين آثروا البقاء على متن السفن المتجهة إلى فلسطين، وصفًا حيًّا لموجة الاضطراب التي اجتاحت الألمان، مشيرًا إلى أنّه ورفاقه لم يصلوا إلا بعد رحلةٍ شاقّة استمرّت ستة أسابيع. أمّا الجزء الأكبر من الجيش الألماني، فقد تبع الفرنسيين، متقدّمًا ببطء بريًا منذ منتصف تمّوز (يوليو) على الطريق الرئيسي المؤدي إلى ضورليم وقونية؛ وفي هذه المناسبة، تقرّر الأخذ بالنصيحة الرومية بسلوك الطريق المؤدّي إلى أنطاكية. ومن المرجّح أيضًا أنّ الهدف كان الالتقاء باللُّمبرديين، أملًا في توحيد القوات الصليبية. وعندما بلغوا ضورليم، كان الجيش النيفارشي قد تجاوز المدينة في مسيره، وتقدّم شوطًا بعيدًا على طريق قونية. وقد أدّى هذا التزامن الغريب، حيث انتهى الجيشان إلى السير على مسافة مُتقاربة، إلى تعقيد الوضع بالنسبة للأقطانيين والباڤاريين، إذ كانت المؤن القليلة المتاحة قد استُنفدت من قِبل من سبقهم، فحمّل الصليبيون الروم، مرة أخرى، مسؤولية ذلك. وكما حدث مع قوات نيفارش، وجد الوافدون الجدد الآبار جافة أو مطمورة، فقرروا التوجّه إلى آق شهر المهجورة ونهبها. وكانت الحامية السلجوقية، التي صمدت قبل وقت قصير في وجه جنود نيفارش، قد أخلت المدينة عند وصول هذا الجيش الجديد والأكثر عددًا، غير أنّ السلاجقة، قبل انسحابهم، جمعوا ما استطاعوا من الطعام وحملوه معهم، وجرّدوا تقريبًا بساتين الضواحي ومحاصيلها من كل شيء. وفي الفترة نفسها تقريبًا، وعلى مسافة تقارب مائتين وخمسين كيلومترًا إلى الشرق، كان السلطان قلج أرسلان والأمير غازي يُلحقان هزيمة ساحقة برجال نيفارش. وتابع الصليبيون، وهم جياعٌ عطشى، تقدمهم بمشقة هائلة من قونية، عابرين القفار في اتجاه هرقلة. وبدأ بعض فرسان المسلمين الخفاف في مهاجمة أطراف الجيش المعادي، ممطرين صفوفه بالسهام، ومعترضين فرق التموين والمتخلّفين عن الركب. دخل الصليبيّون، على الرغم من الصعوبات، إلى هرقلة في أوائل أيلول (سپتمبر)، ووجدوا المدينة مهجورة كما حدث في قونية. وعلى مشارف المدينة، كان يجري نهرٌ من الأنهار القليلة في الأناضول التي لا تجف صيفًا، بالقرب من المكان الذي لقي فيه رجال نيفارش حتفهم، فانهار المحاربون الصليبيون وتفرّقوا عن صفوفهم، واندفعوا، مدفوعين بالعطش الشديد، نحو المياه المغرية، حيث كان جيش المسلمين مختبئًا خلف الشجيرات في انتظارهم. وقد أتاح هذا التقدّم الفوضوي للمسلمين إحاطة الصليبيين دون أن يتمكّنوا من ترتيب صفوفهم. وفي خضم الذعر، تكدّست الفرسان الخفيفة والمشاة بطريقة فوضوية مع بعضهم البعض، حتى هلك بعض الأفراد بعد أن تعثّروا وسقطوا على الأرض ودُهسوا من قِبل الآخرين. وكانت محاولات الذين حاولوا التماهي مع العشب القصير بلا جدوى، في حين حظي من سار على مجرى النهر أو اتجه نحو الجبال بفرصةٍ أفضل للبقاء على قيد الحياة. مهّد دوق أقطانية، برفقة أحد خيّاليه، طريق هروبٍ لنفسه، فامتطى حصانه مُسرعًا نحو المرتفعات؛ ومن هناك، وبعد أيامٍ عديدة من التنقل عبر الممرات الجبلية، وجد الطريق إلى طرسوس. وأُصيب هيوج الفرماندوي بجروحٍ بالغة خلال الاشتباكات، غير أنّ بعض رجاله أنقذوه وأوصلوه أيضًا إلى طرسوس، رغم أنه كان على وشك الموت؛ وهناك توفي في 18 تشرين الأوّل (أكتوبر) ودُفن في كنيسة القدِّيس بولس، دون أن يوفّي بنذره بالذهاب إلى بيت المقدس. أمّا ڤُلڤ، دوق باڤاريا، فقد تمكّن من الهروب بعد أن تخلّى عن كامل درعه، وبعد عدّة أسابيع وصل إلى أنطاكية برفقة اثنين أو ثلاثة من خيّالته. وأمّا رئيس الأساقفة تيمو، فاختفى كلُ أثرٍ له، ويُحتمل أنه أُسر. ورغم عدم معرفة مصيره، فقد اعتبرته الكنيسة الكاثوليكية شهيدًا، كما لا يُعرف ما الذي حلّ بمرغريفيّة النمسا. وبعض الأساطير التي نشأت في عصورٍ لاحقة تروي أنّها أُسرت واقتيدت إلى دار حريمٍ بعيدة، حيث أنجبت البطل المسلم المستقبلي ومحرّر الرُّها عماد الدين زنكي. وبعيدًا عن التناقضات الزمنية التي تضعف مصداقية هذه الرواية، من الأرجح أنّها، في خضمّ الذعر، أُلقيت من محملها ودُهست حتى الموت.
