معركة الخرطوم هي معركة جرت للسيطرة على ولاية الخرطوم بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية. بدأت المعركة في 15 أبريل 2023، بعد أن تمردت قوات الدعم السريع وحاصرت قاعدة مروي العسكرية في 12 أبريل 2023، ثم هاجمت مساء 14 أبريل 2023 مطار الخرطوم الدولي، وعددًا من القواعد العسكرية، والقصر الجمهوري، وحي المطار الذي تقطنه أسر القادة والضباط، لتبدأ سلسلة متصاعدة من الاشتباكات. امتدت المعركة من قلب الخرطوم إلى أم درمان والخرطوم بحري، وتحولت العاصمة المثلثة إلى ساحة حرب حضرية طويلة حول الجسور والمطارات والمعسكرات والمقار السيادية. شاركت في القتال وحدات الجيش النظامية، والقوات الجوية، وسلاح المدرعات، وسلاح المهندسين، وقوات الشرطة والاحتياط المركزي، وجهاز المخابرات العامة وهيئة العمليات السابقة، إلى جانب المقاومة الشعبية وبعض التشكيلات المتحالفة مع الجيش. اعتمدت قوات الدعم السريع على قيادتها المركزية، وشعبة العمليات، وغرف العمليات الميدانية، وقوات مثل فرقة الزلزال، وعلى شبكات تعبئة متصلة بحرس الحدود السابق ومجموعات الجنجويد القديمة في دارفور. وظهرت في بنيتها القيادية والعسكرية فروع قبلية واجتماعية ذات صلة بالتجنيد والقيادة الميدانية، خصوصًا داخل دارفور وكردفان، من غير أن يعني ذلك تمثيلًا شاملًا للقبائل أو المجتمعات المذكورة. أفادت التقارير الأولية بتصاعد التوتر في الخرطوم ومروي في 13 أبريل 2023، عندما حشدت قوات الدعم السريع قواتها. وردًا على ذلك، أصدرت القوات المسلحة السودانية بيانًا قالت فيه إن هناك احتمالًا لمواجهة بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع، مما أثار مخاوف من صراع أوسع نطاقًا. في مساء 14 أبريل 2023، هاجمت قوات الدعم السريع مطار الخرطوم الدولي، وقاعدة عسكرية، والقصر الجمهوري. وامتد القتال من الخرطوم إلى ضواحيها، وفي مقدمتها أم درمان، حيث صار التحكم في الجسور والمعسكرات والمطارات ومقار القيادة عاملًا حاسمًا في سير المعركة. في 26 مارس 2025، أعلنت القوات المسلحة السودانية النصر بعد طرد قوات الدعم السريع من معظم أنحاء الخرطوم، بما في ذلك المطار والقصر الجمهوري.
== الخلفية == كانت الخرطوم قبل حرب 2023 قلب الدولة السودانية ومركزها. نشأت عند ملتقى النيل الأزرق والنيل الأبيض، وتكوّنت حولها نخبة الإدارة والجيش والمال والتعليم والخدمة المدنية. وغلب على مركزها القديم وفضائها السياسي والاجتماعي حضور وادي النيل والشريط النيلي، مع بقاء العاصمة مفتوحة منذ عقود لهجرات واسعة من دارفور وكردفان وشرق السودان وجنوبه. تتألف العاصمة المثلثة من الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري. وفي هذه المدن تركزت الوزارات، والقصر الجمهوري، ومطار الخرطوم الدولي، والقيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، وسلاح المدرعات في الشجرة، وسلاح المهندسين في أم درمان، ومقار الشرطة والمخابرات والسفارات والبنوك والأسواق الكبرى. وعلى الرغم من أن الخرطوم شهدت احتجاجات وقمعًا واضطرابًا سياسيًا، فإنها ظلت في الغالب بعيدة عن حرب المدن المفتوحة. وكان هجوم أم درمان 2008 إنذارًا مبكرًا بأن نار الأطراف قد تصل إلى قلب المركز، حين دخلت حركة العدل والمساواة أم درمان خلال الحرب في دارفور. وقد كشف ذلك الهجوم هشاشة العاصمة أمام قوة قادمة من الغرب، وربط ذاكرة الخرطوم العسكرية بصراعات دارفور والهامش المسلح. أما قوات الدعم السريع فخرجت من رحم حرب دارفور. فقد اعتمد نظام عمر البشير على مليشيات الجنجويد وحرس الحدود في حربه ضد الحركات المسلحة، ثم أعاد تنظيم أجزاء من هذه الشبكات القتالية سنة 2013 في قوة شبه عسكرية قادها محمد حمدان دقلو «حميدتي». وارتبطت هذه القوة في التقارير الحقوقية بسجل عنيف في دارفور، كما ارتبط صعودها بالذهب، والحدود، والولاء القبلي، وبناء قوة عسكرية موازية للجيش النظامي. في ديسمبر 2018 اندلعت الثورة ضد نظام البشير، وتحولت الخرطوم إلى مسرح القرار الشعبي. سقط البشير في أبريل 2019، ثم نشأت سلطة انتقالية جمعت المدنيين والعسكريين، لكن الدم ظل حاضرًا في ذاكرة المدينة بعد مجزرة القيادة العامة في 3 يونيو 2019، حين هوجم الاعتصام قرب مقر الجيش. في 25 أكتوبر 2021 أطاح عبد الفتاح البرهان بالمسار المدني في انقلاب عسكري، وبقي حميدتي شريكًا ثقيلًا داخل السلطة العسكرية. ثم انفجر الخلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش. صار ميدان حسم بين دولتين داخل الدولة: جيش نظامي يملك الشرعية التاريخية، وقوة موازية تملك السلاح والمال والانتشار. في 13 أبريل 2023 تصاعد التوتر بعد تحركات لقوات الدعم السريع في الخرطوم ومروي. وحذرت القوات المسلحة السودانية من انتشار قوات الدعم السريع دون تنسيق، ثم انفجرت المواجهة في 15 أبريل. بدأ الصراع من المطار والقصر والقيادة والمعسكرات.
