معركة نيقوپوليس أو معركة نيكوبلي [(بالتركية العثمانية: نيكوبلى مُحاربەسى) و(التركية: Niğbolu Muharebesi أو Niğbolu Haçlı Seferi)] أو حملة نيقوپوليس الصليبية، وقعت على الضفة اليُمنى الجنوبية لنهر الدانوب يوم 25 سبتمبر 1396م / 22 ذو الحجة 798 هـ، وفي بعض المصادر يوم 28 سبتمبر، وأسفرت عن انتصار ساحق حاسم للجيش العثماني بقيادة السلطان «يلدرم» بايزيد الأول (لقبه «يلدرم» ومعناه بالتركية: «الصاعقة»، لسرعة انقضاضه في الحرب كالصاعقة)، وهزيمة جيش التحالف المجري الكرواتي البلغاري الأفلاقي الفرنسي البُرغُوني الألماني وقوات متنوعة وبمساعدة أسطول بحري من البندقية على يد جيوش الدولة العثمانية، ونهاية الإمبراطورية البلغارية الثانية. وغالباً ما يُشار إليها باسم واقعة الحملة الصليبية عند مدينة نيقوپوليس في بلغاريا بقيادة سيغيسموند ملك المجر. بعد انتصار العثمانيين الساحق على الصليبيين في معركة قوصوه عام 1389م لم تعد هناك قوة صليبية أخرى قادرة على الوقوف أمامهم، وانساحت جيوشهم يفتحون معظم بلاد البلقان حتى تقلّصَت الإمبراطورية البيزنطية إلى المنطقة المحيطة بعاصمتها القسطنطينية، فضرب السلطان العثماني بايزيد الأول عليها حصاراً دائماً بدءاً من عام 1394م، ولذلك تحركت حملة صليبية جرارة لردع العثمانيين عام 1396م، إلا أن السلطان خرج لهم بجيشه وقطع عليهم تقدمهم وفاجأهم في نيقوپوليس، فأبادهم بعد معركةٍ حامية الوطيس، وأحرز العثمانيون مرةً أخرى نصراً حاسماً على الصليبيين في ذلك العام. تكونتِ الحملة الصليبية في ظروفٍ مواتية، فقد كانت حرب المائة عام هادئةً منذ عام 1389م في هدنة طويلة نادرة بين فرنسا وإنجلترا، وكان الفرسان المحاربون بحاجةٍ إلى منافذَ أخرى لإشباع تعطشهم للمجد، فكان تشكيل حملة صليبية للخروج في وجه العثمانيين عنواناً براقاً لأعمال الفروسية والمجد والشرف، وكانت فرنسا في ذلك الوقت مَلَكِيَّة إقطاعية تقليدية، والسادةُ الإقطاعيون الكبار أقوياء للغاية ومستقلين إلى حد كبير في مناطق نفوذهم. كان فيليپ الثاني دوق بُرغُونية أقوى هؤلاء الأقطاب جميعاً وعمُّ الملك، وعلى الرغم من تقدمه في السن إلا أنه كان يعتز بحلمٍ راوده مدى حياته بأن يخرج بحملةٍ صليبيةٍ يكون هو الراعي الرئيسي لها حتى إنه عيّن ابنه يوحنا الجسور قُمَّس نيڤير في منصب القائد الأعلى للحملة الصليبية مع أنه لم يشهد أيَّ قتالٍٍ من قبل! ادَّعى الإقطاعيون أن هدفهم الأسمى والأوحد هو صدّ المدّ العثماني المتتابع، ولكن غايتهم الحقيقية كانت المجد الشخصي ومكانة أسرهم وآفاق الثروة التي يحلمون بجمعها من وراء الحملة. تمثلت الأهداف الأخرى للصليبيين بإخراج العثمانيين من البلقان، والسير إلى القسطنطينية لمساعدة المدافعين عنها، وخطَّطَ الفرسان أيضاً لعبور مضيق الدردنيل والسير نحو فلسطين لتحرير القبر المقدس في كنيسة القيامة في بيت المقدس من المُسلمين، بحيث يعودون في نهاية الحملة منتصرين إلى أوروپا عن طريق البحر. ولكن الحملة كانت -في واقع الأمر- ممزقةً منذ بدايتها بسبب الخلافات الشديدة بين قادة الصليبيين على الأسبقية والمكانة. وحين وصل زحف الفرسان الصليبيين إلى مدينة نيقوپوليس أواخرَ الصيف -بعد معاركَ عديدةٍ خاضوها ضد المدن الصغيرة الواقعة على طول الطريق الذي سلكوه- لم يكن معهم تجهيزات أو أدوات حصار ومجانيق للاستيلاء على قلعتها بالقوة، فاضطروا لوقف التقدم وضربوا حصاراً على قلعة نيقوپوليس حتى يتمكنوا منها فلا تصبح شوكةً في ظهورهم حالما يجتازونها دونما تحييدها. ولكن بعد أسابيعَ من الحصار فوجئ الصليبيون بالسلطان بايزيد الأول وقد ظهر على رأس جيش كبير على مشارف نيقوپوليس ومسافة عدّة ساعاتٍ منهم فقط بدون أن يتجهزوا لمناجزته. أصيب معسكر الصليبيين بالذعر، وعلى الرغم من نقاشات قادتهم في مجلس الحرب، إلا أن أفعالهم كانت متهورةً وغيرَ مُنسَّقةٍ فيما بينهم. أصرّ الفرسان الفرنسيون على قيادة الهجوم منفردين غير مدركين تماماً لحجم جيش السلطان القادم، وكانت هجمة الفرسان الفرنسيين ناجحةً في البداية، لكن السلطان بايزيد رد عليهم بقواته الاحتياطية. فقد اندفع الفرسان الفرنسيون مسرعين باتجاه العثمانيين، وانفصلوا عن قوات الدعم من المشاة المجريين البطيئة حتى بَعُدت المسافة بينهم بسبب غرور الفرنسيين وسعيهم لضمان مجد النصر حصراً لأنفسهم دون المجريين. وعندها أمر السلطان بايزيد بشنِّ هجومٍ مضادٍ على الفرسان، واستطاع تدميرهم وسحقهم تماماً، ولما وصل المشاة المجريون لاحقاً إلى ساح القتال متأخرين بفاصل زمني حاولوا يائسين دعم الفرنسيين المندحرين، لكنهم -في غفلةٍ منهم- لم يلحظوا تحرك سلاح الفرسان العثماني الخفيف للالتفاف سريعاً حول جموع الصليبيين، وبإحكام الالتفاف حُصر الصليبيون وسط العثمانيين الذين أعمَلوا فيهم القتل وأبادوهم. كان سيغيسموند ملك المجر من بين القلائل الذين نجحوا في الفرار من المعركة والتجأ إلى الأسطول الراسي في النهر. بعد انتهاء المعركة اختار العثمانيون من الأسرى الصليبيين الشبابَ الذين قُدّرَ بأنهم دون سن العشرين، وأرسلوهم ليعيشوا في كَنَفِ أُسَرٍ عثمانية. يُشار إلى تلك المعركة بأنها آخر الحملات الصليبية واسعة النطاق في العصور الوسطى، هي وحملة ڤارنا الصليبية (1443م-1444م) التي تلتها، والتي انتهت أيضاً بانتصار العثمانيين ومهَّدت لفتح القسطنطينية بعدها بإحدى عشرة سنةً (1453م). سُمِّيَت معركة نيقوپوليس على اسم حصن وقلعة نيقوپوليس الواقعة على ضفاف نهر الدانوب (الطونة) في الأراضي البلغارية حالياً. جميع الروايات المكتوبة عن المعركة غيرُ مؤكدةٍ تماماً؛ وينقسم تقييم المؤرخين حول أحداثها بشدةٍ، وفي كثير من الأحيان يتحيّزون وفقاً لأصولهم وانتماءاتهم، بل إن يوم المعركة نفسه غير مؤكد، فالعديد من المؤلفين ومعظمهم من الأنجلوساكسون يعتبرونها وقعت يوم 25 سبتمبر؛ وفي الأدب التاريخي المجري يرجع تاريخها في الغالب إلى 28 سبتمبر، وتشترك معه بعض المصادر الأخرى بأن وقوعها كان يوم 28 سبتمبر 1396م.
