Military operations· عصر البارود· 1526

معركة موهاج

معركة بين العثمانيين والمجريين انتهت بهزيمة كارثية للمجر ظل أثرها قروناً

معركة موهاج أو موهاكس أو مُهاج أو موهاتش أو معركة سهل موهاكس (بالتركية العثمانية: مهاج) (المجرية: Mohácsi csata) (التركية: Mohaç Meydan Muharebesi)، وتُسمى حملة "انكروس" الثانية، (التركية: Engürüs seferi) أو حملة "أنكرس"، أي حملة "المجر" الثانية، كما تُدعى بحملة "موهاج". إحدى أكثر المعارك أهمية في تاريخ أوروپا الوسطى، انتهت بهزيمة ساحقة للمجر ونتج عنها فتح العثمانيين لمعظم أراضي مملكة المجر وبذلك رُسمت نهاية العصور الوسطى في المجر. جرت المعركة عصر يوم الأربعاء 29 أغسطس/آب 1526م الموافق 20 شهر ذي القعدة من عام 932 هجرية، بالقرب من موهاكس الواقعة بمملكة المجر جنوب دولة المجر الحالية بين القوات المجرية بقيادة الملك لويس الثاني وقوات الدولة العثمانية بقيادة السلطان سليمان القانوني، وانتهت بانتصار العثمانيين وسيطرتهم على جزء كبير من المجر. بدأت المعركة بين الساعة الواحدة والثانية ظهراً وانتهت بهزيمة ساحقة للمجريين. أدى الانتصار العثماني إلى تقسيم المجر لعدة قرون بين العثمانيين وملكية هابسبورغ وإمارة الأردل. علاوة على ذلك فإن وفاة لويس الثاني أثناء فراره من المعركة وغرقه في مستنقع تحت ثقل دروعه، كانت بمنزلة نهاية حُكم سلالة ياغيلون في المجر وبوهيميا، إذ لم يخلّف وريثًا، فآلت شرعية المطالبة بالعرش فيهما إلى آل هابسبورغ عبر زواج أخته آنا ياغيلون من فرديناند الأول. دخل العثمانيون الأراضي المجرية وعبروا نهر الطونة (الدانوب) ووصلوا بلغراد التي جعلوها قاعدة لأعمالهم الحربية وأسموها "دار الجهاد". وبينما بقي الملك لويس في عاصمته "بدون" (الاسم العثماني لمدينة: بودا من بوداپست) ينتظر قدومهم، حاصر العثمانيون عدة مدن وقلاع وفتحوها أثناء تقدمهم، فحاصروا قلعة وارادين ودخلوها في 15 يوليو/تمُّوز 1526م، وحاصروا قلعة ايلوق وفتحوها، وفتحوا قلعة أوسييك دون مواجهة مقاومةٍ تُذكر، وعبروا نهري ساڤا ودراڤا. وفي قلعة أوسييك أُعلن للجنود العثمانيين بأن هدف الحملة المَسِير إلى العاصمة المجرية "بدون" وفتحها. وبعد أن افتتح الجيش عدة قلاع أخرى ذات أهمية حربية على نهر الطونة، عبر العثمانيون نهر دراڤا وتقدموا نحو «وادي موهاكس» دون مقاومة تُذكر بعد 128 يومًا من خروج الحملة قاطعين 1,000 كيلومترٍ، ويقع هذا الوادي الآن جنوبي المجر على مسافة 185 كم شمال غربي بلغراد و 170 كم جنوبي بوداپست. في عصر يوم 29 أغسطس/آب 1526م اصطفّ جنودُ الجيش المجري وحلفاؤهم على هيئة صفّين متوازيين وفقًا لخطة المعركة، وتشكّل الصف الأول الأمامي من جنود الوسط والميمنة والميسرة، وتألف الخط الثاني الخلفي من أربعة طوابير، وكان لويس الثاني ملك المجر في هذا الصفّ. وكان مما منح المجريين أفضلية أن قواتهم كانت قد أخذت قسطًا وافرًا من الراحة على أرض المعركة قبل وصول الجيش العثماني، في حين كان العثمانيون قد أنهوا لتوّهم مسيرة شاقة تحت لهيب الصيف وقد عزموا على بدء القتال في اليوم التالي، إلا أن المجريين بادروهم فورًا بهجومٍ مباغت. اصطف الجيش العثماني في ثلاثة صفوف، وكان السلطان سليمان يرتدي درع الحرب ممتطيًا جوادًا أبيضَ وقد اصطفّ في الصف الثالث ومعه الصدر الأعظم إبراهيم پاشا الفرنجي والمدفعية، والانكشارية. بدأ الهجوم المجري بجميع القوات على جنود الروملي تحت قيادة الصدر الأعظم إبراهيم پاشا. لم يكن المجريون على توقعٍ بالخطة العثمانية الأخيرة، فكانوا يأملون في خطف النصر بالهجوم على مركز الجيش العثماني الرئيس بقواتهم المدرعة المكونة من ستين ألفاً استنادًا لتوقعهم للخطط العثمانية السابقة، لكن العثمانيون كانوا قد خططوا لاجتذاب المجريين إلى المركز ومن ثّمَّ تطويقهم وتدميرهم بالبنادق والمدافع. فلما هجم فرسان المجر المشهورون بالبسالة والإقدام، أمر إبراهيم پاشا صفوفه الأولى بالتقهقر ليندفع المجريون إلى الداخل، وبعد ذلك ضغطت قوات الأناضول من الجانبين، فدفعت القوات المجرية أكثر إلى الداخل. بعدما شعر المجريون بالنجاح أوغلوا في العمق اكثر، حتى إن مجموعة فدائية بقيادة محاربٍ يُدعى ماركزالي كانت قد أقسمت على أسر السلطان سليمان أو قتله وصلت قرب خيمة السلطان وبدأت بإطلاق الأسهم عليه فأصاب بعضها درعه، إلا أن السلطان سليمان لم يتحرك من مكانه. فلما وصلوا قريبًا من المدافع، أمر إبراهيم پاشا بإطلاق نيرانها عليهم فحصدتهم حصدًا. تمكنت القوات العثمانية المتفوقة عدداً وعُدَّة من تدمير القوة الأساسية للجيش المجري من الفرسان الثقيلة في زمن قياسي بفضل مدفعيتها المحمولة المتقدمة التي بلغت 300 مدفع واستخدامها الفعّال للبنادق ما أدى إلى هزيمة ساحقة للمجر. دارت الحرب لمدة لا تقل عن ساعة ونصف وفقا لشاهد العيان الأسقف المؤرخ المجري أسطفان بروداريتش، وانتهت بانهيار الجيش المجري وغرق معظم جنوده في مستنقعات وادي موهاكس، ومعهم الملك لويس الثاني، وسبعة أساقفة، وجميع القادة البارزين، فيما أُسر خمسة وعشرون ألفًا، في حين كانت خسائر العثمانيين ألفًا وخمسمائة قتيلا، وبضعة آلافٍ من الجرحى. تقول عدة مصادرَ موثوقةٍ إن الملك المجري لويس الثاني غادر الميدان عند الغسق هاربًا تحت جنح الظلام، ووفقا للدراسات الحديثة فإن الشمس لم تغرب في 29 أغسطس/آب 1526 حتى الساعة 18:27م، وهذا يشير إلى أن المعركة استمرت لأكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات، وربما أربع أو خمس ساعات. أسفرت معركة موهاكس عن تدمير الجيش الملكي المجري وسقوط سلالة ياغيلونيان الحاكمة في المجر وبوهيميا، وتقسيم المجر بين الدولة العثمانية، وملكية هابسبورغ، وإمارة الأردل (ترانسلڤانيا)، ما جعلها نقطة تحول كارثية في التاريخ المجري امتدت آثارها لقرون. وعلى الرغم من ضعف الجيش وتدهور الاقتصاد، إلا أن القائد العام المجري بولس توموري وضع خطة استراتيجية محكمة، لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ. شكّلت المعركة بدايةً للصراع الطويل بين العثمانيين وآل هابسبورغ، وأدت إلى انهيار المجر وتقويض كيانها السياسي المستقل وسقوط مؤسساتها السيادية، وهو ما مهّد الطريق لاندماجها ضمن الترتيبات الإقليمية التي فرضتها القوى الكبرى لاحقًا. ولا تزال موهاكس حاضرةً في الذاكرة الجماعية للمجريين مأساةً وطنيةً يُعبّر عنها المثل المجري الشهير: "فقدنا أكثر في موهاكس".