اندلاع الحرب
=== الهجمات على مطار الخرطوم وأم درمان (15–17 أبريل) === في صباح 15 أبريل 2023، بدأت قوات الدعم السريع هجومًا مفاجئًا ومنسقًا على منشآت سيادية وعسكرية في العاصمة المثلثة: الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري. استهدف الهجوم الأول مطار الخرطوم الدولي، لأن السيطرة عليه كانت تعني قطع بوابة العاصمة الجوية، وتعطيل حركة القوات الجوية السودانية، ومنع استخدام المدرج في الإمداد أو الإخلاء أو استقبال الدعم الخارجي. خلال الساعات الأولى، أطلقت قوات الدعم السريع النار على طائرة من طراز إيرباص A330 تابعة للخطوط السعودية وهي في المطار، فاشتعلت فيها النيران وتوقفت الملاحة الجوية الدولية فوق الخرطوم. ولم تُسجل وفيات بين طاقم الطائرة وركابها، لكن الحادث أظهر منذ اللحظة الأولى أن المعركة دخلت مجالًا مدنيًا بالغ الحساسية. بالتزامن مع اقتحام المطار، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على القصر الجمهوري، مقر إقامة الرئيس ومواقع حول القيادة العامة للقوات المسلحة. ونفت قيادة الجيش السوداني هذه الإعلانات أو قللت من أثرها، فدخلت العاصمة في حرب روايات متزامنة مع حرب المواقع: الدعم السريع يعلن السيطرة، والجيش ينفيها، والمدينة بينهما تتلقى القصف والنيران والارتباك.
==== البعد الديموغرافي ==== حملت المعركة منذ بدايتها بعدًا جهويًا واجتماعيًا واضحًا، وإن ظل الصراع في صورته الرسمية صراعًا على قيادة الدولة والسلاح. فقد نشأت قوات الدعم السريع من شبكات قتالية مرتبطة بعرب دارفور والبقارة وبمجموعات الجنجويد وحرس الحدود، بينما ظل الجيش السوداني مؤسسة الدولة المركزية ذات الثقل التاريخي في الخرطوم والشمال النيلي ووسط السودان. وقد زاد هذا البعد حساسية المعركة لأن الخرطوم، بوصفها عاصمة نيلية شمالية الغلبة في مركز السلطة والإدارة، كانت تضم في الوقت نفسه سكانًا من كل أقاليم السودان. لذلك لم تكن الحرب داخلها مجرد صدام عسكري؛ بل كانت احتكاكًا عنيفًا بين مركز الدولة القديم وشبكات السلاح القادمة من أطرافه الغربية، داخل مدينة مزدحمة بالمدنيين والمؤسسات والسفارات والأسواق والمستشفيات.
==== الهجوم على البرهان ==== في يوم 15 أبريل، جرت اشتباكات حول بيت الضيافة ومقر إقامة القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان. وذكرت تقارير صحفية أن قوات الدعم السريع سعت إلى محاصرة أو اعتقال القيادة العسكرية في الساعات الأولى، بينما تمكن البرهان من الإفلات والانتقال إلى موقع عسكري آمن، بعد معركة قُتل فيها عدد من عناصر الحراسة. ردت القوات المسلحة السودانية بتفعيل ميزتها الأبرز داخل العاصمة: الطيران الحربي. واستهدفت الغارات مواقع الدعم السريع في سوبا وصالحة ومحيط المطار والقصر، بينما اتجهت قوات الدعم السريع إلى أسلوب الانتشار داخل الأحياء السكنية والمباني الحكومية والمواقع المدنية، لإضعاف أثر القصف الجوي والمدفعي وإرباك تقدم المشاة.
=== الجبهة الإنسانية (17 أبريل) === مع اتساع القتال، دخلت المؤسسات التعليمية والصحية في قلب النار. في 17 أبريل، قُصفت كلية كومبوني للعلوم والتكنولوجيا التي تأسست عام 1879، بينما حوصر طلاب وأساتذة داخل جامعة الخرطوم عدة أيام وسط انقطاع المياه والغذاء وخطر القذائف. وقُتل الطالب خالد المعتصم داخل الحرم الجامعي، ودُفن داخل الجامعة بسبب تعذر إخراج الجثمان من منطقة الاشتباك.
==== انهيار المنظومة الصحية ==== انهارت الرعاية الصحية في الخرطوم منذ الأيام الأولى. فقد تعرضت مستشفيات ومراكز طبية للقصف أو لإقتحام قوات الدعم السريع أو الإغلاق، وانقطعت الكهرباء والوقود والأدوية عن منشآت ظلت تعمل بأقل من طاقتها. وذكرت تقارير صحفية وطبية أن عددًا كبيرًا من مستشفيات الخرطوم توقف عن العمل أو صار عاجزًا عن استقبال الجرحى، بينما تراكمت الجثث في الشوارع وتعذرت حركة الإسعاف بين مناطق السيطرة. وعلى المستوى الميداني، أعلن الجيش السوداني أنه استهدف مقار الدعم السريع الدائمة في العاصمة، بينما عوضت قوات الدعم السريع خسارة مقارها بالانتشار داخل الأحياء المدنية والمنشآت الدينية والخدمية. ووردت تقارير عن اقتحامها مساجد وكنائس ومقار دينية في العاصمة واستخدام بعضها للتمركز العسكري، في مؤشر مبكر إلى انهيار تعريفها للجبهة العسكرية والمجال المدني. سياسيًا، أعلنت قوى إعلان الحرية والتغيير توقف جهود الوساطة المباشرة بين البرهان وحميدتي. وفي المقابل، حاول حميدتي تقديم الصراع في الإعلام الخارجي باعتباره مواجهة ضد الإسلاميين وحلفاء النظام السابق داخل الجيش، وهي رواية قوبلت بتشكيك واسع بسبب سجل قوات الدعم السريع في الخرطوم.