تبعات الحملات وعواقبها
الجغرافيا السياسية
إنّ حملات سنة 1101م، التي لم يكن عدد أنصارها أقلّ إلّا من الحملتين الصليبيتين الأولى والثالثة، انتهت جميعها إلى كارثة، وأثّرت في مسار الحركة الصليبية على مستوياتٍ متعدّدة. فقد استفاد السلاجقة من أخطائهم السابقة، ومن معرفتهم الأوسع بطبيعة البلاد، ومن إدراكهم الواضح لتكتيكات الإفرنج، فتمكّنوا من الثأر للهزيمة التي مُنوا بها في ضورليم سنة 1097م، واستعادوا تفوّقهم في الأناضول الوسطى. وسرعان ما نقل السلطان عاصمته إلى قونية، الواقعة على الطريق الرئيسي الواصل بين القسطنطينية والشام؛ وفي الوقت نفسه واصل الأمير غازي الدانشمندي حملاته الرامية إلى فرض السيطرة على وادي الفُرات حتى حدود قُمُّسيَّة الرُّها. وقد حالت الأخطار الكامنة في الطريق عبر آسيا الصغرى دون إمكان التدخّل السريع في الشام، حيث — «وعلى خلاف المستوطنين النافعين» — لم يصل سوى عدد محدود من النبلاء، ولم يكونوا على قدرٍ يُعتدّ به من التماسك. ويمكن فقط التكهّن بما كان يمكن أن يترتّب على تدفّق قوّاتٍ كبيرة، كتلك التي استُدعيت سنة 1101م، إلى الممتلكات الصليبية الفقيرة. وإلى جانب تدهور خطوط الاتصال بين الشام وأوروپَّا، التي أصبحت عمليًا غير صالحة للاستعمال، لا ينبغي إغفال التوتّرات التي نشأت في العلاقات بين الصليبيين والروم. فإذا كان الصليبيون يتّهمون الإمبراطور بالتآمر سرًّا ضدّ النصارى الغربيين، فإن القسطنطينية، من جهتها، كانت تُبدي استنكارها وغضبها إزاء حماقة حلفائها القادمين من بعيد وغطرستهم. غير أنّ الهزيمة لم تُشكّل نهايةً للحركة الصليبية، بل على العكس أسهمت في تغذية صدى أمجاد أولئك الذين حقّقوا النصر سنة 1099م. وإذ تعذّر محاكاة مآثرهم بسبب انقطاع الطريق البرّي، لم يبقَ أمام الحجّاج، مدنيين وعسكريين، سوى البحر سبيلًا للوصول إلى الديار الشامية، غير أنّ هذا الخيار لم يكن متاحًا للجميع نظرًا إلى كلفته الباهظة. وفي هذا السياق، أحسنت الجمهوريات البحرية الإيطالية استثمار الظرف، فتعاظم نفوذها التفاوضي، وأصبح اللجوء إليها أمرًا لا غنى عنه لكل من أراد الإبحار إلى المشرق العربي. وفي الوقت نفسه، قوبلت الهزائم الرومية بالابتهاج في إمارة قيليقية الأرمنيّة وفي جبال طوروس، ولا سيما لدى الأمراء الروبينيين، إذ بدا أنّ الإمبراطور عاجز عن إعادة فرض سلطته عليهم. وعلى النقيض من ذلك، لم يكن لدى الأرمن المقيمين في المناطق الشرقية دوافع كثيرة للفرح، لأنّ خصمهم الرئيس، أي الأمير الدانشمندي، ما لبث بعد نجاحاته العسكرية الأخيرة أن اندفع إلى مهاجمتهم. وكذلك سعى النُرمان في أنطاكية، الذين كانوا — شأنهم شأن الروبينيين — يخشون الروم أكثر من المسلمين، إلى استغلال الظرف لخدمة مصالحهم الخاصة. وبما أنّ بوهيمُند كان لا يزال أسيرًا، فقد اغتنم نائبه تنكرد الفرصة لتوطيد سلطته بصورة كاملة، حتى على حساب الإمبراطور البيزنطي الذي كان يخضع له رسميًا، والذي كانت قدرته على التدخّل في تلك المنطقة محدودة.
