Military operations· العصور الوسطى· 1402

معركة أنقرة

معركة بين الدولة العثمانية والتيمورية توقفت بعدها الدولة العثمانية 11 عاما في حرب أهلية، ثم استعادت قوتها

معركة أنقرة (بالتركية العثمانية: أنقره محاربەسی)(التركية: Ankara Muharebesi)، تُعد من أكبر معارك العصور الوسطى من حيث عدد القوات وأثر النتائج. وقعت هذه المعركة بين الدولة العثمانية والدولة التيمورية يوم الجمعة 19 من ذي الحجة سنة 804هـ الموافق 20 يوليو/تموز 1402م، أو بحسب روايات أخرى أكثر ترجيحًا، في يوم الجمعة 27 من ذي الحجة 804هـ الموافق 28 يوليو/تموز 1402م، مع وجود تباين في التواريخ بين المصادر التاريخية. جرت المعركة في سهل چوبوك (بالتركية العثمانية: چبوق اوەسى) (التركية: Çubuk Ovası) الواقع شمال شرق مدينة أنقرة، بين جيش القائد المغولي الأمير تيمورلنك بن طرقاي (9 أبريل/نيسان 1336م – 19 فبراير/شباط 1405م)، الفاتح المغولي التركي المتجبر الذي أسس الإمبراطورية التيمورية على أسس الغزو والنهب وسفك الدماء، وبين جيش السلطان بايزيد الأول المُلقّب بـ "يلدرم" (أي: الصاعقة) (ق. 1360م - مارس/آذار 1403م)، سلطان الدولة العثمانية آنذاك. انتهت المعركة بانتصار تيمورلنك وأَسْرِ السلطان بايزيد الذي توفي بعد فترة وجيزة في الأسر. وقد أدّى هذا الانتصار إلى دخول الدولة العثمانية في مرحلة حرجة من عدم الاستقرار السياسي، عُرفت باسم «عهد الفترة العثماني»، وهي حرب أهلية استمرت أحد عشر عامًا، تخللتها صراعات على العرش بين أبناء السلطان بايزيد، وتدخلات خارجية من تيمورلنك والبيزنطيين. توقفت الفتوحات العثمانية في تلك المرحلة، وتفككت الدولة مؤقتًا، حيث استقلّ بعض أبناء السلطان بأقاليم الدولة. ومع ذلك، تمكّن السلطان محمد الأول، أحد أبناء السلطان بايزيد، من إعادة توحيد الدولة العثمانية في 5 يوليو/تموز 1413م، مُمهّدًا بذلك الطريق لاستمرار الدولة واستعادة قوتها من جديد. سعى تيمورلنك، القائد التُركي المغولي، إلى حسم النزاع في الأناضول قبل التوجه شرقًا لمعالجة الاضطرابات التي نجمت عن وفاة إمبراطور الصين. فقد اعتبر تيمورلنك أن الدولة العثمانية بقيادة السلطان بايزيد الأول، تمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحه التوسعية في المنطقة. ومن أجل ذلك استقدم تعزيزات عسكرية من قواته المتمركزة في آسيا الوسطى، في خطوة تعكس استعداده التام للمواجهة، وأرسل مبعوثًا من تبريز في 13 مارس/آذار 1402م إلى السلطان بايزيد يحمل مجموعة من المطالب الاستفزازية، صِيغت بعناية لتكون صعبة القبول، كان الهدف منها إجبار السلطان بايزيد على الرفض وتهيئة الذريعة للحرب، وبالتالي تحميله مسؤولية اندلاع الحرب أمام القوى الإقليمية. وقد مثّلت هذه الخطوة جزءًا من استراتيجية تيمورلنك السياسية التي جمع فيها بين القوة العسكرية والمناورة الدبلوماسية. شملت هذه المطالب إعادة قلعة كماخ إلى مُطهَّرتَن حاكم إرزنجان السابق، وإرجاع أراضي أمراء الأناضول التي فتحها العثمانيون في سنوات 1390م–1391م إلى أولئك الأمراء، وهي أراضٍ كانت قد ضُمّت إلى الدولة العثمانية بعد حملات ناجحة بقيادة السلطان بايزيد. كما طالب تيمورلنك السلطانَ بقبول القبعة المخروطية والحِزام الذي أرسله إليه مع أحد الأمراء كرمز للتبعية والخضوع، وهي إهانة رمزية لمكانة السلطان، إلى جانب تسليم قره يوسف حاكم ومؤسس دولة قره قويونلو، وعائلته، إلى تيمورلنك، وكان قره يوسف لاجئًا لدى العثمانيين. لم يقبل السلطان بايزيد أياً من هذه المطالب، وردّ بإرسال خطاباً بلهجة شديدة الإهانة إلى تيمورلنك، متجاوزًا الأعراف الدبلوماسية، الأمر الذي سرّع من اندلاع الصراع بين الطرفين ومهّد لمعركة أنقرة الفاصلة. بلغ التوتر السياسي والدبلوماسي بين السلطان العثماني بايزيد الأول وتيمورلنك ذروته حين ردّ السلطان على مطالب تيمورلنك برسالة تنطوي على قدر كبير من التحدي والازدراء. فقد تعمّد السلطان وضع اسمه في الرسالة بأحرف ذهبية بارزة، بينما كُتب اسم تيمورلنك بأحرف صغيرة سوداء، في إشارة رمزية تُظهر تفوقه عليه. وأرفق السلطان بايزيد مع الرسالة خطابًا شديد اللهجة، مدركًا تمامًا أن هذا الرد سيؤدي إلى اندلاع الحرب، ما زاد من غضب تيمورلنك. كما أرسل السلطان هدايا كان عددها تسع قطع فقط، في مخالفة صريحة للعرف الذي يوجب أن تكون عشرًا، إذ كان الرقم تسعة مفضلًا لدى الأتراك. وقد اعتُبرت هذه التفاصيل، رغم رمزيتها، إساءة مباشرة إلى مكانة تيمورلنك. وردًا على ذلك، توعد الأخير السلطان قائلاً للسفراء: «النصيحة التي أُقدمها لبايزيد لا جدوى منها وإن على بايزيد، الذي لم يفِ بمطالبه، أن ينتظرني بصبر وأن يكون مستعدًا لانتقامي منه». وبالفعل، احتفظ تيمورلنك بمطالبه السابقة دون تعديل، وما إن بلغه أن السلطان بايزيد بدأ بتحريك جيشه، حتى حسم أمره وجمع قواته واتخذ القرار النهائي بغزو الأناضول، ليبدأ بذلك أحد أكثر الصراعات دموية في التاريخ الإسلامي الوسيط، والذي انتهى باندلاع معركة أنقرة سنة 1402م. تعددت الخيانات وتبدلت الولاءات داخل الجيش العثماني أثناء المعركة لصالح تيمورلنك، مما أسهم بشكل كبير في انهيار جبهة السلطان بايزيد الأول. فقد انقلب التتار السود الذين كانوا يشكلون ثلثي الجيش العثماني في لحظة حاسمة من المعركة لينضموا إلى صفوف تيمورلنك ضد السلطان بايزيد، وهو ما أدى إلى إضعاف القوة العسكرية العثمانية بشكل فادح. هذا التحول في الولاء كان بمثابة ضربة معنوية وعسكرية، جعلت الوضع يسير في اتجاه غير مُواتٍ للعثمانيين. وفي الوقت نفسه، غادرت قوات عثمانية ساحة المعركة بشكل جماعي سعياً لإنقاذ ما تبقى من الجيش بعد أن أدركوا أن الغَلَبَة ستكون للمغول. وكان من أبرز القادة الذين غادروا المعركة: الصدر الأعظم علي پاشا الچاندارلي وأغا الإنكشارية «حسن آغا»، حيث انسحبا مع قواتهم بشكل مفاجئ ودون تلقي أوامر، في مشهد يعكس عمق الانهيار داخل صفوف القيادة العثمانية. لم يكن هذان القائدان الوحيدان اللذان تركا الميدان، إذ غادر المعركة أيضًا أبناء السلطان بايزيد: سليمان چلبي ومحمد چلبي وعيسى چلبي مع قواتهم، تاركين الجيش العثماني في حالة من التشتت والارتباك. تلك الخيانات وتبدل الولاءات كانت الشرارة التي أشعلت فتيل الهزيمة القاسية، حيث وضعت حياة الدولة العثمانية نفسها في خطر وجودي. فقد أسفرت معركة أنقرة عن تفكك مؤقت للدولة العثمانية وفقدانها لجزء كبير من قواها العسكرية والإدارية. استولت قوات تيمورلنك على مناطق شاسعة من الأراضي العثمانية التي امتدت من شواطئ نهر الدانوب إلى أرضروم وحلب، وهو ما أحدث فراغًا استراتيجيًا كبيرًا في الأناضول. وفي جانب آخر من الخسارة، تمكنت قوات تيمورلنك من السيطرة على خزينة الدولة العثمانية في عاصمتها بورصة، والتي كانت تحتوي على ثروات طائلة تمثل عصب الاقتصاد العثماني. ولم يتوقف تيمورلنك عند ذلك، بل دمرت قواته الأرشيفات والسجلات والوثائق العثمانية التي كانت تحفظ تاريخ الدولة العثمانية، وهو ما كان له تأثير طويل المدى على حفظ تاريخها السياسي والعسكري. أسر تيمورلنك السلطان بايزيد الأول، وأحسن وفادته وأراد أن يأخذه إلى عاصمته سمرقند ليُعيده من هناك سلطاناً على دولته، إلا أن السلطان مرض وتوفي في الأسر بعد سبعة أشهر بمدينة آق شهير بعمر 43 سنة. ولم تمضِ سوى أربعة أيام على وفاته حتى فقد تيمورلنك حفيده الأعزّ وأحد أبرز قادة جيشه، محمد سلطان ميرزا، الذي كان قد لعب دورًا محوريًا في معركة أنقرة وساهم في نهب العاصمة العثمانية بورصة وإحراقها. كان محمد سلطان حفيد تيمورلنك الأقرب إلى قلبه، وكانت وفاته المفاجئة بمثابة ضربة موجعة للقائد المغولي الذي دخل في حالة من الحزن العميق والمرارة تسببت في تغيير جذري في أولوياته، إذ انصرف فجأة عن الشأن العثماني، ونسي تمامًا مشروعه في الأناضول وقرر الانسحاب من آسيا الصغرى. شكّل ذلك نقطة تحوّل إيجابيه في مصير الدولة العثمانية، إذ لم يستغل تيمورلنك حالة الانهيار التام للعثمانيين ليفكك دولتهم بالكامل ويُجهز عليها، بل غادر الأراضي العثمانية إلى غير رجعة. وبعد عامين من تلك الأحداث، أُصيب تيمورلنك بالحُمّى وهو في طريقه لغزو الصين، وتوفي عام 1405م ودُفن في عاصمته سمرقند في تابوت مصنوع من خشب الأبنوس، تاركًا خلفه إمبراطورية مترامية الأطراف، ولكن دون خَلَفٍ واضحٍ قادرٍ على الحفاظ على وَحدتها. أورد المؤرخ العثماني مصطفى الجنَّابي رواية مفادها أن تيمورلنك أطلق سراح السلطان بايزيد قبل ثلاثة أيام فقط من وفاته. تُعَدُّ معركة أنقرة واحدة من أكبر الحروب التي وقعت بين دولتين مسلمتين في التاريخ التركي. انهارت الوحدة التركية التي تأسست بعد صراعات طويلة في الأناضول، وتعطلت حركة الفتوحات الإسلامية ولاسيما محاولات فتح القسطنطينية الذي تأخر قرابة نصف قرن بعد هذه المعركة، وعادت الإمارات الأناضولية عقب المعركة إلى تفرقها مرة أخرى بعد وَحدَتِها، ونَهَبَت الجيوش التيمورية المدن وتعطل النظام الذي وضعه العثمانيون. وعليه، فليس من الصواب أن نُقَيِّم شخصية السلطان بايزيد الأول انطلاقًا من هزيمة أنقرة، أو أن نستخلص منها أحكامًا غير دقيقة؛ إذ كانت شخصيته فريدة واستثنائية في التاريخ العثماني. ولعل سبب خسارة الدولة العثمانية في تلك المعركة لم يكن نقص خبرة السلطان بايزيد، بل يرجع إلى خيانة بعض أمراء الأناضول الذين كانوا ضمن جيشه، إذ انحازوا إلى جانب تيمورلنك طمعًا في استعادة نفوذهم، وهو طموح ظل يلازمهم منذ انهيار الدولة السلجوقية وحتى ذلك الحين. وبهذا الاعتبار إذا أردنا عقد مقارنة بين تيمورلنك والسلطان بايزيد، يتبيّن أن السلطان بايزيد كان متفوقًا عليه بدرجة واضحة؛ إذ إن دولة تيمورلنك على الرغم من انتصارها في معركة أنقرة إلا أنها لم تلبث أن انهارت بعد نحو عشر سنوات فقط، لافتقارها إلى مقومات حضارية راسخة تضمن لها الاستمرار بعد وفاة مؤسسها تيمورلنك، فتفككت سريعًا وتشتت عقب رحيله. وذلك لأن تيمورلنك لم يكن صاحب حضارة تفوق الدولة العثمانية، أما الدولة العثمانية التي تركها السلطان بايزيد فقد تمكنت من النهوض من جديد في غضون عقد واحد، وأن تعود دولةً للفتوحات من جديد بما ينسجم مع روح الجهاد. وبحسب المؤرخ هربرت آدامز غيبونز، فإن معركة أنقرة لم تؤثر في مصير الأمم كما حدث في معارك قوصوه أو نيقوپوليس، إذ لم تغير مسار التاريخ بشكل كبير.