الخلفية التاريخية

بعد انتهاء ملكية ماتياس كورڤين ملك المجر وكرواتيا بوفاته سنة 1490م، لم يشأ أقطاب المجر والنبلاء بحكم ملكٍ مستبدٍّ آخر، لذلك نصبوا ڤلاديسلاڤ الثاني ملك بوهيميا ضعيف الإرادة ملكًا على المجر (1490-1516م). اشتهر ڤلاديسلاڤ باسم "الملك دوبجا" ومعناها «تمام، موافق» لعادته في الموافقة على أي عريضة أو وثيقة تُعرض أمامه دون نقاش، وبعد انتخابه ملكاً أعطى معظم ممتلكات العرش وحقوقه والإتاوات إلى النبلاء في محاولة لتثبيت حكمه الجديد والحفاظ على شعبيته بين الأمراء، لكن تلك السياسة المالية الساذجة وتوزيع أراضي الديوان الملكي جعلت السلطة المركزية تعاني من صعوبات مالية شديدة، فتمكن النبلاء في البرلمان من تخفيض العبء الضريبي عليهم بنسبة 70-80 ٪ على حساب قدرة البلاد على الدفاع عن نفسها. أصبح ڤلاديسلاڤ الثاني «أسيرًا» لدى النبلاء عاجزًا؛ ولم يعد باستطاعته اتخاذ قرار دون موافقتهم، فتمكنت الطبقة الأرستقراطية من حل جيش المرتزقة الدائم لماتياس كورڤين المُسمى بالجيش الأسود المجري، وفكك النبلاء أنظمة الإدارة الوطنية والبيروقراطية في جميع أنحاء البلاد. تراجعت دفاعات البلاد في وقتٍ لم يتقاضَ فيه حرس الحدود وحاميات القلاع أجورهم، وأصبحت القلاع في حالة سيئة، وخُنقت مبادرات زيادة الضرائب الرامية لتعزيز الدفاعات. وتراجع دور المجر دوليًا وتزعزع استقرارها السياسي، وتوقف التقدم الاجتماعي. كذلك أدى ظهور البروتستانتية المبكر إلى زيادة تدهور العلاقات الداخلية في البلاد. واجه الملك ڤلاديسلاڤ الثاني الضعيف والطاعن بالسن تمردًا قويًّا من الفلاحين مدفوعاً بالضرائب المرتفعة وتدهور الأوضاع قاده جيورجي دوزا عام 1514م. سحق النبلاء بقيادة يوحنا زاپولياي (1490م-1540م) هذا التمرد بقسوة وقمعوه بلا رحمة بدعم من الملك ڤلاديسلاڤ الثاني، وأُلقي القبض على جيورجي دوزا الذي تعرّض لتعذيب مروع ثم أُعدم بطريقةٍ وحشيةٍ؛ إذ أُجلس على عرش متوهج، وتُوّج بتاج من الحديد المُحمّى، ثم أُجبر أتباعه على أكل لحمه حيًا قبل تمزيق جثته إربًا. ولكن قمع التمرد وبهذه الطريقة الوحشية أضعف وحدة المجر السياسية وأدّى إلى تفكك المجتمع المجري واستنزاف سياسي واجتماعي ممهِّداً الطريق لاحقاً أمام التدخل العثماني عام 1526م. عُقد مؤتمر فيينا عام 1515م بين ڤلاديسلاڤ الثاني ملك المجر، وسيغيسموند الأول ياغيلون ملك بولندا، وماكسيمليان الأول هابسبورغ الإمبراطور الروماني المقدس، وقرروا فيه تقاربا بين الأسرتين الحاكمتين آل ياغيلون وآل هابسبورغ عبر تزويج الطفل لويس الثاني ابن ڤلاديسلاڤ الثاني من آل ياغيلون الذين يحكمون العديد من البلدان في أوروپا الوسطى والشرقية، بماريا هابسبورغ النمساوية حفيدة الإمبراطور ماكسيمليان الأول والأخت الصغرى لفرديناند الأول من آل هابسبورغ ذات الأصل الألماني أحد أهم العائلات المالكة في أوروپا وقتئذٍ وأسرة الأباطرة المُنتَخَبين لحُكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وقرر الحكام الثلاثة أيضاً في المؤتمر نفسه تزويج آنا ياغيلون شقيقة لويس الثاني من فرديناند الأول، وهو ما سوف يستند إليه فرديناند لاحقا للمطالبة بعرش المجر بعد وفاة لويس الثاني ياغيلون بلا وريث في معركة موهاكس 1526م. توفي ڤلاديسلاڤ الثاني في 13 مارس/آذار 1516م عن عمر يقارب الستين بعد عامين من قمع انتفاضة الفلاحين بقيادة جيورجي دوزا، وبوفاته اعتلى ابنه القاصر لويس الثاني عرش المجر وكرواتيا وهو في العاشرة، ورفض دفع الجزية للسلطان سليمان القانوني. ارتابت الدولة العثمانية من التقارب بين الأسرتين الملكيتين آل ياغيلون وآل هابسبورغ ورأت فيه تهديدًا مستقبليًا لمركز العثمانيين في البلقان، فعملت على كسره. قدَّمَ البابُ العالي عدة عروض للسلام إلى المجريين بعد تولي السلطان سليمان القانوني السلطة عام 1520م، لكن لويس الثاني رفضها. لم يكن من الواضح السبب وراء هذا الرفض، لكن يُحتمل أن لويس الثاني كان يدرك الوضع الحرج للمجر أمام تزايد القوة العثمانية خصوصًا بعد معركة چالديران (1514م) التي أنهت التهديد الصفوي للعثمانيين من الشرق، ومعاهدة السلام الپولندي-العثماني (1525م) التي أمر بها السلطان سليمان القانوني، وربما اعتقد لويس أن الحرب خيار أفضل من السلام حتى في أوقات السلم. دخلت المجر في حالة فوضىً شبه كاملةٍ عام 1520م نتيجة هيمنة النبلاء الأقوياء الذين انشغلوا بقمع الفلاحين وبالصراع مع نظرائهم في البرلمان حتى إنهم لم يستجيبوا لدعوات الملك لويس الثاني لتعبئة الجيوش ضد التهديد العثماني. كان فتح بلغراد في 2 شعبان 927 هـ / 1521م بيد الدولة العثمانية رغم حصارها من قبلُ ثلاث مرات في 1440م و1456م و1492م، ضربة كبيرة لمملكة المجر، ولكنها لم تكسر قوتها. استمرت الحروب بين المجر والعثمانيين بعد فتح بلغراد، واكتسبت المدينة لقب "دار الجهاد" إذ أصبحت القاعدة العثمانية للزحف على قلب أوروپا. اقترح بالي بك بن يحيى باشا زاده مالقوج أوغلي قائد الطليعة والمسؤول عن الاستطلاع وحاكم سنجق سمندرية الحدودية، اقتراحاً محوريًا في التخطيط على السلطان سليمان القانوني بالاستيلاء على الأراضي المجرية بين نهري دراڤا وساڤا، وبذلك يتمكن من فتح أراضي المجر الواقعة بين هذين النهرين بسهولة، ولكن هذه الأخبار وصلت إلى المجر عن طريق جواسيس بولس توموري أحد قادة الحدود المجريين. بعد فشل المحاولات الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق يتضمن مطالب تُزيل مخاوف العثمانيين قرر هؤلاء اللجوء للقوة العسكرية، ولتحقيق تلك الغاية داهموا الأراضي المجرية وضَمُّوا الأراضي الصغيرة والقلاع الحدودية تمهيدًا للمعركة الحاسمة، وتقدمت حملة عسكرية عثمانية إلى نهر الطونة في يونيو/حزيران 1526م.

أسباب المعركة

باستقراء التاريخ، فالدولة الوحيدة في أوروپا التي يُشير تاريخها وتقاليدها إلى ريادتها في الحرب على المسلمين هي فرنسا، فقد كانت فرنسا قبل كل شيء أرض الحروب الصليبية. وكانت الحماسة التي جعلت هذه الحروب ممكنة قد نشأت في مجمع كليرمونت بمدينة كليرمونت بِدوقيَّة أقطانية الفرنسية، حماسةٌ مُستوحاةٌ من قسٍ فرنسيٍ هو البابا أوربان الثاني. وكان أغلب الذين شاركوا في الحملة الصليبية الأولى (1095م-1099م) من الفرنسيين، وأول من جثا أمام أقدام أوربان الثاني بعد كرازته بالحملة الصليبية راجيًا أن يكون لهُ شرف المُساهمة في الحرب المُقدَّسة هو الأُسقف الفرنسي أدهمار لوپوي، ليكون هذا الأُسقف الفرنسي أوَّل من افتتح قائمة المُتطوعين، فاختاره أوربان الثاني مندوبًا بابويًّا في الحملة الأولى. وقد وجه أوربان خطابه إلى الفرنسيين بالأخص: «أَيَّتُهَا الطَّائِفَةُ الْفَرَنْسَاوِيَّةُ الْعَزِيزَةُ لَدَى الله، إِنَّ كَنِيسَةَ الْمَسِيحِيِّينَ قَدْ وَضُعَتْ رَجَاهَا مُسْنَدًا عَلَى شَجَاعَتِكُمْ، فَأَنَا الَّذِي أعْرَفُ جَيِّدًا تَقْوَاِكُمْ وَكَفَاءَتِكُمْ بِالشَّجَاعَةِ وَالْغَيْرَةِ، وَقَدِ اِجْتَزْتُ الْجِبَالَ الأَلْبِيَّةَ وَحَضَرَتُ لِكَيْ أُنْذِرَ بِكَلَاَمِ اللهِ فِي وَسَطِ بِلَادِكُمْ». وفي الحملة الصليبية الثانية (1145م-1149م) التي بدأها واعظ فرنسي هو القديس برنار من كليرفو نجد ملكاً فرنسياً هو لويس السابع، وفي الحملة الصليبية الثالثة (1189م-1192م) نجد فيليب الثاني أغسطس ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا الذي كان نصفَ فرنسي. أما الحملة الصليبية الرابعة (1202م-1204م) التي انحرفت ضد القسطنطينية فكانت فرنسية إلى حد كبير؛ وأخيراً انتهت جهود الصليبيين بحملتين غير مثمرتين قام بهما لويس التاسع هما الحملة الصليبية السابعة (1249م-1250م) والحملة الصليبية الثامنة (1270م-1277م) وهي آخر الحملات الصليبية على الإطلاق، كما كانت اثنتان من أشهر التنظيمات الصليبية؛ فرسان الهيكل وفرسان القديس يوحنا في القدس فرنسيتين بالأساس؛ وقد استمرت الأخيرة بمحاربة المسلمين حتى تاريخٍ متأخرٍ لاحق. وفي مواجهة الدولة العثمانية أظهرت فرنسا أكثر من مرة آثار حماستها السابقة، فقد لعب الفرنسيون الدور القيادي في الحملة التي انتهت نهاية كارثية في نيقوپوليس 1396م، وحتى لويس الحادي عشر العنيد ادعى أنه يشعر بالفزع إزاء هذا الخطر الذي يهدد المسيحية. وكان شارل الثامن ينظر إلى غزوه لمملكة ناپولي (1495م) على أنه مجرد مقدمةٍ لغزو القسطنطينية العثمانية، وكان لويس الثاني عشر يشجع باستمرار التبشير بالحرب المقدسة. كان ملك فرنسا في الواقع "الملك الأكثر مسيحية". لم يكن فرانسيس الأول ملك فرنسا غافلاً عن هذا التاريخ، فبعد انتصاره العظيم في معركة مارينيانو (1515م) أعرب مراراً وتكراراً عن رغبته في السلام بين الأمراء المسيحيين والتحالف على الدولة العثمانية عدوهم المشترك. ورغم أنه لم يكن جاداً كما كان يريد أن يُظهَر، وكان حريصاً حرصًا شديدًا على أن يمنحه البابا حصةً من العائدات الدينية لهذا الغرض، فإن فكرة الحملة الصليبية كانت من الأمور التي تروق لخياله. وحتى تأكيده المتكرر بأن السبب الوحيد وراء رغبته في انتخابه إمبراطوراً هو أن يقود أوروپا الموحدة بوجه المسلمين؛ ربما لم يكن غير صادق فيه تماماً. ولكن في 24 فبراير 1525م تعرض الملك فرانسيس الأول ملك فرنسا للهزيمة في معركة پاڤيا 1525م أمام قوات الإمبراطور الروماني المقدس شارلكان. وبعد عدة أشهر في الأسر بالسجن أُرغم فرانسيس الأول على توقيع "معاهدة مدريد" المذلة في 14 يناير 1526م مقابل إطلاق سراحه من السجن، حيث اتفق وشارلكان على تخلى الملك الفرنسي الأسير عن جميع مطالبه في إيطاليا وأرتوا وفلاندرز، والتنازل لصالح شارلكان عن برغونية التي كانت جزءًا من فرنسا منذ وفاة شارل الجريء عام 1477م، وأن يُرسل اثنين من أبنائه رهينتين إلى البلاط الإسباني، وأن يُعيد إلى دوق بوربون الأراضي التي صادرها منه، وأن يتعهّد بإقناع هنري الثاني ملك نبرة (ناڤار) بالتخلي عن عرشه لصالح شارلكان «من أجل اجتثاث أخطاء الطائفة اللوثرية وغيرها من الفرق المُدانة»، كما طُلب من فرانسيس الزواج من إليونور هابسبورغ شقيقة شارلكان. لكن بمجرد تحرره ألغى التنازلات القسرية لأنها كانت تحت الإكراه، كما أعلن بطلان الاتفاق لأن ابنيه أُخذا رهينتين، وقد مكّنه تجديد التحالف مع إنجلترا من التنصل من "معاهدة مدريد"، واستمر فرانسيس في منافسة شارلكان ونيته السيطرة على إيطاليا. وفي لحظة فاصلة في الدبلوماسية الأوروپية شكل فرانسيس تحالفًا رسميًا فرنسيًا عثمانيًا مع السلطان سليمان القانوني ليكوّنا حِلفا على شارلكان. واستمر التحالف الاستراتيجي الفرنسي العثماني وأحيانًا التكتيكي لمدة ثلاثة قرون. ولتخفيف ضغط هابسبورغ على فرنسا طلب فرانسيس من السلطان سليمان شن الحرب على الإمبراطورية الرومانية المقدسة في وسط أوروپا مرورا بمملكة المجر، فتزامن طلب الملك الفرنسي مع طموحات السلطان سليمان في أوروپا وأعطاه حافزًا إضافيًّا لمهاجمة المجر سنة 1526م.