مصير الناجين
دخل دوق أقطانية ونظيراه الباڤاري والنيفارشي، يرافقهم عدد قليل من الناجين، إلى أنطاكية في خريف سنة 1101م، في حين كان قادة الحملة اللُّمبرديّة قد عادوا، في الوقت نفسه، إلى القسطنطينية. وقد أثارت القرارات الجدليَّة التي اتُّخذت آنذاك خيبة أمل وندمًا صادقين لدى ألكسيوس، حتى إنه لم يتردّد في توفير سفنٍ لنقل ريمُند وحاشيته إلى الشام، إذ كانت زوجته وجيشه في اللاذقية. وقرابة مطلع السنة الجديدة، وصل أسطفان البلوائي وسميّه البُرغوني، وكُنراد الكندسطبل، وألبرت قُمُّس بياندراته إلى السويدية، ثم قدموا سريعًا إلى أنطاكية، حيث استقبلهم تنكرد استقبالًا حافلًا. ويذكر إكهارد الأورائي، وهو الشاهد العيان الوحيد على هذه الوقائع، أنّه صادف أثناء العبور بعض الناجين الذين بلغوا رودس وباف ويافا وموانئ أخرى. وإذا كانت أنطاكية قد شكّلت، في الجملة، مركز عبور رئيسًا، فإنّ الناجين من الحملة الأولى الذين ظلّوا عازمين على التوجّه إلى الديار الشامية تمكّنوا من الإبحار، بين الخريف والشتاء، نحو السويدية. أمّا سفينة ريمُند، فقد وصلت في لاحقًا وألقت مرساها في ميناء طرسوس. وما إن نزل إلى البرّ حتى تقدّم إليه فارس يُدعى برنارد، الملقّب بـ«الغريب»، فألقى القبض عليه، متّهمًا إيّاه بـ«خيانة المسيحية بفراره من ميدان مرزيفون». وعجزت حاشيته الصغيرة عن تحريره، فاقتيد تحت الحراسة وسُلِّم في نهاية المطاف إلى تنكرد. ولم يُفرَج عنه إلّا بعد أن أقسم ألّا يهاجم أنطاكية ولا يطالب بحقوقٍ فيها؛ فجمع عددًا من الناجين من حملات سنة 1101م الذين كانوا قد وصلوا إلى طرسوس، وبمساندة أسطولٍ جنوي، هاجم المدينة المذكورة ونجح في الاستيلاء عليها. وقد قرّر الصليبيون الذين شاركوا في القتال هناك الوفاء بنذورهم والتوجّه إلى بيت المقدس، فانطلقوا في رحلةٍ اتخذت طابع الحج أكثر مما اتخذت صفة الحملة العسكرية.