== تاريخ وقوع المعركة == ذكر تقي الدين المقريزي وابن إياس الحنفي أن القتال قد وقع يوم الأحد 5 من المحرم 805هـ وهو يوافق بالحساب 5 أو 4 أغسطس/آب 1402م. تشير المصادر التاريخية إلى تواريخ متعدّدة لوقوع المعركة، مما يعكس تباينًا في الروايات، مع اتفاق عام حول الإطار الزمني العام. ومن أبرز التواريخ التي وردت في عدد من المراجع:

يوم الجمعة 19 من ذي الحجة سنة 804هـ الموافق 20 يوليو/تموز 1402م، أو الجمعة 27 من ذي الحجة 804هـ الموافق 28 يوليو/تموز 1402م، أو الثلاثاء 19 من ذي القعدة 804 ه الموافق 20 يونيو/حزيران 1402م، أو الجمعة 13 من ذي الحجة 804 هـ، الموافق 14 يوليو/تموز 1402م، أو الخميس 19 من ذي الحجة 804 هـ، الموافق 20 يوليو/تموز 1402م، أو الخميس 26 من ذي الحجة 804 هـ،الموافق 27 يوليو/تموز 1402م، أو السبت 28 من ذي الحجة 804 هـ، الموافق 29 يوليو/تموز 1402م، أو الأحد 5 من المحرم 805هـ الموافق الجمعة 4 أغسطس/آب 1402م. وقد أَوْرَدَت رواياتٌ أخرى أن المعركة وقعت في مستهل السنة الهجرية التالية، أي 805 هـ، حيث ورد تاريخ:

يوم الثلاثاء 1 محرم 805هـ الموافق 1 أغسطس/آب 1402م، أو السبت 5 محرم 805هـ الموافق 5 أغسطس/آب 1402م. وبالرغم من هذا التعدد في التواريخ، فإن مجمل الروايات يتفق على أن السنة الميلادية للمعركة هي 1402م، كما أن أغلب المصادر تُرجّح وقوعها في شهر ذي الحجة من عام 804 هـ، والذي يوافق تقويميًّا شهر يوليو/تموز من نفس العام. أما فيما يخص اليوم المحدّد للمعركة، فإن الإشارة المرجعية الوحيدة المتوفرة تُفيد بأنها جرت في يوم جمعة، وقد ورد ذلك صراحة في كتابات عدد من المؤرخين العثمانيين، من بينهم:

عاشق باشا زاده، لطفي باشا، عروچ باي، خوجة سعد الدين، وعلي جلبى.