== خلفية الصراع == وقعت في القرن الرابع عشر الميلادي العديد من الحملات الصليبية الصغيرة التي قام بها ملوك أو فرسان منفردون، فكانت الحملة الصليبية الفاشلة على المهدية في تونس عام 1390م، وكانت هناك حروب صليبية مستمرة في شمال أوروپا على طول ساحل البلطيق ضد الشعوب الوثنية، ولكن كان من الواضح أنه لا بد من إيقاف الزحف العثماني المتواصل من أجل سلامة أوروپا المسيحية.
انتصر العثمانيون في معركة قوصوه عام 1389م، وتوالت عقبها الفتوحات العثمانية سريعةً تجتاح معظم بلاد البلقان حتى فصلوا مدينة القسطنطينية عن توابعها النائية، وقلّصُوا أملاك الإمبراطورية البيزنطية إلى المنطقة المحيطة بعاصمتها مباشرة، وضرب السلطان العثماني بايزيد الأول عليها الحصار من عام 1394م وحتى 1402م. في عام 1394م (وفي مصدرٍ آخرَ 1393م) فتح العثمانيون نيقوپوليس العاصمة المؤقتة للقيصر البلغاري يُوحنَّا شيشمان، وضُمّت بذلك بلغاريا إلى الدولة العثمانية، وأسر العثمانيون قيصرها يُوحنَّا شيشمان وأعدموه في 3 يونيو/حزيران 1395م لتعاونه مع العدو، بينما ظلّ شقيقه يُوحنَّا ستراتسيمير البلغاري متماسكاً أمام الهجوم العثماني في قلعة ڤيدين التي سرعان ما تحولت إلى دولةٍ تابعةٍ للدولة العثمانية تدفع خراجاً سنوياً لها. وبانضمام تلك الدولة الواقعة بين مملكة المجر والدولة العثمانية إلى العثمانيين أصبحت هاتان الدولتان جارتين وباتت بينهما حدود مشتركة للمرة الأولى. بعد تصفية المملكة البلغارية الضعيفة أضحتِ الدولة العثمانية تتحمّل المسئولية المباشرة عن حماية الحوض الأسفل الجنوبي لنهر الدانوب، حيث وُجدت مملكة المجر على الضفة الشمالية من النهر، وبذلك تمدَّد خط المواجهة الفاصل بين الإسلام والمسيحية شيئاً فشيئاً لصالح الإسلام نحو المجر، وأصبحت الأخيرة هي خط الحدود الفاصل بين الديانتين في أوروپا الشرقية. كان المجريون في خطر التعرض للهجوم مما هدد المجر إذ باتت متاخمةً للدولة العثمانية وخشي الملك سيغسموند أن يحل ببلاده ما حلّ ببلغاريا فأرسل إنذاراً إلى السلطان بايزيد الأول بالجلاء عن بلغاريا، واستنجد بأوروپا مُدركاً أنه لا طاقة له وحده على مجابهة العثمانيين. كان الملك سيغيسموند منذ توليه عرش المجر عام 1387م يسعى إلى دعم العالم الغربي المسيحي في القتال ضد العثمانيين الذين كانوا يتقدمون بشكلٍ مطّردٍ شمالاً لمدة نصف قرن، وقد وصلوا بالفعل إلى الحدود المجرية. تلقى سيغيسموند مساندة أميري الأفلاق والأردل (ترانسيلفانيا) وتأييدهما على الرغم من كراهيتهما للمجر، إذ إن تخوّفهما من الزحف العثماني حملهما على تأييد الحملة الصليبية المزمعة. خشيت جمهورية البندقية من أن السيطرة العثمانية على شبه جزيرة البلقان -والتي شملت أراضٍ للبنادقة مثل بعض أنحاء المورة ودالماسيا- ستقلل من نفوذها على بحار الأدرياتيكي والأيوني وإيجة. ومن ناحيةٍ أخرى خشيت جنوا من سيطرة العثمانيين على نهر الدانوب والمضائق لأنها ستُفضي إلى سيطرتهم على طرق التجارة بين أوروپا والبحر الأسود، حيث للجنويين الكثير من المستعمرات مثل كفا وسينوب وأماصرة، كما امتلكت جنوا قلعة غلطة الواقعة شمال القرن الذهبي في القسطنطينية، والتي حاصرها السلطان بايزيد الأول عام 1395م. كذلك شارك نبلاء البويار البلغار الجمهوريات البحرية الإيطالية مخاوفها، واعتبروا حشد حملاتٍ صليبيةٍ جديدةٍ فرصةً لعكس مسار الفتح العثماني واستعادة البلقان من الحكم الإسلامي. وفي أغسطس فوّض الملك سيغيسموند أربعة فرسانٍ وأسقفاً بإعلانٍ لمحكمة باريس بالنيابة عنه، يُظهرون فيه وصفاً لكيفية غزو أربعين ألف جندي من العثمانيين للأراضي المسيحية وسلبها، وطلب بذلك نجدة المجر. استجاب مجلس النبلاء الفرنسيين استجابةً كبيرةً إلى الإعلان، وأعلن «مشير فرنسا» وعدد من الدول الأوروپية أن المشاركة في الحملة واجب على «كل رجل ذي شجاعة».