==== ردود الفعل الدولية ==== في 17 أبريل، تعرض سفير الاتحاد الأوروبي لدى السودان، أيدان أوهارا، لاعتداء داخل مقر إقامته في الخرطوم، ووصف الاتحاد الأوروبي الحادث بأنه انتهاك خطير للحصانة الدبلوماسية. وفي اليوم نفسه، تعرض موكب دبلوماسي أمريكي لإطلاق نار، ما دفع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى الاتصال بالطرفين للمطالبة بوقف التصعيد وضمان سلامة البعثات الأجنبية. وفي السياق نفسه، أصدر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان قرارًا بحل قوات الدعم السريع واعتبارها قوة متمردة على الدولة. كما علّق برنامج الأغذية العالمي عملياته في السودان بعد مقتل ثلاثة من موظفيه في دارفور، وهو ما نقل الأزمة من نزاع عسكري داخلي إلى أزمة إنسانية ودبلوماسية واسعة.
=== معركة أم درمان === في أم درمان، تركز القتال حول المقرات الإعلامية ومداخل المدينة القديمة. حاصرت قوات الدعم السريع محيط مباني الإذاعة والتلفزيون، وتعرضت مواقع تابعة لوكالة السودان للأنباء لقصف واقتحام قوات الدعم السريع، في محاولة للسيطرة على الصوت الرسمي للدولة أو تعطيله. وردت القوات الجوية السودانية بغارات وضربات من محاور وادي سيدنا وشمال أم درمان. وشهدت الجسور والمداخل الرابطة بين أم درمان وبحري والخرطوم اشتباكات مباشرة، خصوصًا في محيط جسر الحلفايا ومحاور النيل. وأفاد سكان وتقارير صحفية بأن الجثث بقيت في بعض الشوارع ومناطق الاشتباك بسبب القنص والقصف وتعذر الحركة، فتحولت السيطرة على الجسر أو الشارع إلى شرط للبقاء والدفن والإسعاف معًا.
=== الهدنة الأولى (18–20 أبريل) === في 18 أبريل، عرض عضو مجلس السيادة الفريق أول شمس الدين كباشي دخول الجيش في هدنة لمدة 24 ساعة، وأعلنت قوات الدعم السريع موافقتها عليها. لكن الهدنة انهارت سريعًا مع استمرار دوي المدفعية والأسلحة الثقيلة حول القيادة العامة والقصر الجمهوري وحي الجبرة جنوب الخرطوم، حيث توجد مساكن ومقار مرتبطة بقيادات الدعم السريع. أظهرت صور الأقمار الصناعية وتقارير الصحافة الدولية دمارًا واسعًا في وسط الخرطوم ومحيط المنشآت السيادية. كما اندلعت حرائق في منشآت خدمية وتجارية، وتراجعت الحياة المدنية إلى حدها الأدنى: شوارع خالية، حواجز مسلحة، نقاط تفتيش، ونهب واسع في مناطق سيطرة متغيرة. ومع اشتداد القتال، بدأت موجات نزوح واسعة من الخرطوم نحو ولايات الجزيرة ونهر النيل والبحر الأحمر والحدود المصرية والتشادية. وارتفعت أسعار النقل وقلت الوقود، وصارت الرحلة إلى خارج العاصمة نفسها خطرًا عسكريًا وأمنيًا، بسبب القتال ونقاط التفتيش والنهب وانقطاع المال النقدي والاتصالات.
هدنة عيد الفطر (21–26 أبريل)
رغم إعلان هدنة جديدة بمناسبة عيد الفطر لمدة 72 ساعة في 21 أبريل، استمرت العمليات العسكرية في الخرطوم وأم درمان وبحري. وتعرضت أحياء سكنية في أمبدة والكراري والحلة حمد وخوجلي وأركويت لقصف واشتباكات متقطعة، فامتدت الحرب من المراكز السيادية إلى الأحياء الشعبية والبيوت والأسواق. في 23 أبريل، تعرض سجن الهدى في شمال أم درمان لهجوم أدى إلى إطلاق سراح أعداد كبيرة من النزلاء. وتبع ذلك اضطراب في سجون أخرى، منها سجن كوبر في الخرطوم بحري. أعلنت القوات المسلحة لاحقًا أن عمر البشير وبكري حسن صالح نُقلا قبل ذلك إلى مستشفى علياء العسكري لأسباب صحية وتحت حراسة عسكرية.
==== الخطر الصحي ==== في 25 أبريل، حذرت منظمة الصحة العالمية من خطر صحي كبير بعد سيطرة مسلحين على المختبر الوطني للصحة العامة في الخرطوم، وهو منشأة تحتوي على عينات مرضية ومستلزمات اختبار. وجاء التحذير في وقت خرجت فيه منشآت صحية كثيرة عن الخدمة، وازدادت مخاطر انتشار الأمراض بسبب الجثث، وانقطاع المياه، وتلوث مصادر الشرب، وتعطل المختبرات. وأظهر مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها أن الخرطوم صارت مركز الثقل الأكبر للعنف السياسي في الأسابيع الأولى؛ إذ ارتفعت حصة الولاية من أحداث العنف السياسي المسجلة من متوسط سابق بلغ 14% إلى أكثر من 50% بعد اندلاع القتال.
