المَنْجَنِيق (الجمع: مَجَانِق، ومَجَانِيق، ومَنْجَنِيقَات) هو آلة حصار تُستعمل لإطلاق القذائف إلى مسافات بعيدة دون الحاجة إلى البارود أو أي مادة دافعة أخرى، وإنما تعتمد في عملها على الطاقة الكامنة المخزّنة في أحبال ملتوية، أو أقواس مشدودة، أو أثقال معلّقة، ثم تُحرَّر هذه الطاقة دفعةً واحدة لدفع المقذوف نحو هدفه. استُخدم المنجنيق منذ أقدم العصور، ويعود أول ذكر له إلى المؤرخ ديودورس الصقلي الذي وصف اختراعه في اليونان عام 399 قبل الميلاد، قبل أن يُستخدم هذا السلاح للمرة الأولى في التاريخ عام 397 ق.م، وذلك في حصار مدينة موتيا أثناء الحروب البونيقية اليونانية. وقد أثبت أنه واحد من أهم الآليات الحربية في العصور القديمة وخلال العصور الوسطى؛ إذ تجلّت أهميته في محاصرة القلاع وتدمير أسوارها. واستُخدمت المجانيق في الدفاع عن أسوار القدس ضد الغزاة الصليبيين، كما استُعملت في حرق المدن من خارج الأسوار. وطوّر الإغريق المنجنيق بوضعه فوق عربة، مما جعل نقله سهلاً في ميدان المعركة. وقد بقيت المجانيق قيد الاستخدام الحربي بأشكال مختلفة حتى مطلع القرن العشرين، إذ استُخدمت في المراحل الأولى من صراع الخنادق في الحرب العالمية الأولى لإلقاء القنابل اليدوية إلى معسكر العدو، قبل أن تُستبدل لاحقاً بمدافع الهاون. وفي العصر الحديث، أُعيد إحياء بعض تصاميم المنجنيق لأغراض غير حربية، منها إطلاق الطائرات من على ظهر حاملات الطائرات عبر منجنيق الطائرات، وإطلاق الطائرات المسيّرة الصغيرة، فضلاً عن استخداماته في التسلية والرياضة والبحث العلمي.
== أصل التسمية == اختلف اللغويون في أصل كلمة "منجنيق"؛ فقيل إنها من الفارسية "من جه نيك" التي تعني "أنا ما أجودني"، أو من الفارسية "منجك" التي تعني "الارتفاع إلى فوق". وذهب صاحب المعجم المدرسي إلى أنها فارسية الأصل، وصنّفها تحت مادتَي (ج ن ق) و(م ن ج)، وذكر للكلمة صيغتين: المَنْجَنِيق والمِنْجَنِيق، بفتح الميم وكسرها، وجعل الفعل منها "جَنَقَ"، فقال: "جَنَقَه يَجْنِقُه جَنْقاً أي رماه بالمنجنيق"، وذكر لها ثلاثة جموع هي: مَنْجَنِيقات، ومَجانِق، ومَجانِيق، وتصغيرها: مُجَيْنِيق. وقيل أيضاً إنها معرّبة عن كلمة manganon في اللغتين اليونانية واللاتينية، ومعناها "آلة الحرب" أو "الحيلة الميكانيكية"، ومنها اشتُقّت الكلمة الإنجليزية mangonel التي تُطلق على أحد أنواع المجانيق. وقد وردت الكلمة في الشعر العربي القديم وفي كتب المغازي والسير، ومن ذلك ما رُوي من أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف في غزوته المعروفة سنة 8 هـ، وهو ما يعدّه بعض المؤرخين أول استخدام موثّق للمنجنيق في التاريخ الإسلامي.
== المبدأ الفيزيائي للعمل == تعتمد المجانيق في عملها على تحويل طاقة مخزّنة إلى طاقة حركية تُنقَل إلى المقذوف. وتنقسم من حيث مصدر الطاقة إلى ثلاث فئات رئيسية:
مجانيق التوتر (الإنجليزية: Tension): تعتمد على شدّ ذراع مرن أو قوس، مثل قوس البطن والعرادات البدائية. مجانيق الفتل (الإنجليزية: Torsion): تعتمد على لَيّ حزم من الأوتار أو الشعر أو الأمعاء المجدولة، ثم تحريرها فجأة، مثل منجنيق الأوناجر والعرادة الرومانية المتطوّرة. مجانيق الجاذبية (الإنجليزية: Gravity): تعتمد على سقوط ثقل معلّق يرفع طرف الذراع الآخر بسرعة كبيرة، وأشهرها منجنيق الثقل المضاد (التربوشيه). وتتحدّد قوة الرمي ومداه بعوامل عدة، منها طول الذراع، وكتلة الثقل المضاد أو مقدار الفتل، وزاوية الإطلاق، ووزن المقذوف. ويُعدّ منجنيق الثقل المضاد أكثرها كفاءة من الناحية الفيزيائية، إذ يمكنه نظرياً تحويل ما يقارب 70% من الطاقة الكامنة للثقل إلى طاقة حركية للمقذوف.