=== أسباب الحملة الصليبية === تجمعت عدة أسباب لدى الصليبيين حثّتهم على التجمّع رغم اختلافهم وانشغالاتهم، والتوحّد لوقف المدّ العثماني، ومن هذه الأسباب:
عبور العثمانيين نهر الدانوب (الطونة) ودخولهم الأراضي البلغارية والمجرية. استحواذ العثمانيين على أملاك الإمبراطورية البيزنطية. تهديد القسطنطينية تهديداً خطيراً، وفرض الحصار الدائم عليها، والتحكم في الخروج والدخول منها وإليها طيلة صيف 1395م. قيام السلطان بايزيد بتشييد قلعة أناضولي حصار المقابلة للقسطنطينية على الضفة الأخرى (الآسيوية) من جانب مضيق البوسفورمما يعني الوجود العسكري الدائم في تلك المنطقة، والسيطرة على الممر المائي كجزءٍ من استعداداته للحصار العثماني الثاني للقسطنطينية عام 1395م. محاولة العثمانيين السيطرة على بحر إيجة وإخراج اللاتين الكاثوليك منها.
=== أهداف الحملة الصليبية === وعلى الرغم من افتقار الصليبيين إلى الخطط التفصيلية، إلا أن التصور العام لأهداف الحملة كان:
طرد العثمانيين من البلقان. ثم الذهاب لمساعدة القسطنطينية المُحاصَرة. ثم عبور مضيق الدردنيل والسير عبر الأناضول والشام. ثم تحرير فلسطين والقبر المقدس (كنيسة القيامة) من المماليك المسلمين. وأخيرا العودة بالنصر إلى أوروپا عن طريق البحر.
تكوين الحلف الصليبي
كانت البابوية في عام 1394م لا تزال منقسمةً إلى فصيلين متناحرين، أحدهما يقع في أبينيون بفرنسا والآخر في روما. وعلى الرغم من أن الانشقاق قسّم البابوية الغربية إلى قسمين ووُجد بابوات متنافسون في كلتا المدينتين سالفتيّ الذكر، وأن الأيام التي كان للبابا فيها سلطة استدعاء حملة صليبية قد ولّت منذ زمن بعيد، إلا أن البابا بونيفاس التاسع أعلن شن حملة صليبية جديدة ضد العثمانيين، ولكن -وبسبب الانشقاق الكنسي الذي ألحق ضرراً كبيراً بسلطة البابوية- لم تلق تلك الدعوة استجابةً واسعةً مثل الحملات السابقة واسعة النطاق. وعلى أي حال فإن سقوط الإمبراطورية البلغارية الثانية، وقبول الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني بشروط السلطان العثماني بايزيد القاسية كانا بمثابة جرس إنذارٍ قويِّ لكل الأوروبيين وبخاصةٍ ملك المجر سيغيسموند والبابا بونيفاس التاسع. أدرك البابا بونيفاس التاسع أنه إذا تعرضتِ المجر لهزيمة كبرى من العثمانيين، فلسوف يكون الطريق إلى قلب أوروپا مفتوحاً أمام المدّ الإسلامي إليها، فاتفق الرجلان على تكوين حلف صليبي جديد لمواجهة الحملات العثمانية المُرسلة، واجتهد الملك سيغيسموند لتضخيم حجم هذا الحلف وتدويله، بإشراك أكبر قدر ممكن من الدُول المسيحية المختلفة، وبالفعل جاء الحلف ضخماً يضم مائةً وثلاثين ألف مقاتلٍ (بحسب تقدير المؤرخ «شُكرُ الله» العثماني من القرن الخامس عشر الميلادي) من مختلف الجنسيات تحت إمرة سيغيسموند ملك المجر. كان العاملان الحاسمان في تشكيل الحملة الصليبية هما:
حرب المائة عام الجارية بين إنجلترا في عهد ريتشارد الثاني وفرنسا في عهد شارل السادس. دعم فيليپ الثاني دوق بُرغُونية في رغبته بخروج حملة صليبية تحت رعايته على الرغم من تقدمه في السن.
هدنة حرب مائة العام
شكّلت الحرب القائمة بين الملك الإنجليزي ريتشارد الثاني والملك الفرنسي شارل السادس حدثاً مهماً لعب دوراً في الإعداد للحملة. ففي عام 1389م هدأت الحرب بين إنجلترا وفرنسا في إحدى هدناتها المتكررة، واستمرت تلك الهدنة لسنواتٍ عديدةٍ، حتى إنه في مارس 1395م اقترح ريتشارد الثاني الزواج من إيزابيلا ابنة شارل السادس من أجل إحلال السلام بينهما، والتقى المَلِكان في أكتوبر 1396م على حدود كاليه للموافقة على السلم بينهما وإطالة هدنة لولينغيم (الإنجليزية: Truce of Leulinghem).
==== تمويل دوق بُرغُونية للحملة ==== كان دعم بُرغُونية أمراً حيوياً أيضاً وسط النبلاء الفرنسيين. في عام 1391م قرَّر فيليپ الثاني دوق بُرغُونية إرسال حملة صليبية إما إلى بروسيا (على ساحل البلطيق) وإما إلى المجر، فأرسل مبعوثه «غي دي لا تريموايّ» (الفرنسية: Gui de La Trémoïlle) إلى البندقية والمجر لتقييم الوضع. كان تصور فيليپ الثاني البُرغُوني في البداية أن يقود حملةً صليبيةً هو ولويس الأول دوق أُرليانش ويُوحنَّا غنط دوق لانكستر على أن أيّاً منهم لم ينضمَّ إلى الحملة الصليبية في نهاية المطاف. لم يكن من المرجح أن يُعتبر «الدفاع ضد العثمانيين» هدفاً مهماً خصوصًا للحملة الصليبية، بل كان اهتمام فيليپ الثاني البُرغُوني من رعاية الحملة الصليبية هو زيادة سطوته ومجده الشخصي ومجد عائلته، وتقول المؤرخة بربارة توكمان: «بِمَا أَنَّهُ كَانَ أَمِيراً يَسْعَى لِتَضْخِيمِ ذَاتِهِ، كَانَتْ اَلنَّتِيجَةُ أَنَّ إِبْرَازَ ثَرَاءَهُ هُوَ اَلسِّمَةُ اَلسَّائِدَةُ؛ أَمَّا اَلْخُطَطُ، وَالدَّعْمُ وَالْإِسْنَادُ، وَالِاسْتِخْبَارَاتُ عَنْ اَلْعَدُوِّ فَقَدْ جَاءَ كُلُّ هَذَا فِي اَلْمَرْتَبَةِ اَلثَّانِيَةِ». في عام 1394م حصَّل فيليپ الثاني البُرغُوني مائة وعشرين ألف جنيه من الضرائب من منطقة الفلمنك، وفي مصدرٍ آخرَ سبعُمائة ألف فرنك ذهبي، وهو تمويل كافٍ لبدء الاستعدادات لحملة صليبية، فأرسل في يناير 1395م إلى الملك المجري سيغيسموند يخبره بأن التقدم بطلب رسمي لشارل السادس ملك فرنسا أمر مقبول بالنسبة له. وعليه وصل وفد سيغيسموند ملك المجر المكوّن من أربعة فرسانٍ وأسقفٍ إلى بلاط بريش في أغسطس ليشرح كيفية قيام أربعين ألف جندي عثماني بنهب الأراضي المسيحية وتعريضها للخطر، ثم طلب الوفد المساعدةَ نيابةً عن سيغيسموند ملك المجر.
