Wars & conflicts· العصر الحديث المبكر· 1775 – 1783

حرب الاستقلال الأمريكية

الحرب التي أدت إلى استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن الإستعمار البريطاني

حرب الاستقلال الأمريكية (1775–1783)، وتُعرف أيضاً باسم الحرب الثورية الأمريكية (الإنجليزية: American Revolutionary War) هي حرب دولية نشبت في القرن الثامن عشر بين بريطانيا العظمى ومستعمراتها الثلاث عشرة، المتحالفة مع فرنسا آنذاك، والتي أعلنت استقلالها لتكون نواة الولايات المتحدة الأمريكية. في أعقاب عام 1765، تمخضت الخلافات الدستورية والسياسية المتزايدة عن توتر العلاقات بين بريطانيا العظمى ومستعمراتها. فبعد أن تظاهر الوطنيون ضد ما يُعرف بقانون الطابع الذي أقرته بريطانيا ورفعوا شعار «لا ضريبة بدون تمثيل» تطور الأمر إلى المقاطعة الشاملة. وفي عام 1773 تفاقم الوضع عندما دمرت حركة أبناء الحرية شحنة من الشاي كانت قادمة من بريطانيا في ميناء بوسطن. فما كان من بريطانيا إلا أن أغلقت ميناء بوسطن وفرضت مجموعة من القرارات العقابية بحق مستعمرة خليج ماساشوستس. ما دفع أبناء ماساشوستس إلى قرارات سوفولك، وتكوين حكومة ظل للاستئثار بالحكم من بين براثن حكومة التاج البريطاني. ثم كونت اثنتا عشرة مستعمرة ما يعرف بالكونغرس القاري لتنسيق مقاومتها، وإنشاء لجان واتفاقيات تكللت جهودها بتولي مقاليد الحكم بنجاح. بيد أن المساعي البريطانية لنزع السلاح من ميلشيات ماساشوستس في كونكورد أدت إلى اندلاع حرب معلنة في التاسع عشر من أبريل عام 1775 تجرعت فيها بريطانيا مرارة الهزيمة لأول مرة. وعندما حاصرت قوات المليشيا بوسطن آنذاك، اُضطرت بريطانيا إلى إجلاء قواتها في مارس من عام 1776. ثم عين الكونغرس جورج واشنطن قائدًا عامًا للجيش القاري. على الجانب الآخر، باءت محاولات الأمريكيين لغزو كيبك وإعلان حالة العصيان المسلح ضد القوات البريطانية بالفشل. في 2 يوليو من عام 1776، صوت الكونغرس القاري الثاني على الاستقلال، وأصدر إعلان الاستقلال الأمريكي بعدها بيومين في الرابع من يوليو. إلا أن الأمر لم يمر مرور الكرام، فقد شن السير ويليام هاو هجومًا بريطانيًا مضادًا، ليستولي على مدينة نيويورك في مشهد ألقى بظلاله القاتمة على معنويات الشعب الأمريكي. ومع ذلك نجحت الانتصارات التي حققها الثوار في ترنتون وبرينستون في التخفيف من وقع الهزيمة. وفي عام 1777، شن البريطانيون هجومًا من كيبك بقيادة الجنرال جون بورغوين يرمي إلى عزل مستعمرات نيو إنجلاند. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فبدلًا من تعزيز هذا الهجوم ودعمه؛ انطلق الجنرال هاو بجيشه في حملة منفصلة على فيلادلفيا، وهكذا مُني الجنرال بورغوين بهزيمة نكراء في ساراتوجا في أكتوبر 1777. ترتب على هزيمة بورغوين النكراء عواقب وخيمة. فقد تحالفت فرنسا رسميًا مع الأمريكيين ودخلت الحرب في عام 1778، وفي العام التالي، حذت إسبانيا حذوها وانضمت كحليف لفرنسا وليس كحليف للولايات المتحدة الأمريكية. في عام 1780، شنت مملكة ميسور هجومًا على البريطانيين في الهند، وتصاعدت حدة التوتر بين بريطانيا العظمى وهولندا لتتمخض عن اندلاع حرب معلنة بين البلدين. على الجانب الآخر، اتبع البريطانيون في أمريكا الشمالية «استراتيجية جنوبية» قادها تشارلز كورنواليس والتي كانت تعتمد على انتفاضة الموالين للحكم البريطاني في الجنوب الأمريكي، ولكن لم يستجب لهذه الانتفاضة سوى قلة قليلة. وقد عانى كورنواليس من تداعيات هذا الأمر في معركتي كينغز ماونتن وكاوبينز. الأمر الذي اضطره للانسحاب إلى يوركتاون بولاية فرجينيا. وقد كان عازمًا على الإخلاء بحرًا، ولكن أحبط انتصار البحرية الفرنسية مخططه وحال دون هروبه. وبعد أن حاصر الجيش الفرنسي-الأمريكي بقيادة كومت دي روشامبو وجورج واشنطن جيش كورنواليس، أعلن استسلامه بعد أن فقد الأمل في وصول الإمدادات له في أكتوبر من عام 1781. على الجانب الآخر في بريطانيا، كان حزب الأحرار البريطاني يعارض حزب المحافظين المؤيدين للحرب في البرلمان منذ أمد طويل. ورجح الاستسلام كفتهم وكانت لهم اليد العليا. في مطلع عام 1782، صوت البرلمان البريطاني على إنهاء كافة العمليات الهجومية في أمريكا. إلا أن الحرب استمرت خارج البلاد في أوروبا والهند. وهكذا ظلت بريطانيا تحت وطأة الحصار في جبل طارق ولكنها نجحت في إحراز انتصارٍ كبيرٍ على البحرية الفرنسية في معركة سانتس. في الثالث من سبتمبر من عام 1783، وقعت الأطراف المتحاربة معاهدة باريس التي وافقت فيها بريطانيا العظمى على الاعتراف بسيادة الولايات المتحدة الأمريكية وإنهاء الحرب رسميا. وهكذا أثبت التدخل الفرنسي فعاليته. إلا أن مكاسب فرنسا من الحرب كانت لا تذكر فضلًا عن الديون الهائلة التي تكبدتها. في حين حققت إسبانيا بعض المكاسب الإقليمية ولكنها فشلت في تحقيق هدفها الأساسي وهو استعادة جبل طارق. أما هولندا فقد مُنيت بهزائم على كافة الأصعدة وأجبرت على التنازل عن أراضٍ لها لبريطانيا العظمى. في حين انتهت الحرب في الهند ضد مملكة ميسور وحلفائها في عام 1784 دون أن تطرأ أية تغييرات إقليمية على المنطقة.