== المجانيق الإغريقية والرومانية == ارتبط المنجنيق والقوس الإفرنجية ارتباطاً وثيقاً في اليونان القديمة. فقد كانت المجانيق البدائية في الأساس "نتاج محاولات واضحة نسبيًا لزيادة مدى القذائف وقوتها الاختراقية عبر تقوية القوس الذي يدفعها". ووصف المؤرخ ديودور الصقلي (عاش في القرن الأول قبل الميلاد) اختراع فريق عمل يوناني للمنجنيق الميكانيكي لإطلاق السهام (καταπελτικον، تُنقحر إلى katapeltikon) عام 399 قبل الميلاد، في عهد الطاغية ديونيسيوس الأول حاكم سيراكوز، الذي جمع فريقاً من أمهر الحرفيين والمهندسين من أنحاء البحر الأبيض المتوسط لتطوير أسلحة جديدة تعينه في حروبه ضد قرطاج. استُخدم السلاح بعد فترة وجيزة ضد مدينة معطية (397 قبل الميلاد)، وهي معقل رئيسي للقرطاجيين في صقلية. ويُفترض أن ديودور قد استمدّ وصفه من تاريخ فيلستوس ذي التصنيف العالي، وهو معاصر لتلك الأحداث. ومع ذلك، يمكن أن يعود تاريخ إدخال القِسِيّ الإفرنجية إلى زمن أبعد؛ فوفقاً للمخترع هيرو الإسكندري (القرن الأول الميلادي)، الذي أشار إلى الأعمال المفقودة الآن للمهندس ستيسيبيوس الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، فإن هذا السلاح مستوحى من قوس إفرنجية قديمة تُسمى قوس البطن (الإنجليزية: Gastraphetes)، يمكنه تخزين طاقة أكبر من الأقواس اليونانية التقليدية. ويوجد وصف تفصيلي لقوس البطن، إضافة إلى رسم بالألوان المائية، في أطروحة هيرون الفنية Belopoeica. وقد ورث الرومان هذه التقنية عن الإغريق وطوّروها تطويراً كبيراً، فصنعوا العرادات بأحجام مختلفة، منها الصغير المحمول الذي يحمله جنديّان، ومنها الضخم الثابت الذي يستخدَم في حصار المدن. ومن أشهر أسلحتهم "كاروبوليستا" (Carroballista)، وهي عرادة مثبتة على عربة تجرّها البغال، ويُقال إن الفيلق الروماني الواحد كان يضمّ نحو 55 عرادة و10 مجانيق فتل ضخمة. واستخدم الرومان هذه الأسلحة استخداماً واسعاً في حروبهم، ومنها حصار مصعدة (73–74 م) وحصار القدس عام 70 م.
== المجانيق في الحضارة الإسلامية == عرف المسلمون المنجنيق في وقت مبكّر من تاريخ الإسلام، ويُنسب أول استخدام له إلى غزوة الطائف سنة 8 هـ / 630 م، حين نصبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم على حصون ثقيف بمشورة من سلمان الفارسي وفق بعض الروايات. وتوسّع استخدامه في العصر الأموي والعباسي، إذ استعمله الحجاج بن يوسف في حصار مكة سنة 73 هـ حين رمى الكعبة بالمجانيق أثناء قتاله عبد الله بن الزبير. وطوّر المهندسون المسلمون المنجنيق تطويراً ملحوظاً، وأضافوا إليه تصاميم جديدة مثل "المنجنيق العربي" أو "المغربي"، الذي يعتمد على قوة السحب البشري الجماعي، ويُعتقد أنه كان جسراً تقنياً بين منجنيق الشدّ الصيني ومنجنيق الثقل المضاد الأوروبي. وأفرد كثير من المؤلفين المسلمين مصنّفات في آلات الحرب، منها كتاب "الأنيق في المنجنيق" لـابن أرنبغا الزردكاش في العصر المملوكي، الذي يُعدّ من أهم المراجع في تاريخ هندسة أسلحة الحصار. واستخدم صلاح الدين الأيوبي المجانيق استخداماً كثيفاً في حروبه ضد الصليبيين، لا سيما في معركة حطين وحصار عكا وفتح القدس عام 1187.