==== دعم ملك فرنسا العسكري ==== كان شارل السادس في أريحيّةٍ من أمره بعدما حقق السلام مع إنجلترا من خلال زواج ابنته من ملك إنجلترا، وبعدما أمِن جانبَ الإنجليز بتمديد الهدنة معهم، فأجاب وفدَ ملك المجر بأن حماية المسيحية والاقتصاص من السلطان بايزيد الأول هي مسؤوليته، وبناءً على ذلك الرد الواضح من الملك الفرنسي استجاب تباعاً النبلاء الفرنسيون وبحماسٍ للإعلان وتوالى انضمامهم للحملة؛ وأعلن كندسطبل فرنسا: فيليپ الأرتوائي قُمَّس «أو» (Count of Eu)، ومشير فرنسا يُوحنَّا مينجر المعروف أيضاً باسم «بوسيكو» (Boucicaut) أن المشاركة في الحملة الصليبية واجبة على كل «رجل شجاع».
القوّات المتحاربة
هناك اختلاف كبير حول تقييم عدد المقاتلين من كلا الطرفين وهو أمر مُتنازع عليه بشدة في الروايات التاريخية. تُشير المؤرخة بربارة توكمان إلى أن «اَلْمُؤَرِّخِينَ اعْتَادُوا مُوَاءمَةَ اَلْأَرْقَامِ مَعَ شِدَّةِ هَوْلِ اَلْحَدَثِ»، واعتبرت أن معركة نيقوپوليس مهمة جداً لدرجة أن عدد المقاتلين الذين ذكرهم مؤرخو العصور الوسطى يصل إلى أربعمائة ألف امرئٍ، مع إصرار كل جانبٍ على أن عدوه يفوقه عدداً بالضِّعف، مما قدَّم للصليبيين بعض العزاء لهزيمتهم النكراء، وزاد العثمانيين في مجد انتصارهم الحاسم. رفضت المؤرخة بربارة توكمان الرقم المُقدّر في كثيرٍ من الأحيان وهو مائة ألف صليبي، وأشارت إلى أن مائة ألف رجلٍ كانوا سيستغرقون شهراً لعبور نهر الدانوب عند أخدود منطقة «البوابات الحديدية» (الإنجليزية: iron gates)، بينما استغرق الصليبيون ثمانية أيامٍ لإتمام العبور بحسب المصادر. شهد الشاب الألماني يوحنا شيلتبرجر المعركة وهو في السادسة عشر من عُمره، وكان يومها تابعاً شخصياً لأحد النبلاء الباڤاريين، فسجّل عنه أقرب روايةٍ وصلت للباحثين عن قائد صليبي من الصف القيادي الأول في الحملة، وكان شيلتبرجر قد أسَرَه العثمانيون ولم يقتلوه لأنهم أبقوا على حياة كل من لم يبلغ العشرين من أسرى المعركة، فعاش شيلتبرجر مع أسرةٍ عثمانيةٍ مثل بقية الشباب الأسرى الصليبيين لثلاثين عاماً قبل أن يعود إلى وطنه، ثم كتب سرداً للمعركة قدَّر فيها قوة الصليبيين في المعركة النهائية بسبعة عشر ألف رجل، ولكنه بالغ أيضاً في تقدير القوات العثمانية مبالغةً كبيرةً باعتبارهم مائتيّ ألف جندي. حاول بعض المؤرخين الألمان في القرن التاسع عشر تقدير حجم المقاتلين من كل جانب، واستنتجوا في تقديرهم أن عدد الصليبيين كان يتراوح ما بين سبعة آلاف وخمسُمائة إلى خمسة عشر ألف جندي، مقابل ما بين اثنا عشر ألفاً إلى عشرين ألف جندي عثماني، مع الإشارة إلى أنه من وجهة النظر اللوجستية كان من المستحيل على الريف المُحيط بنيقوپوليس أن يوفر الغذاء والأعلاف لعشرات الآلاف من الرجال والخيول، إذ كانت جيوش العصور الوسطى تحصل على الإمدادات الغذائية من المنطقة المحيطة بها أثناء سيرها بدلاً من خطوط الإمداد والتموين كما في الجيوش الحديثة. وقدّر مؤرخون ألمان آخرون من القرن التاسع عشر المقاتلين ما بين سبعة آلاف وخمسُمائة رجلٍ وتسعة آلافٍ من الجيوش المسيحية مقابل ما بين اثنا عشر ألفاً وعشرين ألف من العثمانيين المسلمين. كذلك ورد في أحد المصادر أنه من المرجح أن عديد الجيش الفرنسي البُرغُوني تراوح ما بين سبعُمائة إلى ألف رجلٍ فقط بدلاً من عشرة الآلاف المقدّرة سابقاً. ويتضح من الأمثلة السابقة أن تقديرات المؤرخين قد تباينت تبايناً كبيراً خلال أربعة قرون، وهو ما يوضحه جدول التقديرات أدناه.