=== استنجاد فرنسا بالسلطان لإنقاذ الملك === كان السبب في قرار السلطان سليمان القانوني القيام بحملة مجرية هو المنافسة بين إمبراطور الروم المقدس شارلكان وملك فرنسا فرانسيس الأول. فقد برز في عام 1519م شارلكان من آل هابسبورغ وفرانسيس الأول ملك فرنسا مُرشحين مُحتملين لاعتلاء عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وقد وعد كل منهما بهذه المناسبة أن يستنفر القوى الأوروپية على العثمانيين. ولكن الهيئة المنتخِبة رأت أن شارلكان هو الأفضل لهذا التاج، وذلك أن شارلكان ملك النمسا كان في آن واحد ملكًا لإسبانيا والبلاد المنخفضة (هولندا) وإمبراطورًا لألمانيا وحاكمًا لجزء عظيم من جنوب إيطاليا، وكانت جمهوريتا جنوة وفلورنسا تابعتين له وجمهورية البندقية طوع أمره ومدينة وهران بإقليم جزائر الغرب تابعة له، وكذلك جزيرة مينورقة وجزيرة صقلية، فكانت أملاكه محيطة بمملكة فرنسا من جميع الجهات إلا من جهة البحر. وهكذا انتُخِبَ شارلكان إمبراطورا رومانيا مقدسا بعد أن اشترى أصوات الأمراء الألمان لمناهضة فرانسيس الأول ملك فرنسا الذي نافس وصارع في هذا السبيل، واعتلى عرش ألمانيا في أكتوبر/تشرين الأول سنة 1520م بعد شهر من اعتلاء السلطان سليمان القانوني العرش العثماني. ولما أصبح شارلكان إمبراطورا وصار يتصرف كأنه الحاكم الوحيد للعالم المسيحي، عمل على توحيد العالم الكاثوليكي تحت حكمه، وأعرب عن رغبته في تحقيق السلام داخل العالم المسيحي، وتوحيد قواه لمواجهة "الكافر"، أي العثمانيين. اشتعلت الحرب سريعاً بين شارلكان وفرانسيس الأول في مارس/آذار 1521م بعد الانتخاب بفترة قصيرة، وحصل الانقسام الأوروپي.

لكن هزيمة فرانسيس الأول وأسره بمدينة پاڤيا شمال إيطاليا خلال الأحداث الكارثية لمعركة پاڤيا 25 فبراير/شباط 1525م، جعلته يتخلى عن كل تحفظاته السابقة ووعده السابق بأن يستنفر القوى الأوروپية على العثمانيين، فقد وجد نفسه بعد انتهاء المعركة أسيراً في أيدي قادة منافسه شارلكان، ثم نُقل بعدها سجيناً حبيساً إلى إسپانيا ليقبع بالسجن حيث يقيم شارلكان نفسه، وبدا له أن بلاده فرنسا محكومٌ عليها بأن تكون فريسة عاجزة للإسبان والألمان والهولنديين والإنجليز، وبخاصةً شارل الثالث كونستابل بوربون الخائن الذي خطط من قبل لتقسيم فرنسا. كانت خيانة شارل الثالث نتيجة لخلاف حاد نشأ بينه وبين الملك فرانسيس الأول بعد وفاة زوجته سوزان دوقة بوربون عام 1521م. فقد أوصت سوزان بترك جميع ممتلكاتها لزوجها شارل الثالث، إلا أن لويز من ساڤوا والدة الملك فرانسيس الأول طالبت بالميراث بهذه الممتلكات باعتبارها أقرب وريثة بالدم، بسبب التزاماتها السابقة. وباسم والدته، استولى الملك فرانسيس الأول على جزء من ممتلكات آل بوربون حتى قبل رفع الدعوى القضائية رسميًا. وإزاء فقدانه الأمل في استعادة إرث زوجته، أبرم شارل الثالث اتفاقًا سريًا مع الإمبراطور شارلكان، عارضًا عليه ولاءه. وبالتعاون مع هنري الثامن ملك إنجلترا، وُضعت خطة لتقسيم فرنسا، إلا أن المؤامرة كُشفت، فتمت مصادرة ممتلكات شارل الثالث وتجريده من مناصبه وإعلانه خائنًا للوطن. هرب شارل إلى إيطاليا عام 1523م، والتحق بخدمة الإمبراطور شارلكان. ومن الواضح أن هذه كانت حالة تستدعي اتخاذ تدابير يائسة؛ فقد قرر فرانسيس الأول أن يتوسل إلى مساعدة الملك الوحيد القوي القادر على كبح جماح الإمبراطور شارلكان المنتصر، ألا وهو السلطان سليمان القانوني. ولذلك سعى فرانسيس الأول ملك فرنسا إلى التحالف مع الدولة العثمانية على محاربة شارلكان لكي تُحاربه الدولة العثمانية من جهة المجر والنمسا بالشرق وتشغله عن جيوش فرنسا الكائنة جهة الغرب. ولكن هذه الخطوة كانت سرية للغاية ولم تُعرف إلا عن طريق المؤرخين العثمانيين وما ذكره الصدر الأعظم. وعليه، أرسلت لويز دي ساڤوا والدة فرانسيس الأول سفيراً إلى اسطنبول ومعه مجموعة من اثني عشر شخصًا يحملون هدايا ثمينة، بما في ذلك خاتم من الياقوت، لطلب مساعدة السلطان سليمان القانوني في إنقاذ ابنها. ولكن لم تصل هذه البعثة إلى الباب العالي أبداً، بل هُوجمت وقُتلت في البوسنة على يد جنود سنجق بك البوسنة (الحاكم العثماني) أثناء مرورهم قاصدين اسطنبول، فقُتل السفير وأتباعه. أُرسل سفير آخر هو يوحنا فرنجپاني في أواخر سنة 1525م، الذي وصل إسطنبول في ديسمبر/كانون الأول من نفس العام برسائل سرية شفهية ورسالة من لويز من ساڤوا، كما أرسل فرانسيس الأول شخصيًا خطابًا إلى السلطان مع خطاب والدته قد كتبها سراً من سجنه في مدريد والتي كان المبعوث يحملها مخبأة بين باطن حذائه، مكتوبة إلى السلطان سليمان القانوني، يطلب منه بكل تواضع المساعدة على إطلاق سراح الملك فرانسيس والهجوم على ملك المجر، أحد حلفاء شارلكان آل هابسبورغ، حتى يمنعه من مساعدته ويمكن لفرنسا بذلك أن تنتصر على شارلكان وتسترد ما سلبه منها من الشرف في معركة پاڤيا. وجاء في خطاب لويز دي ساڤوا والدة فرانسيس الأول ما يلي: «أرجأت فك أسر ابني حتى الآن أملا في إنسانية شارلكان؛ بيد أنه لم يقُم بما تدعوه إليه إنسانيته التي بنينا عليها أملنا ورجاءنا بل أساء إلى ابننا وأهانه؛ وبناءً على هذا فإني ألتمس من جلالتكم وعظمتكم بصفة خاصة بأن تتفضلوا بإظهار فخامتكم بخلاص ابني وإنقاذه من قبضة ظلم عدونا وذلك بعظمتكم وجلالتكم المؤيدة والمصدق عليها من العالم».

وجاء في خطاب فرانسيس الأول إلى السلطان سليمان: «إلى حضرة حاكم وسلطان البلاد والممالك من أنحاء العالم المعمورة، السلطان المعظم والخاقان المُفخم الذي هو ملاذ جميع المظلومين. أعرِض على حضرتكم ما في القلب وهو أنه: عندما هاجمتم فرديناند الأول ملك المَجَر نجونا من السجن بفضلكم؛ وعندما هاجمتم شارلكان ملك إسپانيا ثأرنا منه وانتقمنا. أنت ملك الملوك جليل الشأن: فأنا أسير فضلك من اليوم فصاعدا، أي منذ تكرمك بالانتقام منه وهزيمته». قابل السلطان سليمان السفير الفرنسي يوحنا فرنجپاني (بالتركية العثمانية: فرانقبان) في 6 ديسمبر سنة 1525م باحتفال زائد وأجزل له العطايا، وبعد أن عرض عليه السفير مطالب مَلِكِهِ وعده السلطان بمحاربة المجر، ولكن لم تُمْضَ بينهما معاهدة بل اكتفى السلطان بأن كتب له خطابا يُظهر له فيه استعداده لمساعدته، جاء فيه «أنا السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان بن السلطان بايزيد خان، إلى فرنسيس ملك ولاية فرنسا: وصل إلى أعتاب ملجأ السلاطين المكتوب الذي أرسلتموه مع تابعكم فرانقبان النشيط مع بعض الأخبار التي أوصيتموه بها شفاهيٍّا، وأعلمنا أن عدوَّكم استولى على بلادكم، وأنكم الآن محبوسون وتستدعون من هذا الجانب مدد العناية بخصوص خلاصكم، وكل ما قلتموه عرض على أعتاب سرير سدَّتنا الملوكانية، وأحاط به علمي الشريف على وجه التفصيل، فصار بتمامه معلومًا، فلا عجب من حبس الملوك وضيقهم؛ فكن منشرح الصدر ولا تكن مشغول الخاطر؛ فإن آبائي الكرام وأجدادي العظام — نور لله مراقدهم — لم يكونوا خالين من الحرب لأجل فتح البلاد وردِّ العدو، ونحن أيضًا سالكون على طريقتهم وفي كل وقت نفتح البلاد الصعبة والقلاع الحصينة وخيولنا ليلًا ونهارًا مسروجة وسيوفنا مسلولة، فالحق — سبحانه وتعالى — ييسر الخير بإرادته ومشيئته. بمقام دار السلطنة العلية، القسطنطينية المحروسة المحمية». ورغم أن السفير يوحنا فرنجپاني لم يُحضر أية هدايا معه، إلا أن السلطان كافأه بسخاء وعامله بتكريم ملحوظ. وعندما تجرأ فرنجپاني على الشكوى من مقتل سلفه السفير الأسبق المقتول في البوسنة، واستُدعيَ پاشا البوسنة على الفور إلى الباب العالي لتبرير فعلته. وفي طريق عودته إلى وطنه، كشف يوحنا فرنجپاني محتويات رسالة السلطان إلى الممثل الإمبراطوري في جنوة، "لوپ دي سوريا" الذي أرسل إلى سيده القصة كاملة في الخامس عشر من يوليو/تموز. وبطبيعة الحال، حرص شارلكان على الاستفادة قدر الإمكان من هذه الحقيقة بأن منافسه الابن الأكبر للكنيسة، ملك فرنسا، وخليفة المسلمين السلطان سليمان قد توحدا الآن ضده؛ واستمر في استثمار ذلك حتى نهاية أيامه، لكن أوروپا لم تكن في مزاج يسمح لها بالصدمة بسهولة. عاد يوحنا فرنجپاني سالماً إلى سيده فرانسيس الأول الذي تخلص من الأسر في تلك الأثناء بوعد السلطان، فأرسله فرانسيس على الفور في يوليو 1526م مرة أخرى إلى السلطان، مع رسالة ودية للشكر على المساعدة التي عرضها.

=== التحالف العثماني الفرنسي === قبِل السلطان القانوني طلب المساعدة من أجل كسر قوة شارلكان، وقرر شن الحرب على مملكة المجر التي كانت قد تحالفت مع إمارات الأفلاق والبغدان على الدولة العثمانية. وبدأت تلك الحرب بسبب رغبة لويس الثاني ملك المجر في السيطرة على المجر. بعد إطلاق سراح فرانسيس الأول، قال لسفير البندقية إنه أصبح يعتبِر الدولة العثمانية القوة الوحيدة القادرة على ضمان وجود الدول الأوروپية في وجه شارلكان. ورأى العثمانيون أيضاً أن التحالف مع الفرنسيين أفضل وسيلة لكي لا تسيطر قوة واحدة على أوروپا. ولمواجهة التقدم العثماني هذا، أرسل لويس الثاني دبلوماسييه إلى العواصم الأوروپية طلباً للنجدة، ولكن نشاطه وقف عند هذا الحد. تحركت الدول الأورپية ضمن دائرة مصالحها، فحث البابا كليمنت السابع ملوك أوروپا لمساعدة المجر، إلا أن الراهب مارتن لوثر نصح الأمراء البروتستانت بأن يلزموا أوطانهم، وبقي شارلكان عاجزا عن تقديم المساعدة بفعل المشاكل في أوروپا، كما لم يُحرك ملك إنجلترا ساكنا.