لمحة عامة

المنازعات الضريبية

في عام 1765، عمد البرلمان البريطاني إلى تمرير قانون الطابع بهدف تمويل قوات الجيش البريطاني المتمركزة في المستعمرات الأمريكية بعد الحرب الفرنسية والهندية. وكان البرلمان قد مرر في السابق بعض التشريعات لتنظيم التجارة، إلا أن قانون الطابع كان يحمل بين طياته مبدأ جديدًا وهو الضريبة الداخلية المباشرة. ما دفع الشعب الأمريكي للتساؤل حول مدى توغل البرلمان البريطاني في الشأن الأمريكي. لاسيما وأن الهيئات التشريعية الاستعمارية أدعت أن لها الحق الحصري في فرض الضرائب داخل نطاق ولاياتها القضائية. وقد أثارت الضريبة استياء المستعمرين لأن حقوقهم كرعايا بريطانيين تحصنهم من أية ضريبة يفرضها عليهم برلمان لا يوجد به أي ممثلين منتخبين لهم. إلا أن المشرعين البريطانيين جادلوا بالقول بأن المستعمرات ممثلة «تمثيلًا فعليًا» وهي الفكرة التي لاقت انتقاداً واسعاً في أرجاء الإمبراطورية. مما أُضطر البرلمان لإلغاء القانون في عام 1766، لكنه شدد أيضاً على حقه في سن القوانين الملزمة للمستعمرات. وبدءاً من عام 1767، شرع البرلمان في إصدار التشريعات لجمع الإيرادات بهدف دفع رواتب الموظفين المدنيين لضمان ولائهم، لكنها في الوقت نفسه أثارت استياء المستعمرين وسرعان ما انتشرت المعارضة في البلاد انتشار النار في الهشيم. بيد أن تطبيق القوانين على أرض الواقع لم يكن بالأمر الهين. ذلك أن الهجوم على السفينة الشراعية ليبرتي في عام 1768 للاشتباه في تهريبها للبضائع أشعل فتيل الاضطرابات. ونتيجة لذلك، احتلت القوات البريطانية بوسطن، وهدد البرلمان بتسليم المستعمرين ليحاكموا في إنجلترا. وازدادت حدة التوتر بعد مقتل كريستوفر سايدر على يد موظف جمارك في عام 1770 وازداد المشهد سوءاً بعد أن أطلقت القوات البريطانية النيران على المواطنين في ما عُرف بمذبحة بوسطن. وفي عام 1772 هاجم المستعمرون في ولاية رود آيلاند مركب شراعي تابع للجمارك وقاموا بإحراقه. ولتخفيف حدة الموقف وقتئذ ألغى البرلمان البريطاني الضرائب بكافة أشكالها فيما عدا الضريبة المفروضة على الشاي، ليمرر قانون الشاي في عام 1773، في محاولة منه لإجبار المستعمرين على شراء الشاي من شركة الهند الشرقية التي تفرض عليها رسوم جمركية وفقاً لقوانين تاونزند، الأمر الذي يُعد موافقة ضمنية على أن البرلمان له السلطة المطلقة. إلا أن المستعمرين رفضوا تفريغ شحنات الشاي في جميع مرافئ المستعمرات، باستثناء حاكم ماساشوستس الذي وافق على وجود سفن الشاي البريطانية في مرفأ بوسطن، فما كان من حركة أبناء الحرية إلا أن دمروا شحنات الشاي في ما عُرف باسم حادثة «حفل شاي بوسطن». بيد أن الأمر لم يمر مرور الكرام، فقد سن البرلمان وقتئذ تشريعات عقابية. منها إغلاق مرفأ بوسطن إلى أن يتم دفع ثمن شحنة الشاي المُهدرة، إلغاء ميثاق ماساشوستس ومنح لنفسه الحق في تعيين مجلس حاكم ماساشوستش بالأمر المباشر. فضلاً عن كل الصلاحيات الممنوحة للحاكم الملكي لتقويض الديمقراطية على الصعيد المحلي. والتشريعات الأخرى التي كانت تهدف إلى تسليم المسؤولين لمحاكمتهم في أماكن أخرى من الإمبراطورية، إذا شعر الحاكم أنه لا يمكن تأمين المحاكمة العادلة محلياً. وقد أدت السياسة المبهمة للقانون حول صرف تعويضات نفقات السفر إلى تقويض قدرة الكثيرين على الإدلاء بشهادتهم. الأمر الذي أثار استياء المستعمرين لأنهم شعروا أن هذه القوانين ستسمح للمسؤولين بمضايقتهم دون جزاء. بالإضافة إلى القوانين الأخرى مثل قانون الإيواء الذي يمنح الحاكم الحق في إيواء القوات في الممتلكات الخاصة دون إذن مسبق. وقد وصم المستعمرون هذه القرارات بأنها «قرارات لا تُطاق» وأعلنوا أن حقوقهم الدستورية وحقوقهم الطبيعية قد اُنتهكت. وأن هذه القوانين تمثل وصمة عار في جبين أمريكا بأسرها وتمثل خطراً عليها. وهكذا جوبهت القوانين بمعارضة واسعة. مما دفع الأطراف المحايدة إلى دعم الوطنيين وترجيح كفتهم عن الموالين.

=== رد فعل المستعمرين === لم يقف المستعمرون أمام هذه القرارات مكتوفي الأيدي وإنما لجأوا إلى تأسيس الكونجرس الإقليمي في ماساشوستس لاستئصال شأفة الحكم الملكي على المستعمرة إلى خارج بوسطن. وفي الوقت نفسه، عقد ممثلو اثنتي عشرة مستعمرة أول كونغرس قاري للتشاور حول اتخاذ ردة فعل مناسبة للأزمة. وقد اعترض الكونغرس بفارق ضئيل على اقتراح يهدف إلى إنشاء برلمان أمريكي يكون له سلطة التشريع بالتنسيق مع البرلمان البريطاني. ولكنهم عوضًا عن ذلك مرروا ميثاقًا لإعلان المقاطعة التجارية لكل البضائع البريطانية. وقد شدد الكونغرس أيضًا على أن البرلمان البريطاني لا يملك أي سلطة للتدخل في الشأن الداخلي الأمريكي، إلا أنهم أبدوا استعدادهم لقبول اللوائح التجارية بما يصب في مصلحة الإمبراطورية. وخول الكونغرس اللجان والجمعيات لفرض المقاطعة على أرض الواقع. وقد أثبتت المقاطعة جدواها، حيث انهارت الواردات البريطانية بنسبة 97% في عام 1775 مقارنة بعام 1774. من جانبه رفض البرلمان الانصياع لهذه المقاطعة، ووصم أبناء ولاية ماساشوستس بالمتمردين وفرض حالة الحصار على المستعمرة عام 1775. ثم أصدر تشريعًا يقصر تجارة المستعمرات الأمريكية على جزر الهند الغربية والجزر البريطانية. فضلًا عن منع سفن المستعمرات من الصيد في مصايد أسماك القُد في جزيرة نيوفندلاند الكندية، وهو الإجراء الذي لاقى استحسان الكنديين ولكنه أضر باقتصاد نيو إنجلاند. بيد أن كل هذه الأجواء المفعمة بالتوتر والشحناء دفعت الطرفين إلى التزاحم للحصول على العتاد والذخيرة لتواجه المستعمرات نيران الحرب المستعرة. وكان توماس جايج القائد العام للقوات البريطانية والحاكم العسكري لولاية ماساشوستس عندما تلقى الأوامر بنزع السلاح من المليشيات المحلية في الرابع عشر من أبريل عام 1775.

مسار الحرب

اندلاع الحرب (1775-1776)

في الثامن عشر من أبريل من عام 1775، أرسلت بريطانيا قوة عسكرية قوامها 700 جندي لمصادرة ذخيرة المليشيات المخزنة في كونكورد. ونشب القتال مما اُضطر القوات البريطانية للانسحاب إلى بوسطن. وبين عشية وضحاها، تجمعت المليشيات المحلية وفرضت حصارًا حول بوسطن. وفي الخامس والعشرين من مايو، وصلت قوة تعزيزات بريطانية قوامها أربعة الآف وخمسمائة جندي تحت قيادة الجنرالات ويليام هاو، وجون بورغوين، وهنري كلينتون. ليستولى البريطانيون على شبه جزيرة تشارلزتاون في معركة بانكر هيل في السابع عشر من يونيو بعد مواجهة كبدتهم ثمنا فادحا. دفعت هاو لاستبدال جايج بعد أن أبدى العديد من كبار القادة غضبهم من الهجوم الذي لم يجنوا منه شيئًا يذكر. وقد كتب جايج رسالة إلى لندن وشدد على الحاجة إلى إرسال جيش كبير لقمع المعارضة. في الثالث من يوليو، تولى جورج واشنطن قيادة الجيش القاري الذي يحاصر بوسطن. ولكن لم يبذل هاو أي مجهود للهجوم؛ وهو ما أثار دهشة واشنطن. وبعد رفض الخطة التي كانت موضوعة لاقتحام المدينة. لجأ الأمريكيون إلى تحصين مرتفعات دورشيستر في أوائل مارس 1776 بالمدفعية الثقيلة التي اغتنموها من غارة على فورت تيكونديروجا. وبعد أن صدرت الأوامر للبريطانيين بالانسحاب دون أي اعتداء في السابع عشر من مارس وأبحروا إلى هاليفاكس في نوفا سكوشا؛ تحرك واشنطن بجيشه إلى مدينة نيويورك. ابتداءًا من شهر أغسطس 1775، شرعت السفن المُسلحة الأمريكية في اجتياح القرى في نوفا سكوشا، في البداية كانت قرية سانت جون وبعدها شارلوت تاون ثم يارموث. واستمروا في عام 1776 في كانسو ثم شنوا هجومًا بريًا على فورت كمبرلاند. وفي الوقت ذاته، شرع الضباط البريطانيون في كيبيك في حشد رجال القبائل الهندية لدعمهم رغم توسلات الأمريكان لهم لكي يظلوا على الحياد. ولما كان الكونغرس يخشى من هجمة إنجليزية-هندية من كندا فقد أصدر أمر بغزو كيبيك في أبريل عام 1775. وكان عدد كبير من سكان كيبيك من الناطقين بالفرنسية فضلًا عن أنها كانت حديثة عهد بالحكم البريطاني الذي لم ينقض عليه أكثر من 12 عامًا فقط؛ لذا توقع الأمريكيون أنها سترحب بتحريرها من قبضة التاج البريطاني. وإنطلاقًا من هذا المعتقد هاجم الأمريكيون كيبيك في 31 ديسمبر بعد مسيرة شاقة ولكنهم هُزموا. في 6 مايو عام 1776، انسحب الأمريكان بعد حصار غير محكم. في 8 يونيو تسببت الهجمة المضادة الفاشلة في إنهاء العمليات الأمريكية في كيبيك. ومع ذلك لم يتمكن البريطانيون من مطاردتهم لأن السفن الأمريكية كانت ترسو في بحيرة شامبلين. في الحادي عشر من أكتوبر، هزم البريطانيون الأسطول الأمريكي وأجبروه على الانسحاب إلى تيكونديروجا وفشلت الحملة. وقد كلف هذا الغزو الوطنيون دعم الرأي العام البريطاني. في حين تراجع الدعم الكندي بسبب السياسات العدوانية المناوئة للموالين. ورغم أن الوطنيين ظلوا ينظرون لكيبيك كهدف إستراتيجي؛ إلا أنهم لم يبذلوا أية محاولة لغزوها مرة أخرى.

