مخطط شال (الفرنسية: Plan Challe) والمعروف أيضًا باسم هجوم شال (الإنجليزية: Challe Offensive) هو الاسم الرمزي لسلسلة من العمليات العسكرية الفرنسية خلال الثورة الجزائرية (6 فبراير 1959 – 6 أبريل 1961)، تهدف لتدمير وحدات المقاومة التابعة لجيش التحرير الوطني (ALN)، واحتلال مواقعها بشكل دائم، وتفكيك التنظيم السياسي والإداري لجبهة التحرير الوطني (FLN). سميت الخطة على اسم الجنرال الفرنسي في القيادة، موريس شال، وأسفرت الخطة عن استعادة القوات الفرنسية السيطرة على جزء كبير من شمال الجزائر، مما أدى إلى إضعاف قوات جيش التحرير الوطني (ALN) لفترة من الوقت ووضع علامة على نقطة الهيمنة العسكرية الفرنسية القصوى خلال الحرب. على الرغم من بعض النجاحات العسكرية، فشلت الخطة في تحقيق هدفها، ولم يُهزم جيش التحرير الوطني، وازدادت شعبية قضية تقرير المصير الجزائري، سواء على المستوى المحلي في فرنسا أو على المستوى الدولي.
== الخلفية == منذ عام 1954، انخرطت فرنسا في حرب الجزائر، حيث خاضت جبهة التحرير الوطني وجناحها العسكري، جيش التحرير الوطني، معارك ضد القوات الفرنسية سعياً لتحقيق استقلال الجزائر. وبحلول عام 1958، كانت الجمهورية الفرنسية الرابعة تعاني أزمة سياسية حادة، تمحورت أساساً حول المخاوف بشأن كفاءة القوات الفرنسية في الجزائر وحماية المستوطنين الفرنسيين. وبلغت التوترات ذروتها في أزمة مايو 1958، التي شهدت استيلاء الجنرال شارل ديغول على السلطة وتأسيس الجمهورية الفرنسية الخامسة. بدأ ديغول رئاسته بصياغة مشروع قسنطينة، وهو برنامج تنموي يهدف إلى تحسين أوضاع الجزائريين، وذلك للحد من دعم النزعة الانفصالية وتعزيز الولاء لباريس. إلا أن الخطة لم تحقق نجاحًا يُذكر. ففي أوائل عام 1959، لجأ ديغول إلى هجوم عسكري حاسم لشلّ القوات الوطنية الجزائرية وإعادة بسط السيطرة الفرنسية على كامل الجزائر، التي كانت رسميًا جزءًا من فرنسا الأم وليست مستعمرة ما وراء البحار.
الهجوم
=== بدء العمليات === بدأت خطة شال بتنفيذ عملية التاج (الفرنسية: Couronne) في محيط سعيدة (الولاية الخامسة) في 6 فبراير 1959. اختيرت هذه المنطقة نظرًا لضعف وجود جبهة التحرير الوطني فيها عمومًا، وتضاريسها الأقل وعورة نسبيًا، مما سمح للقوات الفرنسية باستخدام قواتها الآلية على نطاق أوسع. اعتمدت الخطة الفرنسية على حشد قوة نارية هائلة في منطقة صغيرة، ولذلك شاركت فرقة المظليين العاشرة بأكملها، والفيلق الأجنبي الفرنسي (الملحق بالفرقة العاشرة)، وجميع القوات المتاحة من منطقة وهران العسكرية في العملية. كان دورهم الرئيس هو إنشاء طوق أمني (حصار فعلي) بهدف جمع فيه جميع قوات جبهة التحرير الوطني والقضاء عليها. بالإضافة إلى ذلك، أُرسلت القوات الخاصة للصيد داخل الطوق الأمني لتعقب وتحديد مواقع القوات الجزائرية. كان من أبرز الابتكارات التكتيكية والتحول عن الاستراتيجية الفرنسية السابقة التركيز بشكل أكبر على القوة الجوية. فبعد أن تحدد القوات الخاصة الهدف، تبقى على اتصال به حتى تُدمر بواسطة قوات أخرى مدعومة بضربات جوية تكتيكية. ثم تتقدم المزيد من قوات الاحتياط للقضاء على إدارة جبهة التحرير الوطني المحلية، ولا تنسحب إلا بعد أن تتمكن القوات المخصصة لهذا القطاع من احتلال المنطقة بالكامل. استمرت عملية التاج حتى أبريل. وأفاد الفرنسيون بمقتل ما يزيد عن 1600 جندي من جبهة التحرير الوطني في المعارك، وأسر 460 آخرين، والاستيلاء على كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة. وزعم الجنرال شال أن هذه الخسائر تمثل نصف القوة البشرية لجبهة التحرير الوطني، وجزءًا مماثلًا من ترسانتها. وكانت العمليات حول مدينتي معسكر وسعيدة ناجحة بشكل خاص، حيث ألقت القوات الفرنسية بقيادة مارسيل بيجار القبض على قائد جبهة التحرير الوطني المحلي، يوسف إسماعيل.