=== عمليات الإجلاء الدولية === مع انهيار الأمن في العاصمة، نفذت دول أجنبية عمليات إجلاء عسكرية ومدنية لمواطنيها وبعثاتها. أخلت الولايات المتحدة موظفي سفارتها بعملية جوية، ونفذت فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا ودول أخرى عمليات عبر قاعدة وادي سيدنا الجوية أو عبر بورتسودان. كما أجلت مصر آلاف المواطنين عبر المنافذ البرية والجوية، وسط تقارير عن مقتل مساعد الملحق العسكري المصري محمد الغراوي أثناء تحركه في الخرطوم. وتعرضت طائرة إجلاء تركية من طراز C-130 لإطلاق نار أثناء هبوطها في وادي سيدنا، ما عكس صعوبة فصل المسارات الإنسانية والدبلوماسية عن ساحة القتال في العاصمة.
=== تمديد الهدنة (27 أبريل – 10 مايو) === مع مطلع مايو، دفعت السلطات بوحدات من قوات الاحتياط المركزي إلى شوارع الخرطوم لإسناد الجيش وتأمين بعض الأحياء والمقار، فيما استمرت الاشتباكات في الشجرة وسوبا وجنوب الخرطوم. وقد مثّل دخول الاحتياطي المركزي محاولة لزيادة قدرة القوات النظامية على حرب الشوارع، في مواجهة قوات سريعة الحركة تعتمد على العربات القتالية والانتشار داخل الأحياء. في 4 مايو، قُتلت الفنانة والمسرحية السودانية آسيا عبد الماجد في الخرطوم بحري بعد إصابتها بشظايا قذيفة. وفي 6 مايو، بدأت في جدة أولى جولات التفاوض المباشر بين وفدي الجيش وقوات الدعم السريع بوساطة سعودية أمريكية، وتركزت المحادثات على إعلان مبادئ لحماية المدنيين وتسهيل المرور الإنساني، من غير أن توقف القتال في العاصمة.
=== معارك شرق النيل (11–21 مايو) === في منتصف مايو، تكثفت الغارات الجوية والاشتباكات في شرق النيل وجنوب الخرطوم، حيث سعت القوات الجوية السودانية إلى ضرب مراكز تمركز الدعم السريع ومخازنه، بينما اتهمت جهات طبية وحقوقية الطرفين بتعريض المنشآت الصحية والمدنيين للخطر. في 19 مايو، أصدر عبد الفتاح البرهان قرارات أعادت ترتيب المشهد القيادي. أُقيل محمد حمدان دقلو من منصب نائب رئيس مجلس السيادة، وعُين مالك عقار نائبًا لرئيس المجلس، ورُقي شمس الدين كباشي إلى منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة، وعُين ياسر العطا وإبراهيم جابر مساعدين للقائد العام. في مايو، وردت تقارير عن اقتحام الدعم السريع كنائس في أم درمان والخرطوم واستخدام بعضها لأغراض عسكرية أو نهب محتوياتها. ومن أبرز هذه الحوادث اقتحام كنيسة مار جرجس القبطية الأرثوذكسية في حي المسالمة بأم درمان، وما رافقه من اعتداءات على مصلين ورجال دين. وقد أظهر ذلك أن قوات الدعم السريع لم تكتفِ بضرب رموز الدولة والجيش، بل مست أيضًا رموز الحياة الدينية والاجتماعية في العاصمة القديمة.
==== الهجوم على قاعدة وادي سيدنا الجوية (21 مايو) ==== بلغت معارك مايو ذروتها في محيط قاعدة وادي سيدنا الجوية شمال أم درمان. فقد مثلت القاعدة رئة جوية وعسكرية للجيش في ولاية الخرطوم، ومنها جرت عمليات إسناد وإجلاء ومراقبة. وذكرت تقارير محلية ودولية أن قوات الدعم السريع حاولت الضغط على القاعدة، بينما تمسك الجيش بها لمنع سقوط آخر منفذ جوي عسكري واسع في محيط العاصمة.
معارك اليرموك والاحتياطي المركزي (يونيو – يوليو 2023)
==== سقوط مجمع اليرموك للصناعات العسكرية ==== في مطلع يونيو 2023، انتقل الثقل العملياتي إلى جنوب الخرطوم، حيث تتركز منشآت عسكرية وصناعية ومخازن وقود وذخائر. وفي 7 يونيو، اندلعت معارك عنيفة حول مجمع اليرموك للصناعات العسكرية، أحد أهم مواقع التصنيع والتخزين العسكري في السودان. وغطت سحب الدخان الأسود سماء جنوب الخرطوم بعد اشتعال منشآت للوقود والذخيرة في محيط المجمع، بينما تبادل الجيش وقوات الدعم السريع القصف والاتهامات حول السيطرة والمسؤولية عن الحريق.
==== معركة رئاسة شرطة الاحتياطي المركزي ==== في 25 يونيو، هاجمت قوات الدعم السريع المقر الرئيسي لشرطة الاحتياطي المركزي في جنوب الخرطوم. واستمرت المعركة قرابة يومين، قبل أن تعلن قوات الدعم السريع سيطرتها على القاعدة، وتنشر مقاطع تظهر آليات ومخازن داخل الموقع. وقد مثّل سقوط المقر ضربة لقوة أمنية كانت قد دُفعت إلى العاصمة لإسناد الجيش في حرب الشوارع، كما أضاف إلى رصيد الدعم السريع من المركبات والذخائر والمقار جنوب المدينة.