مقدمات المعركة

بعد فتح القسطنطينية عام 1453م، أصبحت مملكة المجر تحتل مركز الصدارة في خطط الفتوحات العثمانية، وكانت أسباب ذلك مرتبطة بعوامل السياسة الخارجية والداخلية، وكذلك الاعتبارات الاقتصادية والأيديولوجية. أدرك العثمانيون منذ أواخر القرن الخامس عشر أنه مع تراجع الروح الصليبية وقدرة البابوية على فرض مصالحها، نشأ انقسام في العالم الغربي لاسيما الحروب في إيطاليا منذ نهاية القرن الخامس عشر، والتنافس الذي تفجر بعد انتخاب شارلكان إمبراطورًا، وظهور البروتستانتية، وغيرها من العوامل. كما كان من المشجع للباب العالي أن بدأت القوى الأوروپية تنظر إليه ليس فقط كعدو ديني ولكن كحليف محتمل، وكأحد المؤثرين في الصراعات على السلطة في أوروپا، وسَعَتْ بنشاط إلى صداقته. واجه المجريون لسبعة عقود التوسع العثماني في جنوب شرق أوروپا، ولكن بدءاً من سنة 1521م تقدم العثمانيون على نهر الطونة وفتحوا ناندورفيهيرڤار التي هي مدينة بلغراد الحالية في صربيا (فتح بلغراد 1521م)، أقوى حصن مجري في نهر الطونة، كما استولوا على شاباتس التي تقع في صربيا الحالية، مما ترك معظم جنوب المجر في وضع لا يمكن الدفاع عنه. أحدث فقدان بلغراد حالة من الذعر الكبير في المجر، لكن الجيش الملكي الضخم الذي قوامه 60 ألف جندي بقيادة الملك، والذي جُنِّدَ متأخراً وببطء شديد، أهمل إحضار تموين الطعام الكافي. وبالتالي، تفكك الجيش بصورة عفوية تحت ضغط الجوع والمرض دون أدنى محاولة لاستعادة بلغراد من الحاميات العثمانية المُثبتة حديثاً. ثم عُيّن رئيس الأساقفة بولس توموري وهو كاهن محارب شجاع، قائدًا لجنوب المجر عام 1523م، فأجبرته حالة اللامبالاة العامة التي ميزت البلاد على الاعتماد على عائدات أسقفيته لإصلاح وتعزيز الخط الثاني من نظام الدفاع الحدودي للمجر. وهكذا سقطت بلغراد أمام العثمانيين بسبب النقص المزمن في حاميات القلاع، وعليه، لم تتواجد بين وارادين و"بدون" أي بلدة أو قرية أو منطقة مجرية واحدة من أي نوع لمسافة 400 كم على طول نهر الطونة. كتبت المؤرخة پاولا سوتر فيشتنر المتخصصة في تاريخ إمبراطورية هابسبورغ، أنه قبل معركة موهاكس كان هناك انقطاع في التواصل بين لويس الثاني وصهره الأرشيدوق فرديناند (1503م-1564م) العاهل النمساوي من آل هابسبورغ. لم يكن فرديناند على عِلم بمدى خطورة الوضع، كما أن لويس الثاني والبلاط المجري فشلوا في إبلاغه بأنهم قرروا خوض معركة حاسمة في سهل موهاكس، وقد اتخذوا هذا القرار في 26 أغسطس/آب، قبل يوم واحد من مغادرة فرديناند مؤتمراً عُقد في معسكر لويس في مدينة باتا المجرية، وكان المستشار الأسقف أسطفان بروداريتش قد نصح الملك بانتظار التعزيزات من النمسا وبوهيميا، ولكن مجموعة من النبلاء المندفعين تمكنت من إقناع الملك بالاشتباك في معركة مفتوحة وفورية على سهول موهاكس مع العثمانيين الذين يفوقونهم عددًا. قرر فرديناند الانشغال بما اعتقد أنه الأمر الأكثر إلحاحًا أولاً، ألا وهو مواجهة التوترات الدينية والانتفاضات في أراضيه الخاصة بالإضافة إلى طلبات إخوانه للمزيد من القوات لجبهات أخرى. يذكر المؤرخ الروماني ستيفن فيشر-غالاتسي (1924م-2014م)، أستاذ التاريخ بجامعة كولورادو والحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأمريكية، أن الأدبيات تُظهر أن لويس نفسه لم يكن قادرًا على فهم جدية أو إلحاحية التهديد العثماني بصورة كاملة. من الممكن أن الملك لويس الثاني استند في ثقته إلى تطمينات يوحنا زاپولياي، ڤويڤود ترانسيلڤانيا، وأنصاره الذين وعدوا بالحضور للمساعدة. رغب النبلاء الذين كانوا يخشون تدخل آل هابسبورغ، في بذل جهد مجريّ شامل إما لاحتواءٍ عسكريٍ أو دبلوماسيٍ أو الوصول إلى هدنة مع الباب العالي العثماني.

=== استعداد العثمانيين للمعركة === وبحلول فصل شتاء 1525م، قرر السلطان سليمان القانوني البدء بالحملة على المجر، وأصدر فرمانات بأوامره إلى أمراء الروملي في شهري ديسمبر/كانون الأول 1525م ويناير/كانون الثاني 1526م ليبدأ الجيش العثماني بالإعداد للحملة، وأمر بتجميع القوات كلها إبان فصل الربيع في مروج صُوفيا، وبأن يستعد الجميع للأوامر التي ستصلهم بعد ذلك. كما أرسل السلطان إلى بهرام پاشا بكلربك الأناضول، وبكلربك سنجق البوسنة، وإلى "سَعَادت كيرايْ الأول" خان القرم، وبقية رجال الدولة من المعنيين بهذا الشأن للتحضير للحملة. كما شارك في الحملة جنود حرس بوابة القصر القاپي قولو، وجنود ولايات سوريا ومصر. وأسند السلطان سليمان قيادة الجيوش في هذه الحملة للصدر الأعظم إبراهيم پاشا الفرنجي الذي عاد من مصر، وأوصى والي إيالة مصر السابق كوزلجه قاسم پاشا كما أوصى شيخ الإسلام القاضي العالم المُفتي الجليل شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال پاشا بإدارة إسطنبول أثناء غيابه والمحافظة عليها. أصدر السلطان سليمان قبيل خروجه إلى معركة موهاكس التدابير الإدارية اللازمة للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها في كل من ولايات مصر والأناضول والشام، ولم يأخذ معه في حملته على المجر سوى قوات إيالة الأناضول. بينما ترك قوات كل من إيالات قرمان والشام ومصر وحلب وديار بكر والروم في مواقعهم تحت قيادة ولاتهم. كما كلّف پيري بك رمضان أوغلى والي أضنة بالحفاظ على أمن كل من قرمان وحلب وما حولهما. زار السلطان سليمان القانوني ضريح الصحابي أبي أيوب الأنصاري، وضريح الشيخ أبو الوفا مُصلح الدين مصطفى مُعلم السلطان محمد الفاتح، كما زار قبر والده السلطان سليم، وجدَّيه السلطان بايزيد الثاني والسلطان محمد الفاتح، ثم غادر إسطنبول في 11 رجب سنة 932ه الموافق 23 أبريل/نيسان 1526م مع جنود الحرس السلطاني قاپي قولو وقد رافق الجيش ثلاثمائة مدفع، ومنع السلطان الجيش العثماني الذي سار في نظام وانضباط شديدين من الدخول في الحقول المزروعة ومراعي الحيوانات أو الاستيلاء على الحيوانات التي في أيدي الرَّعَايا أو المساس بمحاصيلهم، وفرض عقوبة الإعدام على من خالف شيئًا من ذلك، وبذلك شكلت هذه الحملة قدوة للحملات العسكرية المقبلة بحيث لا يقطف الجنود ثمرة بدون استئذان.

=== الوضع العسكري في المجر === رغم وصول أخبار مقلقة إلى المجر باستمرار بدءا من فبراير/شباط 1526م، إلا أن البلاط الملكي كان مشلولاً بسبب نقص الأموال. حاول القائد العام لحصون الحدود، بولس توموري رئيس أساقفة كالوتشا بالمجر وهو راهب فرنسيسكاني وجندي متمرس، حاول الحصول على أموال في "بدون" في مارس/آذار 1526م، ولكن دون جدوى، فقدَّمَ هو وقادة الحصون الحدودية استقالاتهم في نهاية الشهر إلا أنه بقي في منصبه ولم يتلقَّ أي دعم. انعقد المجلس في راكوش بنهاية أبريل/نيسان 1526م، ولم يُذكر الهجوم العثماني ولكن دعا المجلس إلى فرض ضريبة للدفاع عن المملكة، بدون أمل في جمعها، ثم أصدرت حكومة الملك أوامر بالتعبئة العامة في يونيو/حزيران 1526م. طلب الملك مدافع ومُشاة من المدن، ودعتِ المقاطعاتُ النبلاءَ إلى التجمُّع، وصدرت الأوامر بالفعل للفلاحين في المقاطعات الجنوبية بالحضور للخدمة العسكرية بعد الحصاد. وبسبب صعوبات التعبئة، بحلول الوقت الذي كانت فيه الجيش العثماني يعبر نهر ساڤا (بالتركية العثمانية: صوه) في نهاية يونيو/حزيران 1526م، لم يكن هناك سوى قوات حصون الحدود التابعة لتوموري، وميليشيات بعض البارونات والكرادلة الجنوبيين، ووحدة رئيس أساقفة ازترغوم التي تخدم في الجنوب، ولم يتجاوز عددهم بضع آلاف من الرجال، في حالة جاهزية قتالية. أما النبلاء المجريون الذين لم يُدركوا حجم الخطر الذي يقترب منهم فلم يستجيبوا مباشرة لدعوات الملك للتعبئة العامة. ولكن بالنهاية تجمعوا في ثلاث وحدات رئيسية:

جيش الأردل (ترانسيلڤانيا) بقيادة الڤويڤود يوحنا زاپولياي المكلف بحراسة ممرات جبال الأردل الألپية ومعه ما بين 8,000 و 13,000 رجل. ثم الجيش الرئيسي بقيادة ملك المجر لويس الثاني نفسه إلى جانب العديد من المرتزقة الإسبان والألمان والتشيك والصرب. وقوة أصغر أخرى قادها الكونت الكرواتي كريستوف فرانكوپان عددها قرابة 5,000 رجل. بالإضافة إلى المساعدة الخارجية الوحيدة وهي كتيبة صغيرة من الجنود الپولنديين في نحو 1,500 جندي وفارس بقيادة القائد الملكي لينارت غنوينسكي، بتنظيم وتجهيز الدولة البابوية.