مجانيق العصور الوسطى
كانت القلاع والمدن المحصّنة شائعة خلال العصور الوسطى، واستُخدمت المجانيق أسلحةَ حصار ضدّها. وإلى جانب استخدامها في محاولات اختراق الجدران، استُعملت أيضاً في إلقاء القذائف الحارقة أو رمي الجيف والقذارة وراء الأسوار لنشر الأوبئة وإضعاف معنويات المحاصَرين. ومن أشهر الحوادث المسجّلة في هذا الشأن حصار كافا عام 1346 م، حين قذف جيش القبيلة الذهبية المغولي جثث المصابين بـالطاعون بالمجانيق داخل أسوار المدينة، وهو ما يُعدّه بعض المؤرخين أحد أوائل استخدامات الحرب البيولوجية في التاريخ، وقد ساهم في انتقال الطاعون إلى أوروبا. وتطوّرت التقنيات الدفاعية في العصور الوسطى إلى درجة جعلت المجانيق التقليدية غير فعّالة إلى حدٍّ كبير. فقد شهد حصار الفايكنغ لباريس (885-886 م) "استخدام كلا الطرفين تقريبًا كل أداة من أدوات الحصار المعروفة في العالم الكلاسيكي، بما في ذلك مجموعة متنوعة من المجانيق"، دون تأثير يُذكر، مما أفضى إلى فشل الحصار. وكانت المجانيق الأكثر استخداماً في العصور الوسطى هي كما يلي:
العرادة كانت العرادات (الإنجليزية: Ballistae، مفردها Ballista) شبيهة بالقسي الإفرنجية العملاقة، وصُمّمت للعمل عبر الفتل. وكانت المقذوفات عبارة عن سهام كبيرة مصنوعة من الخشب ذات طرف حديدي، تُطلَق "على طول مسار مسطّح" على الهدف. وكانت العرادات دقيقة الإصابة، لكنها كانت تفتقر إلى قدرة التدمير مقارنة بمنجنيق الشدّ أو منجنيق الثقل المضاد. وبسبب صعوبة نقلها، كان الضابط العسكري القائد يُنشئ معظمها في الموقع بعد تقييم ظروف الحصار. قوس الزيار الرومي يشبه تصميم قوس الزيار (الإنجليزية: Springald) تصميم العرادة، إذ كان قوساً إفرنجيّة مدعومة بالتوتر. وكان إطاره مُحكماً جدّاً، مما يسمح باستخدامه في الأماكن الضيّقة، كداخل القلعة أو البرج، غير أن ذلك أضرّ بقوته الاندفاعية. منجنيق الشد تُسمّى هذه الآلة بالإنجليزية Mangonel أو Traction trebuchet، وصُمّمت لرمي مقذوفات ثقيلة من مقلاعها عن طريق شدّ الرجال لحبالها في تناسق منظّم. استُخدم منجنيق الشدّ في الغالب "لإطلاق قذائف مختلفة على الحصون والقلاع والمدن" بمدى يصل إلى 1300 قدم (400 م). وقد اخترعه الصينيون قرابة القرن الرابع قبل الميلاد، ثم انتقل عبر طريق الحرير إلى العالم الإسلامي، ومنه إلى أوروبا في نحو القرن السادس الميلادي. منجنيق الفتل كان منجنيق الفتل (اللاتينية: Onager) يُطلق قذائفه في البداية من مقلاع، ثم غُيّر لاحقاً إلى كفّة على شكل وعاء. وكلمة Onager مشتقّة من الكلمة اليونانية ὄναγρος (تُنقحر إلى onagros) التي تعني الأخدر (حمار الوحش)، وسُمّي بهذا الاسم إشارةً إلى حركة رَفس الحمار التي تشبه ارتداد الآلة عند إلقائها الحجارة في الهواء. والسجلات التاريخية المتعلقة بمجانيق عزم الفتل نادرة، وأكثر الأوصاف تفصيلاً لاستخدامه ورد في "ترجمة إيريك مارسدن (Eric Marsden) لنصّ كتبه أميانوس مارسيليانوس في القرن الرابع الميلادي"، يصف فيه بناءه واستخدامه القتالي. منجنيق الثقل المضاد كان منجنيق الثقل المضاد (بالإنجليزية: Trebuchet، من الفرنسية Trébuchet) على الأرجح أقوى المجانيق التي استُخدمت في العصور الوسطى. وأكثر ذخيرته شيوعاً الحجارة الضخمة، وإن أمكن استبدالها بـ"السهام والأعمدة الخشبية المدبّبة" عند الحاجة. غير أن أشدّ الذخائر فتكاً كانت النارية، مثل "الأخشاب المشتعلة والنار اليونانية القاتلة". ويعود أشهر توثيق تاريخي لاستخدامه إلى حصار قلعة ستيرلنغ عام 1304، حين بنى جيش إدوارد الأول منجنيقاً ضخماً عُرف باسم "ذئب الحرب" (الإنجليزية: Warwolf)، استُعمِل لتدمير جزء من سور القلعة، فأدّى إلى إنهاء الحصار بنجاح. ويُقدَّر أن هذا المنجنيق كان قادراً على قذف حجر يزن نحو 140 كجم إلى مسافة 300 متر.
