معركة الرملة الثانية، أو معركة الرملة سنة 1102، هي معركة وقعت في 17 مايو 1102 بالقرب من مدينة الرملة في فلسطين، بين جيش مملكة بيت المقدس الصليبية بقيادة بلدوين الأول، وجيش الدولة الفاطمية القادم من مصر بقيادة شرف المعالي، أحد قادة الحملة الفاطمية التي أرسلها الوزير الأفضل شاهنشاه. انتهت المعركة بانتصار فاطمي واضح، وكانت من أشد الهزائم التي تعرضت لها مملكة بيت المقدس في سنواتها الأولى. تُعد المعركة الثانية ضمن سلسلة من ثلاث مواجهات كبرى وقعت حول الرملة بين الصليبيين والفاطميين في الأعوام 1101 و1102 و1105. وقد اكتسبت الرملة أهمية عسكرية لأنها تقع على الطريق الرابط بين القدس وعسقلان، وكانت عسقلان في تلك الفترة قاعدة فاطمية رئيسية تُشن منها الحملات على المملكة الصليبية الناشئة.
== الخلفية == بعد سقوط القدس في يد الصليبيين سنة 1099 وتأسيس مملكة بيت المقدس، بقي الوجود الصليبي في فلسطين هشًا من الناحية العسكرية. فقد كانت المملكة الجديدة محدودة الموارد البشرية، وتعتمد على عدد قليل من الفرسان والحاميات المنتشرة في المدن والمواقع التي سيطر عليها الصليبيون، في حين احتفظ الفاطميون بقاعدة قوية في عسقلان على الساحل الجنوبي لفلسطين. كانت عسقلان مركزًا متقدمًا للفاطميين، ومنها انطلقت عدة حملات عسكرية ضد مملكة بيت المقدس في السنوات الأولى بعد الحملة الصليبية الأولى. وقد سعى الوزير الفاطمي الأفضل شاهنشاه إلى استعادة زمام المبادرة في فلسطين، ومنع ترسخ الحكم الصليبي في القدس والساحل الفلسطيني. وقعت المعركة الأولى عند الرملة سنة 1101، وتمكن بلدوين الأول خلالها من صد هجوم فاطمي، رغم قلة قواته. غير أن هذا الانتصار عزز ثقة الصليبيين بقدرتهم على مواجهة الجيوش الفاطمية، وهي ثقة ستؤدي في السنة التالية إلى تقدير خاطئ لحجم الخطر القادم من الجنوب.
== تمهيد المعركة == في ربيع سنة 1102 تحركت حملة فاطمية جديدة من مصر باتجاه فلسطين. وتذكر المصادر اللاتينية أعدادًا ضخمة للجيش الفاطمي، غير أن المؤرخين المحدثين يميلون إلى التعامل بحذر مع هذه الأرقام، لأن روايات العصور الوسطى كثيرًا ما بالغت في تقدير أعداد الجيوش. وترجح بعض الدراسات الحديثة أن الجيش الفاطمي كان يتألف من عدة آلاف من المقاتلين، لا من عشرات الآلاف كما تذكر بعض الروايات القديمة. كان بلدوين الأول في المقابل يقود قوة صغيرة جدًا من فرسان المملكة. وتشير الروايات إلى أن القوة الصليبية التي خرجت لملاقاة الجيش الفاطمي لم تتجاوز نحو مئتي فارس، وانضم إليهم عدد من النبلاء والحجاج المسلحين الذين وصلوا إلى بلاد الشام بعد الحملة الصليبية الأولى، ومن بينهم ستيفن الثاني، كونت بلوا. ويبدو أن بلدوين ظن في البداية أنه يواجه قوة استطلاع أو طليعة محدودة، لا الجيش الفاطمي الرئيسي. لذلك تقدم بسرعة نحو الرملة بدل انتظار تعزيزات أكبر من القدس ويافا، فوجد نفسه أمام جيش يفوقه عددًا بكثير.
== سير المعركة == بدأت المعركة في 17 مايو 1102 قرب الرملة. اعتمد الصليبيون، كما في معاركهم السابقة، على صدمة هجوم الفرسان المدرعين، وهي وسيلة كانت فعالة في بعض المواجهات ضد الجيوش الفاطمية التي ضمت مشاة ورماة وفرسانًا من عناصر مختلفة. لكن قلة عدد الفرسان الصليبيين في هذه المعركة جعلت قدرتهم على إحداث اختراق حاسم محدودة. تعرضت القوة الصليبية لهزيمة قاسية، وقُتل معظم الفرسان الذين دخلوا المعركة. أما بلدوين الأول فانسحب إلى داخل الرملة مع عدد قليل من الناجين، واحتمى بعضهم في برج داخل المدينة. وفي اليوم التالي اشتد الضغط الفاطمي على من بقي من الصليبيين في الرملة، فهاجم الفاطميون المدينة والبرج الذي احتمى به المدافعون. تمكن بلدوين من الفرار ليلًا من الرملة بصحبة عدد قليل من مرافقيه، ووصل بعد رحلة شاقة إلى أرسوف. أما من بقي في الرملة فقد قُتل معظمهم عند محاولة الخروج أو عند سقوط الموقع. وكان من أبرز القتلى ستيفن الثاني، كونت بلوا، الذي عُرف في المصادر الصليبية بدوره في الحملة الصليبية الأولى وبانسحابه السابق من حصار أنطاكية.
== النتائج == مثلت معركة الرملة الثانية هزيمة خطيرة لمملكة بيت المقدس، لأنها كشفت هشاشة القوة العسكرية الصليبية في فلسطين، وأظهرت أن المملكة الناشئة كانت لا تزال عاجزة عن تعويض خسائر كبيرة في طبقة الفرسان. كما فتحت الهزيمة الطريق أمام الفاطميين للتقدم نحو الساحل وتهديد يافا، وهي الميناء الرئيسي الذي اعتمدت عليه القدس في اتصالها بالغرب الأوروبي. غير أن الفاطميين لم يستثمروا انتصارهم بصورة حاسمة. فقد نجا بلدوين الأول، وتمكن لاحقًا من جمع قوة جديدة بمساعدة من وصل إلى الساحل من الصليبيين والحجاج المسلحين. وبعد أيام من الهزيمة، وقعت مواجهة جديدة عند يافا، استطاع فيها الصليبيون منع الفاطميين من تحقيق نصر نهائي على مملكة بيت المقدس. لذلك، ورغم أن معركة الرملة الثانية انتهت بانتصار فاطمي واضح، فإن نتائجها الاستراتيجية بقيت محدودة. فقد أضعفت الصليبيين مؤقتًا، لكنها لم تؤدِ إلى سقوط القدس أو انهيار المملكة، واستمرت المواجهات بين الطرفين في السنوات التالية، ولا سيما في معركة الرملة الثالثة سنة 1105.
== انظر أيضًا == مملكة بيت المقدس الدولة الفاطمية عسقلان الرملة
مراجع
== مصادر == Dupuy، R. Ernest؛ Dupuy، Trevor N. (1977). The Encyclopedia of Military History. New York: Harper & Row. ISBN:0-06-011139-9. Smail، R. C. (1956). Crusading Warfare, 1097–1193. Cambridge University Press. Runciman، Steven (1952). A History of the Crusades, Volume II: The Kingdom of Jerusalem and the Frankish East, 1100–1187. Cambridge University Press. Edgington، Susan B. (2019). Baldwin I of Jerusalem, 1100–1118. Routledge. Pringle، Denys (1993). The Churches of the Crusader Kingdom of Jerusalem: A Corpus. Cambridge University Press. ISBN:0-521-39037-0.