وبعد ثمانية عشر يومًا، وصل هؤلاء إلى بيروت، حيث لقيهم ملك بيت المقدس بلدوين الأوّل واستقبلهم بحفاوة، ثم رافقهم إلى يافا، فاحتفلوا هناك بأحد الشعانين، ومنها توجّهوا إلى بيت المقدس، حيث أمضوا عيد الفصح. ولمّا تحقّق هدف الرحلة، رأى كثيرون ألّا يطيلوا المقام في فلسطين، فعزموا سريعًا على العودة إلى أوطانهم. وبينما أنهى وليم دوق أقطانية رحلته البحرية بسلام، إذ رسا في بيتارش في 29 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1102م، دفعت رياح معاكسة غيره إلى الهبوط مجددًا في فلسطين في شهر أيّار (مايو). وهناك وجدوا أنفسهم منخرطين في معركة الرملة التي قادها بلدوين لمواجهة الفاطميين في مصر. وكان الملك الصليبي قد اعتمد على تقارير غير دقيقة من كشّافيه، وبالغ في تقدير قوّاته، فلم ينتظر وصول التعزيزات، وسار في 17 أيّار (مايو) 1102م لملاقاة العدو، فمُني بهزيمة قاسية أضعفت، لبعض الوقت، أيّ هجوم إفرنجي. وفي تلك الوقعة قُتل أسطفان البلوائي وسميّه البُرغوني وهيوج السادس، في حين كان من بين الأسرى الذين وقعوا في قبضة المسلمين كُنراد الكندسطبل، الذي أُرسل إلى القاهرة ولم يُغادرها إلّا بعد ثلاث سنوات بفضل شفاعة الإمبراطور ألكسيوس، الذي تكفّل بعودته إلى ألمانيا. وتؤكّد المصادر القروسطية عودة وليم النيفارشي إلى بلاده، وهو الذي رفض لاحقًا، سنة 1147م، الانضمام إلى الحملة الصليبية الثانية، مفضّلًا حياة الاستقرار. كما عاد عدد من الأساقفة الذين نجوا من حملات سنة 1101م، ومنهم هيوج رئيس أساقفة لوطون، وأسقفا سواسون ولان. ومن بين القلّة النادرة من النبلاء الذين آثروا البقاء في المشرق جُسلين الكُرتنالي (الفرنسية: Josselin de Courtenay)، الذي كُتب له أن يُصبح قُمُّسًا للرُّها لاحقًا.
مصادر الأحداث
مع أنّ المصادر المتعلّقة بحملة سنة 1101م لا تقلّ تنوّعًا عن تلك الخاصة بالحملة الصليبية الأولى، فإنّ معظمها كُتب استنادًا إلى روايات غير مباشرة. ومن بين المؤرخين الذين تناولوا الأحداث اللاحقة للحملة الأولى يبرز: برتُلف الننگيسي، صاحب كتاب «أعمال الفرنجة الذين حاصروا القدس»؛ وڤوشيه الشارتري، صاحب «تاريخ الحملة إلى القُدُس»؛ وگيبرت النوجنتي، مؤلّف «أعمالُ الله على يد الفرنجة»؛ وأُردِرك ڤيتالس، صاحب «التاريخ الكنسي»؛ ورَدُلف الكَنِي، صاحب «أعمال تنكرد»؛ ووليم المالمسبيري، مؤلّف «إنجازات مُلُوك إنگلترا»؛ ووليم الصوري، مؤلّف «تاريخ الأعمال المنجزة فيما وراء البحار»؛ وإكهارد الأورائي، وهو الشاهد العيان الوحيد على الوقائع، وإن ظلّت روايته مقتصرة على بعض مراحل الحملات. أمّا ألبرت الآخني، صاحب «تاريخ بيت المقدس»، فيقدّم الرواية الأكثر ثراءً بالتفاصيل، غير أنّ عرضه عُدَّ، عند بعض الباحثين، منحازًا — ولا سيّما في ما يتّصل بالحملة اللُّمبرديّة — أو متّسمًا بالتناقض، في حين رأى فيه آخرون مصدرًا جديرًا بالثقة على نحوٍ كامل. وإلى جانب المصادر المشهورة التي تناولت هذه الحملات، هُناك مجموعة من المصادر المحلية من وثائق وسجلات تاريخية كنسيَّة تضمَّنت معلوماتٍ دقيقة ومفصَّلة عن المشاركين في هذه الحملات، على أنَّ المساهمات التي قدّمها كُتَّاب هذه المصادر لم تُضف أي قيمة جوهرية لتاريخ الحركة الصليبية. ومن بين هؤلاء، يبرز الأكثر فائدة بالنسبة للُّمبرديين، أي لندُلفُ الأصغر وكافارو دي رُستيكو الجنوي. ومن المصادر التي وضعها مؤرخون فرنسيون: «سجلات دير نائب القُمَّس»، و«تاريخ القديس مكسنتيُس»، و«أعمال سادة أمبواز»، أما الألمان فكان لديهم: «السجلات الأغسطيَّة»، و«السجلات الميلكية»، و«تاريخ أوتون الفريزنغي»، بالإضافة إلى «التاريخ الڤُلڤي». أمّا أبرز المصادر غير اللاتينية، فيأتي في طليعتها كتاب «الألكسياد» لحنّة كومنين، وهو عمل ذو قيمة كبيرة، لا سيّما بالمقارنة مع الادعاءات المثيرة للجدل الواردة في تاريخ متّى الرُّهّاوي. كما يُعدّ كتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير، و«ذيل تاريخ دمشق» لابن القلانسي، و«السجلات الدمشقية للصليبيين»، و«السجلات الشامية المجهولة» من المصادر المهمّة في هذا السياق. أمّا في ما يتعلّق بمساهمات المؤرّخين المعاصرين، فلا توجد دراسة أحادية مخصّصة لحملة سنة 1101م، غير أنّ أبرز تفاصيل هذه الحملة يمكن العثور عليها في أعمال المؤرّخ الفرنسي رينيه غروسيه، والبريطاني ستيڤن رُنسيمان، والأمريكي جيمس لي كيت.
