Fortifications

باب الفتوح (فاس)

موقع للتراث الثقافي المغربي

باب الفتوح بـ فاس هو أحد أبرز وأضخم الأبواب التاريخية العريقة التي تحيط بمدينة فاس العتيقة أو فاس البالي في المغرب. يقع هذا الصرح المعماري الشامخ في الجهة الشرقية للسور التاريخي المحيط بعدوة الأندلس، ويشكل منذ قرون المدخل الرئيسي للمدينة من الناحية الشرقية والجنوبية الشرقية. لا يقتصر دور باب الفتوح على وظيفته الدفاعية والعسكرية التي صمم من أجلها في العصور الوسطى، بل يتجاوز ذلك ليكون شريانا اقتصاديا حيويا و رمزا من رموز الذاكرة الثقافية والروحية للعاصمة العلمية للمملكة، حيث ارتبط اسمه بالعديد من الأحداث السياسية الكبرى التي صغت تاريخ المغرب الأقصى.

== السياق التاريخي وقصة التأسيس == ترتبط نشأة هذا المعلم التاريخي ارتباطا وثيقا بالتحولات السياسية والعسكرية العميقة التي شهدتها المنطقة خلال القرن الحادي عشر ميلادي، وتحديدا إبان فترة حكم دولة مغراوة الزناتية الأمازيغية. يعود الفضل في التأسيس الأول للبوابة إلى الأمير الزناتي فتوح بن دوناس، والذي سمي الباب تيمنا باسمه. وتذكر المصادر التاريخية أن بناء هذا الباب جاء في سياق صراع دموي مرير على السلطة اندلع بين فتوح وشقيقه عجيسة بعد وفاة والدهما دوناس بن حمامة. أدى هذا النزاع العائلي إلى انقسام مدينة فاس إلى شطرين متناحرين, حيث سيطر عجيسة على عدوة القرويين واتخذ منها معقلا له وبنى بها بابا سمي باسمه وهو باب الكيسة، في حين أحكم فتوح قبضته على عدوة الأندلس بالجهة الشرقية وأمر بتشييد باب الفتوح ليكون حصنا منيعا يقيه هجمات قوات أخيه، ونقطة انطلاق لعملياته العسكرية.

التحولات عبر الدول المتعاقبة

لم يحتفظ باب الفتوح بشكله وتصميمه الزناتي الأول طويلا، حيث توالت عليه عمليات الهدم والبناء وإعادة التهيئة مع تعاقب الدول التي حكمت المغرب. فمع دخول المرابطين إلى مدينة فاس بقيادة السلطان يوسف بن تاشفين في سنة 1062م، أمر هذا الأخير بإزالة الأسوار الفاصلة بين عدوتي الأندلس والقرويين بغية توحيد المدينة ودمج سكانها، وهو ما أدى إلى إحداث تغييرات جوهرية في البنية الدفاعية للمدينة شملت أبوابها الرئيسية. ومع بزوغ فجر الدولة الموحدية، تعرضت أسوار فاس لأضرار جسيمة أثناء الحصار الطويل الذي فرضه الخليفة عبد المؤمن بن علي على المدينة سنة 1145م لاقتلاع شوكة المرابطين. وبعد استتباب الأمر للموحدين، أدركوا الأهمية الاستراتيجية للمدينة، فأمر الخليفة محمد الناصر في أوائل القرن الثالث عشر بإعادة بناء الأسوار والأبواب وتوسيعها و خلال هذه الفترة الذهبية من العمارة الموحدية،أعيد بناء باب الفتوح ليكتسب طابعه المعماري الضخم الذي لا يزال يحتفظ بالكثير من ملامحه حتى اليوم، حيث تحول إلى قلعة دفاعية متكاملة قادرة على صد أعتى الهجمات. وفي العصر المريني والعلوي اللاحق، خضع الباب لعمليات ترميم وتدعيم مستمرة نظرا لموقعه الحساس المعرض باستمرار لتهديدات القبائل المجاورة والفتن الداخلية.

الخصائص المعمارية والعمرانية

يتجسد في باب الفتوح النضج الكبير الذي بلغته العمارة العسكرية الإسلامية في الغرب الإسلامي. صمم الباب ليكون منشأة دفاعية تخويفية قبل أن يكون مجرد مدخل للمدينة. يتميز الهيكل العام للبوابة بضخامته وعلوه الشاهق، حيث بني باستخدام تقنية التابية أو مايعرف بـ التراب المدكوك المدعمة بالاجر المشوي والحجارة المنجورة في الأجزاء الحساسة كالأساسات والقناطر، مما يمنحه صلابة استثنائية لمقاومة عوامل الزمن وقذائف المجانيق يتكون المدخل من عقد رئيسي ضخم يأخذ شكل قوس حدوة الفرس المدبب، وهو من السمات المميزة للعمارة الأندلسية والمغاربية. يحيط بهذا القوس برجان دفاعيان مربعا الشكل وبارزان عن مستوى السور، وتتخللهما شقوق طولية ضيقة أو مايعرف بـ مزاغل كانت تستخدم من قبل الرماة لإمطار المهاجمين بالسهام والنبال دون تعريض أنفسهم للخطر. ورغم أن التصميم الداخلي للباب عرف بعض التعديلات لتسهيل حركة المرور الحديثة، إلا أن بنيته الأصلية كانت تعتمد غالبا على نظام المدخل المنكسر أو الملتوي، وهو تكتيك هندسي عسكري يهدف إلى إبطاء تقدم القوات المعادية في حال اختراق البوابة الخشبية المصفحة بالحديد، ومنعهم من الاندفاع المباشر نحو قلب المدينة العتيقة.