=== الصليبيون === قيل إن قُرابة خمسة آلاف فارس وإقطاعي من فرنسا انضموا للحملة، وكان برفقتهم ستة آلاف من أفضل فرق المتطوعين والمرتزقة من الرماة والجنود المشاة؛ وقد بلغ مجموعهم قُرابة أحد عشر ألف رجل. تلاهم في الأهمية فرسان رودس المعروفون بفرسان الإسبتارية، حاملي لواء المسيحية في بلاد الشام بعد انحدار الإمبراطورية البيزنطية ومملكة قبرص. وقدَّمَت البندقية أسطولاً بحرياً للدعم، بينما شجع المبعوثون المجريون الأمراء الألمان في راينلاند وباڤاريا وساكسونيا وأجزاءٍ أخرى من الإمبراطورية على الانضمام. وأعلن المُنادون الفرنسيون عن الحملة الصليبية في بولونيا وبوهيميا وشمال إسبانيا في نبرة وقشتالة، فجاء من تلك المناطق كلها متطوعون انضموا للحملة. وانخرطتِ الدويلات الإيطالية كعادتها في تنافساتها المحمومة على المشاركة. ومن الواضح أن الأرقام المبالغ فيها تتكرر بين المصادر، وذلك يشمل تقديراتٍ تقع ما بين ستة آلافٍ واثني عشر ألف جندي مجري، وأحد عشر ألف جُنديٍّ من قواتٍ فرنسيةٍ وإنجليزيةٍ وبُرغُونيَّةٍ، واثني عشر ألفاً من الأفلاقيين بقيادة ميرݘه العجوز أمير الأفلاق وهو مسيحي أرثوذكسي، وستة آلاف ألماني وما يقرب من خمسة عشر ألف هولندي، وبوهيمي، وإسباني، وإيطالي، وبولوني، وبلغاري، واسكتلندي، وقواتٍ سويسريةٍ على الأرض، بدعم أسطولٍ بحريٍّ من البندقية وجنوا وفرسان الإسبتارية. ينتج عن هذه الأرقام مجموعٌ يتراوح ما بين سبعةٍ وأربعين ألف جنديٍّ وتسعةٍ وأربعين ألفاً؛ مما يصل بالمجموع الكلي إلى مائةٍ وعشرين ألفاً أو مائةٍ وثلاثين ألفاً، وذلك وفقاً لمصادرَ عديدةٍ أخرى مثل تقدير المؤرخ العثماني شكر الله الذي قدّر في كتابه «بهجة التواريخ» (التركية: Behçetu't-Tevârih) -في ستينيات القرن الرابع عشر- تعدادَ الجيش الصليبي بحوالي مائةٍ وثلاثين ألف رجلٍ. ذكر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا أن الجيش المجري وحده تكون من ستين ألف جندي، يليهم في التعداد عشرة آلاف فرنسي بقيادة يوحنا الجسور قُمَّس نيڤير. وذكر المؤرخان التركيان أحمد آق كوندوز وسعيد أوزتورك أن ملك المجر نجح في جمع سبعين ألف جندي صليبي من عدة دولٍ معاديةٍ للعثمانيين، ثم -وبعد اجتيازه نهر الدانوب- توالى الالتحاق بهذا الجيش حتى وصل تعداده إلى مائةٍ وثلاثين ألفاً.
الإنكليز
ذُكرت على نطاق واسع مسألة مشاركة القوات الإنجليزية في تلك الحملة، ولكنها لم تحدث في الواقع بحسب التقصّي والقرائن، فقد جاء ذِكر مشاركة ثلاثة آلاف فارسٍ إنجليزيٍّ من قبل أنطونيو فيورنتينو المعاصر، وهو ما اعتبره المؤرخ عزيز سوريال عطية ومن تبعوه على أنه حقيقة بدون ذكر أي دليل أو مرجع تاريخي. من الناحية الفعلية -وبحسب ذلك الزمان- فإن وجود ألف فارسٍ في الجيش يلزمه «ما بين أربعةٍ إلى ستة آلاف رجلٍ وضعفهم على الأقل من الخيول»، وذلك بإحصاء الجنود المشاة المصاحبين للفرسان وغيرهم من التابعين القائمين على خدمة الخيول وخدمة الفرسان وتدريعهم. وبالتحقيق العملي لا توجد سجلات للإِجرَاءَات المالية في إنجلترا تثبت إرسال قوةٍ عسكريةٍ إلى الخارج في تلك الفترة، ولا يوجد أي ترتيبٍ مَلَكِيٍّ لتنظيم مثل هذه القوة وإرسالها. والتقارير الخاصة بهنري الرابع ملك إنجلترا أو «ابن دوق لانكستر» الذي قاد فرقة إنجليزية في الحملة هي تقارير زائفة، لأن أسماء الملك هنري الرابع وابن دوق لانكستر بالإضافة إلى النبلاء المهمّين جميعاً وُجدت مدونةً في سجلات الحضور التاريخية الخاصة بحفل زفاف الملك الذي جرى بعد خمسة أشهر من خروج الحملة الصليبية وتحركها، مما يثبت أنه لم يخرج في هذه الحملة. اعتقد المؤرخ عزيز سوريال عطية أيضاً أن استحضار القديس جرجس كصرخة حربٍ في نيقوپوليس يدل على وجود الجند الإنجليز الذين كان جرجس قديساً شفيعاً لهم؛ لكن الكاتب الفرنسي جين فروسارت -الذي ذكر هذه الصيحة- أورد بأنها كانت صيحة حربٍ صاح بها الفارس الفرنسي فيليپ الأرتوائي قُمَّس «أو»، أي إنها لم تكن صيحة حربٍ لأحد الجنود الإنكليز. علاوةً على ذلك لم يكن هناك أي جمعٍ لأموال الفدية في إنجلترا لافتداء الأسرى كما حدث في كافة الدول الأخرى التي أرسلت قواتٍ إلى المعركة. قد يُنسب -بصورةٍ انفراديةٍ- في بعض الروايات المعاصرة أن وجود اللغة الإنجليزية بين بعض أفراد الحملة كان بسبب بعض فرسان الإسبتارية -ممّن تحدثوا بها كلغةٍ أمٍّ- وانضموا إلى رفاقهم في الحملة بعد مغادرة جزيرة رودس -وكانت مقر الإسبتارية وقتئذٍ- والإبحار باتجاه نهر الدانوب. تشمل الأسباب المحتملة للغياب الإنجليزي التوترَ المتزايدَ بين كلٍّ من الملك هنري الرابع ودوق غلوسستر (الإنجليزية: Duke of Gloucester). ربما كان هذا التوتر هو ما أقنع الاثنين بأن من الأفضل لهما إبقاء مؤيديهما قريبين من كلٍّ منهما، وأيضاً البغضاء والكراهية التي سببتها الحرب الطويلة بين الإنكليز والفرنسيين، مما أدى إلى رفض الإنجليز للانضواء تحت راية حملةٍ صليبيةٍ بقيادة فرنسا بغضِّ النظر عن السلام الذي توصلوا إليه مؤخراً قبيل الحملة.
العثمانيون
تُقدَّر القوات العثمانية بما بين خمسة عشر ألفاً وعشرين ألف رجل؛ لكن الأرقام المُضخَّمة شائعة هنا أيضاً. يُقدِّم العديد من المصادر تقديراتٍ لحجم الجيش العثماني تصل إلى ستين ألف جندي بما في ذلك المؤرخ العثماني شكر الله الذي كتب هذا في مُؤلَّفه «بهجة التواريخ» (التركية: Behçetu't-Tevârih) في ستينيات القرن الرابع عشر؛ أي ما يعادل نصفَ عديدِ الجيش الصليبي تقريباً. كما ضمتِ القوة العثمانية ألفاً وخمسمائة فارسٍ وقيل خمسة آلافٍ من سلاح الفرسان الثقيل الصربي تحت قيادة الأمير أسطفان لازاريڤيتش الذي كان صهر السلطان بايزيد الأول وتابِعَهُ منذ معركة قوصوه عام 1389م.
