الحملة المملوكية الأولى على النوبة (1276م) كانت حملة عسكرية شنّتها سلطنة المماليك بقيادة الأمير آقسنقر الفارقاني والأمير عز الدين الأفرم ضد مملكة المقرة في النوبة. حقق المماليك انتصارًا حاسمًا، حيث استولوا على عاصمة مملكة المقرة دنقلا، وأجبروا الملك داود ملك المقرة على الفرار ووضعوا تابع لهم على عرش المقرة. بعد هذه المعركة، دخلت مملكة المقرة في فترة من التدهور حتى انهيارها في القرن الخامس عشر
خلفية
كانت معاهدة البقط بين مسلمي مصر ومسيحيي النوبة تضمن السلام بين الجماعتين المتعارضتين لأكثر من 600 عام في هذه المرحلة، وهو من نواح كثيرة أطول معاهدة في التاريخ. استفاد النوبيون من المعاهدة بشكل كبير، الذين اكتسبوا علاقات ودية مع جار قوي، وكان العيب الرئيسي هو أنهم كانوا مطالبين بإرسال 360 عبدًا سنويًا إلى مصر، والتي تم التفاوض عليها لاحقًا بحيث يتم الدفع كل 3 سنوات فقط. ومع ذلك، فإن المعاهدة لم توقف الصراع تمامًا. اندلعت الحرب بين الملك المقري داود والسلطان المملوكي بيبرس نتيجة عدة عوامل، أبرزها رفض داود الالتزام بشروط اتفاقية البقط وتصاعد التوترات العسكرية على الحدود. ففي عام 1272م شنّ داود حملة نوبية على مدن مثل أسوان وميناء عيذاب، أدت إلى نهبها وأسر عدد كبير من المسلمين، مما أثار غضب بيبرس ودفعه إلى التفكير في الانتقام. وبعد ذلك بثلاثة أعوام، في سنة 1275م، لجأ الأمير مشكد، الذي كان قد خُلع من العرش على يد داود، إلى بلاط بيبرس طالبًا المساعدة لاستعادة ملكه، وهو ما منح السلطان المملوكي الذريعة المناسبة للتدخل. وهكذا جاءت الحملة المملوكية الواسعة على دنقلا عام 1276م كإحدى النتائج المباشرة لهذه التطورات المتتابعة.
== الحملة == في عام 1276م أرسل السلطان المملوكي الظاهر بيبرس حملة عسكرية إلى بلاد النوبة بعد أن قدم إليه مشكد، ابن أخت ملك النوبة داود، متظلّمًا من عمه. فجهّز بيبرس جيشًا بقيادة الأمير آقسنقر الفارقاني، ومعه عدد من العسكر وأجناد الولاة والعربان، يساندهم الزرّاقون والرماة وأصحاب الحراريق والزردخاناه. خرج الجيش في مستهل شعبان، واتجه جنوبًا حتى عدّى أسوان، حيث التقى بجيش الملك داود الذي قاتل المماليك على ظهور الإبل، فانهزم وأُسر عدد كبير من رجاله. أرسل آقسنقر الأمير عز الدين الأفرم للإغارة على قلعة الدقم، فقتل وسبى من فيها، ثم واصل بنفسه القتال حتى وصل إلى جزيرة ميكاليل عند رأس جنادل النوبة، يقتل ويأسر في طريقه. أقرّ آقسنقر قمر الدولة صاحب الجبل على ما بيده من نصف بلاد النوبة، ثم واصل القتال حتى واجه الملك داود نفسه، فقتل معظم رجاله وأسره عدد كبير منهم، وفرّ داود عبر النهر، بينما أُسر أخوه شنكو. تبعت القوات المملوكية فلول جيشه ثلاثة أيام، حتى خضعت البلاد كلها، وأُسرت أم الملك داود وأخته. نصّب آقسنقر مشكد ملكًا على النوبة، وأجلسه مكان داود، وفرض عليه جزية سنوية تتألف من ثلاثة فيلة، وثلاث زرافات، وخمس إناث فهود، ومائة من الخيل الصهب، ومائة من الأبقار الجياد، مع مشاطرة البلاد نصفين؛ نصف للسلطان، ونصف لعمارة البلاد وحفظها. كما تقرر أن تكون بلاد العَلى وبلاد الجبل تابعة للسلطنة لقربها من أسوان، وأن تُحمَل منها القطن والتمر وسائر الحقوق المعتادة. عُرض على أهل البلاد الإسلام أو الجزية أو القتل، فاختاروا الجزية، ودُوّنت بذلك نسخة يمين حلف عليها مشكد وأكابر النوبة، ونُص فيها أيضًا على أداء دينار عن كل بالغ سنويًا. خُرّبت كنيسة سرس التي كان الملك داود يزعم أنها تحدّثه بما يرديه، وأُخذ ما فيها من الصلبان الذهبية والأواني الفضية، فبلغت قيمتها أكثر من ثلاثة عشر ألف دينار. كما أُلزم أقارب داود بحمل ما خلّفه من الرقيق والقماش إلى السلطان، وأُطلق سراح الأسرى المسلمين من عيذاب وأسوان، بينما بيع من رقيق النوبة عدد كبير حتى بلغ ثمن الرأس ثلاثة دراهم، وبلغ عدد من تبقى من الأسرى بعد القتل والبيع عشرة آلاف نفس. أقام الجيش المملوكي في دنقلة سبعة عشر يومًا، ثم عاد إلى القاهرة في خامس ذي الحجة بالأسرى والغنائم. وبعد عودتهم، أمر السلطان الصاحب بهاء الدين بن حنّا بإنشاء ديوان خاص لجمع الخراج والجزية من دنقلة وأعمالها.