=== غياب الخبرة العسكرية في المجر === كانت هناك صعوبة كبيرة في اختيار القائد الأعلى للجيوش المجرية في معركة موهاكس. فلم يكن هناك جندي مجري واحد لديه خبرة في قيادة جيش ضخم منذ معركة كوسوڤو الثانية عام 1448م، لأن الجيش المجري لم يخُض بعدها معركة نظامية واحدة مع الجيش العثماني أو أي جيش كبير آخر. ونتيجة لذلك، لم تكن هناك خبرة عسكرية كافية داخل المملكة لقيادة جيش يتألف من عشرات الآلاف من الرجال. كان هناك قادة مثل "البالاطين" أسطفان السابع باتوري أحد نبلاء ترانسيلڤانيا (الأردل) وكان يعاني من النقرس، وجرجس زاپولياي وبولس توموري اللذان قادا ودافعا العديدَ من الغارات على الحدود، وحاصرا حصونًا صغيرة. لكن المجريين أدركوا أن هذه القدرات لم تكن كافية لمواجهة جيوش عثمانية متمرسة في المعارك. رفض أسطفان باتوري القيادة بسبب مرضه، ولم يُنظر في أمر رئيس القضاة يوحنا دراغفي لأسباب غير معروفة رغم امتلاكه خبرة عسكرية خلال حُكمه مقاطعة تيميش بمملكة المجر (وهي تقع حاليا في جنوب غرب رومانيا وشمال شرق صربيا)، إلا أنه شارك في معركة موهاكس حيث حمل علم البلاد، وقُتل فيها، وفُقد العَلَم أيضًا.

في نهاية المطاف، جرى التصويت وأُختير جرجس زاپولياي، الأخ الأصغر للحاكم، وبولس توموري المتردد قادة للجيش المجري. لم يكن لدى جرجس زاپولياي أي خبرة في القيادة على الإطلاق، وكانت مآثر بولس توموري العسكرية قد تحققت على رأس تشكيلات صغيرة من سلاح الفرسان لا يزيد عدد أفرادها عن بضع مئات. ومن الشخصيات المثيرة للاهتمام كان الضابط الپولندي لينارت جنوينسكي، الذي عُين رئيسًا لهيئة الأركان العامة، فقد استشهد بالدروس المستفادة من الحروب العثمانية المجرية في أربعينيات القرن 15 ولكن لم يلتفت أحد إلى اقتراحه الرئيسي الذي يقضي بإنشاء "حصن متاريس العربات المتحركة الهوسية" كما فعل يوحنا هونياد في معركة كوسوڤو الثانية 1448م لتحميهم من سيل القوات العثمانية. ومع ذلك، ناقش لينارت جنوينسكي أهمية الدفاع الشخصي عن الملك فوجد اتفاقاً، إذ اتفق الجميع على أهمية الدفاع الشخصي عن الملك، وتم تكليف ثلاثة من قادة سلاح الفرسان ذوي الكفاءة العالية بحماية الملك لويس الثاني وهم:

الشاعر المجري وموظف البلاط والقائد العسكري: راشكاي غاشبار، ويوحنا ڤيتيز من عائلة "كالا" النبيلة، وبان بلغراد: النبيل المجري بالينت توروك، وهو الذي اعتقله السلطان سليمان القانوني بعد فتح "بدون" عام 1541م وسجنه في قلعة "يدي كوله" باسطنبول، حيث قضى ما تبقى من حياته في الأسر حتى وفاته جزاء تمرده على الدولة العثمانية. تمركز الجيش المجري في سهل موهاكس استعدادًا لمواجهة الجيش العثماني، وكان على رأس الجيش المجري الملك لويس الثاني، بينما تولى القيادة العامة القائد الأعلى بالاطين المجر: أسطفان السابع باتوري، أحد أفراد عائلة باتوري النبيلة المجرية. (منصب "بالاطين المجر" هو أعلى منصب في مملكة المجر، استُحدث في القرن 11 حتى إلغاءه في عام 1848م، وكان البالاطين نائبا للملك يُعينه الملك بنفسه). أبلغ الملك المجري لويس الثاني، ڤويڤود ترانسلڤانيا يوحنا زاپولياي، بضرورة الانضمام إليه في أسرع وقت. لكن يُقال إن يوحنا زاپولياي، الذي كان يقود جيشاً من 30 ألف جندي، لم يشارك في المعركة بسبب غيرته من الملك، وقالت الشائعات إنه لم يكن يريد حقًا الوصول إلى هناك؛ وقالت شائعات أخرى إنه تلقى أمرًا مزورًا أو متناقضًا، أصدره آل هابسبورغ أو آل فوجر، من الملك لويس بالتوقف وعدم التدخل في المعركة. وقال بعض أعدائه إن زاپولياي كان ينتظر بدم بارد وفاة الملك لويس الثاني للاستيلاء على التاج المجري.

=== تقييم أعداد الجيش المجري === كان تقدير عدد القوات التي واجهت بعضها البعض موضوع نقاش واسع ومستمر منذ ذلك الحين. شيء واحد فقط مؤكد؛ وهو أن التقديرات المعاصرة من كلا الجانبين كانت مبالغًا فيها بطريقة غير معقولة. فقد أخبر توموري الملك لويس، عشية المعركة، أن السلطان سليمان كان يملك ربما 300,000 رجل؛ لكنه أضاف أنه لا سبب للخوف من هذا الرقم، لأن معظم الأتراك (أي: العثمانيين) كانوا جنداً جبناء، وأن رجال القتال المختارين لديهم لم يكونوا يتجاوزون 70,000 فقط. كتب شاهد العيان المؤرخ المجري المعاصر للمعركة والمتخصص في تأريخ معركة موهاكس، الأسقف والمستشار الملكي أسطفان بروداريتش، مستشار الملك لويس الثاني ملك المجر، أنه قد تجمّع نحو 25 ألف رجل مجري في موهاكس. ورغم أن بعض المؤرخين يُقدّرون قوة الجيش المجري بنحو 50 إلى 60 ألف رجل، إلا أنه في ضوء الصعوبات التي واجهتها عملية التعبئة، فلا يوجد سبب للشك في تقييم بروداريتش. وحتى لو أخذنا الرقم على أنه 50 ألف رجل وأضفنا إليه جيوش يوحنا زاپولياي الترانسيلڤانية (إمارة الأردل) وجيش الكونت الكرواتي كريستوف فرانكوپان والقوات المُساعدة الألمانية والبوهيمية، فإن الحجم المحتمل للجيش المجري قد يصل إلى 80 ألف رجل. ومع ذلك، فإن هذه القوة، مع الظروف المعاكسة للأرض إلى جانب التضاريس الصعبة والظروف الأخرى، لم تكن لتبرر خوض المعركة في موهاكس. فضلاً عن ذلك، نظراً لأن الوحدات النظامية للجيش العثماني لم يتجاوز عددها 60 ألف رجل، فإن الجيش المجري المماثل في الحجم، حتى مع وجود الفرق الواضح في الجودة، لم يكن ليعاني من هزيمة كارثية كهذه. تألف الجيش المجري من زهاء 15 ألف فارس معظمهم مدرعون، ونحو 10,000 من المشاة، أغلبهم من البوهيميين والموراڤيين والألمان. كانت التشكيلات ذات القيمة القتالية الأعلى والأكثر أهمية في القتال هي فرق الحصون الحدودية، وميليشيات البانديريا الذين هم القوات الخاصة للنبلاء والحكام المحليين والإقطاعيين التي خدمت لفترات طويلة في الجنوب، والمرتزقة الأجانب.

=== تقييم أعداد الجيش العثماني === أما عدد الجيش العثماني فيُعتقد أنه كان 60 ألف رجل، على الرغم من أن بعض المؤرخين المعاصرين والحديثين قدَّروا عدد القوات العثمانية بقرابة مئة ألف. وقيل أن معظم قوات البلقان العثمانية في هذه المعركة كانوا من البُشناق والكروات. نصب العثمانيون أكبر مدفعية ميدان في تلك الحقبة، ويُقدَّر عددها بقرابة 300 مدفع، في حين كان لدى المجريين 85 مدفعًا فقط، وكان هذا العدد أكبر من جيوش أوروپا الغربية المُعاصرة الأخرى المنتشرة في ساحات القتال. هناك تفاوت كبير في الأرقام المتعلقة بأعداد الجيشين العثماني والمجري في المصادر الشرقية والغربية. على سبيل المثال، تختلف الروايات حول عدد الجيش العثماني من 300 ألف إلى 57 ألف، بينما تُظهر الروايات حول الجيش المجري أعدادًا تتراوح بين 300 ألف و 28 ألف. وتُظهر بعض الدراسات العسكرية أن الجيش العثماني كان يتألف من 43 ألف فارس و 24 ألفا من جنود المشاة، بإجمالي 67 ألف مقاتل، بينما كان الجيش المجري يتكون بين 84 ألفا من المشاة و 14 ألف فارس، بإجمالي 98 ألف مقاتل. وتُظهر المصادر الغربية الحديثة عادةً أن الجيش العثماني بلغ مئة ألف مقاتل وعدد المدافع 300، بينما يشير البعض إلى أن الجيش المجري كان يتراوح بين 20 إلى 30 ألف مقاتل. هذه الأرقام المتعلقة بالجيش المجري غير دقيقة تمامًا، لأنه بعد المعركة عثر الجيش العثماني على نحو 24 ألف جثة من الجنود المجريين، وهذه الأرقام لا تشمل القتلى والجرحى والفارين. تؤكد بعض المراجع أن الأعداد الصحيحة للجيشين العثماني والمجري كانت نحو مئة ألف مقاتل لكل طرف، بل إن بعض الوثائق تُشير إلى أن الجيش المجري كان يضم أكثر من 150 ألف مقاتل. كان الجيش المجري يتضمن أيضًا قوات مساعدة من پولندا وبوهيميا والأفلاق والبغدان (مولداڤيا) وحتى من الدولة البابوية. كما كان من المفترض أن يتوجه جيش ڤويڤود ترانسلڤانيا (حاكم الأردل)، يوحنا زاپولياي، الذي يتألف من 30 ألف مقاتل، إلى المعركة، ولكن بسبب غيرة الملك من هذا الأمير، لم يشارك في المعركة، مما ساهم في هزيمة المجر.

== مسير الحملة العثمانية من إسطنبول إلى موهاكس == غادر السلطان سليمان إسطنبول متجها إلى بلغراد في رحلة استغرقت شهرين ونصف الشهر وقضى عيد الفطر هناك.

انطلق السلطان سليمان القانوني من إسطنبول في 23 أبريل 1526م على رأس جيشه المؤلَّف من نحو 60 ألف جندي و300 مدفع و800 سفينة في نهر الطونة، وانضمت القوات الجديدة إلى الجيش أثناء مسيره. عبر جيش الأناضول العثماني مضيق البوسفور في غاليبولي وانضم إلى قوات الروملي العثمانية، ووصل الجيش إلى مدينة فيلبه (اسمها الحالي: پلوڤديڤ) في بلغاريا بعد يومين. نُظمَت عملية تزويد الجيش بالطعام بأقصى عناية ممكنة لتجنب التأثير على سكان المدن الواقعة على طريق الزحف إلى صوفيا. وممن انضم إليه في صوفيا بكلربك الأناضول بَهْرَام پاشا وقواته.