== التقييم التأريخي == أضرّت نتائجُ الحملات الصليبيّة لسنة 1101م بذكراها، فآلت بها إلى شبه النسيان؛ إذ استجلَبَت «انتقاداتٍ لاذعةً من مؤرّخي العصر، وقليلًا من الاهتمام من جانب مؤرّخي القرون اللاحقة». وكثيرًا ما تمحورت تعليقاتُ المؤلّفين الفرنسيّين والألمان في العصور الوسطى حول أحكامٍ قاسية، ركّزت في معظمها على تحميل اللُّمبرديّين تبعة مآل تلك الحملات. أمّا حنّة كومنين فقد وجّهت اللوم إلى جميع الصليبيّين دون تمييز، زاعمةً أنّهم لم يكونوا سوى «مجانين [...] لا إنسانيّين وقساة»، في إشارةٍ إلى ما ارتكبوه من أعمال عنفٍ بحقّ العزّل. وبعد بضعة عقود، قلب أُردريك ڤيتالس المعادلة؛ فكان من القلّة النادرة التي تحدّثت عن «حجّاجٍ قاتلوا ببسالة»، لكنّهم وقعوا ضحيّة خيانة الإمبراطور البيزنطي. وأيّد وليم الصوري هذا الرأي، غير أنّه لم يُغفل التنديد «بانعدام الانضباط والتفرّق» في صفوف الأوروپيين. سعت الدراساتُ التاريخيّةُ الحديثة، متجنِّبةً الاقتصار على القراءات السطحيّة للماضي، إلى إبراز الأهميّة الجوهريّة التي اكتسبتها حملة سنة 1101م، ولا سيّما في تفسير الصعوبات التي برزت في سلوك الطريق البرّي نحو الدويلات الصليبيّة في المشرق العربي. وبقدرٍ غير يسيرٍ من التقريب، يمكن القول إنّ تلك الحملات نشأت ابتغاء بلوغ الأرض المقدّسة، استكمالًا لما عُرف باسم المسار المقدسي، فضلًا عن تعزيز الحضور المسيحي الغربي في المنطقة. وكان الدافع الأوّل من هذين الهدفين قد ترسّخ من قبل؛ إذ إنّ بعض القادة — وربّما بعض الجنود العاديّين أيضًا — كانوا قد توجّهوا إلى الشرق بين سنتي 1096 و1099م. غير أنّ الأمر اختلف هذه المرّة؛ إذ خلافًا لما نصّت عليه الأوامر البابويّة في هذا الشأن، تُجمع المصادر القروسطيّة على أنّ الجنود اصطحبوا معهم في الطريق عددًا كبيرًا من غير المقاتلين، فضلًا على النساء والأطفال. ويبدو أنّ رجال الدين، الذين كانوا قد أسهموا في توجيه الجيوش خلال الحملة الصليبيّة الأولى، فاقت أعدادُهم في هذه الحملة ما كانت عليه في سابقتها. وعلى الأقلّ في ما يتعلّق بالحملة اللُّمبرديّة، يذكر لندُلفُ الأصغر أنّ الانطلاق كان يرمي أيضًا إلى تحقيق هدفٍ آخر، هو تحرير «مملكة بابل» — ولعلّه قصد بذلك بغداد — على الرغم من أنّ هذا المخطّط كان غير واقعيّ إطلاقًا. وإذا صحّ ذلك، فإنّ الانحراف الذي دعا إليه القادة اللُّمبرديّون لتحرير بوهيمُند لم يكن وليد انفعالٍ عاطفيٍّ عابر، بل ثمرة تصميمٍ مدروس. ولا يُفهَم هذا المشروع، على ما فيه من تفاؤلٍ بالغ، إلّا إذا وُضع في سياقه التاريخي الذي كان مشدودًا بقوّة