قُدّر جيش السلطان بايزيد بستين ألف رجلٍ في كتب التاريخ، وفي الواقع يمكن أن يكون هناك حوالي نصفهم فقط. كان سلاح الفرسان التابع للجيش العثماني يتكون من فرسان السپاهية المدرّعون العثمانيون، وخمسة آلافٍ من سلاح الفرسان الثقيل الصربي التابع للأمير أسطفان لازاريڤيتش، وكانت القوة الضاربة الرئيسية للمشاة العثمانيين هي جنود الإنكشارية الذين كانوا للحماية التكتيكية. وذكرت بعض المصادر أن جيش العثمانيين بلغ تعداده قرابة تسعين ألف جندي أو مائة ألف. ذكر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا أن السلطان بايزيد الأول قد وصل إلى ترنوة ومعه سبعين ألف جندي، وكان قد أرسل عشرين ألف جنديٍّ آخرين إلى ممر شِبقا لم يشتركوا في المعركة. معظم الوحدات الأخرى كانت عثمانية غير نظامية، ومنها:
مشاة العَزَب: وهم وحدات المشاة الخفيفة، مشاة عساكر الإيالات في الدولة العثمانية، وكانوا نوعاً من الميليشيات المكوّنة من الفلاحيّن الشباب غير المتزوجين الذين يخدمون في الجيش العثماني بصفتهم مشاةً غير نظاميين في الجيش العثماني. وكانوا متطوعةً لا يحصلون على رواتبَ إلا أثناء الحملات، ولهم حرية مغادرة الجيش متى أرادوا. كان الدور الرئيسي للعَزَب هو القتال كمشاةٍ رماةٍ على الرغم من أنهم كانوا في كثيرٍ من الأحيان فرساناً أيضاً، وكان لدى العَزَب كمتطوعين مجموعة واسعة من الأسلحة. فرسان الآقنجية: وهم وحدات سلاح الفرسان الخفيفة في التنظيم العسكري للدولة العثمانية في المناطق الحدودية، وكانوا ذا تدريبٍ رفيعٍ وانضباطٍ عالٍ، ولا يعسكرون مع الجيش النظامي، ولكن الصليبيين نظروا إليهم بازدراءٍ، رغم أنهم تلقَوْا تدريباً كُفُواً لمحاربة الجيش الأوروپّي المعاصر. ونظراً لخفّتهم وسرعتهم ومهارتهم أُرسل الفرسان الآقنجية خفيفي الحركة إلى الأمام أثناء المعركة كطُعمٍ بحيث تنتظر وراءَهم في الصف الثاني قوات الإنكشارية يتربصون للاشتباك.
الاستعدادات العسكرية
التحالف الصليبي
ذكر المؤرخ التركي يلماز أوزتونا أن الجيش الصليبي كان مكوناً من جنودٍ جيدين إلا أنهم لم يشهدوا معركةً بهذا الحجم من قبل، وأنهم اعتادوا على قتال خمسة أو عشرة آلاف رجلٍ وجهاً لوجه على أكثر تقديرٍ، كما أن كلاً منهم كان يجهل لغة الآخر، ويجهلون تكتيك الحرب العثماني.
البُرغُونيون: وقع النصيب الأوفى في التحضير للحملة على عاتق دوقية بُرغُونيا إحدى أقوى الدوقيات الأوروپية، إذ شكلت القوات البُرغُونيَّة الفرنسية الجزء الأكبر من القوات الصليبية جمعاء. تألَّف جيش دوقية بُرغُونيا من مفارزَ من الفرسان المدججين بالسلاح القادرين على القتال من على متون الخيل، والمشاة الرجًالة، وجزء كبير منها مفارز للرماة والقوس والنشَّاب. طوَّر البُرغُونيون أيضاً مدفعيةً بحسب الإمكانات المتوفرة ذلك العصر، كما كان الجيش البُرغُوني مصحوباً بالعديد من عربات النقل مع العديد من الخدم. كانت الروح المعنوية للقوات البُرغُونية مرتفعةً جداً، ويرجع ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ إلى أن الفرسان اعتبروا مشاركتهم في هذه الحملة الصليبية شرفاً كبيراً. كان عداء الفرنسيين نحو المسيحيين الروم «المنشقين» (الأرثوذكس) ونحو المسلمين معروفاً جيداً، وقد لعب هذا دوراً في رفع الروح المعنوية للحملة. المجريون: خضع الجيش المجري لتغييراتٍ كبيرةٍ في القرن الرابع عشر، وكان يتألف بشكل أساسي في تلك الحملة من مفارزَ مدججةٍ بالسلاح من الإقطاعيين المجريين مُنظمين وفقاً للنموذج الأوروپي الغربي. وكان هذا الجيش مصحوباً بالعديد من سلاح الخيالة الخفيف جزء كبير منها من الفرسان الرماة، بالإضافة إلى مليشيات من مختلف القبائل والعشائر في إمارة الأردل (ترانسيلڤانيا) ومقاطعات الجنوب السلاڤية. الأفلاقبون: كان الصليبيون حلفاءً للأفلاق الذين مثلت قواتهم جزءاً كبيراً في الحملة. تشكلت قوات الأفلاق من متطوعينَ من القبائل الرعوية البدوية التي تنتجع في الجبال والسفوح، وكانوا يُعتبرون ذلك الوقت أفضل المحاربين في شبه جزيرة البلقان، وهم في الأساس من الرماة الخيالة. الألمان: تألفت الوحدات الألمانية كذلك في الغالب من الفرسان المدججين بالسلاح الذين كانت منظمتهم العسكرية نسخةً من تلك الخاصة بالفرنسيين. الإسبتارية: كان أكثر المؤيدين المتعصبين للحملة هم فرسان الإسبتارية الذين شكلوا قوةً مهمّةً في قوات التحالف. البنادقة: كان للقوات الصليبية كذلك تفوق شبه كاملٍ في البحر بفضل مساعدة أساطيل حلفائها؛ جمهوريتا البندقية وجنوا الإيطاليتين.
العثمانيون والتابعون لهم
العثمانيون
على عكس جيوش الدول الأوروپية الصليبية تميز الجندُ العثمانيون بالانضباط والالتزام وبروح الطاعة لأوامر رؤسائهم، مما أكسبهم الاحترامَ حتى من أعدى أعدائهم. كان العثمانيون جيّدي الإعداد، ويعرفون نقاط ضعف الفرسان الصليبيين.