=== استمرار الهجوم === شجع النجاح المبكر لعملية كراون الفرنسيين على مواصلة الهجوم بأسلوب مماثل. في 18 أبريل 1959، بدأت «عملية الرباط» (الفرنسية: Courroie) انطلقت العملية في المناطق الشرقية من سلسلة جبال الونشريس خلف الجزائر العاصمة في الولاية الرابعة. وسارت العملية على نحو مشابه للعملية السابقة، مع ملاحظة شال أن جبهة التحرير الوطني تمكنت من الاختباء والتفرق بسرعة أكبر، بينما افتقرت القوات الفرنسية إلى الحيوية في تنفيذ العمليات. «عملية الشرارة» ( الفرنسية: Étincelle) أُطلقت في يوليو، بهدف تطهير جبال الحضنة من قوات جيش التحرير الوطني، وبالتالي عزل الولاية الثالثة. في هذه المرحلة من الحملة، حشدت فرنسا أسطولاً جوياً كبيراً وذا كفاءة عالية لاستخدامه في الجزائر. وتميزت طائرات الموزة الأمريكية بقدرتها على نقل ما يصل إلى كتيبتين إلى ساحة المعركة في غضون خمس دقائق. بل إن ما يصل إلى 300 طائرة من طراز تي-6 التدريبية استُخدمت في القتال، إذ سمحت سرعتها القصوى المنخفضة (مقارنة بالطائرات النفاثة الحديثة) بدقة أكبر في إصابة الأهداف الثابتة، فضلاً عن كونها أرخص وأسرع في الإصلاح في حال تعرضها للتلف.
=== عملية المنظار === بعد اكتساب خبرة قيّمة وإلحاق خسائر فادحة بالقوات الانفصالية، انتقل الفرنسيون إلى تنفيذ الجزء الرئيس من الخطة: «عملية المنظار» ( الفرنسية: Jumelles) في الفترة ما بين 22 يوليو ومارس 1960 كان الهدف من هذه العملية تطهير منطقة القبائل، الواقعة في معظمها ضمن الولاية الثالثة، من قوات جيش التحرير الوطني. وكانت هذه المنطقة معقلاً رئيساً لجبهة التحرير الوطني، إذ كانت محمية بالجبال، وكان سكانها المحليون - الذين يزيد عددهم عن مليون نسمة - يدعمون الجبهة على نطاق واسع. بينما كان من المقرر أصلاً أن تبدأ عملية «المنظار» في 22 يوليو 1959 بهجوم مزدوج، مصحوباً بعمليات إنزال برمائية لتجاوز السلاسل الجبلية، تلقى الفرنسيون معلومات استخباراتية جديدة عشية تنفيذ العملية. كانت قوات جيش التحرير الوطني تخطط لتأمين سلسلة جبال الحضنة مجدداً، وبالتالي ربط منطقة القبائل بالقوات الصديقة في جبال الأوراس. قررت القيادة الفرنسية بدلاً من ذلك شن هجوم مفاجئ في الحضنة، ونجحت في منع مجموعات جيش التحرير الوطني المختلفة من التوحد وإلحاق خسائر فادحة بها.
=== عملية الأحجار الكريمة === قاد فيها الجنرال جونو نحو خمسين ألف جندي إلى منطقة جبال الشمال القسنطيني، وذلك في الفترة ما بين نوفمبر 1959 ومايو 1960.