على الجانب الآخر في ولاية فرجينيا حاول اللورد دونمور الحاكم الملكي نزع السلاح من المليشيات مع تزايد حدة التوتر رغم أنه لم ينشب أي قتال. وقد أصدر إعلان دونمور في 7 نوفمبر عام 1775، ووعد بالحرية للعبيد الذين فروا من أسيادهم الوطنيين للقتال من أجل التاج. إلا أن قوات دونمور هُزمت أمام الوطنيين في جريت بريدج. وهرب دونمور للسفن البحرية الراسية قبالة مدينة نورفولك، وبعد أن باءت المفاوضات اللاحقة بالفشل، أمر دونمور سفنه بتدمير المدينة. في 19 نوفمبر، اندلع القتال في كارولاينا الجنوبية بين ميلشيات الوطنيين والموالين، وبعد أن رجحت كفة الوطنيين طردت قوات الموالين خارج المستعمرة. فاجتمع الموالون في كارولاينا الشمالية لمواجهة الحكم الاستعماري في الجنوب، ولكنهم هُزموا هزيمة نكراء وخمدت نزعة الولائيين، وقد تقدمت مجموعة من القوات النظامية البريطانية لإعادة غزو كارولاينا الجنوبية وشنت هجومًا على تشارلستون في 28 يونيو 1776، ولكنها فشلت فشلا ذريعا وتركت الجنوب للوطنيين ليبسطوا نفوذهم عليه حتى عام 1780. كان نقص البارود قد دفع الكونغرس إلى إرسال حملة استكشافية ضد مستعمرة جزر البهاما في جزر الهند الغربية البريطانية في محاولة منهم لتأمين الذخيرة هناك. في 3 مارس عام 1776، رسا الأمريكيون بعد تبادل إطلاق نيران لم يخلف أي ضحايا ولم تبد المليشيا المحلية أية مقاومة. ثم صادروا كل الإمدادات التي يمكنهم حملها وأبحروا عائدين أدراجهم في 17 مارس. ووصل الأسطول إلى لندن الجديدة في كونيتيكت في 8 أبريل، بعد مناوشات قصيرة مع الفرقاطة الملكية إتش أم إس جلاسكو في 6 أبريل.

ردود الفعل السياسية

بعد أن دارت رحى القتال أطلق الكونغرس آخر سهم في جعبته لتجنب مصير الحرب الدامي، ولكنه قوبل برفض البرلمان البريطاني باعتباره محاولة مشكوك في صدقها. وقد أصدر الملك جورج آنذاك إعلان العصيان في 23 أغسطس عام 1775، ولكنه لم يأت بالنتيجة المنشودة بل ساهم في إذكاء جذوة صمود المستعمرات في مسعاها للاستقلال. وبالرغم من الخطبة العصماء التي ألقاها الملك رفض البرلمان أيضًا التدابير القسرية المفروضة على المستعمرات بأغلبية 170 صوتًا. وقد رفض حزب المحافظين البريطاني أية تسوية سلمية للموقف، في حين أبدى حزب الأحرار تخوفه من أن السياسة الحالية يمكن أن تدفع المستعمرات دفعًا نحو الاستقلال. ورغم معارضة البرلمان بدأ الملك بنفسه في الإشراف على المجهود الحربي. ومن جانبه تعهد البرلمان الأيرلندي بإرسال قواته إلى أمريكا، بل وسمحوا للكاثوليك الأيرلنديين بالتطوع في الجيش في سابقة هي الأولى من نوعها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن موقف الأيرلنديين البروتستانت كان في صف الأمريكيين أما الكاثوليك فكانوا في صف الملك. بيد أن المناوشات القتالية الأولية في حملة بوسطن كانت درسًا عسكريًا موجعًا للبريطانيين جعلهم يعيدون النظر في فكرتهم حول القدرة العسكرية الاستعمارية. فقد تسببت استجابتهم الضعيفة في القتال في أن تكون الغلبة للوطنيين وأن يفقدوا سيطرتهم على كل المستعمرات. وكان الجيش البريطاني قد تُرك محدودًا عن عمد منذ الثورة المجيدة عام 1688 لمنع إساءة استخدام الملك لسلطاته. ولسد هذه الفجوة أبرم البرلمان المعاهدات مع المدن الألمانية الصغيرة لتأمين القوات الإضافية، وأرسل جيشًا قوامه 32 ألف جندي إلى أمريكا بعد عام، وهو الجيش الأكبر في العدة والعتاد يُرسل خارج أوروبا آنذاك. على الجانب الآخر في المستعمرات، لاقى منشور ألفه توماس بين باسم «الفطرة السليمة» نجاحًا كبيرًا وتجاوبت أصداؤه بين العامة سعيا للاستقلال. في 2 يوليو، صوت الكونغرس لصالح الاستقلال باثنى عشر مؤيد وامتناع صوت واحد عن التصويت. وأصدر الكونغرس إعلان الاستقلال في 4 يوليو. وقد قرأ واشنطن الإعلان على رجاله ومواطني نيويورك في 9 يوليو؛ وهو ما ألهب حماسة العامة ودفعهم لتحطيم تمثال للملك كان مصنوعًا من الرصاص وذوبوه ليصنعوا منه الطلقات. وقد انتقد حزب المحافظين البريطاني الموقعين على الإعلان ووصموهم بازدواجية المعايير لأنهم لم يطبقوا معايير المساواة نفسها على العبيد. واتبع الوطنيون إعلان الاستقلال بقوانين الاختبار، وهي قوانين تُلزم المقيمين بالقسم بالولاء والطاعة للدولة التي يعيشون على أرضها. في محاولة منهم لاجتثاث أي محايدين أو رافضين للاستقلال. ومن يتخلف عن ذلك القسم يواجه السجن أو النفي أو حتى عقوبة الإعدام. وقد حُرم الأمريكان من المحافظين من تولي المناصب العامة ومن ممارسة مهن الطب والقانون، وأُجبروا على دفع ضرائب متزايدة ومُنعوا حتى من كتابة وصاياهم أو أن يكونوا أوصياء على الأيتام. وقد مكّن الكونغرس الولايات من مصادرة ممتلكات الموالين لتمويل الحرب. وقد صودرت أموال بعض أفراد جماعة الكويكرز أو جمعية الأصدقاء الدينية الذين ظلوا على الحياد. وفي وقت لاحق منعت الموالين من جمع أي ديون مستحقة لهم.

الهجوم البريطاني المضاد (1776-1777)

بعد إعادة تجميع صفوف الجيش البريطاني في هاليفاكس، وطد ويليام هاو العزم على نقل ساحة المعركة إلى عقر دار الأمريكان. فأبحر في يونيو 1776 وشرع في إنزال القوات في جزيرة ستاتن بالقرب من مدخل ميناء نيويورك في 2 يوليو. وقد قسم واشنطن جيشه بين عدة مواقع منها جزيرة مانهاتن وعبر النهر الشرقي في غرب لونغ آيلاند بناء على معلومات الاستخبارات الحربية والتي كانت غير دقيقة. وقد رفض الأمريكان محاولة غير رسمية للتفاوض من أجل السلام. في 27 أغسطس، حاصر هاو واشنطن وأجبره على الانسحاب إلى مرتفعات بروكلين. وقد منع هاو أتباعه من ملاحقته هادفًا إلى حصار واشنطن عوضًا عن ذلك. وقد انسحب واشنطن إلى مانهاتن دون أي خسائر في الرجال أو العتاد. وبعد انسحابه فشل مؤتمر سلام جزر ستاتن في التفاوض من أجل السلام بسبب أن المندوبين البريطانيين لم يكن لديهم الصلاحية لمنح الاستقلال. من جانبه أحكم هاو وقتها سيطرته على مدينة نيويورك في 15 سبتمبر، واشتبك مع الأمريكيين في اليوم التالي دون أن يحرز أي نجاح. وقد حاول هاو حصار واشنطن، ولكن تمكن الأمريكيون من الانسحاب بنجاح. في 28 أكتوبر، حارب البريطانيون واشنطن في معركة السهول البيضاء والتي كانت غير حاسمة حيث تراجع هاو عن مهاجمة جيش واشنطن، وبدلًا من ذلك وجه جلّ تركيزه على تبة لم يكن لها أي قيمة إستراتيجية. وجعل انسحاب واشنطن قواته معزولة.