كانت مداخيل بعض الجنود العثمانيين تأتي من ممتلكاتهم الممنوحة لهم من الدولة العثمانية بحسب نظام التيمار الذي منحهم أرضاً مقابل وظائفَ يؤدونها للدولة، كما كان بعضهم الآخر يتلقى راتباً دائماً من الدولة العثمانية. كانت القوات العثمانية القادمة من الأناضول في شرق الدولة العثمانية تتبع بكلربك الأناضول، بينما كانت قوات غرب الدولة العثمانية من البلقان تتبع بكلربك الروملي، أما المحاربين من المقاطعات فكانوا تحت قيادة بكوات السناجق (ولاة المقاطعات العثمانية). وكانت أفواج النخبة في الحرس العثماني ممثلة بقواتٍ من الأناضول ومفارزَ أُرسلت من البلقان. تمثلتِ القوة الضاربة الرئيسية للجيش العثماني في سلاح الخيالة الذي تألف جزء كبير منه من مفارز الرماة الفرسان الخفيفة ممن جُنِّدوا من مختلف القبائل الناطقة بالتركية، ومعظمهم من فرسان الآقنجية الخفيفة من المناطق الحدودية، ومعهم عدد كبير من ممثلي الإقطاعية المسيحية العسكرية. جُنِّد أيضاً بدوٌ رعاةٌ من قبائل جبال البلقان البلغارية في فرسان الآقنجية الخفيفة، وكان أولئك المحاربون على معرفةٍ وافيةٍ بالتضاريس في منطقة المعركة، ما وفّر عاملاً حيوياً لإنجاح خطة المعركة. تكوَّنّ قلب الجيش العثماني من فِرَقٍ إقطاعيةٍ من فرسان السپاهية المدرعة الثقيلة تحت القيادة المباشرة للسلطان بايزيد الأول. كانت هذه الفرق وحدات مدربة ومسلحة جيداً وأكثر فرق سلاح الخيالة العثماني إعداداً للقتال، فيما تألف المشاة العثمانيون من رماة العزب المدججين بالسلاح والمُجنّدين من الفلاحين، بالإضافة إلى أفواج النخبة المشهورة من الإنكشارية. استُخدمت البنادق في هذه المعركة بحسب بعض الآراء، على أنَّ هذا غير محتملٍ، ولكن حتى لو كانت البنادق موجودةً فقد كان بإمكان عددٍ قليلٍ جداً من الجند الحصول عليها؛ أما الغالبية العظمى فكانوا لا يزالون يرمون بالقوس.
==== الصرب ==== قاتل الجيش الصربي إلى جانب العثمانيين تحت قيادة أسطفان لازاريڤيتش أمير الصرب المسيحي. كان الجيش الصربي عبارةً عن اتحادٍ لممثلي النخبة العسكرية شبه الإقطاعية ممن خدموا في سلاح الخيالة الثقيل، بالإضافة إلى العديد من المرتزقة الذين قدم معظمهم من إيطاليا التي اشترت منها الطبقة الأرستقراطية الصربية دروعاً وأسلحةً ثقيلة. كانت تكتيكات الفرسان الصرب في ساحة المعركة مشابهةً للتكتيكات العسكرية البيزنطية-البلغارية. كان بإمكان أسطفان لازاريڤيتش بصفته تابعاً للسلطان أن يختار الحياد السلبي في هذه المعركة مثلما فعل البلغار الذين وقعت المعركة في بلادهم، ولكنه كان يكره المجريين فاختار الشكل الفعّال من الولاء لسيده السلطان المسلم العثماني وشارك بقواته في المعركة معه.
قادة الجيوش
=== قادة الجيوش العثمانية === السلطان العثماني بايزيد الأول قائد الجيوش العثمانية. أسطفان لازاريڤيتش أمير الصرب، وكان تابعاً للدولة العثمانية بعد معركة قوصوه عام 1389م ونسيب السلطان بايزيد الذي كان متزوجاً من أخته ميليڤا أوليڤيرا لازاريڤيتش.
=== قادة الجيوش الصليبية === سيغيسموند ملك المجر. يوحنا الجسور (الفرنسية: Jean sans Peur)، قُمَّس نيڤير والقائد الأعلى للحملة الصليبية ابن فيليپ الثاني، دوق بُرغُونية وقُمَّس الفلمنك. وقع أسيراً في أيدي العثمانيين بعد قيادته المتهورة التي تسببت بالكارثة التي حلَّت بالحملة الصليبية. «غي دي لا تريموايّ» (الفرنسية: Gui de La Trémoïlle) المُلَقَّب بـ«الشجاع» (الفرنسية: Le vaillant) الوريث الأكبر لعرش بُرغُونية، والمستشار المفضل لفيليپ الثاني دوق بُرغُونية. لويس الفريزي من الفلمنك سيد پرايت ووُستين (الفرنسية: Seigneur de Praet et de la Woestine). جاك الثاني بوربون قُمَّس مقاطعة «لا مارش» (الفرنسية: Comte de la Marche) وقُمَّس «كاستْر» (الفرنسية: Comte de Castres). يُوحنَّا الڤيانّي (الفرنسية: Jean de Vienne) أمير البحار الفرنسي، وأكبر فارسٍ فرنسيٍّ في تلك الحملة الصليبية. يُوحنَّا مينجر (الفرنسية: Jean II Le Meingre) المعروف أيضاً باسم «بوسيكو» (Boucicaut)، والذي أصبح مشير فرنسا العام التالي بعد المعركة. جيفري الكاريمالي (الفرنسية: Geoffroy de Kerimel) مشير برطانية (بريتاني). فيليپ الأرتوائي «قُمَّس أُو» (الفرنسية: Comte d'Eu)، وكندسطبل فرنسا. غِليوم الثالث صاحب غونان (الفرنسية: Guillaume III de Guenand) من سادة «آل بورد» (الفرنسية: des Bordes) حامل لواء فرنسا. أونجورون الثالث لورد كوسي (الفرنسية: Enguerrand VII de Coucy). رونو دي رُويَه (الفرنسية: Regnaut de Roye) ياور الملك لشئون الغرفة (الفرنسية: Chambellan du Roi). فيليبار دو نائيّاك (الفرنسية: Philibert de Naillac) رئيس دير أقطانية (الفرنسية: Prieur d'Aquitaine)، ومن فرسان الإسبتارية. نقولا الثاني جارائي (المجرية: Garai Miklós) كبير البلاط الملكي المجري. ميرݘه العجوز (الرومانية: Mircea cel Bătrân) أمير الأفلاق. هنري حاكم دوقية بار (الفرنسية: Henri de Bar) زوج ابنة أونجورون الثالث لورد كوسي. أسطفان الثاني لاكوڤيتش (بالكرواتية: Stjepan II. Lacković Čakovečki) بان الكروات. ڤوك برانكوڤيتش (الصربية: Вук Бранковић) سيّد إقطاعي صربي. هامبرت الساڤوائي (الفرنسية: Humbert de Savoie)، ولقبه «دَعِيّ ساڤوا» أي الابن غير الشرعي (الفرنسية: Bâtard de Savoie)، وهو الأخ غير الشقيق لأماديو الثامن، دوق ساڤوا. يُوحنَّا ستراتسيمير البلغاري (البلغارية: Иван Срацимир) قيصر ڤيدين.