== المجانيق في الحضارة الصينية == كان الصينيون سبّاقين في تطوير منجنيق الشد منذ القرن الرابع قبل الميلاد، وأشار إليه الفيلسوف الصيني موزي في كتاباته العسكرية. وقد استُخدم هذا النوع استخداماً واسعاً في عصر الممالك المتحاربة وفي حروب أسرة هان. ومع توسّع الإمبراطورية المغولية في القرن الثالث عشر، جلب المغول مهندسين مسلمين من إيران وبلاد ما بين النهرين لبناء مجانيق الثقل المضاد في حصار شيانغيانغ (1268–1273 م)، الذي كان أحد أطول الحصارات في التاريخ، وأسهم سقوط المدينة في انهيار أسرة سونغ الجنوبية وقيام أسرة يوان المغولية.
== الانحدار والاستخدام الحديث == مع ظهور البارود وانتشار المدفعية في أوروبا في القرن الخامس عشر، بدأ نجم المنجنيق يأفل تدريجياً، إذ فاقتها المدافع في المدى والقوة التدميرية ودقّة الإصابة. غير أن المجانيق ظلّت تُستخدم في مناطق نائية أو في ظروف خاصة حتى القرن التاسع عشر. وفي الحرب العالمية الأولى، أعاد الجيشان البريطاني والفرنسي إحياء تصاميم مبسّطة من المجانيق لقذف القنابل اليدوية عبر خطوط الخنادق قبل أن يحلّ محلّها الهاون الخفيف. وفي العصر الحديث، أُعيد توظيف مبدأ المنجنيق في تطبيقات مدنية وعسكرية عديدة، منها:
منجنيق الطائرات: يُستخدم على متن حاملات الطائرات لإطلاق الطائرات النفّاثة بسرعات عالية خلال مسافة قصيرة، ويعتمد على الضغط البخاري أو الحثّ الكهرومغناطيسي، كما في نظام EMALS الأمريكي. منجنيق كهرومغناطيسي: يستخدم مجالات مغناطيسية قوية لدفع مقذوفات معدنية بسرعات فائقة، ويُبحَث في تطبيقاته العسكرية والفضائية. إطلاق الطائرات المسيّرة: تستخدم قوات كثيرة مجانيق صغيرة لإطلاق الطائرات المسيّرة الاستطلاعية والانتحارية. الاستخدامات المدنية والترفيهية: تُستخدم مجانيق مصغّرة في سباق الطيران الشراعي وإطلاق طائرات النماذج، وفي عروض السيرك وبعض الألعاب الرياضية الشعبية، كما أُعيد بناء نسخ من المجانيق التاريخية للأغراض السياحية والتعليمية في كثير من المتاحف الأوروبية.
== المنجنيق في الثقافة الشعبية == حضر المنجنيق حضوراً بارزاً في الأدب والسينما وألعاب الفيديو المعاصرة، خصوصاً تلك التي تدور أحداثها في العصور الوسطى، مثل سلسلة أفلام "سيد الخواتم" و"مملكة السماء"، ومسلسل "صراع العروش"، فضلاً عن ألعاب استراتيجية شهيرة مثل Age of Empires وMedieval: Total War. وأصبح المنجنيق رمزاً بصريّاً لعصر الفروسية والحصون، ومحطّ اهتمام هواة إعادة التمثيل التاريخي الذين يبنون نسخاً حقيقية منه ويشاركون بها في مسابقات دورية، مثل بطولة "Punkin Chunkin" الأمريكية التي كانت تُقام سنويّاً لقذف قرع اليقطين لأبعد مسافة ممكنة.
== انظر أيضاً == مجنقة منجنيق كهرومغناطيسي منجنيق (ثقل مقابل) معدة حصار قوس إفرنجية مدفع الهاون