في 16 نوفمبر، استولى البريطانيون على حصن أمريكي وأسروا ما يربو عن 3.000 سجين وهو ما وصفه أحد المؤرخين «بالهزيمة الأكثر كارثية في الحرب بأسرها» وبعد أربعة أيام تراجع جيش واشنطن مرة أخرى. وبعدها استولى هنري كلينتون على مدينة نيوبورت بولاية رود آيلاند؛ وهي العملية التي كان يعارضها بشدة، وقد كان شعورًا يخالجه بأن القوات التي أُسند إليه قيادتها والتي قوامها 6.000 جندي يمكن توظيفها بشكل أفضل في مطاردة واشنطن. وقد أُرسل السجناء الأمريكيين وقتها إلى سفن السجن سيئة السمعة، والتي كان عدد الجنود والبحارة الأمريكان الذين لقوا فيها حتفهم بسبب انتشار الأمراض والإهمال بينهم أكبر من عدد القتلى في كل معارك الحرب مجتمعة. وقد طارد تشارلز كورنواليس واشنطن ولكن تلقى أمر من هاو بالتوقف ليسير واشنطن بجيوشه دون اشتباك. ولا يخفى على أحد أن مشهد القضية الأمريكية آنذاك كان لا يبشر بخير. فمن ناحية كان عدد الجنود يتناقص إلى أقل من 5.000 جندي وكان آخذًا في النقصان بسبب انتهاء فترة التجنيد مع نهاية العام. ومن ناحية أخرى تراجع الدعم الشعبي وفترت حماسته واُضطر الكونغرس إلى التخلي عن ولاية فيلادلفيا. زيادة على ذلك عادت نزعة الموالين للحكم البريطاني لتطغى على المشهد بعد هزيمة الأمريكيين لاسيما في نيويورك.

على الجانب الآخر احتفى البريطانيون بأخبار الحملة أيما احتفاء. وأُقيمت الاحتفالات في لندن. وارتفع الدعم الشعبي إلى ذروته. ومنح الملك جورج وسام الاستحقاق وهو أعلى الأوسمة العسكرية لوليام هاو. وقد دفع هذا النصر إلى التنبؤ بأن بريطانيا ستفوز في الحرب في غضون عام على الأكثر. في المقابل كشفت الهزيمة الأمريكية ما أعتبره أحد الكتّاب الأمريكين مواطن الضعف في إستراتيجية واشنطن. مثل تفتيت قوة الجيش إلى أعداد أقل في مواجهة جيش قوي، وأفراد طاقمه الذين يفتقرون إلى الخبرة والحنكة في قراءة المشهد. وهروب قواته وتشتتهم بدون نظام مع بدء المعركة. في الوقت نفسه، دخل البريطانيون في وحدة إيواء (كانتون) شتوي وكانوا في أفضل مكان لاستئناف القتال. في 25 ديسمبر عام 1776، عبر واشنطن نهر ديلاوير خلسة. وهزم جيشه حامية عسكرية من جنود هسن في ترنتون بولاية نيو جيرسي. في صباح اليوم التالي، وأنقذ واشنطن 900 سجين. وقد ساهم هذا النصر الحاسم في رفع معنويات الجيش المنخفضة ومنحهم دفعة جديدة من أجل نصرة قضيتهم. وقد حاول كورنواليس إعادة السيطرة على ترنتون. إلا أن مسعاه قد خاب في 2 يناير في ما يعرف بالمعركة الثانية لترنتون. وتفوق واشنطن على كورنواليس في هذه الليلة، وهزم مؤخرة جيشه في اليوم التالي. ولاشك أن هذه الانتصارات كانت ضرورية لإقناع فرنسا وإسبانيا بأن الأمريكيين حليف لا يستهان به. فضلًا عن رفع الروح المعنوية بين الجنود. ودخل واشنطن وحدات الإيواء الشتوية في موريستاون بولاية نيو جيرسي في 6 يناير. رغم استمرار حرب العصابات الطويلة وكان الأمريكيون في فترة الإيواء إلا أن هاو لم يحاول أن يشن أي هجوم وهو ما أثار دهشة واشنطن.

فشل الإستراتيجية البريطانية الشمالية (1778-1777)

في ديسمبر عام 1776، قفل جون بورغوين عائدًا إلى لندن لوضع إستراتيجية بالتنسيق مع اللورد جورج جيرمان. وكان بورغوين يخطط لإحكام قبضته على طريق شامبلين-جورج- هدسون من نيويورك وحتى كيبيك، لعزل نيو إنجلاند. ومن ثمَّ يمكن تكثيف الجهود بعد ذلك على المستعمرات الجنوبية. حيث كان يعتقد أن دعم الموالين لهم هناك في أوجه ولم تخمد جذوته بعد.

كانت خطة بورغوين تقوم على قيادة الجيش على طول بحيرة شامبلين في حين يتقدم جيش إستراتيجي مضلل على طول نهر الموهوك، على أن يتقابل الجيشان في ألباني. وفي 14 يونيو عام 1777، تقدم بورغوين وما لبث أن استولى على تيكونديروغا في 5 يوليو. مخلفًا وراءه حامية عسكرية قوامها 1.300 جندي ليواصل بورغوين تقدمه بعدها. بيد أن التقدم كان بطيئًا بعد أن سد الأمريكيون كل الطرق وهدموا الكباري ودمروا مجاري المياه وجرفوا الأراضي ومناطق الطعام. وفي هذه الأثناء، فرض جيش باري سانت ليدجرز حصارًا حول حصن ستانويكس. إلا أنه انسحب في 22 أغسطس إلى كيبيك بعد أن تخلى الهنود عنه. وفي 16 أغسطس، هُزمت حملة من جنود هسن كانت تبحث عن الطعام والإمدادات في بيينتون، وأُسر منهم ما يربو عن 700 جندي. وفي الوقت نفسه كان بورغوين قد خسر جلّ الدعم الهندي له. وما زاد الطين بِلة الأنباء التي تلقاها من هاو ومفادها أنه سيشن حملته على فيلادلفيا بحسب الخطة الموضوعة ولن يكون بوسعه مد يد العون له. وبرغم كل هذه الصعاب قرر بورغوين مواصلة التقدم. في 19 سبتمبر، حاول أن يحتل الموقع الأمريكي واشتبك معهم في مزرعة فريمان. وقد رجحت كفة البريطانيين ولكنه كان انتصارا مكلفًا كلفهم حياة 600 جندي. وقد لجأ بورغوين إلى حفر خندق ولكنه عاني من تزايد أعداد الفارين بين جنوده مع نقص حاد في الإمدادات. في 7 أكتوبر، اشتبك جيش استطلاعي مع الأمريكيين ولكنه مُني بالهزيمة وتكبد خسائر فادحة. عندها لم يجد بورغوين أمامه سبيل سوى الانسحاب ولكن استمر الأمريكيون في مطاردته، إلى أن حاصروه في 13 أكتوبر. وبعد مضي أربعة أيام فقد بورغوين الأمل خلالها في وصول الإمدادات أو الدعم، اُضطر إلى أن يسلم نفسه في 17 أكتوبر. وبين ليلة وضحاها أصبح 6.222 جندي بريطاني أسرى للأمريكيين. وقد شجع هذا الانتصار الساحق فرنسا على دخول الحرب كحليف للولايات المتحدة، وهكذا كانت المساعدات الأجنبية هي العامل الأخير القشة التي قصمت ظهر البعير في الانتصار على بريطانيا.

في هذه الأثناء، شن هاو حملته على جيش واشنطن رغم أن مساعيه الأولى لحمله على القتال باءت بالفشل في يونيو 1777. وتراجع هاو عن مهاجمة فيلادلفيا برًا عبر نيوجيرسي أو بحرًا عبر خليج ديلاور، رغم أن كلا الخيارين كانا سيمكناه من مساعدة بورغوين إذا لزم الأمر. ولكنه بدلًا من ذلك انطلق بجيشه في طريق طويل استنزف وقته وجهده عبر خليج تشيزبيك، وهو ما جعله عاجزًا تماما عن مد العون لبورغوين. بيد أن هذا القرار كان غير مفهوم واكتنفه الكثير من الغموض؛ حتى أن بعض خصوم هاو وصموه بتهمة الخيانة. في 11 سبتمبر، هزم هاو واشنطن ولكنه لم يعزز هذا النصر بتدمير جيش الأخير. وقد تمخض انتصار ويليستاون عن ترك فيلادلفيا عزلاء وبدون دفاع، وهكذا احتل هاو المدينة دون أي مقاومة تذكر في 26 سبتمبر. وبعد ذلك دفع هاو بتسعة آلاف جندي إلى جيرمانتاون في شمال فيلادلفيا. وقد شن واشنطن هجومًا مفاجئًا على حامية هاو العسكرية في 4 أكتوبر، ولكن لم يحالفه الحظ بعد أن تعرض لهجوم مضاد. ومرة أخرى لم يعزز هاو انتصاره وترك الجيش الأمريكي يذهب سليما كما هو بكافة عتاده وقوته. وبعد مضي عدة أيام من البحث والتقصي أمر الدفاع الأمريكي في وايت مارش هاو بالانسحاب إلى فيلادلفيا وهو ما أثار حيرة الطرفين. فبعد أن تجاهل هاو مؤخرة الجيش الأمريكي الضعيفة حيث كان هجوم عليها كفيلًا بحرمان واشنطن من إمداداته ومؤنه. وبعدها دخل جيش واشنطن في 19 ديسمبر وحدات الإيواء الشتوي في فالي فورج. وقد تسبب سوء الأحوال الجوية ونقص الإمدادات في مقتل 2.500 جندي. وكان هاو على بعد 20 ميلًا فقط (32 كيلومتر) ولكنه لم يحاول أن يشن هجوم وهو ما كان يمكن أن ينهي الحرب بحسب اعتقاد خصومه. في هذه الأثناء، خضع الجيش القاري لبرنامج تدريبي جديد؛ يشرف عليه البارون فون شتوبين والذي يعرض أحدث أساليب الحفر البروسية. على الجانب الآخر، تقاعد هاو وحل محله هنري كلينتون في 24 مايو عام 1778. وبعد أن دخلت فرنسا الحرب تلقى كلينتون الأوامر بالتخلي عن فيلادلفيا وتحصين نيويورك. في 18 يونيو، غادر الجيش البريطاني فيلادلفيا ولكن كان الأمريكيون في أعقابهم. وتحارب الجيشان في مونماوث كورت هاوس في 28 يونيو، وهي المعركة التي تكللت بانتصار الأمريكيين وارتفعت معنوياتهم إلى عنان السماء. وبحلول شهر يوليو، عاد كلا الجيشين إلى نفس الموقع الذي كانا فيه قبل عامين.