مسير جيش الصليبيين
بينما خطط فيليپ دوق بُرغُونية بدايةً لقيادة الحملة الصليبية مع يُوحنَّا غنط دوق لانكاستر ولويس الأول دوق أُرليانش إذ انسحب الثلاثة بدعوى أن مفاوضات السلام مع إنجلترا تتطلب وجودهم في بلادهم. ولكن في الواقع لم يجرؤ أحدٌ منهم على مغادرة عرشه إذا بقي منافسوهم الرئيسيون في بلادهم. ومع ذلك احتفظ فيليپ دوق بُرغُونية بالسيطرة على الحملة التي كان يمولها من خلال تسمية ابنه الأكبر يُوحنَّا الجسور قُمَّس نيڤير (الإنجليزية: John, Count of Nevers) للقيادة الشكلية للحملة. وأغلب الظن أن فيليپَ دوق بُرغُونية أدرك أن ابنه البالغ من العمر 24 عاماً، وكذلك «كندسطبل فرنسا» فيليپ الأرتوائي قمّس «أو» وأيضاً مشير فرنسا يُوحنَّا مينجر (ويُدعى بوسيكو) -اللذين كانا في سنٍّ أقل من 35 عاماً- يفتقرون جميعاً إلى الخبرة اللازمة، ولهذا استدعى أونجورون الثالث لورد كوسي (الإنجليزية: Enguerrand VII, Lord of Coucy) المحارِب ورجل الدولة الأكثر خبرةً في المملكة، وأقنعه بعد إلحاحٍ بأن يكون «المستشار الرئيسي» لابنه يُوحنَّا الجسور قُمَّس نيڤير خلال الحملة، وقد ثبت لاحقاً معضلة هيكل القيادة الصليبية في أنها كانت عنصراً حاسماً في نتيجة الحملة والكارثة التي حلّت على الصليبيين فيها، إذ لم يكن محاربو القرون الوسطى يعرفون مفهوم «وحدة القيادة العسكرية» بعد. أُعطي يُوحنَّا الجسور قُمَّس نيڤير قائمةً طويلةً من «المستشارين»، بالإضافة إلى قائمةٍ أخرى من اللوردات الفرنسيين البارزين المشاركين في الحملة الذين يمكن أن يتشاور معهم «عندما يستحسن ذلك». أُصدرت «قواعد الانضباط النظامية» للحملة الصليبية في مجلس الحرب يوم 28 مارس 1396م، وتضمن النصّ النهائي لهذه القواعد أن «العنصر الذي يراه القُمَّس ورفاقه أنه طليعي في الجيش» هو «الفروسية»، وبالتالي استمرت مطالبة الفرسان بإثبات شجاعتهم من خلال قيادتهم الهجوم.
=== الذهاب إلى بودا === انطلقت الحملة من مدينة ديجون الفرنسية في 30 أبريل 1396م متجهةً من طريق ستراسبورغ عبر باڤاريا إلى نهر الدانوب الأعلى، حيث استقلوا السفن النهرية، ووصلوا مدينة بودا المجرية للانضمام إلى سيغيسموند ملك المجر. ووُضعت الترتيبات بحيث يقوم أسطول من سفن البندقية بإعاقة العثمانيين في بحر مرمرة، وبأن يُبحر البنادقة عبر نهر الدانوب لمقابلة الصليبيين في الأفلاق في شهر يوليو.
لم يكن لورد «كوسي» أونجورون الثالث «المستشار الرئيسي» ليُوحنَّا الجسور قُمَّس نيڤير مع الجمع الصليبي وقت تحركهم للسفر، لأنه كان قد انتُدب في مهمة دبلوماسية منفصلة إلى جيان جالياتسو ڤيسكونتي دوق ميلانو الذي كان غاضباً من المناورات السياسية الفرنسية التي أزاحت جنوا من تحت نفوذه. كان جيان جالياتسو يحاول إيقاف عملية نقل سيادة جنوا إلى فرنسا، ولذلك أُرسل لورد «كوسي» إليه لتحذيره من أن فرنسا ستعتبر المزيد من التدخل في هذا الشأن عملاً عدائياً. وفي الحقيقة كان الخلاف أكبر من كونه خلافاً سياسياً فحسب، إذ إنه في شهر رحيل الحملة نُفيت ڤالنتينا ڤيسكونتي ابنة جيان جالياتسو الأثيرة لديه وزوجة دوق أُرليانش (أورليان) من بريش، بسبب مكائد الملكة إيزابو الباڤارية. هدد جيان جالياتسو ڤيسكونتي دوق ميلانو بإرسال فرسان للدفاع عن شرف ابنته، ولكن في أعقاب الكارثة التي حلت بالصليبيين في معركة نيقوپوليس ساد الاعتقاد بأن جيان جالياتسو نقل معلوماتٍ استخباراتيةٍ إلى بايزيد الأول عن تحركات القوات الصليبية. في الواقع لا يوجد دليل حاسم على هذه الفرضية، ومن المرجح أن جيان جالياتسو أصبح كبش فداءٍ بسبب العداء المستحكم بينه وبين فرنسا، وعلى الرغم من عدم الدليل على خيانته، إلا أن احتمالاً ما لا يزال قائماً بأن يكون دوق ميلانو -وهو الذي قتل عمه ليضمن سلطته- قد خان الصليبيين فعلياً. أتمّ لورد «كوسي» أونجورون الثالث مهمته الدبلوماسية كاملةً برفقة هنري حاكم دوقية بار وأتباعهما، ثم غادر ميلانو إلى البندقية حيث طلب سفينةً في 17 مايو لنقله عبر البحر الأدرياتيكي، ونزل في ميناء سينج الكرواتي في 30 مايو قبل اتخاذه الطريق برَّاً إلى مكان التجمُّع في مدينة بودا. تحركت القوات الكرواتية في يونيو بقيادة بان كرواتيا «نقولا الثاني جارائي» من بلدة نين الساحلية باتجاه بودا بعد جلسةٍ للبرلمان الكرواتي، وانضمت إلى الجيش الملكي المجري بقيادة سيغيسموند. وصل لورد «كوسي» أونجورون الثالث قبل يُوحنَّا الجسور قُمَّس نيڤير الذي توقف في نهر الدانوب الأعلى لحضور حفلات الاستقبال والاحتفالات التي أقامها الأمراء الألمان على شرفه، ولم يصل إلى ڤيينا حتى 24 يونيو، أي بعد شهر كامل من وصول مقدمة الجيش الصليبي بقيادة كندسطبل فرنسا فيليپ الأرتوائي قمّس «أو» ويُوحنَّا مينجر (بوسيكو) مشير فرنسا.
أُرسل أسطول مكون من سبعين سفينة بندقيةً محملةً بالمؤن إلى نهر الدانوب، بينما استمتع يُوحنَّا الجسور قُمَّس نيڤير بمزيدٍ من الحفلات التي أقامها صهره ليوپولد الرابع دوق النمسا. بعد ذلك طلب يُوحنَّا الجسور من صهره قرضاً فاحشاً قدره مائة ألف دوقيَّةٍ الأمر الذي استغرق وقتاً لتأمينه، ثم وصل في النهاية إلى بودا بحلول شهر يوليو.