==== استهداف المدنيين ==== خلال يونيو ويوليو، ازدادت حدة الانتهاكات ضد المدنيين داخل الخرطوم. وذكرت تقارير حقوقية أن الجيش والدعم السريع ارتكبا هجمات عشوائية أو مباشرة أوقعت قتلى وجرحى بين المدنيين، وأن قوات الدعم السريع ارتبطت خصوصًا بأنماط أشد من القتل المباشر والسطو والاقتحام والاعتقال، بينما تسببت ضربات الجيش الجوية والمدفعية في خسائر واسعة داخل مناطق حضرية مكتظة. أشارت تقارير حقوقية لاحقة إلى استخدام مقار مدنية ورسمية في الخرطوم ومحيطها كمواقع احتجاز خلال الحرب، مع ورود شهادات عن تعذيب وسوء معاملة واحتجاز تعسفي.
معركة الجسور الكبرى وحصار سلاح المهندسين (يوليو 2023)
==== حرب الجسور ==== مثّلت جسور النيل مفاصل المعركة في العاصمة المثلثة. فالجسر في الخرطوم طريق إمداد، وخط انسحاب، ومفتاح سيطرة بين ثلاث مدن. سعى الجيش إلى حماية الجسور المرتبطة بقيادته ومواقعه، بينما احتاجت قوات الدعم السريع إلى جسور شمبات والفتيحاب والحلفايا لتحريك القوات والذخائر بين أم درمان وبحري والخرطوم. برز جسر شمبات لاحقًا شريانًا مهمًا لحركة قوات الدعم السريع بين أم درمان والخرطوم بحري. وقد استمر التنافس حول الجسور خلال الأشهر التالية، لأن قطع الجسر كان يعني خنق الإمداد، وفتحه كان يعني تمديد المعركة إلى ضفة جديدة. في أم درمان، شكل سلاح المهندسين قاعدة رئيسية للجيش داخل المدينة، وهدفًا ثابتًا لقوات الدعم السريع. وتركزت حوله معارك وقصف متبادل أثّر في أحياء بانت والعباسية والموردة وحي العرب وأم درمان القديمة. ومع طول الحصار، تحولت أحياء تاريخية إلى مناطق نزوح وخراب، وتعذر دفن بعض القتلى في المقابر العامة بسبب القصف والقنص وانقطاع الحركة.
== هدنة جدة == في 20 مايو 2023، وقّعت القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع هدنة وطنية لمدة أسبوع في ختام محادثات جدة. حُدد بدء الهدنة في 22 مايو حتى 29 مايو، فهدأت المدن الثلاث نسبيًا، وتوقفت الغارات الجوية، وبقيت اشتباكات محدودة تكشف هشاشة الاتفاق منذ ساعاته الأولى. وفي اليوم نفسه أُعلن فقدان 229 شخصًا في الخرطوم، وبدأت محاولات بحث وإنقاذ محدودة تحت سقف هدنة لا تملك أدوات إلزام ميدانية. انهارت الهدنة ليل 23 مايو حين تجدد القتال في الخرطوم وأم درمان وبحري. دارت اشتباكات في المهندسين، وحمد النيل، والراشدين، وشارع الغابة غربي الخرطوم، وأعلن كل طرف مكاسب موضعية. وفي 24 مايو صعّدت قوات الدعم السريع هجومها على قاعدة وادي سيدنا الجوية، بينما حاولت وكالات الإغاثة إدخال الإمدادات قبل عودة القتال الكامل. وأسقطت قوات الدعم السريع طائرة سودانية في أمبدة واعتقلت الطيار، وتجدد القتال في القوز والرميلة والحلة الجديدة والشجرة، وفي الفتيحاب والموردة وبانت بأم درمان. استهدفت قوات الدعم السريع مقر سلاح المدرعات، وحققت تقدمًا أوليًا قبل أن يعكس الجيش جزءًا منه ويستعيد دار سك العملة السودانية. وفي 26 مايو، مات 50 رضيعًا وطفلًا في دار أيتام بعد نفاد الغذاء والدواء. وزعم متحدث باسم الدعم السريع أن حميدتي يقود المعركة ميدانيًا في الخرطوم. ومع الاشتباكات المتقطعة بين 26 و29 مايو، عبّر سكان أم درمان عن فقدان الثقة في الهدنة، واستمر القصف شمال غربي بحري وعلى امتداد جسر الحلفايا.
=== الحياة المدنية تحت الهدنة === عاشت الخرطوم هدنة بلا إدارة خدمات. اضطر السكان إلى تدبير الطعام والماء بوسائل قاسية. تفشت العدوى مع بقاء الجثث في الشوارع، وانقطع الماء، ولجأ السكان إلى غلي مياه النيل، وصار جلب الماء نفسه عملية خطرة تحت القنص. وانتشرت عصابات الشوارع، وارتفعت أسعار السلع الأساسية؛ فتضاعف سعر الدقيق، وقفز السكر من 32 ألف جنيه سوداني إلى 50 ألفًا، وارتفع زيت الطعام من 23 ألفًا إلى 35 ألفًا. وفي بحري، دفن السكان الجثث بمبادرات شعبية بعد غياب الدولة بشكل كامل.