=== التدخل الأجنبي === تسببت هزيمة ساراتوجا في إثارة مخاوف حقيقية في بريطانيا من التدخل الأجنبي. ما دفع حكومة نورث إلى محاولة عقد الصلح مع المستعمرات والإذعان لمطالبهم الأساسية؛ إلا أن اللورد نورث رفض منحهم الاستقلال، وبطبيعة الحال لم يتلق البريطانيون أي رد بالموافقة من الأمريكيين.

وكان وزير الخارجية الفرنسي كومت دي فيرجين يكن عداءًا شديدًا للبريطانيين. لذا اتخذ غزو كندا في 1763 كذريعة لدخول الحرب مع البريطانيين. وكان الفرنسيون يقدمون الدعم للأمريكيين سرًا عن طريق الموانئ الهولندية المحايدة منذ اندلاع الحرب. تلك الموانئ التي تجلت أهميتها الفائقة في حملة ساراتوجا. على الجانب الآخر، كان الرأي العام الفرنسي يؤيد الدخول في الحرب؛ رغم تردد فرجينيا والملك لويس السادس عشر، لما ينطوي عليه الأمر من مخاطرة عسكرية ومادية. ورغم أن النصر الأمريكي في ساراتوجا قد أقنع الفرنسيين بأن دعم الوطنيين يمكن أن يؤتي ثماره، إلا أنه لم يكن هناك شك من أن الاقدام على هذا الأمر يكتنفه مخاطرة أيضًا. كان الملك يساوره الشك من أن يقبل الأمريكيون الحل البريطاني ووقتها يمكن أن يتحالف البريطانيون بدورهم مع المستعمرات الأمريكية لشن هجمات على المستعمرات الفرنسية والإسبانية في البحر الكاريبي. وللحيلولة دون وقوع هذا السيناريو، سارعت فرنسا للاعتراف الرسمي بالولايات المتحدة الأمريكية في 6 فبراير 1778 وتلت ذلك بتحالف عسكري معها. وكانت فرنسا تهدف إلى طرد بريطانيا من مصايد الأسماك في نيوفاوندلاند. وإنهاء القيود المفروضة على سيادة دونكيرك عليها. واِستعادة التجارة الحرة مع الهند، واستعادة السنغال والدومينيك، واِستعادة معاهدة "أوترخت" المتعلقة بالتجارة الإنجليزية- الفرنسية. على الجانب الآخر كانت إسبانيا قلقة من خوض الحرب مع بريطانيا قبل أن تكون مستعدة لذلك؛ لذا عمدت إسبانيا إلى تقديم الدعم للوطنيين سرًا من خلال مستعمراتها في إسبانيا الجديدة. وكان الكونغرس يأمل في إقناع إسبانيا بالدخول في تحالف مفتوح، لذا التقت أول لجنة أمريكية مع كونت أراندا في 1776. وكانت إسبانيا لم تزل مترددة في الإلتزام المتعجل قبل أوانه؛ وربما يعزى السبب في ذلك إلى غياب الدور الفرنسي عن المشهد مما وضع إسبانيا على المحك وعرض أساطيلها للخطر فضلًا عن احتمالية نشوب الحرب مع البرتغال الدولة المجاورة لإسبانيا والحليف الوطيد لبريطانيا. ومع ذلك أكدت إسبانيا على رغبتها في دعم الأمريكيين في العام التالي آملة من ذلك إلى إضعاف الإمبراطورية البريطانية. لاسيما وقد تم تحييد الخطر البرتغالي في الحرب البرتغالية الإسبانية (1777-1776). في 12 أبريل 1779، وقعت إسبانيا على معاهدة أرانجويز مع فرنسا وخاضت الحرب ضد بريطانيا. وسعت إسبانيا إلى اِستعادة جبل طارق ومنورقة في أوروبا، بالإضافة إلى موبيل وبينسكويلا في فلوريدا وكذلك طرد البريطانيين من أمريكا الوسطى. تخلى جورج الثالث عن حلم إخضاع أمريكا في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تخوض حربًا أوروبية. بيد أنه لم يكن يرحب بالحرب مع فرنسا ولكنه كان موقنًا من أن بريطانيا لم تألو أي جهد لتجنب هذه الحرب. وهكذا وضع أمامه انتصار بريطانيا على فرنسا في حرب السنوات السبع كمدعاة للتفاؤل. وحاولت بريطانيا عبثًا أن تجد حليف قوي ليخوض الحرب مع فرنسا ويتركها عزلاء وهو ما حال دون تكثيف بريطانيا لجهودها على جبهة واحدة وإجبارها على تقسيم جهودها الحربية ومواردها عن أمريكا. ورغم ذلك قرر الملك ألا يعترف باستقلال أمريكا وأن يحارب المستعمرات إلى أجل غير مسمى؛ أو حتى يتوسلوا للرجوع لنير حكم التاج. وقد ذكر ماهان أن محاولة بريطانيا خوض الحرب ضد أكثر من جبهة في وقت واحد دون أن يكون معها حليف قوي يشد من أزرها هو قصور كبير، مشيرًا إلى استحالة الدعم المتبادل وتعريض القوات للهزيمة. منذ نشوب القتال ناشدت بريطانيا حليفتها الجمهورية الهولندية المحايدة أن تعيرها لواء الأسكتلنديين للخدمة في أمريكا. إلا أن عاطفة الشعب الهولندي المؤيدة لأمريكا حالت دون قبول ذلك. وبالنتيجة حاولت بريطانيا التذرع بالعديد من المعاهدات طلبا للدعم الهولندي العسكري المباشر إلا أن هولندا تمسكت بموقفها الرافض. والأدهى من ذلك، أن هولندا زودت القوات الأمريكية بالذخيرة عن طريق تجارها عبر مستعمراتها في جزر الهند الغربية. والأنكى من ذلك أن الإمدادات الفرنسية لأمريكا كانت تصل عبر الموانئ الهولندية، بعد أن حافظت الجمهورية على تجارتها الحرة مع فرنسا في أعقاب إعلان فرنسا الحرب على بريطانيا؛ مشيرة إلى تنازل مسبق من بريطانيا بشأن هذه المسألة. ولكن كان رد بريطانيا هو مصادرة السفن الهولندية وحتى إطلاق النيران عليها. وبطبيعة الحال، انضمت هولندا إلى التحالف الأول للحياد المسلح لإرساء دعائم وضعها المحايد. كما قدمت هولندا ملاذًا آمنًا للجنود الأمريكيين. وأبرمت معاهدة تجارية معهم. وقد نددت بريطانيا بهذه الخطوات واصفة إياها بأنها مناقضة لحالة الحياد وأعلنت الحرب عليها في ديسمبر 1780.

اندلاع الحرب الدولية (1778-1780)

أوروبا

بعد مضي فترة وجيزة من إعلان فرنسا دخولها الحرب، اشتبك الأسطولان الفرنسي والبريطاني قبالة سواحل أوشانت في 27 يوليو 1778. ثم خاضت إسبانيا الحرب واضعة نصب عينيها هدفًا أساسيًا وهو الاستيلاء على جبل طارق. وهكذا فرضت القوات الإسبانية بقيادة دوك دي كريون حصارًا حول صخرة جبل طارق في 24 يونيو. بيد أن الحصار البحري كان ضعيفًا إلى حد ما، ونجح الجيش البريطاني في إعادة دعم حاميتها العسكرية هناك. على الجانب الآخر، كانت هناك خطة موضوعة لشن غزو فرنسي-إسباني مشترك للبر الرئيسي البريطاني؛ إلا أن الحملة باءت بالفشل لأسباب عدة منها سوء التخطيط، وتفشى الأمراض بين الجنود، والمشاكل اللوجستية، والنفقات المالية المرتفعة. ومع ذلك في 23 سبتمبر، حالف الحظ سرب فرنسي-أمريكي بقيادة جون بول جونز. في 16 يناير 1780، حقق الأسطول الملكي بقيادة البارون جورج رودني نصرًا كبيرًا على الإسبان؛ مما أضعف الحصار البحري على جبل طارق. اعترض الأسطول الفرنسي-الإسباني بقيادة لويس دي كوردوفا إي كوردوفا قافلة بريطانية كبيرة بقيادة جون موتراي والتي كانت متجهة إلى جزر الهند الغربية وهزمها قبالة جزر الأزور في 9 أغسطس. كانت الهزيمة موجعة لبريطانيا، فقد خسرت فيها 52 سفينة تجارية وخمس سفن تابعة لشركات الهند الشرقية؛ فضلًا عن الإمدادات والطواقم. ما جعلها واحدة من أكبر الهزائم البحرية على الإطلاق. حيث قُدرت الخسارة وقتئذ بحوالي 1.5 مليون جنيه إسترليني (181 مليون جنيه إسترليني بقيمة اليوم) وهو ما يعد ضربة قوية لتجارة بريطانيا.

==== الأمريكتين ==== عمدت فرنسا إلى حصار الجزر المُنتجة للسكر في باربادوس وجامايكا بهدف تدمير التجارة البريطانية. وكانت القوات الفرنسية بقيادة الماركيز دي بويلي قد استحوذت على دومينيكا في 7 سبتمبر عام 1778 بغية تسهيل التنقل بين جزر الكاريبي الفرنسية وتوجيه ضربة للقرصنة البحرية. على الجانب الآخر، هزم البريطانيون قوة بحرية فرنسية في 15 ديسمبر واستحوذوا على سانت لوسيا في 28 ديسمبر. وكان كلا الأسطولين قد تلقيا تعزيزات في النصف الأول من عام 1779، إلا أن الغلبة كانت للفرنسيين بقيادة كومته دي ديستان في البحر الكاريبي والذي شرع في الاستحواذ على المستعمرات البريطانية هناك. فقد استولى على سانت فنسنت في 18 يونيو وغرينادا في 4 يوليو. وقد هُزم الأسطول البريطاني بقيادة جون بايرون في 6 يوليو أثناء تعقبه لديستان من غرينادا، وهو ما يعد الخسارة الأكبر التي تكبدتها البحرية الملكية في تاريخها منذ 1690. واستمرت المناوشات البحرية حتى 17 أبريل 1780 عندما اشتبك الأسطولان البريطاني والفرنسي بدون نتيجة حاسمة قبالة المارتينك. كوّن الجنرال برناردو دي غالفز جيشًا في نيو أورليانز وطرد البريطانيين من خليج المكسيك. واستولى على خمسة حصون بريطانية في وادي المسيسيبي الأكثر انخفاضًا. وصد هجوم بريطاني-هندي في سانت لويز بولاية ميسوري، واستولى على حصن سانت جوزيف البريطاني في نايلز ميشيغان. وتلقى التعزيزات من كوبا والمكسيك وبورتوريكو ثم استحوذ على موبيل وبنساكولا عاصمة المستعمرة البريطانية في فلوريدا الغربية، في بنساكولا. وقاد غالفز جيش متعدد الجنسيات يربو عددهم عن 7.000 ما بين جنود بيض وسود وُلدوا في إسبانيا وكوبا وبورتوريكو وسانتو دومينغو وغيرها من المستعمرات الإسبانية كفنزويلا. أما في امريكا الوسطى فكان الدفاع عن غواتيمالا أولوية لإسبانيا. حيث كان البريطانيون يعتزمون الاستيلاء على الحصن الأهم وهو سان فرناندو دي أوموا وطرد الإسبانيين من المنطقة. بعد المحاولات الأولى، كانت القوات البريطانية وعددها 1.200 جندي بقيادة ويليام دالريمبل وصل في 16 أكتوبر، واستولوا على الحصن في 20 أكتوبر. ومع ذلك عاني البريطانيون بشدة من تفشي الأمراض واضطروا للتخلي عن الحصن في 29 نوفمبر، وبالتبعية أعادت القوات الإسبانية اِحتلالها. في عام 1780 خطط حاكم جامايكا جون دالينغ لحملة عسكرية لتقسيم إسبانيا الجديدة إلى قسمين عن طريق اِحتلال غرناطة والتي كانت ستتيح لهم السيطرة الكاملة على نهر سان خوان. في 3 فبراير 1780 أُرسلت حملة عسكرية بريطانية بقيادة جون بولسون وهوراشيو نيلسون. ووصلت الحملة إلى حصن سان خوان في 17 مارس وفرضوا حصارًا حولها واستولوا عليها في 29 أبريل. إلا أنه بسبب سوء الخدمات اللوجستية تفشت الأمراض بين الجنود البريطانيين وعانوا من نقص رهيب في الإمدادات. لينسحبوا في 8 نوفمبر، بعد أن مُنيت الحملة العسكرية بهزيمة محققة. فقد لقى 2.500 جندي بريطاني حتفه، ما جعلها أكثر الحروب كارثية لبريطانيا.

الهند

تحركت شركة الهند الشرقية البريطانية على الفور للاستيلاء على المستعمرات الفرنسية في الهند عندما نمى إلى علمها نشوب المعارك القتالية مع فرنسا، لتستولي على بودوتشيري في 19 أكتوبر 1778 بعد حصار دام أسبوعين. وقررت الشركة طرد الفرنسيين تمامًا من الهند. واستولت على ميناء ماهاب مليبار في عام 1779 والتي كانت المعدات الحربية الفرنسية تمر من خلاله. كانت ماهي تحت حماية حاكم ميسور حيدر علي (السلطان تيبو)، وكانت حدة التوتر قد تصاعدت بالفعل بسبب دعم بريطانيا متمردي مليبار الذين قاموا بثورة ضده. ومن ثمَّ فإن سقوط ماهي قد أجج فتيل المعركة. وغزا حيدر علي منطقة كارناتيك في يوليو 1780 وفرض حصارًا حول تيليشيري وأركوت. وكان السلطان تيبو قد اعترض قوة إغاثة بريطانية تتألف من 7.000 جندي بقيادة ويليام بايل ودمرها في 10 سبتمبر. وهي أسوأ هزيمة يتكبدها جيش أوروبي في الهند آنذاك. بعد ذلك جدد حيدر الحصار حول أركوت بدلًا من الضغط لتحقيق نصر حاسم ضد الجيش البريطاني الثاني في مدراس، واستولى عليه في 3 نوفمبر. وقد سمح تأخر القوات البريطانية بإعادة تنظيم صفوفها للحملة في العام التالي.

الطريق المسدود في الشمال (1780-1778)

بعد هزيمة البريطانيين في ساراتوجا ودخول فرنسا الحرب؛ انسحب هنري كلينتون من فيلادلفيا وحشد قواته في نيويورك. وكانت فرنسا قد أرسلت الأدميرال الفرنسي كومت ديستان إلى أمريكا في أبريل 1778 لمساعدة واشنطن، وقد وصل ديستان بعد انسحاب واشنطن إلى نيويورك بفترة وجيزة. ولما شعرت القوات الفرنسية الأمريكية بأن دفاعات نيويورك كانت حصينة بالنسبة للأسطول الفرنسي تجهزوا للهجوم على نيوبورت. وقد أطلقت هذه الهجمة في 29 أغسطس، ولكنها باءت بالفشل عندما آثرت فرنسا الانسحاب، الأمر الذي أثار استياء الأمريكيين. عندها وصلت الأمور إلى طريق مسدود بعد أن اقتصرت معظم الأعمال العسكرية على بعض المناوشات مثل تلك التي نشبت في تشستنت نيك وميناء ليتل إيج. وفي صيف 1779 استولى الأمريكيون على المواقع البريطانية في ستوني بوينت وبولوس هوك. في شهر يوليو من نفس العام، حاول كلينتون أن يقنع واشنطن بالمواجهة الحاسمة وأن يشن غارة كبرى على ولاية كونتيكت ولكن خاب مسعاه. في الشهر نفسه سعت عملية بحرية أمريكية كبيرة إلى استعادة ماين، ولكنها فشلت وتمخضت عن أسوأ هزيمة بحرية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية حتى بيرل هاربر في 1941. بيد أن وتيرة الهجمات المتزايدة قد أجبرت واشنطن على شن حملة عقابية دمر خلالها عددًا كبيرًا من مستوطنات الإيروكواس. ولكن هذا الهجوم باء أيضًا بالفشل ولم ينجح في وقف الهجمات. في شتاء 1779-1780، عانى الجيش القاري من صعوبات كبيرة أكثر من تلك التي واجهها في فالي فورج. كانت الروح المعنوية في الحضيض، والدعم الشعبي قد بدأ يخفت بعد أن طال أمد الحرب، ناهيك عن أن العملة الوطنية قد أصبحت فعليًا بلا قيمة، إلى جانب نقص الإمدادات في الجيش، وأصبح التهرب من الجندية أمرًا معتادًا، بل وقد ساءت الأمور إلى حد تمرد كتائب كاملة على الحالة بأسرها في مطلع عام 1780.

في 1780، حاول كلينتون استرجاع ولاية نيوجيرسي، وشن ستة آلاف جندي بقيادة قائد الهسن الجنرال فيلهلم فون كنيفاوسن هجومًا في 7 يونيو؛ ولكنهم واجهوا مقاومة كبيرة من الميليشيات المحلية. وبعد أن كانت الغلبة للبريطانيين وسيطروا على الميدان خشي كنيفاوسن من مواجهة جيش واشنطن فآثر الانسحاب. وقرر كنبهاوزن وكلينتون شن هجوم ثاني بعد أسبوعين ولكن تمخضت المعركة عن هزيمة محققة في سبرينغفيلد. وهو ما وأد أحلام بريطانيا في الاستيلاء على نيوجيرسي. في الوقت ذاته، تحول الجنرال الأمريكي بندكت أرنولد إلى المعسكر البريطاني، وقد ثبتت خيانته بعد أن كان ينوي تسليم الحدود الأمريكية الرئيسية في وست بوينت للعدو. إلا أن الرياح أتت بما لم تشته السفن؛ فقد تسبب أسر الجاسوس البريطاني جون أندريه في إفشال المخطط. وفر أرنولد للقوات البريطانية في نيويورك. وقد حاول بندكت تبرير خيانته بالتودد للموالين، ولكن الوطنيون أدانوه بشدة ووصموه بالجبن والخسة. من جهة أخرى، كانت الحرب شرق جبال الأبالاش قد اقتصرت إلى حد كبير على المناوشات والهجمات، وقد أوقفت حملة من الميليشيات بسبب الظروف الجوية غير المواتية في فبراير 1778 بعد أن كانت متوجهة لتدمير الإمدادات العسكرية للجيش البريطاني على طول نهر كيهوجا. في وقت لاحق من العام، قامت حملة ثانية للاستيلاء على ولاية إلينوي من بريطانيا. استحوذ الأمريكيون على كاسكاسيكا في 4 يوليو ثم أمنت فينسينا، رغم أن هنري هاميلتون -وهو القائد البريطاني في ديترويت- كان قد أعاد الاستيلاء عليها. في أوائل 1779 شن الأمريكيون هجمة مضادة بعد أن قاموا بمسيرة محفوفة بالمخاطر في الصقيع وتمكنوا من إجبار البريطانيين على الاستسلام وأُسر هاميلتون. في 25 مايو 1780، قام البريطانيون بحملة عسكرية في كنتاكي كجزء من عملية أكبر للقضاء على المقاومة من كيبيك وحتى شاطئ الخليج. وقد حالف الحملة نجاح محدود رغم تعرض المئات من المقيمين للقتل أو الأسر. وقد رد الأمريكيون بشن هجوم كبرى على طول نهر الماد في أغسطس والتي حالفها بعض النجاح. ولكنهم لم يبذلوا أي جهد لرد هجمات الهنود على الجبهة. وقد حاولت الميليشيات الفرنسية الاستيلاء على ديترويت، ولكن انتهى بها المطاف بكارثة محققة عندما نصبت القبائل الهندية في ميامي كمينًا للقوات المحتشدة وهزمتها في 5 نوفمبر. بيد أن الحرب في الغرب كانت قد وصلت لطريق مسدود؛ ولم يكن لدى الأمريكيين ما يكفي من الجنود لهزيمة هجمات القبائل الهندية العدائية واحتلال الأراضي.

=== الحرب في الجنوب (1778-1781) === في عام 1778، تحولت أنظار البريطانيين إلى غزو الجنوب بعد أن طمأنهم الموالون في لندن إلى وجود قاعدة شعبية كبيرة لهم هناك. وكانت الحملة الجنوبية تحظى أيضًا بأفضلية وجود أسطولها الحربي قريبًا في البحر الكاريبي، والذي سيكون هناك حاجة ماسة له للدفاع عن مستعمرات المملكة التي تُدر أرباحًا طائلة لها ضد الأسطولان الفرنسي والإسباني. في 29 ديسمبر 1778، استولت فرقة استطلاعية من نيويورك على سافانا، وعندها توغلت القوات البريطانية داخل الأراضي لإعادة حشد دعم الموالين. بيد أنه كان هناك تحول واعد على أرض الواقع في مطلع عام 1779، ولكن ما لبث أن هُزمت ميلشيات الموالين في كتيل كريك في 14 فبراير وتحتم عليهم أن يعترفوا باعتمادهم على البريطانيين. ورغم ذلك انتصر البريطانيون على مليشيات الوطنيين في برير كريك في 3 مارس، وبعدها شنوا هجوم فاشل في تشارلستون بولاية كارولاينا الجنوبية. هذا الهجوم الذي كان سيئ السمعة بسبب عمليات النهب التي ارتكبتها القوات البريطانية، والتي تجرع مرارتها الموالون والوطنيون على حد سواء.

في أكتوبر، باءت المحاولات الفرنسية-الأمريكية لاسترجاع سافانا بالفشل. في مايو 1780، استولى هنري كلينتون على تشارلستون، وأسر ما يربو عن 5.000 أسير، ودمر الجيش القاري عن بكرة أبيه في الجنوب. ثم انهارت المقاومة الأميركية المنظمة في المنطقة عندما هزم باناستر تارلتون الأمريكيين المنسحبين في واكسهاوس في 29 مايو.

عاد كلينتون إلى نيويورك وعين تشارلز كورنواليس قائدا في تشارلستون للإشراف على المجهود الحربي في الجنوب. وقد انضم عددا قليلا جدا من الموالين إليه أكثر مما كان يتوقع. في هذه الأثناء، قامت ميليشيات الوطنيين بقمع الموالين وأذاقوهم مرارة الهزيمة في مقاطعة فيرفيلد، وينكولنتون، وهزيمة هاكس، ومقاطعة ستانلي، ومقاطعة لانكستر. في يناير 1781، شن البريطانيون هجمة مفاجئة على فرجينيا، بعد أن تمكن بينديكت أرنولد من اجتياح ريتشموند بولاية فرجينيا بعد مقاومة لا تذكر. وقد فر الحاكم توماس جفرسون من ريتشموند قبيل دخول القوات البريطانية مباشرة. وحرقت القوات البريطانية المدينة وجعلتها أثرًا بعد عين. وقد أرسل جفرسون رسالة عاجلة إلى الكولونيل سمبسون ماثيوز والذي كانت ميليشياته تمر في الجوار وذلك بهدف إحباط مخطط أرنولد. في المقابل عين الكونغرس هوراشيو غيتس في ساراتوجا لقيادة الجهود الأمريكية في الجنوب. ولكنه تعرض لهزيمة موجعة في كامدن في 16 أغسطس 1780 وهو ما أفسح المجال لكورنواليس لاستعمار كارولاينا الشمالية. وقد حاول البريطانيون السيطرة على الريف ولكن كانت ميلشيات الوطنيين لا تفتأ تصدهم وتقاومهم. لذا أرسل كورنواليس القوات لحشد الموالين لحماية جناحه الأيسر وهو يتحرك إلى الشمال. في 7 أكتوبر، دُمر الجناح في جيش كورنواليس تمامًا. وهو ما أجهض دعم الموالين في كارولاينا الشمالية والجنوبية. وبطبيعة الحال، تراجع كورنواليس عن تقدمه وانسحب قافلا إلى كارولاينا الجنوبية. في هذه الأثناء، استبدل واشنطن غيتس بتابعه المخلص نثنائيل غرين. لما كان غرين غير قادر على مواجهة الجيش البريطاني أرسل قوة بقيادة دانيال مورغان لحشد المزيد من القوات. ثم هزم مورغان صفوة الجيش البريطاني في تارلتون في 17 يناير 1781، في كاوبنز. وقد تعرض كورنواليس لانتقادات لأنه فصل جزء حيوي من جيشه دون وجود دعم كافي له. ولكنه تقدم بقواته في كارولاينا الشمالية رغم هذه العقبات، مراهنًا على تلقى إمدادات الدعم من الموالين هناك. وتجنب غرين القتال المباشر مع كورنواليس ولكنه اختار بدلا من ذلك أن ينهك الجيش في حرب استنزاف. بحلول شهر مارس، كان جيش غرين قد تزايد في العدد حتى انه شعر بالثقة في مواجهة كورنواليس. ولكن بعد أن اشتبك الجيشان في جيلفورد كورتهاوس في 15 مارس، هُزم غرين ولكن عانى كورنواليس أيضًا من خسائر في الأرواح لا يمكن تعويضها. وما زاد من قتامة المشهد هو أن عدد الموالين الذين انضموا إلى البريطانيين كان أقل بكثير من توقعاته. وكانت خسائر كورنواليس فادحة حتى أنه اضطر إلى التراجع إلى ويلمينغتون طلبًا للتعزيزات، تاركًا كورنواليس وجورجيا تحت سيطرة الوطنيين. بعدها تقدم غرين لإعادة السيطرة على الجنوب. وقد عانت القوات الأمريكية من التدهور في هوبركس هيل في 25 أبريل، ومع ذلك، استمروا في البعد عن المواقع الإستراتيجية البريطانية في المنطقة. واستولوا على حصن واطسن وحصن موتو. وكان أوغستا آخر ميجور بريطاني في الجنوب خارج تشارلستون وسافانا، إلا أن الأمريكيين استعادوا مواقعهم في 6 يونيو. وقد اشتبكت قوة بريطانية مع القوات الأمريكية في أوتاوا سبرينغ في 8 سبتمبر في محاولة اخيرة لوقف غرين، ولكن عدد الضحايا البريطانيين كان كبيرًا حتى انهم انسحبوا لتشارلستون. واستمرت المناوشات الطفيفة في كارولينز حتى نهاية الحرب، وحُوصرت القوات البريطانية في تشارلستون وسافانا حتى وضعت الحرب أوزارها.

هزيمة البريطانيين في أمريكا (1781)

اكتشف كورنواليس أن غالبية الإمدادات الأمريكية في كارولاينا كانت تمر عبر فرجينيا، وكان عليه أن يرسل رسالة خطية للورد غيرماين وكلينتون يذكر فيها تفاصيل نيته لشن الهجوم. وكان كورنواليس يعتقد أن إطلاق حملة ناجحة لقطع الإمدادات عن جيش غرين يمكن أن يعجل بانهيار المقاومة الأمريكية في الجنوب. ولكن عارض كلينتون الخطة بشدة، وفضل إطلاق حملة إلى أقصى الشمال في منطقة خليج تشيزبيك. وقد كتب لورد غيرماين إلى كورنواليس رسالة خطية مفادها أنه يدعم خطته وأغفل إشراك كلينتون في اتخاذ القرار؛ رغم أن كلينتون كان القائد الأعلى لكورنواليس. وهكذا قرر كورنواليس أن يتوجه إلى فرجينيا دون إخبار كلينتون، وقد فشل الأخير في وضع إستراتيجية متماسكة للعمليات البريطانية في عام 1781، وربما يعزى السبب في ذلك إلى علاقته السيئة بنظيره القائد البحري ماريوت اربنوت. بعد فشل العمليات في نيوبورت وسافانا، أدرك واضعو الخطط العسكرية في فرنسا أنه لابد من وجود تعاون أوثق مع الأمريكيين لتحقيق النجاح. وقد تلقى الأسطول الفرنسي بقيادة كوميت دي غراس أوامر من باريس بدعم الجهود المشتركة في الشمال إذا ما كان هناك حاجة للدعم البحري. وقد ناقش كل من واشنطن وكوميت دي روتشامبس الخيارات المطروحة أمامهما. كان واشنطن يقر بضرورة الهجوم على نيويورك في حين كان نظيره يفضل شن هجوم على فرجينيا، مستغلا حقيقة أن القوات البريطانية هناك أقل تنظيما وبالتالي يسهل هزيمتها. وقد تسببت التحركات الفرنسية الأمريكية حول نيويورك في إثارة قلق كلينتون من الهجوم على المدينة. ورغم أن التعليمات التي أصدرها كلينتون لكورنواليس كانت غامضة وغير مفهومة. إلا أنه أمر كورنواليس ببناء قاعدة بحرية محصنة وأن ينقل القوات إلى الشمال للدفاع عن نيويورك. واتخذ كورنواليس مواقع دفاعية في يوركتاون بانتظار الأسطول الملكي.

وكان واشنطن لا يزال يفضل شن هجوم على نيويورك، ولكنه أخذ برأي الفرنسيين عندما فضلوا إرسال أسطولهم إلى هدفهم المنشود في يوركتاون. وهكذا تحرك الجيش الأمريكي-الفرنسي في شهر أغسطس إلى الجنوب للتنسيق مع دي غارسيا في هزيمة كورنواليس. وكان البريطانيون يعانون من نقص الإمدادات البحرية اللازمة لمقاومة الفرنسيين بكفاءة. ولكنهم أرسلوا أسطولا بقيادة توماس غريفز لمساعدة كورنواليس ومحاولة السيطرة على الأسطول. في 5 سبتمبر، هزم الأسطول الفرنسي غريفز هزيمة ساحقة وهو ما أتاح لهم بسط نفوذهم على المنطقة حول يوركتاون، وبالتالي حرمان كورنواليس من وصول الإمدادات والتعزيزات. ورغم توسلات أتباع كورنواليس له إلا إنه لم يحاول الاشتباك مع الجيش الفرنسي-الأمريكي قبل أن ينجح حصارهم، متوقعا أن تصل التعزيزات من نيويورك. وفي 28 سبتمبر، فرض الجيش الأمريكي-الفرنسي حصارا حول يوركتاون. وكان كورنواليس موقنًا من وصول الإمدادات من كلينتون. وقد تخلى عن دفاعه الخارجي والذي شغلته القوات الأمريكية على الفور. وهو ما عجل بخسارته التالية. بعدها فشل البريطانيون في محاولتهم فك الحصار حول جلوستر بوينت عندما هبت العاصفة. وقد تعرض كورنواليس وأتباعه لقصف مستمر مع تناقص مواردهم. وبعد أن أيقنوا أنهم خاسرون لا محالة، عرضوا التفاوض للاستسلام في 17 أكتوبر 1781، وأصبح 7.685 جندي بريطاني أسيرًا للأمريكيين. وفي نفس يوم الاستسلام غادرت قوات كلينتون التي قوامها ستة آلاف جندي نيويورك لتبحر إلى يوركتاون.

=== انهيار حكومة نورث === في 25 نوفمبر 1781، وصلت الأنباء إلى لندن باستسلام يوركتاون. وكان حزب الأحرار البريطاني قد اكتسب زخمًا في البرلمان. وقٌدم قرارا في 12 ديسمبر لإنهاء الحرب للتصويت عليه ولكنه لم ينجح بفارق صوت واحد فقط. في 27 فبراير 1782 صوت المجلس ضد خوض حرب أخرى في أمريكا بفارق 19 صوت. طُرد لورد غيرماين ومرر قرار بسحب الثقة من حكومة نورث. كان حزب روكينجهام قد أمسك بمقاليد الحكم وفتح باب المفاوضات لإحلال السلام. وبعد أن قضى روكنهايم نحبه خلفه إيرل شيلبورن. ورغم خسارة البريطانيين للحرب إلا أن الجيش الذي قوامه 30.000 جندي بريطاني كان لا يزال متمركزًا في نيويورك وسافانا. واُستدعي هنري كلينتون وعُين غاي كارلتون خلفا له وتلقى أوامر بوقف العمليات الهجومية.

السنوات الأخيرة في الحرب (1783-1781)

أوروبا

بعد أن نشبت الهجمات العدائية مع الهولنديين في أواخر عام 1780، تحركت بريطانيا على الفور، وفرضت حصارًا حول بحر الشمال. وفي غضون أسابيع كان الجيش البريطاني قد أسر ما يربو عن 200 تاجر هولندي، في حين اختبأ 300 آخرون في الموانئ الأجنبية. ورغم أن الاضطرابات السياسية التي ظلت داخل الجمهورية ومفاوضات السلام بين كلا الطرفين قد ساهمت في أن يظل الخلاف في أدنى مستوياته؛ إلا أن غالبية الهولنديين كانوا يفضلون التحالف العسكري مع فرنسا ضد بريطانيا؛ ولكن وقف الحاكم العام الهولندي حجر عثرة في طريق هذه المساعي على أمل الوصول إلى سلام مبكر. وفي الوقت ذاته قام الأسطول الهولندي بقيادة القائد البحري جوان زوتمان باصطحاب أسطولًا من سبعين تاجر من تيسل بهدف إنعاش التجارة من كبوتها. ولكن لسوء الطالع اعترض سير هايد باركر سفن زوتمان، واشتبك معه في دوجر بانك في 5 أغسطس 1781. ورغم أن الصراع كان غير حاسم من الناحية التكتيكية إلا أن الأسطول الهولندي لم يغادر الميناء مرة أخرى أثناء الحرب. وظلت سفنهم التجارية معطلة طيلة هذه الفترة. في 6 يناير 1781، فشلت محاولة فرنسية للاستيلاء على جيرسي لشل حركة سفن القرصنة البريطانية. على الجانب الآخر اجتاحت قوة فرنسية-إسبانية قوامها 14.000 جندي بقيادة دوك دي ماهون منورقة في 19 أغسطس وذلك بعد فشل محاولتهم للاستيلاء على جبل طارق. بعد حصار طويل لسانت فيليبس استسلمت الحامية البريطانية بقيادة جيمس موراي في 5 فبراير 1782، وهو ما كان يعد هدفًا أساسيًا للحرب بالنسبة للإسبان. في 13 سبتمبر 1782، تمخض الهجوم الفرنسي-الإسباني على جبل طارق عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا. في 20 أكتوبر 1782 بعد إعادة تزويد منطقة جبل طارق بالمؤن؛ نجحت السفن البريطانية بقيادة ريتشارد هاو في مواجهة الأسطول الفرنسي-الإسباني بقيادة لويس دي كوردوفا، وهو ما وضع حد لسيطرة كوردوبا على البحار. في 7 فبراير 1783 -أي بعد مرور 1322 يوم من الحصار- انسحب الجيش الفرنسي-الإسباني وقد مُني بهزيمة محققة.

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