في صوفيا، أجرى السلطان سليمان القانوني استعراضاً لجيشه وأرسل الصدر الأعظم إبراهيم پاشا على رأس جيش الروملي مُدعماً بـ 2,000 جندي من الجنود الإنكشارية إلى ناندورفيهيرڤار (حاليا: بلغراد عاصمة صربيا) لتكون طليعة العملية العسكرية، ولجمع المعلومات حول الطريق والبيئة المحيطة وإخطار الجيش بها، ولتأمين عبور نهر ساڤا الذي يمر بالمدينة ويلتقي فيها مع نهر الطونة، إذ أن بلغراد تقع على ضفاف كلا النهرين وتستفيد من موقعها الاستراتيجي عند تقاطع هذين النهرين: ساڤا وطونة. تحمَّل الجيش العثماني في طريق أدرنة-صوفيا-نيش نحو بلغراد مشاق كثيرة بسبب الطين والوحل. وعندما وصل السلطان إلى بلغراد في الثلاثين من يونيو/حزيران، كان جسر نهر ساڤا جاهزاً؛ ولم تحاول القوات المجرية تعطيل أعمال البناء. راجع السلطان سليمان جيشه أثناء عبورهم جسر نهر ساڤا؛ وقد استغرق العبور أسبوعًا كاملاً. ومع وصول السلطان سليمان إلى مدينة بلغراد كان شهر رمضان يشرف على نهايته، وهناك تقبّل تهاني قادة الجيش وكبار رجالات الدولة العثمانية وأعيانها بمناسبة عيد الفطر في الأول من شوّال عام 932هـ الموافق 11 يوليو/تموز 1526م، ووزّع السلطان صُرر تحوي كل منها ثلاثين ألف آقچة لأصحاب المناصب الرفيعة ممن يزيد مرتبهم عن أربعمائة ألف آقچة بالإضافة لقفطان. ومن كان مرتبه أقل فقد وزعت عليهم صرر تحوي عشرين ألف آقچة بالإضافة للقفطان. وأثناء مكوثه في بلغراد، انضم إلى الجيش العثماني قوات من سنجق البوسنة وفرسان الآقنجية الخفيفة من البلاد الحدودية وأساطيل البحر الأسود. كان يتبع الجيش العثماني أيضا أسطول صغير يقلّ جنود الإنكشارية في نهر الطونة، مُكوَّن من 400 سفينة وزورق صغير، بقيادة ميهال أوغلى ، و إسكندر أوغلى ، وياهشي بك.

فتح قلعة وارادين

تقع هذه القلعة على نهر الطونة، شمال غرب بلغراد، وتُعرف في المصادر العثمانية باسم قلعة وارادين أو بيتروڤارادين، وهي ذات أهمية عسكرية كُبرى لذا تقرر فتحها فورًا. كلّف السلطان سليمان وزيره الأعظم إبراهيم پاشا الفرنجي بالإشراف على التدابير اللازمة لمحاصرة وفتح قلعة وارادين ، آخر حصن حدودي مجري رئيسي على نهر الطونة. أرسل العثمانيون قوات الاستطلاع في 19 يونيو/حزيران، وبدأ إبراهيم پاشا حصار قلعة وارادين بجنود الروملي وبدعم من الأسطول النهري في 13 يوليو/تمُّوز. وبدأ الحصار الفعلي بوصول الجيش العثماني في 14يوليو/تمّوز. تذكر بعض المراجع العثمانية أن المدافعين استسلموا بعد يوم واحد، ودخلها العثمانيون في 15 يوليو/تمُّوز 1526م ولعل المقصود هو مدينة وارادين وليس قلعتها الحصينة، إذ أورد المؤرخ العثماني بچوي أفندي أن العثمانيين فتحوا القلعة بعد حصار دام سبعة أيام عندما حفروا في النهاية الأنفاق تحت القلعة وفجروها، أو بعد أسبوعين وفقاّ لمراجع أخرى. استولى العثمانيون على المدينة الواقعة على الضفة اليمنى لنهر الطونة ظهر يوم 15 يوليو/تمّوز بعد هجوم عام، لكن القلعة الداخلية واصلت المقاومة، لذا استمر الحصار. وبعد 13 يومًا من الحصار، في اليوم الرابع عشر، 27 يوليو/تمّوز فُجّرت الألغام لتفتح ثغرة في أسوار القلعة، مما مهد الطريق لهجوم ناجح أسفر عن فتحها. كانت قلعة وارادين محاطة بأسوار متينة وجدران قوية ولم يكن طرف العين ليبلغ أعالي أبراجها، ولا شعاع الشمس ليسطع إلى أعماق خنادقها. كانت حصونها منيعة لا تُخرق بالسيوف، ولا تنفذ إليها السهام مهما بلغت من دقة. تلك المدينة، المعروفة باسم وارادين، كانت موئلًا لعتاة الكفر الجاحدين ووكرًا لذئاب جبال الحرب، وعشًّا لأهل الفساد، بحسب ما وصفها المؤرخ العثماني ابن كمال پاشا. انطلق القائد الجسور إبراهيم پاشا وقد صحبه البكوات وجنود الروملي، إلى جانب الحرس الخاص للسلطان والإنكشارية الذين أُضيفوا إلى جيشه، فتقدّموا حتى طوّقوا القلعة في اليوم الثالث من شهر شوال، وتموضع إبراهيم پاشا مقابل المدينة مع جنوده، وانطلقت الفرسان كالسواقي تجاه القلعة، فخرجت حامية القلعة من حصونهم مصطفّين في مواجهة الجيش العثماني، وتصاعد غبار المعركة، وانهمرت الرصاصات من فوق الأسوار على العثمانيين الذين واجهوها بوابل من قصف المدافع، ففرّ بعض جنود الحامية هاربين نحو القلعة، ومنهم من قُتل بالسهام وآخرون وقعوا في الأسر لدى العثمانيين. حاول بولس توموري حاكم وارادين فك الحصار عن القلعة ببضعة آلاف من الرجال بالقرب من القلعة لكنه لم يستطع صد الهجوم على الحصن. كان توموري يشتهر بالجرأة والتهوّر، وكان على رأس جيش لا يُحصى عدده من المشاة والفرسان، متمركزًا على الضفة الأخرى من النهر، لا يكفّ عن إذكاء حماسة الجنود المحاصَرين داخل الحصن. ولزيادة اندفاعهم، جمع كل صنوف الذخائر والمؤن لتزويدهم بها عند الحاجة. دبّر إبراهيم پاشا خطة لمهاجمة المدينة من جهة الماء، فجهّز ثمانمائة زورقٍ على متنها رجالٌ أشدّاء، وما إن وصلت هذه الأساطيل حتى قطعت جميع خطوط الإمداد بين المدينة وزوارق العدو، وغصّ النهر بالأساطيل المدججة بالرجال، فحُوصرت القلعة من جهة الماء.

سقطت التحصينات الخارجية، التي كانت من الخشب لكنها أصلب من الحجر. وانطلق العثمانيون يجتاحوا ضواحي المدينة الغارقة في الفوضى والاضطراب. وحين أيقنت الحامية أنهم عاجزون عن صد هذا السيل الجارف من الجنود العثمانية، لم يبقَ لهم من حيلة سوى إحراق كل ما يملكونه. فصاروا يوقدون نيرانًا هائلة ليجعلوا منها درعًا يحتمون به، فاستطاعوا التخلّص من مطاردة الفاتحين للحظات معدودة، وراحوا يلوذون بالقلعة باحثين عن مأوى. هنا، أمر السلطان بتوجيه دعوة جديدة إلى الجنود المُحَاصرين في القلعة ليدخلوا في الطاعة، ولكنّ عنادهم وإصرارهم على موقف العصيان ظلّ لا يُقهَر، فأمر إبراهيم پاشا بتوزيع المدافع على أمرائه لتُطلق نحو القلعة حتى تزرع في أسوارها الرعب والفزع، وخصّص لكل أمير موقعًا محددًا، وأمر جميع الجنود بتجهيز أسلحتهم وتأمين ذخيرتهم والاستعداد التام. ثم نُصبت تلك المدافع المدوية ووجّهت أفواهها نحو القلعة. ومع كل قذيفة، كان دويّ يشبه الرعد يهزّ السماء، ويملأ الأفق بأصدائه المترددة. دوّت أصوات الانفجارات الهائلة التي لم يُسمَع لها مثيل واستمر القتال لا يهدأ من الفجر المضيء إلى مغيب الشمس حتى انهارت الأسوار المقابلة للمدافع بفعل المقذوفات. وكان الصرب، أصحاب القلوب الصلبة، من بين المقاومين الأكثر ثباتًا الذين اخترقتهم الرصاصات. وحين كانت تسقط إحدى السواتر، كان عشرة صليبيين أقوياء كالحديد يهجمون فورًا ليأخذوا مكانها، جميعهم طوال القامة كأنهم عمالقة. وكان كلّ واحد منهم قائدًا رهيبًا، مصفّحًا بالنحاس، ينثر النار والدمار، يشكّلون سورًا جديدًا من الحديد. وكانت كلما انطلقت البنادق أو السهام السريعة من فوق الأسوار، كانت الحجارة الثقيلة من المدافع تردّ الردّ الحاسم. وفي هذه المعركة الضارية، كانت الفِرق العثمانية تُرصّ على هيئة صفوف، تُحكم الحصار حول القلعة في طوق محكم. أما الجيش، فكان لا يفتأ ليلًا ونهارًا يُؤجج لهيب المعركة ويدكّ القلعة بقذائفه ويهدم تلك المباني الفخمة المُزينة.

كان جنود فيلق اللغمجية المختصون بحفر الأنفاق يحفرون في الصخر تحت أساسات القلعة، يهدمون بقضبانهم الحديدية أُسُس هذا البناء العظيم ويُزعزعون استقراره. كان اللغمجية يحفرون أنفاقا تحت القلعة تصل إلى أساسات الأبراج التي توجد عليها المتاريس ثم يُسندونها بدُعامات خشبية غليظة بصفة مؤقتة، ويملؤوا تلك الحُفر بالبارود ثم يشعلوا النار فيه لتنفجر، فترتفع هذه الأبراج الهائلة في الهواء كالهباء المنثور. ولم يكد هذا التدبير يُنفَّذ حتى اندفعت القوات العثمانية تُشنّ هجومها. أما حامية القلعة، فكانوا على أهبة الاستعداد للقتال ودفع هجوم العثمانيين. لم يستطع العثمانيون رغم كل جهودهم الجبارة اجتياز أجساد أعدائهم ولا اختراق أسوار القلعة. وحينما ارتفع غيم الدخان الأسود، المتصاعد من الأرض الملآى بالجرحى، وبعد أن سكن الغبار الذي أثارته حركات الجنود السريعة، عاد الجنود إلى معسكراتهم، واستراح حاملو الرايات وبيارق النصر من عنائهم. وعند حلول المساء، عاد القتال تارة أخرى. وفي صباح اليوم السابع عشر من شهر شوال، أدّى الجنود العثمانيون صلاة الصبح، وارتفعت دعواتهم بالحماسة والفرح، وانطلقت مدافعهم برسائل الموت إلى الأعداء، فانفتحت الثغور من جديد رغم ما بذله الصليبيون من جهد لإغلاقها، وانهارت كل دفاعاتهم. وعندما أشعَلَ جنود فيلق اللغمجية النيران في البارود الذي مُلئت به الأنفاق ووقعت الانفجارات فورًا، امتلأت أحشاء الأرض لهبًا فتزلزلت القلعة من قواعدها وأُصيب الصليبيون بالذهول وتطايرت الأبراج في الهواء كأنها قش وتحوّلت كتلتها وما فيها إلى شظايا. فاغتنم العثمانيون المحيطون بالقلعة فوضى العدو وأطلقوا بوق الهجوم وزحفوا قرب الأسوار استعدادًا للهجوم واقتحموا بقوتهم تلك الحصون فهدموها بسواعدهم. وكان هناك برج من أصلب الأبراج جميعًا، لم تستطع الألغام أن تنفذ إليه، ولم تهزه الانفجارات من أساسه؛ فالتجأ إليه جمع غفير من الصليبيين واتخذوه ملاذًا مؤقتًا يقيهم من طوفان السيوف المميتة. عند هذا الموقف، تدخل إبراهيم باشا المنتصر المتمسك بشريعة الله والمتقيد بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتقاليد السلاطين العظام، ليطبّق الحكمة القائلة: "الحِلم زينة النصر"، ومال إلى الرحمة تجاه الصليبيين ومنحهم الصفح فسارعوا إلى إبداء رغبتهم في أن يصبحوا من رعايا الدولة العثمانية ونزلوا من القلعة وخرجوا من الحصون فأُغدقت عليهم النِّعَم الجزيلة. وفي نفس ذلك اليوم الذي فتح العثمانيون فيه القلعة، رُفع لواء النصر على أبراجها، وانغمس الجنود المظفرون في فرح لا يوصف.