=== تمديد هدنة جدة ومعركة طيبة (29 مايو – 3 يونيو) === مُددت هدنة جدة في 29 مايو خمسة أيام إضافية. واستطاعت الأمم المتحدة تنفيذ أول جولة توزيع غذائي داخل مناطق من الخرطوم المنكوبة، غير أن الهدنة بقيت سياسية أكثر منها ميدانية. ففي 30 مايو، نهب مسلحون السفارة الليبية بعد إجلاء الليبيين، وقُتل وجُرح مدنيون في بحري، كما قُتل خمسة مدنيين عند مسجد أبي بكر الصديق بجوار جسر شمبات، وسقط آخرون بين شمبات والحلفايا. وقتلت قوات الدعم السريع الشيخ عبد العزيز البكري، رئيس حزب الأمة القومي بولاية الخرطوم، بعد محاولته تهدئة خلاف بين مقاتليها ومواطنين. في اليوم نفسه، سيطرت قوات الدعم السريع على قاعدة شمال غربي الخرطوم، فأحكمت قبضتها على معظم شمال غرب العاصمة. وفي 31 مايو أعلن الجيش تعليق مشاركته في محادثات السلام بسبب ما وصفه بانتهاكات متكررة للهدنة، بينما ساد هدوء حذر في بعض المحاور. واقتحمت قوات الدعم السريع مكاتب صحيفة الميدان. وفي اليوم ذاته، أصابت قذائف حي مايو، فقتل 27 مدنيًا وأصيب أكثر من 106. في 1 يونيو، اندلعت معارك حول معسكر طيبة جنوبي الخرطوم، وسمتها حسابات موالية للدعم السريع معركة البصل. كان المعسكر قاعدة رئيسية للدعم السريع قبل إخلائه في الأيام الأولى، فتركز القتال في أطرافه وحول جبل أولياء. وأظهرت مقاطع محددة جغرافيًا مشاركة الفرقة 18 مشاة القادمة من كوستي، بينما ذكرت الجزيرة في 3 يونيو أن الجيش دفع بتعزيزات للسيطرة على طيبة وجبل أولياء. في أم درمان، تواصل القصف الجوي حول المهندسين، واشتعل شارع الغابة، وأمبدة، وحمد النيل. وسيطرت قوات الدعم السريع في 2 يونيو على حي النزهة، وعززت سيطرتها على المقرن، بما في ذلك السوق العربي، والبنك المركزي، وبرج شركة النفط الوطنية، والجانب الشرقي من جسر الفتيحاب. ووردت مزاعم عن تدمير طائرة للجيش في 3 يونيو. وفي 3 يونيو دخلت قوات الدعم السريع متحف السودان القومي، وظهرت مقاطع حرق أجزاء منه وتضرر مقتنياته. كما احتلت قوات الدعم السريع متحفًا في أم درمان بمنزل عبد الله التعايشي، خليفة محمد أحمد المهدي.
=== فشل الهدنة (4–9 يونيو) === بعد انتهاء تمديد هدنة جدة في 4 يونيو، اشتد القتال في الخرطوم. قُتل ثلاثة وأصيب خمسة في قصف طال معسكر نازحين في الجريف شرق، واستمر القتال حول معسكر طيبة بلا حسم واضح. وفي 5 يونيو، أدى قصف قرب جامعة أفريقيا العالمية إلى مقتل طلاب كونغوليين احتموا بالمنطقة؛ واتهمت جمهورية الكونغو الديمقراطية عبر وزير خارجيتها كريستوف لوتوندولا الجيش السوداني. تزامن ذلك مع قصف قرب سلاح المهندسين في أم درمان، والمويليح، وصالحة، وإصابة 16 مدنيًا في الصحافة، وانقطاع المياه عن الخرطوم كلها بعد أن كان الانقطاع محصورًا في بحري وأجزاء من أم درمان. وأعلن الجيش السيطرة على قاعدة النجومي الجوية في جبل أولياء قرب طيبة. كما حاصرت قوات الدعم السريع جزيرة توتي، وقال سكانها إن الحصار بدأ منذ 30 مايو وإن قطع الغذاء والإمداد حوّلها إلى كارثة.
==== معركة مصنع اليرموك ==== في 7 يونيو اندلع حريق ضخم بعد اشتباكات قرب مصنع اليرموك، أكبر منشأة لإنتاج السلاح في السودان. قالت قوات الدعم السريع إن الموقع مخزن سلاح للجيش، وكانت قد هاجمت خنادق الجيش حوله في 6 يونيو، فامتد القتال من جبرة والشجرة وأبو آدم إلى قلب جنوب الخرطوم. قصفت القوات المسلحة محيط المصنع ومستودعات الوقود والذخائر، فاشتعلت النيران، وأعلنت قوات الدعم السريع السيطرة على اليرموك، بينما أظهرت مقاطع محددة جغرافيًا وجود جنود للجيش فيه ليل 7 يونيو. رأى محللون أن هجوم اليرموك جزء من خطة أوسع لخنق سلاح المدرعات في الشجرة، وربط جنوب الخرطوم بمحاور أبو آدم والشجرة. وصلت تعزيزات من الفرق 17 و18 وعناصر من الفرقتين الأولى والرابعة إلى سلاح المدرعات، لكن قوات الدعم السريع عادت وسيطرت على اليرموك في 8 يونيو. وفي اليوم نفسه استمرت الغارات على المويليح وشرق النيل، وقُتل 12 مدنيًا في ضربة جوية بسوق المويليح، وأبلغت لجان المقاومة عن قتلى في امتداد ناصر، وسقط ضحايا في الفتيحاب والكرري. وأُجلي ما تبقى من أطفال دار المايقوما بعد وفاة 71 طفلًا منذ بداية المعركة بسبب نقص الإمدادات. وقتل خمسة مصلين في قصف مدفعي على مسجد بحي الصافية في بحري. في 8 يونيو، دارت اشتباكات غرب مستشفى بشائر التعليمي، أحد آخر المستشفيات العاملة في الخرطوم، وأفاد الأطباء باستقبال 150 جريحًا خلال 72 ساعة. وبحلول ذلك التاريخ تجاوز قتلى معركة الخرطوم الألف، مع تعذر الإحصاء بسبب الجثث العالقة وصعوبة الوصول؛ فتولى السكان دفن الموتى في الشوارع وداخل المنازل والساحات، وكثير منها بقي بلا علامات.