إلى الاعتقاد بأنّ النجاحات الصليبيّة حديثة العهد إنّما تحقّقت بتأييدٍ إلهي. وإذا أُريد التعمّق في العوامل التي أفضت إلى إخفاق الحملات، فإنّها تُعزى، في المقام الأوّل، إلى ضعف التنسيق بين مختلف جماعات المحاربين الوافدين من الغرب. أمّا السرديّات المتداولة التي اعتنقها بعض المعاصرين، والتي تُلقي بالمسؤوليّة على ما زُعم من تعاونٍ بين ألكسيوس كومنين والسلاجقة، فتبدو مبسَّطةً ومضلِّلةً إلى حدٍّ بعيد. وإلى جانب القرارات المرتجلة التي اتُّخذت في أثناء المسير وأضرّت، على نحوٍ لا رجعة فيه، بالنتيجة النهائيّة، لا ينبغي إغفال أنّ القادة افتقروا إلى الكفاءة القياديّة، وإلى القدرة الكافية على تطبيق التكتيكات القتاليّة أو تنويعها، فضلًا عن محدوديّة معرفتهم بالمسرح الحربي الذي كانوا يخوضون فيه. ومع ذلك، يجدر التنبيه إلى أنّ الأحكام السلبيّة المطلقة التي أطلقتها المصادر القروسطيّة بحقّ اللُّمبرديّين تبدو — على الأرجح — مبالغًا فيها، فضلًا على كونها وليدة ضغائن راسخة وقناعةٍ فرنسيّة ألمانيّة قديمة بأنّ اللُّمبرديّين شعبٌ «قليل البأس»، وهي صورةٌ راجت منذ العصر اللاحق للكارولنجيين. وعلى النقيض من ذلك، أظهر المسلمون قدرةً فعّالةً على التنسيق، وأدركوا أنّ جبهةً موحّدة وحدها قادرةٌ على تمثيل خطرٍ جدّيّ على الصليبيّين السائرين نحو الأرض المقدّسة. وفي هذا السياق، يرى جان رِتشَرد أنّه لا يمكن الجزم بأنّ قادة حملة سنة 1101م كانوا أقلّ انضباطًا من نظرائهم في الحملة الصليبيّة الأولى؛ غير أنّ السلاجقة كانوا قد تكيّفوا بسرعةٍ مع الأساليب الحربيّة الإفرنجيّة. أجبرت محنُ الجنود الأوروپيين السلطات الصليبية الحاكمة على الاعتماد حصريًّا على الموارد المتاحة في أراضيها، والتي كانت، في الواقع، قليلة إلى حدٍّ كبير. ومع ذلك، استمرّ تدفّق الوافدين نحو فلسطين بلا انقطاع، وهو ما يُرجّح أنّه حال دون انقراض الكيان الصليبي قبل أوانه. ولن يطرأ حدثٌ مماثل لحملةٍ عسكريّةٍ مسيحيّة غربيّة ناجحة واسعة النطاق إلا مع الحملة النرويجية التي قادها الملك سِگُرد بن مگنُس بين سنتي 1107 و1111م.
== الجدول الزمني للأحداث == إنّ كثرةَ الإحالات الجغرافيّة وطولَ سلسلة التواريخ قد يُفضيان إلى إرباكٍ في استيعاب التسلسل الزمني الدقيق للأحداث. وقد تفاقم هذا الإشكال بفعل المصادر الأوّليّة، التي تميل في كثيرٍ من الأحيان إلى الخلط بين هذا الفوج أو ذاك من أفواج الصليبيّين الذين تحرّكوا نحو المشرق العربي سنة 1101م. ويهدف الجدول الآتي إلى تلخيص التسلسل الزمني لسير تلك الحملات.
== هوامش == ملاحظات
عبارات أجنبية