قادة المعركة

تيمورلنك

تيمورلنك بن طرقاي بارلاس (9 أبريل 1336م - 17-19 فبراير 1405م)، وكلمة تيمور في لغة جغتاي وفي اللغة المنغولية تعني: معدن "الحديد"، و"لنك" تعني: "الأعرج"، أي "تيمور الأعرج". وُلِد في بلاد ما وراء النهر على بعد حوالي 50 ميلاً إلى الجنوب من سمرقند، وينحدر من عشيرة بارلاس المغولية وهي نفس القبيلة التي ينتسب إليها جنكيزخان. لم يكن مَلِكا أو سليلا لبيت مَلِكٍ وكان عند مولده رجلاً قليل الشأن يملك بعض الماشية بآسيا الوسطى يعيش على الإرعاء. بدأ حياته باسم تيمور، ولم يُعرف بتيمورلنك أي تيمور الأعرج إلا بعد أن ابتُلي بالعرج نتيجة لجرح أثناء غارة له في سيستان عام 1365م وقد فقد في تلك الغارة أيضاً أصبعين من أصابع يده اليمنى. كان تيمورلنك مُسلماً. غير أنّ ما نُقِش على شاهد قبره من نَسَبٍ مُلفَّقٍ يُرجِعه إلى الصحابي سيدنا علي بن أبي طالب، فضلاً عن وجود عناصر شيعية في جيشه، قد دفع بعض المؤرخين والعلماء إلى نسبته إلى التشيُّع. ومع ذلك، كان مستشاره الديني الرسمي هو العالم الحنفي عبد الجبار الخوارزمي (1361م-1402م) الذي كُتب عنه في ترجمته «انْتَهَت إِلَيْهِ الرياسة فِي أَصْحَاب تيمور بِحَيْثُ كَانَ عَظِيم دولته وَكَانَ مَعَه بِالشَّام وَغَيرهَا فَكَانَ يباحث الْعلمَاء ولديه فصاحة بِالْعَرَبِيَّةِ والعجمية والتركية وثروة وخرمة، كل ذَلِك مَعَ تبرمه من صحبته، بل رُبمَا نفع الْمُسلمين عِنْده وَلَكِن فِي الْأَغْلَب لَا تسعه مُخَالفَته». كما أن تيمورلنك شيَّدَ أحد أرقى منشآته على قبر الشيخ أحمد يَسَوِي، وهو عالم صوفي تركي بارز أسهم في نشر الإسلام السُّنّي بين البدو. لم ينسِب تيمورلنك لنفسه لقب "خان" قط، بل أطلق على نفسه لقب "أمير" وتصرف باسم حاكم جغتاي في بلاد ما وراء النهر. كان تيمورلنك عبقريًا عسكريًا ولكنه كان يفتقر أحيانًا إلى الحس السياسي. أسس الإمبراطورية التيمورية في أفغانستان الحديثة وإيران وآسيا الوسطى وما حولها، وكان أول حاكم من السلالة التيمورية، وكانت عاصمته سمرقند، ولا يزال قبره قائمًا فيها إلى اليوم. امتدت امبراطوريته من الهند إلى الأناضول. ترأس الإمبراطورية المغولية التيمورية عام 1370م، فَوَحَّدَ جميع القبائل التركية والمغولية المتناثرة في بلاد ما وراء النهر، ثم توجه بجيشه نحو إيران فغزاها واستولى عليها عام 1378م، ثم بسط سيطرته لاحقًا على أذربيجان والعراق، كما ألحق الهزيمة بخانية القبيلة الذهبية مرتين وذلك في 1391م ثم 1395م. استولى تيمورلنك على شمال الهند التي انضوت تحت سيطرته بحملة الهند عام 1399م، ثم اتجه إلى الغرب واحتل بغداد. شرع تيمورلنك في الحملة الغربية الثالثة المُسمَّاة «حرب السنوات السبع»، إثر التمرد الذي اندلع في أذربيجان نتيجة اضطراب الصحة العقلية لابنه ميران شاه الذي كان قد ولاّه حكمها وتسببه في انفلات زمام الحكم واضطراب البلاد. في خلال ثلاثين عامًا، أصبح تيمورلنك سيدًا لأكبر جزء من العالم الإسلامي. ضمت فتوحاته بلاد فارس وأرمينيا والأودية العليا لنهري دجلة والفرات والسهول بين بحر الخزر والبحر الأسود، وروسيا من نهر الفولغا إلى نهر الدون والدنيبر، وبلاد ما بين النهرين، وسواحل المحيط الهندي والخليج الفارسي، وغرب وشمال الهند. كان تيمورلنك على خلاف مع العثمانيين الذين ادّعوا أحقيتهم بالأناضول وسبقهم في السيطرة عليها، فقام بحملته الأولى على الأناضول عام 1400م وتوجّه إلى سيواس فدخلها وخرّبها، وقتل جميع الأسرى العثمانيين وعددًا كبيرًا من سكانها، غير أنه لم يكن قد شهد في حياته صمود قلعةٍ بمثل هذه الدرجة من الشدّة، فأدرك عدم إمكانية إسقاط القلاع الأناضولية الواحدة تلو الأخرى على هذا المنوال، فكان لزامًا عليه أن ينتصر على الجيش العثماني ويقضي عليه، فانسحب مؤقتًا من الأناضول، في حين توجّه السلطان بايزيد إلى قيصرية لصدّه، ظنًّا منه أن تيمورلنك سيتوغّل في عمق الأناضول. ثم عاد تيمورلنك إلى الأناضول مرة أخرى عام 1402م، وتقدّم حتى بلغ أنقرة، حيث دارت المعركة الفاصلة مع العثمانيين.