==== هدنة 9 يونيو ==== في 9 يونيو، دخلت هدنة 24 ساعة حيز التنفيذ بوساطة أمريكية سعودية ضمن مسار جدة، وساد هدوء حذر في الخرطوم. استغل المدنيون الهدنة لتأمين الطعام والضروريات، لكن كثيرين لم يستطيعوا العودة إلى منازلهم التي احتُلت أو نُهبت. انهارت الهدنة في 10 يونيو مع تجدد القتال في حاج يوسف وبحري وجنوب ووسط الخرطوم ومحيط جسر شمبات فور انتهاء الموعد المحدد في السادسة صباحًا. وبحلول ذلك الوقت لم يكن يعمل في منطقة الخرطوم سوى 6 مستشفيات من أصل 88، وفر 2,800 مدني إلى ود مدني خلال الهدنة، وعلّق الهلال الأحمر السوداني عملياته في الخرطوم بعد نهايتها.
هجوم الجيش واستئناف مسارات التفاوض (11–17 يونيو)
في 11 يونيو، شن الجيش هجومًا على محاور متعددة في العاصمة المثلثة. اندلعت اشتباكات على جسري الحلفايا والمنشية، وفي كافوري، والأحياء الجنوبية، وشمال سلاح المدرعات، وشارع الشجرة. أعلنت قوات الدعم السريع أنها تضيق الحصار على المدرعات، بينما تحدثت لجان المقاومة في كرري عن قتال عند دوار جسر الحلفايا الخاضع للجيش. كما نصبت قوات الدعم السريع كمينًا لقافلة عسكرية بين حاج يوسف وكافوري، وهاجم الجيش قرب جسر كوبر من جهة سلاح الإشارة. امتدت الغارات إلى شارع الغابة، وصالحة، وشرق النيل، وقصفت مناطق جنوبية. واتهم الجيش قوات الدعم السريع بالتمركز وسط المدنيين واستهداف منازل في الأزهري والسلامة. وأعلن مقتل العميد عبد الرحمن الطيب في معركة جسر الحلفايا، مع سقوط قتلى مدنيين في الأزهري والسلامة والمزدلفة والمايقوما. في 13 يونيو، اقتحم مقاتلون من الدعم السريع مقر إقامة سفير الصومال، واستمر القتال حول الحلفايا ووادي سيدنا. واستهدفت قوات الدعم السريع صحفيين ومقار إعلامية، بينها الانتباهة والتيار والشرق الأوسط. وفي 14 يونيو تواصل القتال في حاج يوسف وشرق النيل، الخاضعين للدعم السريع، مع اشتباكات محدودة في المهندسين والشجرة. ووردت تقارير عن محادثات في جيبوتي بوساطة شخصيات من المؤتمر الوطني. وفي 16 يونيو، قتل الدعم السريع أربعة أشقاء في القادسية بشرق النيل، وقتل ثمانية مدنيين في أم درمان، بينما أُعلن عن «هدوء حذر» لم ينهِ واقع الحصار والقصف.
== هدنة جدة الثانية == في 17 يونيو 2023، افتُتحت هدنة جدة الثانية بدمٍ كثيف. ضربة جوية في منطقة اليرموك قتلت أكثر من 30 شخصًا، بينهم أطفال، ودمّرت نحو 25 منزلًا، ثم دخلت هدنة مدتها 72 ساعة حيّز التنفيذ بوساطة سعودية أمريكية. بدا يوم 18 يونيو أهدأ من سابقه. وحذّر مالك عقار من فشل الهدنة، بينما رأى محللون أنها منحت قوات الدعم السريع وقتًا لإعادة التجمع والتموين والانتشار. في اليوم الثاني، بقيت البيوت التي احتلتها قوات الدعم السريع مغلقة على أهلها، فصار المدنيون بين مأوى مسلوب وهدنة لا تعيد بيتًا ولا تردّ مالًا. واتهمت قوات الدعم السريع الجيش بإطلاق النار على قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ورد الجيش باتهام قناصة الدعم السريع على جسر كوبر. وفي الوقت نفسه، نهب مسلحون مقر إقامة السفير التونسي في الخرطوم.
=== سقوط الهدنة === انتهت الهدنة في 21 يونيو، وسبقتها الاشتباكات ثم انفجرت بعد نصف ساعة من انقضائها. اشتعلت الفتيحاب، وأمبدة المنصورة، والدوحة، والعباسية في أم درمان، وهاجمت قوات الدعم السريع سلاح المهندسين دون حسم. ورد الجيش بغارات على مايو وملعب الخرطوم، واحترق مبنى جهاز المخابرات العامة ودُمّر في موجة القتال الجديدة، بينما واصل الجيش قصف اليرموك الخاضع للدعم السريع. في 22 يونيو، توسع القتال إلى أم درمان القديمة وغرب المدينة. أعلن الدعم السريع إسقاط مقاتلة ميغ-29، واتهم الجيش بقصف مسجد، بينما ظهرت مقاطع مشاركة الفرقة التاسعة المحمولة جوًا في الهجوم، وبقي الجيش ممسكًا بالمنطقة الطبية شمال القيادة العامة. وبعد أيام قليلة من دخول الإغاثة، عادت مستشفيات الخرطوم إلى التدهور.