خيّم إبراهيم پاشا المظفر في اليوم التالي مع جيوشه الجرارة في سهل فسيح يجاور القلعة. فنُصبت الخيام وسط الحدائق، وارتفع الخباء السلطاني مزدانًا بستائر متعددة الألوان، وحضرإبراهيم باشا مع قادة وأمراء الروملي مجلس ديوان السلطان سليمان، وأُذن للبكوات أصحاب الطبول والرايات الذين كانوا يترأسون فرق الفرسان بتقبيل يد السلطان. أما الصدر الأعظم، فقد تلقّى جزاءً لبطولاته هدايا فاخرة، ونال نِعَمًا جليلة. ونال كل الشجعان الذين ساهموا بشجاعتهم وثباتهم في تحقيق النصر عددًا كبيرًا من الأسرى كعبيد، وزيد في إقطاعاتهم، كما أُهدي باقي البكوات قفاطين فاخرة. وغمر السلطان جميع ذوي الشأن بالتكريم والمكانة. وفى نفس الأثناء أرسل والى البوسنة إلى السلطان يبلغ السلطان بأنه تمكن من السيطرة على كافة القلاع الواقعة داخل منطقة سيرميا. كتب المؤرخ العثماني البوسنوي بچوي إبراهيم أفندي (1572م-1650م) في مؤرخه "تاريخ پچوى" تحت عنوان فتح قلعة وارادين (بالتركية العثمانية: فتح قلعۀ وارادين): «وكان الملك الضال المعروف باسم "طوموری بال" (بولس توموري) حاكماً لممالك ما وراء نهر طونه (الدانوب) وقائدا لجندهم، ولما كانت القلعة المذكورة تحت سيطرته، فقد أحضر الكثير من السفن، وملأها بعدد غفير من المسلحين، وكان يريد عدم السماح لأسطول أهل الإسلام بالمرور من أمام القلعة المذكورة، ولكنه لم يقدر على هجوم "سلیمان رئيس" الذي كان قائدا لثمانمائة سفينة عيّنتها الأستانة السعيدة، وفرّ طوموری بال بنفسه مُكرها إلى صحراء سكدين وفرَّت سُفُنه صوب ايلوق عن طريق نهر طونه، فلما بلغوا قلعة ايلوق، وَضَعَ جمعاً من المسلحين يُقدَّرون بمئة أو مئتي فارس في القلعة؛ إذ لم يكن لهم من سبيل إلى الفرار». لم يتمكن بولس توموري الذي كان يقود جيشًا لا يتجاوز عدده بضعة آلاف ويعاني من صعوبات في الإمداد، من محاولة إنقاذ أو إغاثة هذه القلعة الرئيسية. وبعد فتح قلعة وارادين بأيدي العثمانيين، تراجع توموري إلى مقره الأسقفي في باچ ، وعبر نهر الطونة، واتخذ موقعًا شمال نهر دراڤا.

فتح قلعة ايلوق

تقع قلعة ايلوق على ضفة نهر الطونة وتُعرف في المصادر العثمانية بـ إيلوق أو أويلوق وهي تقع في دولة كرواتيا الحالية. كانت قلعة ايلوق قلعة حصينة رهيبة مُنشئة في أعلى منحدر صخري ومحاطة بأسوار حجرية، وقد كانت هذه القلعة من أقوى الحصون، مشهورة بمتانة أبنيتها وارتفاعاتها. كانت خنادقها عميقة إلى درجة أن من يسقط فيها لا يستطيع الخروج؛ وأبراجها شاهقة بعيدة المنال لا يمكن تسلّقها إلا بمعجزة. أما الأسوار، فقد كانت تمتد عاليًا وكانت أبوابها شديدة الإحكام لا تُفتح بسهولة، وأسوارها لا تُدكّ؛ ومن جهة اليابسة كانت محمية بخندق، ومن جهة الماء محمية بنهر الطونة نفسه. وكانت هذه القلعة غنية بكل أنواع الذخائر الحربية، ويدافع عنها جنودٌ مخضرمون اعتادوا على فنون القتال. وبعد أن فُتحت قلعة وارادين وألحقت بممتلكات الدولة العثمانية، أمر السلطان سليمان الصدر الأعظم إبراهيم پاشا الفرنجي بمحاصرة قلعة ايلوق وحذّر من حرق القرى في هذه النواحي ومن نهبها وتخريبها. بدأ إبراهيم پاشا حملة جديدة لفتح هذا الحصن فرفع رايات النصر، ودوى طبل الفتح، وسار على رأس فيالق إليها. غادر إبراهيم پاشا مدينة وارادين منتصراً في 27 يوليو، وتقدم الجيش العثماني بمحاذاة نهر الطونة ووصل أمام قلعة ايلوق. بدأ جيش إبراهيم باشا حصار قلعة ايلوق في 1 أغسطس/آب الموافق 22 شوّال، وكانت أضعف من قلعة وارادين. وبعد سبعة أيام استسلمت وفُتحت في اليوم الثامن. نصب العثمانيون مدافعهم الجبارة في مواقع متعددة وأمطروا أسوار قلعة ايلوق بوابلٍ من الضربات القاسية، وارتفع دويّ المدافع كالرعد يهزّ الأرجاء حتى أبواب السماء، والدخان كغمامة يُسدل ستارًا أسوداً في الجو، والنيران متوهجة كالبرق تلتهم وتدمر كل ما تصادفه وتنخر الحجر والخشب كما تنخر الصوف وتُفني المدينة في آن واحد، وذلك بحسب وصف المؤرخ العثماني ابن كمال باشا في مؤرخه "موهاج نامه". رأى المحاصَرون بأعينهم الخراب المهول الذي تسببت فيه المدفعية، فاجتمعوا جماعاتٍ عند قادتهم وعقدوا مجلسًا للتشاور. عبّر الشيوخ والأثرياء عن رأيهم بضرورة الاستسلام، واقترحوا إلقاء السلاح والتخلي عن كل فكرة للمقاومة. وبعد مناقشة عاصفة، أصغى الجميع أخيرًا إلى كلمات شيوخهم وعملوا بنصيحتهم الحكيمة، واتفقوا على تسليم الحصن وتقديم الاعتذار للباشا تجنبًا لمآسي النهب وفظائع الدمار. وبناءً على ذلك، أوفدوا إلى المعسكر العثماني بعض وجهائهم برسالة إلى الصدر الأعظم إبراهيم باشا الفرنجي، الذي قبل استسلامهم ورفع العلم العثماني على برج قلعة المدينة، ودوّى طبل النصر مبشّرًا بهذا الظفر، حتى ملأ صداه البهيج قبّة السماء الزرقاء. عيّن العثمانيون قائداً ذا خبرة على هذا الحصن، مثلما فعلوا في قلعة وارادين، وزودوه بحامية كبيرة ومؤنٍ من شتى أنواع السلاح، وحولوا المعابد إلى مساجد للإسلام، وبذلك استسلمت القلعة بمحض إرادتها للجيش العثماني، ونتيجة لذلك خلع السلطان على اثني عشر شخصاً من أعيانها القفاطين ووزع عليهم العطايا. تشير التقديرات إلى أن عدد جنود الحامية في القلعة كان أقل من ثلاثة آلاف مقاتل. وعندما رفض المدافعون نداء الاستسلام، بدأ الجيش العثماني في قصف القلعة بالمدفعية، تزامنًا مع حفر الأنفاق للاقتراب من التحصينات. بعد أسبوع من المقاومة العنيفة، نجح الجيش العثماني في اقتحام القلعة والسيطرة عليها يوم الجمعة، 8 أغسطس 1526م. كتب المؤرخ العثماني بچوي إبراهيم أفندي في مؤرخه تحت عنوان فتح قلعة ايلوق (بالتركية العثمانية: فتح قلعۀ ايلوق): «في 28 شوال سنة 932 (هـ) بعد فتح قلعة وارادين (حاليا: پيتيرڤارادين)، عزم الوزير الأعظم صاحب المقام العالي (يقصد: إبراهيم پاشا) مع عسكر الإسلام على فتح قلعة ايلوق، فتم الفتح بفضل الله وعنايته الربانية، ثم أُعطي الأمان للمتواجدين في الحصن من الكفار، فخرجوا وسلموا أنفسهم. كما فُتحت عدة قلاع أخرى، مثل: فتح "قوتيك"، فتح "دمترفجه"، فتح"ايريك"، فتح "غوغورفجه"، فتح "لوكاي"، فتح "صوتين"، فتح قلعة "دلقوار"، فتح قلعة "اردود"، فتح "چروينك"، فتح "راچه، فتح قلعة "اوسك". وفي "واروش"، شُيِّد جسر جديد في غضون ثلاثة أيام لخدمة الجيش الظافر. وفي اليوم الثاني عشر من شهر ذي القعدة، عبرت جميع الجيوش المنتصرة بانتظام، ومرت عبر ساحات القتال. ثم، بناءً على أمر السلطان الغازي، هُدم الجسر، وقُطعت الصلة بين البلاد الإسلامية والمناطق الأخرى». كتب المؤرخ العثماني ابن كمال باشا: «بعد فتح قلعة "إيلوق" بنصر الله في التاسع والعشرين من شوال، واستيلاء الجيش الظافر للپادشاه (أي السلطان) على تلك المناطق، لم يبقَ حصنٌ يُذكر على ضفاف الطونه والدراڤا لم يسقط.»

فتح قلعة أوسييك

بعد فتح قلعة ايلوق، فتحت الجيوش العثمانية المظفرة خلال تقدمهم في سيرميا إحدى عشرة قلعة صغيرة، حتى بلغوا أسوار قلعة أوسييك بكرواتيا، الواقعة على ضفاف نهر دراڤا، مُكملين بذلك تحييد الجزء الجنوبي الشرقي من خط الحصون الحدودية المجرية. وبسبب ذيوع نبأ نجاح العثمانيين بفتح قلعة ايلوق، استسلمت قلعة أوسييك دون قتال وأرسل حاكمها مفاتيحها طوعًا. هناك رواية تحدد تاريخ الاستسلام في 7 أغسطس/آب الموافق 28 شوّال.

ولدواعي عسكرية قبل معركة موهاكس مباشرة، دمر الجيش العثماني حصن مدينة أوسييك بالكامل تقريبًا، في 8 أغسطس 1526م. كتب المؤرخ العثماني بچوي إبراهيم أفندي في مؤرخه: «وسُوّيَت قلعة أوسك بالأرض تماما، وفي داخل المنطقة التي تقع خارج القلعة شُيّد جسر واسع خلال ثلاثة أيام فقط، وذلك لعبور العساكر المكللة بالنصر إلى الساحل الآخر، وفي يوم 12 من ذي القعدة 932هـ تمت عملية العبور والمرور إلى بلاد المجر عديمة الشرف، بكافة الأجناد الذين عادتهم النصر، وبعد العبور قُطع الجسر بأمر من السلطان الغيور، وقطعت العلاقة مع ديار الإسلام.». وكانت أوسييك مدينة مُهملة وفقيرة بسبب سياسات الملَّاك السابقين من غير العثمانيين، ولكن العثمانيون أحيوها وطوروها تحت حكمهم حتى تحولت خلال سنوات مع إعادة الإعمار إلى مدينة عثمانية مزدهرة وأصبح موقعها استراتيجيًا بعد بناء جسر خشبي ضخم بطول 8 كيلومترات وعرض 6 أمتار صممه المعماري العثماني "معمار سنان" على نهر دراڤا عام 1566م، مما جعلها مركزًا مهمًا للتجارة والتنقل العسكري بين البلقان وشمال نهر الطونة، ومركزًا لسنجق تابع لإيالة "بدون" خلال القرن 17. حافظت أوسييك على أهميتها الاستراتيجية وحركتها المرورية خلال الحكم العثماني وظلت معروفة عالمياً آنذاك بسبب جسر السلطان سليمان، أحد عجائب البناء العالمية كما كان يُطلق عليه، حتى أحرقه الجيش النمساوي عام 1686م.