== الأهمية الاقتصادية والتجارية == تجاوزت وظيفة باب الفتوح البعد العسكري لتشمل أدوارا اقتصادية وتجارية بالغة الأهمية جعلت منه أحد شرايين الحياة في العاصمة الإدريسية. نظرا لموقعه في الجهة الشرقية، شكل الباب عبر التاريخ النقطة الرئيسية لانطلاق واستقبال القوافل التجارية الكبرى المتجهة نحو مدينة تازة، والجزائر، وتونس، وصولا إلى المشرق العربي. كما كانت البوابة التي تعبرها القوافل المحملة بالبضائع نحو منطقة تافيلالت وسجلماسة في الجنوب الشرقي، مما جعله مركزا حيويا للتبادل التجاري. و نتيجة لهذه الحركية المستمرة، أقيمت بمحاذاة الباب من الداخل والخارج أسواق متخصصة، و فنادق أو الخانات كما كانت تسمى لإيواء التجار وحيواناتهم، ومراكز لاستخلاص الضرائب والمكوس الجمركية لفائدة خزينة الدولة. وقد حافظ الباب على هذه الوظيفة الجبائية حتى خلال فترة الحماية الفرنسية، حيث اتخذته سلطات الاستعمار مركزا للشرطة ونقطة لمراقبة السلع والأشخاص الوافدين على المدينة، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي احتفظ بها المكان عبر مختلف العصور.

== البعد الروحي والثقافي: مقبرة باب الفتوح == لا يمكن الحديث عن باب الفتوح دون التطرق إلى عمقه الروحي والاجتماعي المتمثل في مقبرة باب الفتوح المترامية الأطراف التي تمتد خارج الأسوار مباشرة على المنحدرات المطلة على نهر سبو. تعتبر هذه المقبرة واحدة من أقدم وأكبر المقابر في تاريخ المغرب، وتكتسي طابعا قدسياً خاصا في الذاكرة الشعبية لأهل فاس والمغاربة عموما. يطلق على هذه المنطقة اسم هضبة العلماء، نظرا لكونها تضم رفات عدد كبير من كبار الصوفية، والفقهاء، والمفكرين الذين طبعوا تاريخ المغرب الإسلامي. ومن أبرز وأشهر الشخصيات المدفونة هناك نجد الولي الصالح سيدي علي بن حرزهم أو سيدي حرازم الذي يعتبر من أقطاب التصوف السني في المغرب، والشيخ سيدي دراس بن إسماعيل و غيرهم من الأعلام. وقد جعل هذا التواجد الكثيف لأضرحة الأولياء من باب الفتوح نقطة انطلاق للمواكب الصوفية الدينية، ومحجا لألاف الزوار الذين يقصدون المكان للتبرك والدعاء و هذا في نظرهم، مما أضفى على البوابة المعمارية هالة من القدسية والرهبة تتجاوز وظيفتها المادية المحضة.

== الوضعية الحالية والترميم == في العصر الحديث و مع التوسع العمراني السريع الذي شهدته مدينة فاس وتمدد أحيائها نحو الخارج، أصبح باب الفتوح يتوسط النسيج الحضري المزدحم، ليشكل حلقة وصل حية بين عبق التاريخ المتمثل في دروب فاس العتيقة، وبين صخب الحياة المعاصرة في الأحياء الجديدة المجاورة. ونظرا لقيمته الاستثنائية وتصنيف مدينة فاس ضمن قائمة مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو منذ عام 1981، يحظى باب الفتوح باهتمام خاص من طرف الجهات المسؤولة عن التراث بحيث خضع الباب لعدة عمليات ترميم دقيقة أشرفت عليها وزارة الثقافة ومفتشية المباني التاريخية، هدفت إلى تقوية أساساته، ومعالجة التشققات الناتجة عن الرطوبة وعوادم السيارات، وإعادة إبراز معالمه الزخرفية التي طمستها التدخلات العشوائية السابقة. وتندرج هذه الجهود ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى الحفاظ على الذاكرة المعمارية للعاصمة الروحية للمملكة، ونقل هذا الإرث الحضاري المتفرد للأجيال القادمة ليبقى شاهدا على عبقرية الصانع والمهندس المغربي القديم.

مراجع

== طالع أيضا == - باب أبي الجنود - باب الكيسة - أسوار فاس - فاس البالي - عمارة إسلامية

قالب:بذرة مبنى مغربي

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