=== معركة رئاسة الاحتياطي المركزي (25–27 يونيو) === في 25 يونيو، أعلنت قوات الدعم السريع السيطرة على رئاسة قوات الاحتياط المركزي جنوب الخرطوم، ونشرت مقاطع لصناديق ذخيرة وآليات وشاحنات ومدرعات. أنكر الجيش الهجوم أولًا، ثم أقر في 26 يونيو بسقوط القاعدة. مثّل الحدث ضربة تنظيمية وأمنية قاسية؛ فالاحتياطي المركزي كان أداة الدولة في حرب الشوارع، وسقوط مقره قطع خط إمداد الجيش نحو قاعدة الشجرة، وأزاح مقرًا كان يُدار منه عمليًا جزء من وزارة الداخلية وقيادة الشرطة منذ 15 أبريل. قتل في القتال اللاحق ما لا يقل عن 14 مدنيًا وأصيب 217، وتبادل الطرفان أرقامًا ضخمة عن قتلى الخصم. كانت الحصيلة العسكرية غامضة، لكن النتيجة الميدانية واضحة: الدعم السريع ثبّت قدمه جنوب الخرطوم، والجيش خسر قاعدة أمنية ثقيلة، والمدينة ازدادت انكشافًا أمام النهب والقتل وإنتشار المسلحين.
=== هدنة عيد الأضحى (28 يونيو – 2 يوليو) === في 28 يونيو، أعلن البرهان وحميدتي، كلٌّ على حدة، هدنة أحادية بمناسبة عيد الأضحى. وأفرجت قوات الدعم السريع عن 125 جنديًا من أسرى الجيش بوساطة اللجنة الدولية للصليب الأحمر. لكن العيد دخل على العاصمة بصوت الطيران؛ ضربت الغارات أم درمان، واستُهدف جسر الحلفايا وتجمعات للدعم السريع في جنوب المدينة. في 1 يوليو، قتل مقاتلون من الدعم السريع عاملًا طبيًا في مستشفى بالدروشاب في الخرطوم بحري، بعد وفاة قائد جريح أُدخل إلى المستشفى. وفي اليوم نفسه، سيطر الجيش على تقاطع الوسطية جنوب سلاح المدرعات، في توسع محدود لكنه مهم حول قاعدة الشجرة. ومع نهاية الهدنة، أظهرت مواد محددة جغرافيًا وجود قوات الدعم السريع في مواقع حساسة: جسر المنشية، ومستودعات غاز الشجرة ومرافق التكرير، والقصر الجمهوري، ومحيط مقر المخابرات العامة الخاضع للجيش.
=== تصعيد يوليو ومجزرة أم درمان الجوية === بعد أيام من نهاية هدنة العيد، دخلت المعركة طورًا أعتى. في 8 يوليو، قالت وزارة الصحة بولاية الخرطوم إن ضربة جوية للجيش على غرب أم درمان قتلت 22 شخصًا على الأقل وأصابت عشرات، بينما كانت الحرب تدخل أسبوعها الثاني عشر. وذكرت الجزيرة أن الضربة وقعت في سياق محاولة الجيش قطع خط إمداد مهم للدعم السريع، في حين أدانتها قوات الدعم السريع واتهمت الجيش باستهداف المدنيين.
حصار مستشفى علياء وحامية المهندسين
انتهت هدنة 2 يوليو 2023، فانفجر القتال في أم درمان بهجوم واسع لقوات الدعم السريع على مواقع الجيش. أعلنت قوات الدعم السريع أسر خمسة جنود من القوات المسلحة، ودفعت هجومها نحو عقدة أكثر حساسية: مستشفى علياء العسكري، حيث كان يُعتقد أن عمر البشير وعددًا من رموز المؤتمر الوطني محتجزون أو يعالجون تحت حراسة عسكرية. مثّل مستشفى علياء وحامية المهندسين آخر كتلة عسكرية منظمة للجيش في وسط أم درمان. كان المحيط الأوسع واقعًا تحت ضغط الدعم السريع، بينما بقيت الحامية والمستشفى عقدة بقاء للجيش ورموز النظام السابق وحرسهم. ووفق تقارير ميدانية، أشرف بكري حسن صالح، نائب البشير السابق، على جانب من الدفاع داخل نطاق المستشفى، في مشهد جمع بقايا الدولة القديمة، وسلاح الجيش، وضغط المقاتلين القادمين من شبكات الدعم السريع والجنجويد العربية الدارفورية. نفت قوات الدعم السريع أنها تحاصر المستشفى، وقالت إن هدفها هو قاعدة المهندسين فقط. لكن الوقائع الميدانية جعلت النفي ضعيف الأثر؛ فالمستشفى والحامية كانا داخل رقعة واحدة من النار، والقصف طال محيطهما، والطرق المؤدية إليهما خضعت للحصار والاشتباك. رد الجيش بغارات جوية كثيفة على مواقع الدعم السريع حول المهندسين، واندلعت معارك أرضية قرب الحامية، فيما زعمت قوات الدعم السريع إسقاط مقاتلة تابعة للجيش. قُتل ما لا يقل عن 24 شخصًا وأصيب أكثر من 100 في معارك أم درمان والخرطوم خلال تلك الأيام، ولم تكن الحصيلة واضحة بين عسكري ومدني بسبب اختلاط الجبهات بالأحياء والمستشفيات والمقار السكنية. كان الهدف العسكري لقوات الدعم السريع واضحًا: خنق المهندسين، دفع الجيش خارج وسط أم درمان، عزل مستشفى علياء، والضغط على آخر مواقع القوات النظامية داخل قلب المدينة. أما هدف الجيش فكان منع سقوط عقدة علياء–المهندسين، وحماية طريق وادي سيدنا، وإبقاء موطئ قدم يربط أم درمان القديمة بالشمال العسكري. وتداخل الحصار مع سجل أوسع من الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الدعم السريع ومقاتليها وحلفائها. فقد وثقت منظمات حقوقية خلال الحرب نمطًا من النهب، والاحتلال القسري للمنازل، والاحتجاز، والعنف الجنسي، والقتل خارج القانون، ولا سيما في المناطق التي تقدمت فيها قوات الدعم السريع أو الجماعات المتحالفة معها من شبكات الجنجويد العربية الدارفورية.
.png?width=1600)