=== إعلان الزحف إلى قلب المجر === ومع استسلام قلعة أوسييك، أخذ المنادون يُعلنون بين صفوف المقاتلين بِأنّ السلطان قد عزم على بلوغ "بدون"، مُحددين بذلك هدفهم إلى قلب بلاد المجر.

بناء الجسر على نهر دراڤا

ثم تقدم العثمانيون في اتجاه الشمال، وفي 14 أغسطس/آب وصلوا إلى نهر دراڤا حيث يتحد مع نهر الطونة عند مدينة أوسييك، بكرواتيا. وفي اليوم التالي 15 أغسطس/آب الموافق 7 ذو القعدة، بدأ العثمانيون العمل على إنشاء جسر في أوسييك على نهر دراڤا، وأتموه يوم 19 أغسطس/آب بعد خمسة أيام. وخلال البناء، أقيمت خيمة قرب الشاطئ، حيث أشرف السلطان والوزير الأعظم شخصيًا على تسريع العمل، وسرّع السلطان بنفسه وتيرة العمل بتشجيعه الشخصي. كانت هذه المدينة نقطة استراتيجية مهمة، إذ إن نهر دراڤا يمر هناك في مجرى ضيق، ويُعتبر المكان ملائمًا جدًا لإقامة جسر.

=== عبور نهر دراڤا دون مقاومة === وفي 20 أغسطس عبرت أولى الفرق العثمانية نهر دراڤا من فوق الجسر وطردت الحرس المجري الذي كان يعسكر على الضفة المقابلة. ثم عبر الجيش العثماني في ثلاثة أيام، وهدموا الجسر في 23 أغسطس/آب 1526م، وبذلك اقترب الجيش العثماني أكثر من ميدان المعركة في موهاكس. عُيّن بالي بك بن يحيى باشا طليعة العسكر لأخذ أسرى يدلون بمعلومات عن العدو وكُلف أيضًا بإجراء عمليات الاستطلاع أمام الجيش، كما عُيّن غازي خسرو بك حاكم سنجق البوسنة ظهيرا للجيش في المؤخرة. كتب المؤرخ العثماني بچوي إبراهيم أفندي في "تاريخ پچوى": «بعد عبور نهر دراوه (دراڤا)، اتخذ عسكر الإسلام مواقع جديدة، وتمركزت القوات في المواقع المحددة. وفي هذه الأثناء، كانت بعض العناصر المتمرسة تشرف على التنظيم العسكري، بينما كانت القوات تتأهب لمواجهة أي مقاومة محتملة. وخلال تقدم القوات، اتُخذت قرارات استراتيجية لضمان السيطرة على الطرق الرئيسية، وأُجريت الترتيبات لضمان تحرك الجيش بسلاسة. واتُّخِذت بعض التدابير لحماية خطوط الإمداد، وضُمنت مشاركة مختلف الوحدات العسكرية في العمليات القتالية بصورة متزامنة. ومع استمرار التقدم، أُجريت مشاورات بين القادة العسكريين لتقييم الأوضاع الميدانية، ووُضعت الخطط اللازمة لتجنب أي مفاجآت غير متوقعة. كما أُعطيت الأوامر اللازمة للتحرك وفقًا للظروف العسكرية على الأرض. وفي هذه المرحلة، اتُخذت التدابير اللازمة لتأمين الخطوط الدفاعية، وصدرت الأوامر بتحصين بعض المواقع الاستراتيجية. وتم تنفيذ بعض المناورات العسكرية لتعزيز المواقع المتقدمة. وفي نهاية هذه المرحلة، أمر القادة العسكريون بمواصلة التقدم، واتُّخذت جميع الاحتياطات اللازمة لضمان سير العمليات العسكرية بنجاح». روى المؤرخ العثماني ورجل الدولة جلال زاده مصطفى چلبي أن السلطان أرسل بالي بك مُقدمًا، وجاء وصفه: «إن حاكم سنمدرية، بالي بن يحيى پاشا، البطل المجرب في الحروب، الذئب الشبيه بالأسد، ودليل المجاهدين في سبيل الإيمان، قد أُرسل مقدمًا بأمر السلطان الفاتح ليتولى قيادة طليعة الجيش الظافر». وقد أتاحت هذه العملية، بالإضافة إلى تمهيد الطريق لتقدم الجيش الرئيسي من الغرب، فرصة مثالية للاستطلاع.

== مسير القوات المجرية من بدون إلى موهاكس == غادر جيش الملك لويس الثاني العاصمة المجرية "بدون" في 20 يوليو/تموز 1526م، وتمركزت قواته في عشرات المواقع قبل الوصول إلى موهاكس، وشملت محطات التوقف عدة مستوطنات واقعة جميعها على ضفاف نهر الطونة. تقدّمت الجيوش المجرية في مسيرتها الحثيثة بمحاذاة ضفاف نهر الطونة ترافقها السفن المُ مُحمّلة بمعظم المؤن والإمدادات العسكرية، واعتمدت القوات بشكل رئيسي على الطرق المحاذية لمجرى النهر وكلما اعترضتهم السهولُ الفيضانيةُ الواسعةُ أو المنعطفاتُ النهريةُ الحادةُ انحرفوا عن مسارهم الأصلي، فاتخذوا طرقاً جانبيةً متعرجةً أضافت إلى رحلتهم مسافاتٍ إضافيةً غير متوقعة. وصلت القوات إلى باچ، ثم سارت نحو تولنا حيث أخذوا قسطاً طويلاً من الراحة، إذ كانت هذه البلدة الزراعية نقطة التجمع المحددة للقوات ومكاناً عُقدت فيه مناقشات مكثفة حول كيفية التعامل مع الموقف. انحرف الجيش من هناك انحرافاً كبيراً نحو الغرب ليتجنب السهل الفيضاني المشترك بين نهر الطونة ونهر سارڤيز الصغير. مكثت القوات في بعض المعسكرات فترات طويلة في انتظار وصول قوات من أجزاء أخرى من البلاد، وأرسل الملك أوامراً ورسائل استغاثة يتوسل إلى الحلفاء، ورسائل عاجلة إلى النبلاء الذين تأخروا في التجمع، وبَذَلَ جهوداً جبارة لتشكيل جيش ذي عدّة وعدد كافيين لمواجهة العثمانيين، لكنه لم ينجح في ذلك إلا النذر اليسير. نزل الجيش ببلدة سكسارد عاصمة مقاطعة تولنا ثم توقف مرتين قبل الوصول إلى مدينة باتا بنفس المقاطعة حيث انعقد فيها اجتماع مهم بين 16-19 أغسطس 1526م في دير الدم المقدس، أقدس موقع للحج في مملكة المجر، وكان التخييم في باتا جزءًا مهمًا من الاستعداد الروحي للجيش. ثم واصلت القوات زحفها بمحاذاة النهر تتخطى التضاريس الوعرة والمنحدرات الشديدة حتى بلغت موهاكس في مسيرة استمرت أكثر من شهر، ليصل الملك في الخامس والعشرين من أغسطس عام 1526م.

=== مشكلات القوات المجرية === لم يكن لدى الملك لويس الثاني جنرالات قادرين على قيادة جيش أمام العثمانيين، فاستدعى الكونت كريستوف فرانكوپان الذي ركب مع قوة متواضعة من 450 فارسًا للانضمام إلى الملك بعد أن حصل على إذن من الأرشيدوق فرديناند. وبحلول 26 أغسطس، كان فرانكوپان في زغرب يبحث عن المال ويقوم بالتحضيرات النهائية للانضمام إلى الملك. أرسل كريستوف فرانكوپان رسالة إلى الملك لويس الثاني، ينصحه فيها بعدم الدخول في معركة مع السلطان العثماني سليمان القانوني، والبقاء في "بدون" بعيداً عن العدو أو في أي مكان آمن آخر حتى تتجمع جميع قوات البلاد ووصول يوحنا زاپولياي، والبوهيميين، وفرانكوپان نفسه مع قواته الكرواتية، ولكن الملك لويس لم يستمع لتحذيراته.

=== من العاصمة إلى تولنا === لم يستمع الملك لويس الثاني لتحذيرات كريستوف فرانكوپان، وغادر "بدون" في العشرين من يوليو/تموز 1526م متجها جنوبا إلى تولنا الواقعة شمال موهاكس برفقة 4,000 فارس، عازماً على جمع القوات من أماكن مختلفة خلال مسيره وفقاً للإجراء المعتاد، فوصل تولنا في 6 أغسطس/آب وعسكر بها مدة أسبوعين، ولكن الجيش لم يزدد عدده إلا ببطء شديد. وهناك في معسكر تولنا كان ينتظره قائد الجيش: "البالاطين" أسطفان باتوري مع قوات الجيش الأساسية، وجرت مشاورات حول تحديد خطة الحرب. قلل القادة المجريون من شأن قوة العثمانيين وبالغوا في تقدير قوة جيشهم، وطالب معظم الحاضرين بأن يتحرك الملك إلى نهر دراڤا ويخوض هناك المعركة مع السلطان سليمان. علّق المستشار المؤرخ المجري أسطفان بروداريتش على هؤلاء المستهترين قائلًا: «إنهم يظنون أنهم قادرون على الطيران وليس لديهم أجنحة». أسفرت مناقشات الاجتماع المنعقد على ضرورة إرسال البالاطين أسطفان باتوري بالجيش إلى أوسييك على نهر دراڤا للدفاع عنها، ووافق الملك على هذا الرأي وفي ذهنه أنه إذا لم يتمكن البالاطين من صد السلطان عند نهر دراڤا، فإنه، أي الملك، سيتجه إلى كرواتيا حيث كان يأمل أن يجد حماية آمنة في الحصون المُزودة بحامية نمساوية. إلا أن أحداً من النبلاء لم يرغب في التقدم تحت قيادة البالاطين ما لم يرافقهم الملك لويس الثاني بنفسه، وصرّح النبلاء الذين كان ينبغي عليهم أن يسيروا مع أسطفان باتوري إلى أوسييك بأنهم طبقًا لامتيازاتهم لا يسيرون باتجاه العدو إلا تحت القيادة الشخصية للملك فقط، كما أن العدو، أي الجيش العثماني، يقوده السلطان بنفسه. لم يُخفِ الملك لويس اضطرابه، وأجاب بعصبية: «أرى أن كل واحد يبحث عن حماية أو مخرج من خلالي؛ حسنًا! أنا مستعد، من أجل خير البلاد، لأن أعرض نفسي لكل خطر. ولكيلا يتمكن أحد من التستر على جبنه بي أو تحميل مسؤوليته علي، فسوف أتحرك بمعونة الله غدًا وأذهب إلى حيث لا يريد أحد أن يذهب بدوني».

=== من تولنا إلى موهاكس === واضطر الجيش المجري برمته إلى التحرك نحو الجنوب من أجل مواجهة الجيش العثماني. وهنا قرر بولس توموري القائد المجري أن يعسكروا في سهل موهاكس ليواجهوا الجيش العثماني. وفي هذه الأثناء أرسل لويس الثاني إلى ڤويڤود الأردل: يوحنا زاپولياي ليشن هجوما مع حاكم الأفلاق من الخلف على الجيش العثماني بأسرع وقت ممكن، ومن ثم الانضمام إلى الجيش الأساسي.

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