بايزيد الأول

بايزيد الأول (1361م - 1403م)، ولقبه "يلدرم بايزيد" ومعناه "بايزيد الصاعقة" نظرا لسرعته وشدة بطشه بالأعداء، انتصر مع والده السلطان مراد الأول نصراً حاسماً على الصليبيين في معركة كوسوڤو في 15 يونيو 1389م، وكان بايزيد يومها قائد ميمنة الجيش العثماني. وبعد النصر، تفقَّدّ والده السلطان مراد الأول أرض المعركة، فطلب أحد نبلاء الصرب أن يلتقي بالسلطان ليُشهر إسلامه أمامه، فلمّا قابل السلطان غدر به وطعنهُ بخنجره المسموم فقتله. فتولّى بايزيد الأول الحُكم من فوره وقاد الدولة العثمانية. أخضع السلطان "بايزيد الصاعقة" إمارات الأناضول المتمردة وأخمد التمردات وردَّ الانتهاكات التي صارت على أراضي الدولة العثمانية من أمثال القاضي برهان الدين أحمد بن شمس الدين، صاحب سيواس، وأمراء بني صاروخان والقرمانيين وبني منتشا وبني حميد. كما تلقى السلطان مساعدات من بعض القوى النصرانية التي تُدين بالتبعية للدولة للعثمانيين أمثال ديسپوت صربيا أسطفان لازاريڤيتش والإمبراطور البيزنطي يوحنا السابع پاليولوجوس، والإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني، بالإضافة إلى سليمان پاشا الثاني الجندرلي حاكم قسطموني (حكم: 1385م-1392م) الذي شارك في حملة الأناضول في شتاء 1389م - 1390م إلى جانب السلطان يلدريم بايزيد. وفي فتح فيلادلفيا، آخر مستعمرة يونانية مسيحية بيزنطية مستقلة في غرب الأناضول، أجبر السلطان بايزيد ولي العهد البيزنطي عمانوئيل الثاني على المشاركة في الحملة العسكرية العثمانية لفتحها، وكان ذلك ضمن ترتيبات التبعية السياسية والعسكرية في تلك المرحلة، وكان وقتها عمانوئيل مقيما ببلاط السلطان في بورصة كرهينة فخرية، فأشركه السلطان مع كتيبة كاملة من الإمبراطورية البيزنطية، وذلك لأن العثمانيون كانوا قد ساعدوا الإمبراطور البيزنطي يوحنا الخامس پاليولوجوس والد عمانوئيل على استعادة عرشه أثناء الحرب الأهلية البيزنطية الكارثية بين عامي 1376م و1379م بعد هربه من السجن، وكان عمانوئيل الثاني قد وَعَدَ في عام 1378م / 779 هـ بتسليم مدينة فيلادلفيا للعثمانيين (اسمها الحالي: آلاشهير في إقليم مانيسا بتركيا) مقابل الحصول على تلك المساعدة، فتحقق له استعادة عرش بيزنطة بمساعدة الدولة العثمانية ولكن مدينة فيلادلفيا تجاهلت هذا الاتفاق ورفضت التسليم، فاستدعى السلطان بايزيد إمبراطوري بيزنطة، يوحنا السابع پاليولوجوس وعمانوئيل الثاني في عام 1390م / 792 هـ، وأمرهما بمرافقة القوة العثمانية لمحاصرة فيلادلفيا. وخضع الإمبراطورين للإهانة، واستسلمت فيلادلفيا عندما رأت الراية الإمبراطورية البيزنطية مرفوعة بين ذيول خيول الباشوات العثمانيين فوق معسكر قوات الحصار. ثم حاصر السلطان بايزيد الصاعقة القسطنطينية مرة أخرى عام 1391م، ثم هزم التحالف الصليبي الجرّار الذي شكله فرسان أوروپا الغربية في معركة نيقوپوليس عام 1396م، ثم انتصر في معركة "آق تشاي" ضد القرمانيين في خريف عام 1397م بعد أن تكرر غدرهم باحتلال أراضي العثمانيين الشرقية أثناء انشغالهم بمحاربة الصليبيين في الغرب، ثم انتزع ملاطية من يد المماليك عام 1399م. نال السلطان بايزيد الأول لقب "سلطان إقليم الروم" بصورة رسمية وبتصديق من الخليفة العباسي في القاهرة وأعلن نفسه إمبراطورا على روما وأضاف هذا اللقب إلى سلطنته حيث أن إمبراطور روما الشرقية كان يتبعه.

== العثمانيون والمغول قبل الصدام == كانت التحديات أمام الدولتين العثمانية والتيمورية المغولية مختلفة ومتباينة، قبل تصادمهما في معركة أنقرة، حيث حرص السلطان بايزيد على توحيد الأناضول واستقرار البلاد تحت إدارة حُكم قوي موحد مستقر ومقارعة الصليبيين، بينما انشغل المغول بتوحيد القبائل المتناثرة لغزو الدول المجاورة وكسب الغنائم ولم يكن هدف تيمورلنك الرئيس هو إقامة دولة.

العثمانيون

بعد مقتل السلطان مُراد الأول والد السلطان يلدرم بايزيد الأول غدرا بنهاية معركة قوصوه الأولى في 15 يونيو 1389 / 20 جمادى الآخرة 791 هـ ضد الصليبيين عقب انتصاره عليهم، تولى ابنه بايزيد الحكم فورا في أرض المعركة وبدأ في غضون عام واحد بضم الإمارات الأناضولية إلى أراضيه ليضمن بذلك وحدة الأناضول أولا، ثم ضرب بعدها حصاراً على القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عام 1391م. وفي عام 1396م تصدّى السلطان بايزيد الأول للحملة الصليبية التي قادها ملك المجر سيغسموند، والمؤلفة من فرسان أوروبا الغربية، فهزمها هزيمة ساحقة في معركة نيقوبوليس. وفي العام التالي انتصر السلطان بايزيد على إمارة "قره مان" في معركة آق تشاي خريف عام 1397م، وضم قونية ونيغدا وآق سراي وقره مان وديڤيلي في شمال جبال طوروس، التي كانت في أيدي القرمانيين، إلى أملاك الدولة العثمانية. وفي عام 1398م، ضم السلطان بايزيد كلا من سيواس وتوقاد وقيصرية وأماسية أيضًا للحُكم العثماني بأن فتحها بعد مقتل القاضي برهان الدين حاكم إمارة بنو آرتين وصاحب سيواس وضواحيها على يد قبائل آق قويونلو. بعد وفاة السلطان المملوكي الظاهر سيف الدين برقوق عام 1399م، وفي ظلّ تولّي ابنه وولي عهده الطفل الناصر زين الدين فرج بن برقوق الحُكم وهو في سنّ الثالثة عشرة، وسَّع السلطان بايزيد الأول نفوذ الدولة العثمانية، فضمّ ملاطية وبغداد إلى ممتلكاته من المماليك. كما فتح العثمانيون بقيادة السلطان بايزيد قلاع كاخته وديڤريغي وبيسني ودرنده ، التي كانت في يد إمارة بنو ذو القدر. وبعد هذه الفتوحات وصلت حدود الدولة العثمانية إلى نهر الفرات. ثم اتجه السلطان بايزيد الأول نحو تنحية السلالات الحاكمة المحلية وإقامة هيكل مركزي مُحكم.

المغول

وفي نفس الفترة، كانت هناك دولة مغولية تركية أخرى في بلاد ما وراء النهر برئاسة تيمورلنك تتوسع في المنطقة. أصبح تيمورلنك على رأس الدولة في عام 1370م، فقام بتوحيد القبائل التركية والمغولية المتناثرة في المناطق المحيطة بها. وفي عام 1378م، استولى على إيران، ثم تبعها بالاستيلاء على أذربيجان والعراق. وفي عام 1391م، هزم القبيلة الذهبية بقيادة توقتمش خان، في معركة نهر كوندورشا، ضمن سلسلة من الحروب بينهما استمرت تسعة أعوام ما بين عام 1386م إلى عام 1395م. وفي معركة نهر تيريك عام 1395م، هَزَمَ مرةً أخرى جيش القبيلة الذهبية وأنهى حكمهم على روسيا. ثم اتجه تيمورلنك شرقًا، فاجتاح شمال الهند بأسره مع نهاية حملته الهندية عام 1399م. ثم عاد أدراجه نحو الغرب، فاستولى على بغداد للمرة الثانية عام 1401م بعدما نكثت ولاءها له، فأمر بمجزرة راح ضحيتها نحو عشرين ألفًا من سكانها بمن فيهم المسلمون، ثم تركها مُخلفا وراءه الجيش وقوافل الحصار والمنهوبات ليلحقوا به على مهل، فهرب قرة يوسف حاكم قبيلة قره قويونلو إلى الأناضول مع أحمد جلائر سلطان الدولة الجلائرية (اسمه في بعض المراجع: أحمد جلال يار) ولجئا إلى السلطان العثماني بايزيد الأول. وكان والد قره يوسف هو قَرَه محمد توريميش حاكم قره قويونلو الأسبق وصِهر السلطان أحمد جلائر. ونتيجةً لضغوط تيمورلنك، أعلنت الدولة المملوكية في مصر أنها خاضعة لتيمورلنك شكليًا بالاسم فقط. شرع تيمورلنك عقب حملته في الهند، في حملته الغربية الثالثة المعروفة باسم "حرب السنوات السبع" في سبتمبر 1399م، وذلك بسبب إخفاق ابنه ميران شاه الذي ولَّاه حُكم أذربيجان في الحفاظ على النظام وضبط الأوضاع، وكثرة الشكاوى منه واندلاع الاضطرابات في تلك المنطقة، فتمكن تيمورلنك خلالها من إخضاع جورجيا وأرمينيا وأذربيجان. أمضى تيمورلنك شتاء عام 1399م-1400م في قره باغ الواقعة شرق أرمينيا وجنوب غرب أذربيجان، وعندما وصل إلى باسينلر لجأ إليه أمراء الأناضول القدامى وطالبوه باستعادة أراضيهم التي استولى عليها السلطان بايزيد، ومن هؤلاء الأمراء:

يعقوب بك الثاني بن سليمان شاه بن محمد والمعروف أيضا باسم يعقوب چلبى، حكم إمارة كرمايان من 1387م إلى 1390م قبل أن تضمها الدولة العثمانية إليها. ثم عاد إلى حُكمها مجدداً بعد معركة أنقرة فحكمها من 1402م إلى 1411م، ثم من 1414م إلى أن مرض وتوفي عام 1429م، وقد أوصى بضم الإمارة نهائيا إلى الدولة العثمانية فاستلمها السلطان مراد الثاني. إلياس بك بن محمد بن إبراهيم الذي سعى إلى استرداد مُلك أبيه بعد فقدان إمارة بنو منتشا عام 1390م بعدما ضمها العثمانيون، وقد تحقق لإلياس بك بعد معركة أنقرة حُكم إمارة بنو منتشا من 1403م إلى وفاته 1421م، ثم استردتها الدولة العثمانية نهائيا من وَلَدَيْهِ ليث وأحمد عام 1424م. عيسى بك بن محمد الذي حكم إمارة بنو آيدين من 1360م إلى 1390م قبل أن تضمها الدولة العثمانية، وقد عاد حُكم الإمارة لاحقاً إلى ابنه عمر بن عيسى عام 1402م عقِبَ معركة أنقرة لمدة عام واحد، ثم استردتها الدولة العثمانية نهائيا من الحاكم الذي خَلَفَهُ، جُنيد ابن إبراهيم، عام 1426م. خِضر شاه بك الذي حكم إمارة بنو صاروخان من 1388م إلى 1391م قبل أن يضمها العثمانيون، ثم حكمها بعد معركة أنقرة من 1402م حتى مقتله عام 1406م وضُمَّت الإمارة نهائيا إلى الدولة العثمانية. كان تيمورلنك الذي هيمن على إيران يهدف إلى إقامة سيادته الخاصة في الأناضول باعتباره وريث الدولة السلجوقية والدولة الإلخانية، ولم يكن هدف تيمورلنك الرئيسي هو إقامة دولة جديدة ودائمة، بل كان هدفه الأساسي هو كسب الغنائم والشهرة والرد على الإهانات والتحديات التي كانت تُوجَّه ضده، كما كان يهدف إلى إخضاع الدولة العثمانية لسيطرته. وقبل معركة أنقرة، ألحق تيمورلنك الهزيمة بالقبيلة الذهبية في الشمال وبالدولة المملوكية المصرية في الجنوب، وبذلك وجدت الدولة العثمانية نفسها وحيدةً معزولةً بعد تراجع القُوَى التي كان يمكن أن تشكّل لها سندًا أو تحالفًا.

== خلفية الصدام == رحل تيمورلنك عن بغداد بعد أن دمرها وأمعن فيها السلب والنهب، وسار حتى نزل «قره باغ» فجعلها دكاً خراباً ثم قضى بها شتاء 1399م-1400م، ومن بعدها انتقل إلى پاسنلر ، حيث لجأ إليه أمراء الأناضول وطالبوه بمعاونتهم على استعادة الأراضي التي استولى عليها السلطان بايزيد الأول وضَمَّهَا إلى الدولة العثمانية. استمال تيمورلنك كلا من «قره يولوق عثمان بك» حاكم قبيلة «آق قويونلو» (قبيلة ذوي الأغنام البيضاء) التركمانية، و«مُطّهَرْتَن» حاكم إمارة إرزنجان، بوعودٍ سياسية، ودَفَعَهُمَا إلى التمرد والوقوف إلى جانبه بهدف إضعاف الدولة العثمانية. وفي المقابل، لجأ إلى السلطان بايزيد الأول كلا من «قره يوسف بن محمد براني» حاكم قبيلة قره قويونلو (قبيلة ذوي الأغنام السوداء) التركمانية، وحليف السلطان بايزيد ونسيبه «غياث الدين أحمد بن أويس جلائر» سلطان الجلائريين، هرباً من توغل تيمورلنك.

انحياز آق قويونلو وإرزنجان لتيمورلنك

خضعت إرزنجان والمناطق المحيطة بها إلى سلطة إمارة بنو آرتين وأصبحت إحدى ممتلكات الإمارة وضمن حدودها، وكانت تحت حُكم «آخي عَينا باي» ثم خَلَفَهُ «پير حُسَيْن» على التوالي. وبعد وفاة «پير حُسَيْن» الحاكم المُعَيَّن على المدينة عام 1379م، سيطر مُطّهَرْتَن من بعده على إرزنجان وضواحيها واستقل بها عن إمارة بنو آرتين وسكّ النقود باسمه وألقى الخُطَب. ويُذكر مُطّهَّرْتَن في المراجع أيضا بأسماء أخرى مثل «تراطا» أو «طاهيرتِن». لا تُعرف أصول مُطّهَرْتَن على وجه اليقين، ولكن الراجح أنها قد تعود إلى أتراك الأوغوز، لأن أتراك الأويغور كانوا يعملون كمسئولين حكوميين (بيروقراط) في الإمارات المنغولية، ولعله كان من أقارب حُكام بنو آرتين. أعلن مُطّهَرْتَن سنة 1380م-1381م استقلال إرزنجان عن إمارة بني آرتين مستغلًا فترة خلو عرشها، غير أنه وجد نفسه لاحقاً في وضع حرج بعد تولي القاضي برهان الدين حُكم إمارة بنو آرتين، فأصبح بذلك محاطاً بالعديد من الخصوم، إذ لم يقتصر التهديد على القاضي برهان الدين، بل شمل أيضًا إمبراطورية طرابزون ومملكة جورجيا وسلطنة آق قويونلو، الأمر الذي دفعه إلى انتهاج سياسة قائمة على المكائد للحفاظ على استقلاله. ويُذكر مُطّهَّرْتَن في المراجع أيضا بأسماء أخرى مثل «تراطا» أو «طاهيرتِن». واجه مُطّهَرْتَن صاحب إرزنجان خطرا جديدا عام 1387م حين أسس تيمورلنك المغولي معسكره في قره باغ بعد أن بسط نفوذه على غرب إيران، وبدأ التحضير لحملة عسكرية نحو شرق الأناضول. ومع ورود الأنباء بوصول تيمورلنك إلى أرضروم، أرسل مُطّهَّرْتَن عائلته إلى صديقه القاضي مالك أحمد بك في شبين قره‌ حصار. ثم أرسل تيمورلنك رسولا إلى إرزنجان وطلب من مُطّهَّرْتَن طاعته فأجابه مُطَّهَرْتَن سريعًا بالموافقة. وبعد ذلك استولى تيمورلنك على أخلاط وتقدّم إلى جانبي بحيرة ڤان. نجح تيمورلنك في استمالة كلا من «قره يولوق عثمان بك» (؟ - 1435م) حاكم قبيلة «آق قويونلو» (قبيلة ذوي الأغنام البيضاء) التركمانية ، و«مُطّهَرْتَن» حاكم إمارة إرزنجان (حُكم: 1379م-وفاة 1403م) الذي كان يواجه صعوبات بإمارته الصغيرة التي استقل بها عن إمارة بني آرتين، فانحازا له بعد أن قطع تيمورلنك على نفسه وعوداً سياسية لهما. وأرسل «مُطّهَرْتَن» هدايا قيمة إلى تيمورلنك مع مبعوثيه خلال حملة تيمورلنك الغربية. ضم السلطان بايزيد الأول أراضي إمارة بنو آرتين إلى الدولة العثمانية بعد وفاة سلطانها القاضي أحمد برهان الدين (1345م-1398م)، وكان مُطّهَرْتَن يدفع ضرائب إرزنجان للعثمانيين، فلما تحول إلى دفعها لتيمورلنك تحت حكمه في ذلك الوقت، طلب السلطان بايزيد الأول من «مُطّهَرْتَن» أن يَخْضَعَ له مرة أخرى وأن يدفع له ضرائبه ويُعيد تبعيته للدولة العثمانية كما كان من قبل، فلم ينصاع له، وتسبب ذلك في حدوث مزيد من الشقاق بين مُطّهَرْتَن والسلطان بايزيد.

لجوء قره قويونلو والجلائريين إلى بايزيد

وفي المقابل، لجأ كلا من «قره يوسف بن محمد براني» (1356م- 1420م) حاكم قبيلة قره قويونلو وحليفه السلطان «غياث الدين أحمد بن أويس جلائر» (؟ - 1410م) سلطان الدولة الجلائرية، إلى السلطان بايزيد الأول هرباً من سطوة تيمورلنك الذي أنهى حكمهما، وتوغل غرباً في الأناضول.

=== مراسلات تيمورلنك وبايزيد === كتب تيمورلنك إلى السلطان بايزيد الأول أن يُخرج السلطان أحمد بن أويس جلائر وقره يوسف من حمايته وإلا قَصَدَهُ بجيشه، فَرَدَّ السلطان بايزيد جوابه بلفظ خشن للغاية وأرسل إليه رسالة مُهينة. جاء السفير العثماني إلى تيمورلنك ومعه السفراء الذين أرسلهم تيمورلنك إلى السلطان بايزيد ومعهم رسالة ثقيلة منه. غضب تيمورلنك بشدة وقال للسفير: «لم يكن من المناسب والصحيح أن لا يوافق بايزيد على طلباتنا الصغيرة، وأن يتصرف بقسوة وغضب ويصبح معاديًا لنا، ولا نريد أن نُشهر سيوفنا عليه مرة أخرى لأنه يحارب الكفار ويُحافظ على الحدود الإسلامية؛ أردنا اتفاق سلام وانتظرناه في كل مرة، لكن تبين أن العكس هو الصحيح. لقد طلبنا منه ثلاثة أشياء، إحداها كانت قلعة كماخ، وقد أخذناها بسهولة، أما الاثنان الآخران فلا يستحقان العودة». حذر تيمورلنك السلطان بايزيدَ بأنه لم يهاجمه فقط بسبب انشغال السلطان بايزيد بقتال الصليبيين، وأنه يجب على بايزيد أن يعرف حدوده وألاَّ يُجبر نفسه على الحرب. بعث السلطان بايزيد الأول برسالة إلى تيمورلنك؛ ذكر له فيها «أنه (أي السلطان) كان دائما يريد قتال تيمورلنك وأنه إذا لم يأته تيمورلنك فإنه سوف يذهب إليه بنفسه (أي السلطان)». كان تيمورلنك ماكراً خدَّاعاً وغير مخلص في حديثه عن السِّلم والمصالحة.

محاولات الصلح

إثر هذه التطورات، حاول مسؤولو الدولة العثمانية وكبار الشخصيات، ولا سيما الصدر الأعظم چاندارلي علي پاشا إقناع السلطان يلدرم بايزيد بعقد الصلح والسلام مع تيمورلنك. ولهذا السبب، أرسل السلطان بايزيد مبعوثًا إلى تيمورلنك مرةً أخرى وعرض عليه الاتفاق مُصرِّحًا بأنَّه لا يوجد سبب للاضطرابات والقلاقل بينهما، وأنَّه (أي السلطان بايزيد) مثل جميع أسلافه في حالة حربٍ مع الكُفَّار، وعرض عليه عقد معاهدة. أمَّا تيمورلنك فقد رد عرض السلطان بايزيد بأن طلب منه أن يُسلِّم قلعة كِماخ إلى مُطّهَرْتَن الحاكم الأسبق لها، وأن يُطلق سراح أسرة مُطّهَرْتَن، وأن يُودِع أحد أمرائه رهينةً فخرية عند تيمورلنك، وأن يَخضَعَ له بقبول القبعة المخروطية والحزام الذي سيرسله إليه ليلبسهما دليلا على الطاعة، وأن يُعيد أراضي الإمارات الأناضولية التي ضمها العثمانيون إلى بكواتها السابقين، وأن يُسلِّم أسرة قره يوسف؛ وذكر أنه إذا قَبِلَ ذلك فسيكون بينهما علاقة أبوية وسيُساعده على الكفار. وأوضح تيمورلنك أن جيشه سوف يقضي هذا الشتاء كما هو في قره باغ، ولكنه سيأتي في الربيع إلى حدود الأناضول لينتظر رد السلطان بايزيد. وأعاد إرسال مبعوثي السلطان بايزيد مع مبعوثيه الخاصين، وأصر تيمورلنك على تسليم قره يوسف إليه حيًّا أو ميتًا. أكَّدَ السلطان بايزيد على مبعوثي تيمورلنك أن قره يوسف قد رحل بالفعل من عنده، وأنه حتى ولو عاد ولجأ إليه مرة أخرى فلن يسلمه أبداً إلى تيمورلنك. رأى تيمورلنك أنه لا يمكنه الانتصار على السلطان بايزيد بالقوات التي كانت مجتمعة لديه في ذلك الحين، فخطط لتعزيز قواته بمدد من آسيا الوسطى، ثم الانتقال إلى الأناضول بعد قضاء فصل الشتاء في قره باغ.

تطور المراسلات إلى عداء

بعد هذه المشادة، رأى تيمورلنك أن السلطان بايزيد لن يتفاوض معه، فتوجه بجيشه غرباً إلى سيواس الواقعة بالأناضول شرقيّ أنقرة بحوالي 350 كيلومتر (انظر الخارطة). كان السلطان بايزيد قد كلف ابنه سليمان چلبي في عام 1399م بقيادة الفتوحات نحو الشرق وأردف معه عدد من أفضل قادته، وكانت سيواس قاعدة هذه العمليات. عندما وصل تيمورلنك إلى سيواس، أرسل سليمان چلبي نداءً إلى أبيه السلطان بايزيد الذي كان في ثيساليا باليونان، وشرع بجهود محمومة في تجهيز دفاعات المدينة التي كان السلطان السلجوقي علاء الدين كايقباد قد قوَّى أسوارها وجدرانها بشكل ممتاز قبل مائة وستين سنة، ثم خرج سليمان چلبي بجرأة لمواجهة التتار، ولكنه عندما أدرك أن عشرين ألفاً من فرسانه لا يمكنهم الصمود أمام قوات تيمورلنك، انسحب إلى الشمال الغربي تاركاً المدينة لمصيرها. استغرق تيمورلنك ثمانية عشر يوماً من الهجمات المتواصلة لإضعاف دفاعات سيواس. هدم تيمورلنك جدران القلعة ودفع تحتها أكواماً مُغطاة بالقار وأشعل فيها النار. وبعد سقوط عدة أبراج، وافقت الحامية العسكرية بالقلعة على الاستسلام بناءً على وعد تيمورلنك بأن تُحفظ أرواحهم وتُصان المدينة بالكامل. أوفى تيمورلنك بهذا الوعد جزئياً، إذ سُمح لهم بدفع فدية من أجل حريتهم. ومع ذلك، نهب المدينة وحرقها وباع سكانها المسيحيون كعبيد، وقُتل 4000 من الفرسان الأرمن الذين كانوا أشجع المدافعين وأكثرهم عنادًا. وفي أثناء إقامة تيمورلنك في سيواس، قدم وفده العائد من عند السلطان بايزيد، يرافقهم وفد السلطان يحمل الردّ. أقام تيمورلنك بحضور الوفد العثماني عرضا لقواته استمر طوال النهار، مرّت فيه الفِرَق العسكرية بكامل أسلحتها وألوانها التي تميزها، ومختلف راياتهم وثياب الجند وسروج الخيل الملونة. استمر استعراض الجند من الفجر حتَّى الظهيرة، ثم أرسل تيمورلنك مبعوثي السلطان بايزيد بين صفوف جنوده ليُظهر لهم روعة جيشه، ثم أخبرهم بأنَّه ينوي عقد الصلح مع السلطان بايزيد رغم كل ما كان مستاءً منه، واشترط أن تُحضَرَ إليه عائلة مطهرتن وأحد أبناء السلطان بايزيد كرهينة، ولكنَ وصلته الأخبار بأنَّ السلطان قادم إليه بجيشٍ كبير، فبدأ الاستعدادات للحرب.

=== انسحاب تيمورلنك من الأناضول === بعد إحراق وتدمير سيواس في أغسطس/آب 1400م، جاءت الأخبار إلى تيمورلنك بأن السلطان بايزيد قد رفع الحصار عن القسطنطينية وأنه يتقدم بجيشه ليتصدى له في سيواس على مسيرة 15 يوما. فتوجه تيمورلنك جنوبا واستولى على ملاطية وكاخته والأماكن المجاورة لها ثم عنتاب، ثم خرج من الأناضول وانتقل جنوبا إلى سوريا فغزا حلب وحرق دمشق، ثم ماردين وبغداد للمرة الثالثة (انظر الخارطة)، ثم ذهب إلى تبريز وقضى الشتاء في قره باغ. كان مجيء تيمورلنك لسيواس ليس بغرض الغزو، وإنما لإظهار القوة أمام السلطان بايزيد لكي يرتدع ويُذعن، ولكنه فوجئ بشدة صمود القلاع العثمانية في سيواس وعلم أن الأمر ليس سهلا، ولذلك لم يواصل تيمورلنك مسيرته لغزو الأناضول نحو الغرب حيث توجد الدولة العثمانية، بل انسحب إلى نهر الفرات، وقضى الثمانية عشر شهرًا التالية في الحملات الشهيرة التي انتهت بتدمير دمشق وبغداد. وعلى الناحية المقابلة، ظنّ السلطان بايزيد أن تيمورلنك الذي استولى على سيواس شرق أنقرة سوف يتوغل في وسط وغرب الأناضول، فانتقل إلى قيصرية بوسط الأناضول ليقطع عليه الطريق (انظر الخارطة) وظل هناك منتظراً قدوم تيمورلنك بجيشه ليلاقيه، ولكن تيمورلنك الذي استولى على سيواس، انتقل جنوباَ إلى الجانب السوري ولم يستمر غرباً في الأناضول كما تقدم.

عودة المراسلات

أرسل تيمورلنك أثناء حملته العسكرية في سوريا إلى السلطان بايزيد، يُحصى له نجاحاته الحربية خلال الحملة السورية ويطلب منه أن يُطيعه. أما السلطان بايزيد فكان يتحدَّث عن نَسَبِهِ وتفوقه ويُعلن أنه مستعد للعدو الذي سيواجهه. وردًا على هذا الجواب، قال تيمورلنك للسلطان بايزيد أنَّ الوحدة بينهما ستُزيد من قوَّة الإسلام أمام الأعداء، وأراد أن يُخضع السلطان بايزيد لنفوذه، فطلب منه إرسال أحد أبنائه رهينةً شرفيةً لديه، ضمانًا لولاء السلطان له.

=== تنازع السيطرة على قلعة كماخ === عندما علم السلطان بايزيد أن تيمورلنك قد دخل سوريا وقضى شتاء 1400م-1401م حول دمشق، تقدم بالقوات التي جمعها من الروملي والأناضول واستعاد إرزينجان وكِماخ من مُطّهَرْتَن ليعاقبه على انحيازه لتيمورلنك وليسترد تلك المناطق للدولة العثمانية، كما احتجز عائلة مُطّهَرْتَن كرهائن وأرسلهم إلى العاصمة العثمانية بورصة. أعاد السلطان بايزيد إرزينجان وكِماخ إلى مطهرتن بشرط أن يعترف بسيادته، إلا أنه لم يُعد قلعة كِماخ، ووضع حامية عسكرية عليها. تسببت هذه المعاملة تجاه مطهرتن، الذي كان من رعايا تيمورلنك، في انفصال كامل بين السلطان بايزيد وتيمورلنك، فأرسل تيمورلنك إلى بايزيد يطالبه بالآتي:

تسليم قلعة كِماخ ومحيطها إلى تيمورلنك. رهن أحد أبناء السلطان بايزيد عند تيمورلنك لضمان العهد. إعلان السلطان بايزيد خضوعه لتيمورلنك. إعادة أراضي إمارات الأناضول لأمرائها السابقين قبل الفتح العثماني لها. وتسليم قره يوسف حاكم قره قويونلو وعائلته إلى تيمورلنك. رفض بايزيد هذه الطلبات بشدة، فتوجه تيمورلنك إلى قلعة كِماخ واستولى عليها مرة أخرى عام 1402م كما سيلي تفصيله.

=== مجلس حرب تيمورلنك === عقد تيمورلنك مجلسه في مارس/آذار 1402م بعد انقضاء فصل الشتاء في قره باغ وطلب رأي أمرائه. عارض العديد من أمرائه وحتى أولاده وأحفاده نشوب حربٍ بين دولتين إسلاميتين وتركيتين، وأنه لا يليق بهم الحملة على الدولة العثمانية السُّنِّيَّة الحنفية التي تنطق بالتركية وتحمل راية الجهاد الإسلامي. ولكن في هذا الوقت تقريبًا وُلد في سمرقند حفيد لتيمورلنك من ابنه شاه رخ، وشوهد مُذنبٌ يتحرك من الغرب إلى الشرق في السماء، ففسَّر مُنجمو تيمورلنك ذلك على أنه علامة انتصاره في الغرب، فزادت هذه الأسباب مجتمعة من عزم تيمورلنك على قتال العثمانيين، فأرسل يطلب من السلطان بايزيد مرةً أخرى أن يُسلِّم له أسرة قره يوسف ويُبرم الصلح بينهما، وأن يُعيد إليه قلعة كِماخ، ووعده بأن يساعده في حروبه مع الصليبيين إذا ما تمَّ له ذلك. انتظر تيمورلنك في منطقة قلعة أڤنيق شهرين ثم انتقل إلى أرضروم حيث انضمت إليه القوات العائدة من العراق. استدعى تيمورلنك حفيده محمد سلطان ميرزا من سمرقند ليقود حصار واقتحام قلعة كِماخ عام 1402م، التي كان قد طلب من السلطان بايزيد تسليمها له. وبعد حصار دام حوالي عشرة أيام، استعاد تيمورلنك قلعة كِماخ فقتل أهلها وسباهم وخربها، وسلمها إلى مطهرتن الحاكم الأسبق لها. وبعد أن تم له الاستيلاء عليها، قرَّر تيمورلنك التحرُّك ضد العثمانيين.

بايزيد يتحدى تيمورلنك برسالة مهينة

بعد استيلاء تيمورلنك على قلعة كِماخ، جاءه مبعوثو السلطان بايزيد بهدايا ورسالة له، ولكن كمية الهدايا وأسلوب الرسالة أغضبا تيمورلنك، فقد استخدم السلطان بايزيد، الذي كانت الإمارات الأناضولية تحت سيطرته وكان واثقًا من نفسه، أسلوبًا مُهينًا ومتحديًا في رسالته إلى تيمورلنك، وهو ما لم يكن متوافقًا مع الأعراف الدبلوماسية. فقد وصف تيمورلنك "بالكلب المسعور" واستخدم عبارات "لتكُن زوجاتك طالقاً ثلاثًا" إذا لم تحضر إلى ساحة المعركة بعد استلامك الرسالة، و"لتكُن زوجاتي طالقاً ثلاثًا" إذا لم أحضر أمامك. كما أن السلطان بايزيد أرسل تسع هدايا لتيمورلنك بدلاً من عشرة، كما جرت العادة الدبلوماسية وقتئذ، وكتب اسمه في الرسالة بحروف مُذهَّبَة وكبيرة ثم جعل اسم تيمورلنك مكتوبا تحت اسمه بخط صغير وحبر أسود، بل أنه قصَّ لحية مندوب تيمورلنك على الفور إمعانا في إهانته. قال تيمورلنك بعد قراءة الرسالة: "إنَّ ابن عثمان مجنونٌ أحمق" وقال للمبعوثين بأنَّ "نصيحته لم تُجدِ نفعًا مع بايزيد" وقال لهم: "لقد استوليتُ على قلعة كِماخ دون الحاجة إلى العثمانيين، وبما أنَّ عائلة قره يوسف وقلعة كِماخ لم تُسَلَّم لي، فيجب أن تكونوا مستعدين لانتقامي بالصبر والشجاعة من الآن فصاعدًا".

تخلى تيمورلنك عن تحفظاته الدينية

كان تيمورلنك مُسلماً ولكنه كان يتقيد بتعاليم قانون الياسا، شريعة جنكيز خان لا الدينية، بدلا عن الشريعة الإسلامية. هناك من المؤرخين من يقول أنه كان شيعياً، إلا أن الحقيقة أنه كان مسلماً ذرائعياً، فكان تارة شيعيا عندما كان يرى مصلحة له في إرضاء جنده الخراساني من الشيعة، وكان تارة سنياً فيما عدا ذلك. كان ولاء تيمورلنك الظاهري للإسلام يثير الدهشة، خاصة وأنه كان رجلًا قاسيًا للغاية ومُجردًا من أي مبادئ، فكان قبل كل معركة يسجد كما يفعل المسلمون تماما، وبعد النصر يدعو الله شكرا على تحقيق النصر. وكان يزور المساجد القريبة منه أثناء حملاته العسكرية، ويُبرر حملاته العسكرية بالقول بانها ضد الكفار والمسيحيين، وضد المسلمين الذين لا يتبعون تعاليم الإسلام الصحيحة؛ إلا أن ذلك كان نوعاً من الخداع والنفاق. إن تيمورلنك حتى وإن كان في حياته الشخصية مسلًما متدينًا، إلا أن الأفعال التي قام بها ليست عملا يتناسب مع مشاعر وإيمان المسلم أبدا؛ لأن قتله الناس بوحشية في سيواس مثلا وما قام به من أعمال مشابهة لا يمكن عفوها بأي عذر من الأعذار. كان تيمورلنك مُعجباً بالسلطان بايزيد كبطل فاتح باسم الإسلام ضد الكفار، وتردد في شن حرب ضد أمَّة من نفس دينه. ولكن إعجابه تلاشى بعد غزواته الوحشية في الشام والعراق، وكان حرق دمشق وسبي نسائها واستعباد رجالها وصبيانها دليلاً على عدم مبالاته الدينية، كما أن استعداده للتعامل مع أوروپا المسيحية دليلٌ آخر على تغير تحفظاته الدينية. كان لتيمورلنك علاقات جيدة مع العالم المسيحي، فقد تبادل الهدايا والسِّفارات مع جمهورية جنوة المسيحية، وأشار عليه سفيرها بالقضاء على السلطان بايزيد. وعندما ذهبت السفارة التترية إلى پيرا في القسطنطينية واسمها الحالي باي أوغلو في تركيا الحديثة وهي إحدى ضواحي حي غلطة، رفعوا عَلَمَ تيمورلنك تكريماً له من أعلى برج غلطة الذي بناه الجنويون عام 1348م. حتى أن ملك قشتالة البعيد جغرافياً، كان لديه سفيران في معسكر تيمورلنك، وكانا يتمتعان بامتياز مشاهدة معركة أنقرة من الجانب التتري.

حشد وتحرك الجيوش

=== تحركات الجيش العثماني لمواجهة تيمورلنك === اتخذ السلطان بايزيد الأول قرار المعركة وتجهَّزَ للخروج بالجيش لمواجهة تيمورلنك، فبدأ أولاً بعقد اتفاق عدم اعتداء مع الامبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني پاليولوجوس، تلاه برفع الحصار العثماني المستمر الذي كان قد ضربه على القسطنطينية منذ عام 1394م، لكي يتفرغ لمقارعة تيمورلنك. أرسل السلطان بايزيد مراسيمه إلى الأناضول والروملي لجمع الجيش، وأمر بتجنيد جنود جدد في قواته الحالية لمحاربة جيش تيمورلنك. وفي أوائل ربيع عام 1402م، توقفت الأنشطة العسكرية العثمانية في البلقان، وبدأ التعبئة العامة لكل جندي يمكن جَمْعَهُ من المسيحيين والمسلمين إلى الأناضول على عَجَل. تجمَّع الجيش العثماني للمعركة في غرب الأناضول بمناطق بورصة وإزنيق وإزميت ليستكمل كافة استعداداته. حشد السلطان بايزيد الأول جيوشه من المسلمين الترك والنصارى الصرب وطوائف التتر في مدينة بورصة العثمانية، فلما تكامل جيشه سار نحو تيمورلنك لمحاربته.

كان الجيش العثماني يضم وحدات من الحرس النظامي للقصر السلطاني: "قاپي قولو" (حرس باب القصر) ، ويشمل فيلق مشاة الانكشارية وفرسان سپاهيّة القاپي قولو، بالإضافة إلى وحداتٍ غير نظامية من سلاح الفرسان الثقيل السپاهيّة، والمشاة غير النظاميين، ووحدات المتطوعين من مناطق البلقان، بالإضافة إلى القوات العثمانية نفسها والإنكشارية والصرب الموثوق بهم بقيادة حاكمهم الصربي أسطفان لازاريڤيتش، كما ضمَّ جيش السلطان بايزيد جنودًا من ولايات الأناضول الصغيرة التي ضمها إلى الدولة العثمانية قبل عشر سنوات، وبعض وحدات من فرسان التتار الذين كانوا في آسيا الصغرى منذ العهد المغولي. بدأت القوات بالتحرك نحو أنقرة في منتصف شهر يونيو 1402م بطابورين عسكريين. انتبه السلطان بايزيد إلى ضرورة تنفيذ جميع العمليات سريعا على الفور حتى لا يفاجئهم تيمورلنك بهجوم سريع على أي قلعة بجيشه الذي يتكون غالبيته من الفرسان. ومع قرب نهاية يونيو 1402م، أنشأ الجيش العثماني معسكرات لجميع قواته حول أنقرة. أفادت معلومات استخباراتية جديدة بأن جيش تيمورلنك لا يزال موجوداً حول سيواس وأنه سيتحرك عبر توقاد إلى الغرب، وعليه، قرر السلطان بايزيد استخدام أنقرة كقاعدة مركزية له وترك ثقل جيشه هناك، ثم تحرك شرقًا بجيشه متبعًا الطريق الأوسط ليلتقي بتيمورلنك عند سيواس. لم يقبل السلطان بايزيد نصيحة الصدر الأعظم چاندارلي علي پاشا ومسؤولي الدولة بالانتظار في أنقرة وخوض المعركة في هذا الموقع. عَبَرَ الجيش العثماني، ومعظمه من المشاة، نهر قزل أرماق وانتقل إلى مدن ذات تضاريس جبلية مثل قاضي شهري وأرتوڤا وأق طاغ معدني من أجل القتال في مناطق جبلية. وسيطرت قوات الجيش العثماني على توقاد وأماسية شمال غرب سيواس (انظر الخارطة أدناه)، وعلى جميع الطرق التي تمر عبر جبل آق طاغ وجبل يلدز طاغ ، ووضعتها في موقع دفاعي ضد تيمورلنك.

=== استراتيجيات الطرفين === كانت الخطة العسكرية للسلطان بايزيد الأول تقوم على مقابلة تيمورلنك في مكان بعيد خارج الأراضي العثمانية، ومواجهته في ضواحي سيواس حتى لا يتمكن من اختراق ممتلكات العثمانيين وتخريبها، خاصة وأن موسم الحصاد كان قد حل ونضجت الثمار. وعلى النقيض كانت خطة تيمورلنك تقتضي بأن تقوم قواته المهاجِمة بالتوغل مسافات طويلة داخل الممتلكات العثمانية بهدف إحداث المزيد من الارتباك للسلطان العثماني.

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