== التداعيات == كان عام 1959 هو العام الأصعب بالنسبة لجيش التحرير الوطني. تراجعت الروح المعنوية بين جنود الجيش، بينما ازداد الاستياء تجاه القادة العسكريين في الخارج، لكن بومدين قمع المعارضة، رئيس أركان جيش التحرير الوطني المنتخب حديثًا، والذي واصل بناء جيش الحدود. رغم النجاح العسكري، فشلت خطة شال في تحقيق هدفها النهائي، ولم تُهزم جبهة التحرير الوطني. ولأسباب سياسية، أوقف ديغول الهجوم. تمكن جيش التحرير الوطني من إعادة تنظيم صفوفه، بل وإلحاق هزيمة بالفرنسيين في جبل بوكحيل في سبتمبر 1961. وبحلول هذه المرحلة، أصبحت الحرب مصدر إحراج دولي واستنزافًا للاقتصاد الفرنسي. لذلك، كرّس ديغول جهوده للبحث عن حل سياسي. قاوم المعمرون وجزء من الجيش هذه الخطوة، وكادت أن تؤدي إلى حرب أهلية؛ وكان شال نفسه أحد قادة انقلاب الجزائر، إلى جانب راؤول سالان. لكن كل ما حققته فرنسا من ذلك كان انسحابًا مربكًا ومهينًا من الجزائر.
== الأثر الإنساني == خلال تنفيذ خطة شال، لحقت أضرار إنسانية جسيمة بالمدنيين نتيجة للقتال العنيف، وتكتيكات «التهدئة» الفرنسية، وانهيار النشاط الاقتصادي الطبيعي.
=== مناطق الزراعة وإطلاق النار الحر === كان أحد جوانب الاستراتيجية الفرنسية التي ساهمت بشكل كبير في الخسائر في صفوف المدنيين هو الاستخدام الواسع النطاق لـ «مناطق إطلاق النار الحر» ( الفرنسية: zones interdites). ظهرت فكرة هذه المناطق لأول مرة عام 1957، وتضمنت سيطرة الجيش الفرنسي على منطقة ما وتهجير سكانها قسرًا، غالبًا دون سابق إنذار. بعد ذلك، تُفتش المنطقة بحثًا عن قوات جبهة التحرير الوطني، بينما تُدمر أي موارد أو ملاجئ قد يستفيد منها المتمردون، وهو ما يُعدّ شكلًا من أشكال تكتيك الأرض المحروقة. وكان أي شخص يُشاهد وهو يتسلل إلى هذه المناطق مُعرّضًا لإطلاق النار عليه من قبل الجيش. نتيجةً لمناطق إطلاق النار الحر، أصبحت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة غير متاحة. وفي بعض المناطق، سُمح بالزراعة تحت حراسة مسلحة، إلا أن الإنتاجية ظلت منخفضة، إذ نادرًا ما كان جدول الحراسة مناسبًا للمزارع. غالبًا ما كانت المناطق التي نُزح إليها الناس ذات تربة غير ملائمة لأساليب الزراعة التقليدية، أو كانت مملوكة بالفعل للسكان المحليين أو كبار ملاك الأراضي الأوروبيين. وقد أدى ذلك إلى انخفاض إنتاج القمح والشعير بنسبة ثلاثة أرباع بين عامي 1954 و1960، وانخفض إنتاج الثروة الحيوانية بشكل مماثل.
=== مراكز إعادة التجمع === بعد إنشاء مناطق إطلاق النار الحر، نُقل السكان المحليون إلى ما يسمى بمراكز إعادة التجمع (الفرنسية: camps de regroupement) بدأت تجربة هذه المراكز في منطقة الأوراس عام 1955، وأصبحت مشهداً مألوفاً بحلول عام 1957. أُنشئت فئتين من المراكز: مؤقتة ودائمة. هُدمت المراكز المؤقتة بعد نقل السكان المحليين، بينما عملت المراكز الدائمة بشكل أشبه بالمراكز الحضرية.
خط شال
تسبب بناء خط شال في مقتل العديد من الجزائريين الذين حاولوا عبوره، مما أكسبه لقب «خط الموت» أو «الخط الملعون» بين العديد من سكان الرميلة.
== انظر أيضًا == حرب الهند الصينية الأولى – ألهمت هذه الجرأة الجزائريين على نطاق واسع للسعي نحو الاستقلال مكافحة التمرد الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية
