Military operations· العصور الوسطى· 570 – 578

الحروب الحبشية الفارسية

6th-century conflict between the Sassanid and Aksumite empires

غزو الفرس لليمن أو الحملة الساسانية على اليمن هو التدخل العسكري الذي وجّهه الملك الساساني كسرى الأول أنوشروان (حكم 531–579م) إلى اليمن بقيادة وهرز، استجابةً لاستنجاد أمير حِميَري من بني ذي يزن تسمّيه المصادر العربية سيف بن ذي يزن. وقد أنهت الحملة حكم الأحباش الأكسوميين لليمن بعد نحو نصف قرن، وقُتل فيها آخر ملوكهم مسروق بن أبرهة الحبشي. وتُؤرَّخ الحملة بنحو سنة 570م اعتمادًا على المصادر البيزنطية، أو بنحو 575م اعتمادًا على المأثور العربي الإسلامي. نصّب الفرس بعد انتصارهم الأمير الحِميَري سيف بن ذي يزن ملكًا تابعًا يؤدي خراجًا سنويًا إلى كسرى، وعاد وهرز إلى بلاده. لكن سرعان ما قُتل الملك الجديد "سيف" بأيدي حرسه الأحباش، فأرسل كسرى حملة ثانية قوامها أربعة آلاف مقاتل، وصار اليمن ولايةً ساسانية يتعاقب عليها ولاة من الفرس مقرّهم صنعاء، إلى أن أسلم آخرهم، وهو باذان، في حياة النبي محمد. وعُرف أحفاد الجند الفرس الذين استقروا في اليمن باسم الأبناء. تعود أخبار الحملة في معظمها إلى روايات عربية دُوِّنت بعد الحدث بأكثر من قرنين، أهمها ما نقله الطبري عن ابن إسحاق وابن الكلبي، ولا يسندها من المصادر المعاصرة إلا إشارة موجزة عند المؤرخ ثيوفان البيزنطي، إذ لم يُعثر في اليمن على نقش أو أثر ساساني. ويضع المؤرخون المحدثون الحملة في سياق التنافس بين الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الساسانية على جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر، ويرون أن سقوط الحكم الأكسومي كان إخفاقًا للسياسة البيزنطية في الجزيرة. ويرى روبان أن سلطة الوالي الفارسي لم تكد تتجاوز صنعاء، وأن مملكة حمير تفككت في تلك المرحلة إلى إمارات مدنية وقبلية صغيرة؛ على حين يعدّ هاري مونت احتلال اليمن أوضح مثال موثَّق على سعي الساسانيين إلى حكم جزء من الجزيرة العربية حكمًا مباشرًا.

المصادر

=== المصادر العربية الإسلامية === المصدر الرئيس لأخبار الحملة هو تاريخ الطبري، وقد أورد الخبر في ثلاثة مواضع: خبر مقتضب في سياق سيرة كسرى أنوشروان، ورواية مطوّلة عن ابن إسحاق، ورواية مطوّلة أخرى عن ابن الكلبي تخالف الأولى في اسم المستنجِد ومكان نزول الحملة وتفاصيل المعركة. ويرد الخبر كذلك في سيرة ابن هشام، وعند ابن قتيبة، وحمزة الأصفهاني، والمسعودي، ووابن الأثير وغيرهم. هذه الروايات دونت بعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس بأكثر من قرنين، وتتخللها عناصر قصصية ظاهرة، كنبوءة الكاهنين سَطيح وشِقّ بأن غلامًا «يخرج من بيت ذي يزن» يُخرج الأحباش من اليمن، وتكوين الجيش من المحكوم عليهم بالقتل، وسهم وهرز الذي يخترق ياقوتة التاج. ويصف الباحث دانيال بوتس الروايتين المطوّلتين بأن فيهما زيادات، في مقابل الخبر المقتضب الخالي من الزيادة، لكنه يستشهد بقول سيدني سميث إن كثيرًا مما في روايات الإخباريين العرب لا يتعارض مع الوقائع المعروفة، وإن ذلك يستدعي مراجعة الأحكام الحديثة في ما هو محتمل وما هو مستبعد.

=== المصادر البيزنطية === أهم شاهد معاصر هو المؤرخ ثيوفان البيزنطي الذي أرّخ لعهد جستين الثاني، وقد ضاع كتابه ولم يبقَ منه إلا الملخّص الذي أثبته البطريرك فوتيوس في القرن التاسع في كتاب بعنوان (Bibliotheca). وفيه، بعد ذكر البعثة الدبلوماسية المتبادلة بين البيزنطيين والترك:

هذا ما دفع خسرو [كسرى الأول] إلى إجراء حملة عسكرية ضد الإثيوبيين، حلفاء الرومان، المعروفين قديمًا باسم «المعمَّرين» (Makrobites، أي طوال الأعمار) والذين يُطلق عليهم الآن اسم الحِميَريين (Homérites). تم أسر ملك الحميريين الذي يُدعى سنتورقس (Sanatourkès) [مسروق؟] حيًّا من قبل الـmiranos [وهرز؟] القائد الفارسي؛ ودُمِّرت المدينة واستُعبد السكان. ويتفق هذا النص مع الرواية العربية في جوهر الحدث، ويخالفها في أن الملك أُسر ولم يُقتل. ويضيف إليه المؤرخ يوحنا الإبيفاني إشارة موجزة أخرى، في مقدمة تاريخه للحرب الطويلة بين الروم والفرس التي اندلعت سنة 572م، وهي الشذرة الوحيدة الباقية من كتابه؛ إذ يذكر في سياق أسباب الحرب أن الطرفين تبادلا الاتهامات، فأخذ الروم على الفرس غزوهم جنوب الجزيرة، وردّ الفرس بالإشارة إلى البعثة البيزنطية إلى الترك:

وكان كلٌّ منهما يرمي الآخر بأسباب الخصومة بين الأمتين؛ فالروم شقّ عليهم أن الميديين [الفرس] عزموا على حمل الحِميَريين (Homēritai) – وهم من جنس الهنود، وحلفاء للروم ورعايا لهم – على الانتقاض عليهم، فلما أبى أولئك ذلك أغاروا عليهم والصلح [المعقود سنة 561م] لا يزال في أجله. وقد درس المؤرخ عرفان شهيد النصّين، وخلص إلى أن البيزنطيين عدّوا الحملة الساسانية على اليمن ردًّا على إرسالهم بعثة إلى الترك سنة 569م. ويرى شهيد أن «الإثيوبيين» في نص ثيوفان هم أحباش اليمن أتباع أبرهة حليف بيزنطة، لا أحباش أكسوم في أفريقيا، وأن تسميتهم «حِميَريين» غير دقيقة، ولعل مردّها إلى أنهم كانوا يقيمون في أرض حِميَر ويحكمونها، ويرجّح أن وصفهم بـ«المعمَّرين» محاكاةٌ من ثيوفان للأسلوب الكلاسيكي، إذ هو الاسم الذي أطلقه هيرودوت على الإثيوبيين. ويرى أن «سنتورقس» هو مسروق بن أبرهة، مع أن المصادر العربية تجعله قتيلًا في المعركة على يد وهرز لا أسيرًا في يد ميرانس Miranes، ويفسر عرفان شهيد اسم ميرانس بأنه "مهران"، وانه تحريف لكنية "أبي مرة" التي تُنسب إلى سيف بن ذي يزن الزعيم الحِميَري المستنجِد بكسرى، فيكون وصفه بـ«الفارسي» وصفًا لولائه السياسي لا لأصله. ورجّح صواب رأي نولدكه أن الاسم كُتب بصيغة ميرانس تصحيفاً على يد فوتيوس، إذ خلط فيه بين فاتح اليمن وشخصية فارسية أخرى بهذا الاسم ترد مرتين في موضع لاحق من الشذرة نفسها. ويلاحظ شهيد أن ثيوفان أدرج الحملة في صلب الحقبة التي أرّخ لها (566–581م)، أما يوحنا فذكرها حدثًا من الماضي القريب، إذ يبدأ سرده سنة 572م. ويرى في عبارة يوحنا صدى معاصرًا لمزاج بيزنطة، التي عدّت ضياع اليمن خسارة كبرى تكاد تكون سببًا موجبًا للحرب مع فارس. ويعدّ وصف الحِميَريين بأنهم هنود جريًا على عادة الكتّاب البيزنطيين في ذلك العصر في تسمية شعوب البحر الأحمر والمحيط الهندي، ووصفهم بأنهم رعايا للروم مبالغةً من المؤرخ، أما وصفهم بالحلفاء فهو الإشارة الصريحة الوحيدة في المصادر إلى أن جنوب الجزيرة كان حليفًا لبيزنطة حينها؛ ويرجّح أن هذا الحلف يعود إلى نحو سنة 540م، إثر البعثات الدبلوماسية التي وفدت على بلاط أبرهة ومثّل بيزنطة فيها ثلاثة سفراء، فيكون قد دام نحو ثلاثين عامًا. أما خبر سعي الفرس إلى استمالة الحِميَريين قبل غزوهم فلا يرد عند ثيوفان ولا في المصادر العربية، ولا سبيل عنده إلى الجزم بصحته أو بطلانه. ويرى أن يوحنا يقصد معاهدة الصلح المعقودة بين الإمبراطوريتين سنة 561م، مما يدل على أن واضعيها عدّوا جنوب الجزيرة منطقة نفوذ بيزنطية، والحِميَريين أو الأحباش الحاكمين في حِميَر حلفاء لبيزنطة.

=== المصادر الفارسية === يرد في كتاب شهرستان ورانشهر في الفصل الخاص بـ«ناحية الجنوب» (kust ī nēmrōz)، ما ترجمته بحسب قراءة تورج دريايي:

بُنيت مدينة حِميَر على يد فريدون (Frēdōn) بن آدوين (Ādwēn). وقد قتل مسروقًا مَلِكَ حِميَر، وأعاد أرض حِميَر إلى سيادة إيرانشهر. ومنح سهوبَ العرب لبخت خسرو (Baxt Husraw) ملك العرب مِلكًا خاصًا له، بسبب الصلة التي عقدها معه بنفسه. وكان المستشرق يوزف ماركوارت قد قرأ اسم البلد «سَمران» واسم الملك «مَسور»، ورجّح أن «سمران» تحريف لاسم حِميَر. غير أن بوتس ينبّه إلى أن هذا النص من قبيل «التاريخ المقدس» الذي يَنسب الوقائع إلى ملوك الأساطير الإيرانية، وأنه ليس موضعًا يُلتمس منه فهم العلاقات السياسية بين جنوب الجزيرة وإيران الساسانية.

=== النقوش والآثار === لم يُعثر حتى الآن على نقش يذكر سيف بن ذي يزن أو الحملة الفارسية. فالنقوش الملكية الحِميَرية المؤرَّخة تتوقف في عهد أبرهة عند سنة 559م، ولا تتوافر عن السنوات الخمسين التالية لسقوط الدولة الأكسومية–الحِميَرية إلا أخبار المأثور العربي الإسلامي، إذ لم يعد للحِميَريين ما يدعوهم إلى تدوين النقوش، ولم تعد المصادر البيزنطية والكنسية تُعنى بالجزيرة العربية. ولم يترك الساسانيون في اليمن بقايا أثرية معروفة، والشواهد الأثرية المؤكدة على وجود عسكري أو إداري ساساني مباشر في الجزيرة العربية كلها قليلة جدًا، وأبرزها حصن فُلَيج قرب صحار في عُمان، وهو الحصن الساساني الوحيد المؤرَّخ تأريخًا موثوقًا في الجزيرة (القرنان الخامس والسادس).

الخلفية

=== حِميَر والساسانيون قبل القرن السادس === وحّدت مملكة حمير اليمن في الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي، بضمّ سبأ نحو سنة 275م ثم حضرموت نحو سنة 300م، وهو توحيد يُرجَّح أنه أثار قلق الساسانيين والرومان، وجعل الدول الثلاث أكثر التفاتًا بعضها إلى بعض. ويذكر نقش سبئي من معبد أوام في مأرب أن الملك شمر يهرعش أوفد أحد أعيان سبأ، ويدعى ريمان ذا حزفر، إلى ملك الأزد، وأنه واصل السير حتى بلغ طيسفون وسلوقية «مدينتَي فارس الملكيتين» وأرض تنوخ. ويرى روبان أن البعثة، التي يؤرّخها بين سنتي 296 و310م، قوبلت بفتور، بل يرجّح أن الملك الساساني امتنع عن استقبال السفير؛ ويقترح بوتس أنها أُرسلت نحو سنة 310–311م للتهنئة بمولد شابور الثاني، ويربط بها ما انفرد به الثعالبي من أن شابور لم يواصل حملته في الجزيرة إلى اليمن «لأن ملوكها كانوا من أتباعه». أما الباحث برونو أوفرلات فيرى أن النقش الصخري الرابع في بيشابور، الذي يصوّر بهرام الثاني (حكم 276–293م) يستقبل وفدًا عربيًا معه خيل وإبل، يخلّد هذه السفارة نفسها، ويؤرّخها بنحو 275–279م؛ وهو رأي لا يستبعده روبان من حيث التسلسل الزمني لكنه يستضعفه. ويلفت بوتس النظر إلى أن المصادر العربية (ياقوت الحموي والهمداني) تجعل الشحر على ساحل حضرموت حدًّا لإقليم «مَزون»، وهو الاسم الساساني لعُمان، وأن مزون واردة في نقش شابور الأول على كعبة زرادشت ضمن ولايات الإمبراطورية؛ أي أن النفوذ الساساني ربما بلغ تخوم اليمن الشرقية منذ القرن الثالث. وفي القرنين الرابع والخامس مدّت حِميَر سلطانها إلى وسط الجزيرة العربية وشرقها. ويفترض روبان أن حملاتها الأولى نحو مناطق قريبة من الخليج العربي، في عهد شابور الثاني، ما كانت لتتكرر لولا رضا الساسانيين، وأن حِميَر ربما كانت حليفة لهم آنذاك، وأن تهوّد نخبتها سنة 380م كان يطمئن الفرس إلى ابتعاد حمير عن روما. ثم جرى التوسع الحِميَري في القرن الخامس على حساب ملوك الحيرة أتباع الساسانيين، ويذكر نقش من مأسل الجمح في قلب نجد مؤرخ بسنة 474م أن الملك شرحبيل ينكف غزا «مدن الخَطّ في أرض فارس». وتدل النقوش على أن الجزيرة العربية انتقلت نحو سنة 500م من دائرة النفوذ الفارسي إلى دائرة النفوذ الروماني، وبقيت فيها ستين عامًا على الأقل.

الحكم الأكسومي لليمن

في خريف سنة 522م ثار الملك الحِميَري اليهودي يوسف أسأر يثأر (ذو نواس في المصادر العربية) على الوصاية الأكسومية، فأباد الحامية الحبشية في ظفار، ثم قمع تمرد نجران وقتل كثيرًا من مسيحييها في نوفمبر 523م. فعبر ملك أكسوم كالب البحر الأحمر بعد عيد العنصرة سنة 525م في سبعين سفينة، بتحريض من الإمبراطور البيزنطي جستين الأول الذي أمدّه بالسفن، وقُتل يوسف، فانتهى استقلال حِميَر نهائيًا، وإن بقيت المملكة قائمة نحو أربعين أو خمسين سنة تحت درجات متفاوتة من السيطرة الأكسومية. عيَّن كالب على العرش أميرًا حِميَريًا مسيحيًا هو سميفع أشوع، وترك في اليمن جزءًا من جيشه. ورأى الإمبراطور جستنيان الأول (حكم 527–565م) في هذا الفتح فرصةً لتجنيد أكسوم وحِميَر في صراعه مع فارس، بتحويل تجارة الهند التي كانت تُغني الفرس إلى طريق البحر الأحمر، وبشنّ عمليات برية على بلاد الرافدين عبر الجزيرة العربية، فأوفد بعثتين لهذا الغرض في ثلاثينيات القرن السادس. ثم خلع قائدُ الجيش الحبشي أبرهة الملكَ سميفع، وحكم نحو ثلاثين سنة (نحو 535–565م) ملكًا حِميَريًا يعترف بسيادة اسمية لملك أكسوم. وفي سنة 547م واجه أبرهة تمردًا واسعًا قاده عامله على كندة المدعو في النقوش يزيد بن كبشة، وانضم إليه أقيال من سبأ و«اليزأنيون» بزعامة الأمير معديكرب بن سميفع. وبعد إخماده عقد أبرهة في مأرب، في خريف السنة نفسها، مؤتمرًا حضرته وفود ملك أكسوم و«ملك الروم» و«ملك فارس»، ورسل المنذر ملك الحيرة والأميرين الجفنيَّين الحارث بن جبلة وأخيه أبي كرب؛ ولعل الغرض منه اقتسام مناطق النفوذ في الجزيرة العربية بعد الحرب البيزنطية–الفارسية (540–546م). وقد خلّد أبرهة ذلك كله في نقشه الشهير على سد مأرب (مارس 548م). وبعد وفاة أبرهة (نحو 565م) خلفه، بحسب المأثور العربي الإسلامي، ابناه يكسوم — وتذكره النقوش وليًّا للعهد باسم «أكسوم ذي معاهر» — ثم مسروق، وقد قوّضت الانشقاقاتُ سلطتهما. ويصف ابن إسحاق حال اليمن في عهدهما بقوله: «فذلت حمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة»، ويجعل مدة ملك الحبشة باليمن «اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة».

بنو ذي يزن

«ذو يزن» هو الصيغة العربية لاسم «ذي يزأن» في النقوش، وهم أسرة أقيال من غرب حضرموت. يظهر اسمهم أول مرة في القرن الثالث في نقوش العُقلة قرب شبوة عاصمة حضرموت القديمة، وكانوا يومئذ نبلاء حضارمة متواضعي المنزلة نسبيًا، ثم ارتقوا في أقل من قرن إلى مرتبة «الأقيال» الكبار في دولة حِميَر؛ ويُرجَّح أن صعودهم كان ثمرة انحيازهم إلى الحِميَريين عند فتح حضرموت. ويخلّد نقشهم الكبير في وادي عبدان جنوب نِصاب (يوليو 360م) وهو أطول نقوش جنوب الجزيرة، ويخلد أعمال ثلاثة أجيال منهم، ومنها اثنتا عشرة حملة بلغ بعضها واحة يبرين واليمامة ووسط الجزيرة وغربها؛ فقد كان أقيال ذي يزأن هم الذين تولّوا تنفيذ التوسع الحِميَري في الجزيرة العربية الصحراوية، وهم أسلاف سيف بن ذي يزن. وفي أواخر القرن الخامس ألحق اليزأنيون بأنفسهم الأسرة السبئية العريقة «ذا جدن»، فامتدت أملاكهم إلى الجوف. وبلغوا في مطلع القرن السادس ذروة قوتهم، فبسطوا نفوذهم على رقعة تمتد من ساحل البحر الأحمر إلى المهرة مرورًا بسقطرى، تشمل أراضي مملكة حضرموت القديمة كلها ومينائي قانئ (بئر علي اليوم) وسمهرم (في ظفار). وكانوا يهودًا، وقاد أحدهم، شرحئيل يقبل ذو يزأن، جيش الملك يوسف في حصار نجران سنة 523م؛ بل إن ثمة قرائن على أن يوسف نفسه كان يزأنيًا. ويرى محمد عبد القادر بافقيه أن ولاء هؤلاء الأقيال ليوسف يكاد لا يخفي اعتماد الملك شبه التام على «سادة المشرق» هؤلاء. ويُجمل روبان دورهم السياسي في القرن السادس في أنهم اضطهدوا مسيحيي نجران، وقاوموا الأحباش، ثم استنجدوا بالفرس لطردهم؛

سيف بن ذي يزن واستنجاده بكسرى

=== اسمه وهويته === تضطرب المصادر العربية في اسم الأمير المستنجِد. فهو عند ابن إسحاق «سيف بن ذي يزن الحميري، وكان يكنى بأبي مرة»؛ أما هشام بن الكلبي فيجعل أبا مُرّة الفيّاض ذا يزن هو الأب الذي قصد كسرى أولًا ومات ببابه، ويجعل صاحب الحملة ابنَه معديكرب. ويروي ابن الأثير أنه: «كانت [أم سيف] قد ولدت لذي يزن ولداً اسمه مَعديكَرِب، وهو سيف». ويسمّيه الطبري في موضع آخر «سيفان بن معديكرب»، ويضيف: «ومن الناس من يقول إنه كان يسمى سيف بن ذي يزن». ويرى الهمداني أن «سيفًا» لقب: «ويقال إنه سمي سيفاً لنجدته وشجاعته. وأن اسمه شراحيل بن عامر». ولا يرد للرجل ذكر في النقوش. وقد اقترح بافقيه أن يكون اسم «سيف» عند الإخباريين تحويرًا لاسم «سميفع»، أي الملك سميفع أشوع والد الأمير معديكرب الذي ثار على أبرهة سنة 547م. ويعدّه روبان أميرًا حضرميًا يهوديًا، ولا يستبعد أن يكون صاحب الحملة ابنه لا هو.

بين قيصر وكسرى

تتفق الروايتان على أن الأمير الحِميَري قصد أولًا ملك الروم — وهو على الأرجح جستين الثاني (حكم 565–578م) — وسأله أن يُخرج الأحباش من اليمن، فلم يُجبه؛ وتعلّل رواية هشام ذلك بأنه وجده «يحامي عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين». فقصد الحيرة، عاصمة المناذرة أتباع الفرس، فأوفده ملكها معه إلى كسرى. ويروي ابن إسحاق ما دار في مجلس كسرى:

فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن برك، ثم قال: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة، فقال كسرى: أي الأغربة؟ الحبشة أم السند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرني عليهم، وتخرجهم عني، ويكون ملك بلادي لك، فأنت أحب إلينا منهم. قال: بعدت أرضك من أرضنا، وهي أرض قليلة الخير، إنما بها الشاء والبعير، وذلك مما لا حاجة لنا به، فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك! وأجازه كسرى بعشرة آلاف درهم، فخرج سيف ينثرها على الناس، فلما سُئل عن ذلك قال: «ما جبال أرضي التي جئت منها إلا ذهب وفضة»، فاستبقاه كسرى واستشار مرازبته، فقال قائل منهم:

أيها الملك، إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل، فلو أنك بعثتهم معه، فإن هلكوا كان الذي أردت بهم، وإن ظهروا على بلاده كان ملكا ازددته إلى ملكك. أما رواية هشام بن الكلبي فتبدأ بأن أبرهة انتزع من أبي مُرّة ذي يزن زوجته ريحانة ابنة ذي جدن، فولدت لأبرهة مسروقًا، ونشأ ابنها معديكرب في حجر أبرهة لا يعرف أباه. وخرج أبو مُرّة إلى أحد ملوك الحيرة — «أظنه عمرو بن هند» — فأدخله على كسرى، فوعده كسرى النظر في أمره واعتذر بأن «المسلك للجيش إلى بلادك صعب»، فأقام عنده حتى مات. فلما كبر معديكرب وعرف خبر أبيه قصد ملك الروم ثم كسرى، واعترضه يومًا في موكبه:

فصاح به: أيها الملك، إن لي عندك ميراثا. فدعا به كسرى لما نزل، وقال: من أنت؟ وما ميراثك؟ قال: أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن، الذي وعدته أن تنصره، فمات ببابك وحضرتك، فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه. وتنطوي رواية ابن إسحاق على إشكال زمني؛ فهي تجعل الوسيط النعمان بن المنذر، وهو لم يتولَّ مُلك الحيرة إلا نحو سنة 580م، أي بعد وفاة كسرى أنوشروان (579م)، على حين أن عمرو بن هند الذي تذكره رواية هشام حكم بين 554 و569م.

الحملة الأولى

=== القوة ومسارها === تتفق الروايتان على أن كسرى أحصى مَن في سجونه فكانوا ثمانمئة رجل، فأمّر عليهم وهرز، وهو عند ابن إسحاق أفضل السجناء «حسبا وبيتا»، «وكان ذا سن»، وعند هشام «قائدا من أساورته [...] كان كسرى يعدله بألف أسوار»، وحملهم في ثماني سفن في كل سفينة مئة رجل، فغرقت سفينتان ونجت ست فيها ستمئة رجل. وتختلفان في موضع النزول: فهو عند ابن إسحاق ساحل اليمن من أرض عدن، وعند هشام ساحل حضرموت. ويعتمد روبان نسبة المئة رجل للسفينة الواحدة في هذه الرواية معيارًا معاصرًا لتقدير حجم الجيش الأكسومي الذي عبر البحر الأحمر سنة 525م. أما الخبر المقتضب عند الطبري فلا يذكر السجناء، بل يقول إن كسرى لما عاد من خراسان إلى المدائن «وافاه قوم يستنصرونه على الحبشة، فبعث معهم قائدا من قواده في جند من أهل الديلم وما يليها، فقتلوا مسروقا الحبشي باليمن، وأقاموا بها». وكان الديالمة، وهم جبليون من جنوب بحر قزوين، مشاةً مرتزقة يعتمد عليهم الساسانيون، ويرجّح كليفورد إدموند بوزورث أنهم جُنّدوا خصيصًا لهذه الحملة. و«وهرز» في الأصل لقب لا اسم علم، وأول ذكر له عند بروكوبيوس في عهد قباذ الأول. وتحفظ الرواية الشفوية العُمانية، التي دوّنها الوكيل السياسي والقنصل البريطاني في مسقط صمويل باريت مايلز بين 1872 و1887م، أن حملة وهرز على اليمن هي التي أنزلت قوة فارسية في صحار وفتحت داخل عُمان حتى الرستاق، التي كانت قلعتها تُعرف في زمنه بـ«برج كسرى بن شروان»، وأن قائد الحملة نبيل فارسي اسمه «خُزراد نرسيس» اشتهر بلقبه «وهرز». ويقرّ بوتس بأن ذلك قد لا يعدو أن يكون «أسطورة تأسيس» تفسّر الوجود الساساني في عُمان عند ظهور الإسلام، لكنه يلاحظ أن كتاب «كشف الغمة» العُماني يذكر أن ملوك الفرس كانوا يرسلون إلى جيشهم في عُمان من غضبوا عليهم أو خافوهم، ويتساءل إن لم يكن في ذلك صدى لخبر السجناء الثمانمئة. ويرى مونت أن احتلال اليمن تزامن مع نشاط ساساني في شرق الجزيرة، كبناء حصن المُشقَّر في عهد أنوشروان، وربما احتلال عُمان أيضًا، وإن كانت الأدلة على ذلك تحتمل أكثر من قراءة.

المعركة ومقتل مسروق

جمع ابن ذي يزن مَن أطاعه من قومه وقال لوهرز: «اجعل رجلي مع رجلك، حتى نموت جميعًا أو نظهر جميعًا». وسار إليهم مسروق بن أبرهة في جمع عظيم — «مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب» في رواية هشام. وقُتل في المناوشات الأولى نوزاذ بن وهرز، فازداد أبوه «حنقًا عليهم». وتنفرد رواية هشام بأن الفريقين تهادنا أجلًا، وأن وهرز أمر قبل انقضائه بإحراق السفن وفضول الثياب وإلقاء الزاد في البحر، ثم خطب أصحابه:

أما ما حرقت من سفنكم، فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدا، وأما ما حرقت من ثيابكم، فإنه كان يغيظني إن ظفرت بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم، وأما ما ألقيت من زادكم في البحر، فإني كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا. وتُجمع الروايتان على أن المعركة حُسمت بسهم رماه وهرز نفسه. فقد سأل عن ملك الأحباش، فقيل له إنه على فيل وعلى رأسه تاج «بين عينيه ياقوتة حمراء»، ثم تحوّل إلى فرس، ثم إلى بغلة، فقال وهرز: «ابنة الحمار! ذل وذل ملكه». وكان قد كبر حتى سقط حاجباه على عينيه، فأمر بهما فعُصبا، ثم رمى «فصك بها الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النشابة في رأسه، حتى خرجت من قفاه»، فانهزم الأحباش. وتضيف رواية هشام أن الفرس رشقوا عدوهم بالنُّشّاب رشقًا واحدًا، «ولم يكن أهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك»، وأن وهرز أمر بعد النصر بالكفّ عن حِميَر والأعراب وقصر القتل على الأحباش. ثم سار وهرز إلى صنعاء، فلما بلغ بابها قال: «لا تدخل رايتي منكسة أبدا، اهدموا الباب»، فهُدم ودخلها ناصبًا رايته. ولا تذكر المصادر حصارًا للمدينة ولا معركة ثانية؛ أما ملخّص ثيوفان البيزنطي فيذكر أن «المدينة» دُمِّرت وأن أهلها استُعبدوا، وأن ملك الحِميَريين أُسر حيًّا. ويرى عرفان شهيد أن المدينة المقصودة هي صنعاء، عاصمة اليمن الحبشي، وأن المصادر العربية وإن سكتت عن تدميرها ففي خبر هدم بابها صدى لذلك.

=== تنصيب ملك تابع === كتب وهرز إلى كسرى: «إني قد ضبطت لك اليمن، وأخرجت من كان بها من الحبشة»، وبعث إليه بالأموال. فأمره كسرى أن يُملِّك سيف بن ذي يزن على اليمن، «وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جزية وخرجا يؤديه إليه في كل عام معلوم»، وأن ينصرف إليه، ففعل. وفي رواية هشام أن وهرز «غلب على بلاد اليمن، وفرق عماله في المخاليف». واتخذ الملك الجديد قصر غمدان في صنعاء مقرًا له. وتروي كتب الأدب والسيرة أن وفود العرب قصدته مهنئة، ومنها وفد قريش برئاسة عبد المطلب بن هاشم، وهو خبر شكّك فيه جولدتسيهر وعدّه من وضع اليمانية للمفاخرة. ومما قيل في المناسبة أبيات أبي الصلت الثقفي، والد الشاعر أمية بن أبي الصلت، وفيها إشارة إلى رحلة ابن ذي يزن إلى «هرقل» ثم إلى كسرى، وتسمية الفرس «بني الأحرار»:

ويروي هشام أن وهرز بعث إلى كسرى بقافلة تحمل أموالًا وطُرفًا من طُرف اليمن، فانتهبها بنو يربوع من تميم في طريقها، فآوى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة أصحابَ القافلة وسار بهم إلى كسرى، فكافأه؛ ثم انتقم عامل كسرى على البحرين، آزاذفروز المعروف بـ«المُكعبِر»، من تميم في حصن المُشقَّر بهَجَر، وهو «يوم المُشقَّر». ويرى بوتس أن في هذا الخبر نواةً تاريخية تتصل بالأموال التي أرسلها وهرز بعد دخوله صنعاء.

== دوافع التدخل الساساني == تُظهر الرواية العربية كسرى زاهدًا في اليمن، لا يرى فيه إلا «الشاء والبعير»، ولا يغامر من أجله إلا بسجناء محكوم عليهم بالقتل. أما المصادر البيزنطية فتجعل الحملة حلقة في الصراع بين الإمبراطوريتين: فالأحباش في اليمن «حلفاء الرومان»، والحملة ردٌّ على السفارة البيزنطية إلى الترك سنة 569م، وهي واقعة بين تلك السفارة وثورة أرمينيا على الساسانيين سنة 571م. ويرى عرفان شهيد أن هذا السياق الدولي، أي سياسة القوى الكبرى، هو الخلفية الأهم للحملة، لا استنجاد الزعيم الحِميَري بكسرى لإخراج الأحباش من بلاده كما تروي المصادر العربية. وكان إخضاع أكسوم لحِميَر نحو سنة 530م نصرًا كبيرًا لبيزنطة في صراعها مع فارس، إذ فتح الباب لتنسيق العمليات العسكرية ولمحاولة تحويل تجارة الهند عن الطرق الفارسية؛ ولذلك فإن سقوط الحكم الأكسومي أفقد الإمبراطورية الرومانية حليفها الرئيس في الجزيرة، وكان إخفاقًا نهائيًا لسياسة جستنيان العربية ولمساعي الرومان إلى السيطرة على البحر الأحمر. ويرى محسن ذاكري أن من أهم دوافع الساسانيين رغبتهم في التحكم بطريق التجارة بين القسطنطينية والهند والشرق الأقصى. ويتساءل الباحث بوتس عمّا إذا كانت الحملة متصلة بإصلاح أنوشروان لقيادة الجيش، إذ قسّم منصب القائد الأعلى بين أربعة «إصبهبذين»، أحدهم «إصبهبذ نيمروز» (الجنوب)، ويفسّر الطبري نيمروز بأنها «بلاد اليمن». وقد ثبتت تاريخية هذا التقسيم بأختام عُثر عليها لحَمَلة لقب nēmrōz spāhbed، وإن كانت لا تحدّد امتداد هذه الناحية. ويعدّ مونت الحملة ثالثة المراحل الكبرى للتدخل الساساني المباشر في الجزيرة العربية، بعد حملتَي أردشير الأول وشابور الثاني في شرقها.

== الخلاف في تأريخ الحملة == ليس في المصادر تاريخ صريح للحملة، وتتوزع التقديرات على النحو الآتي:

نحو 570م: وهو ما تدل عليه المصادر البيزنطية التي تضع الحملة بعد السفارة إلى الترك (569م) وقبل ثورة أرمينيا على الساسانيين (571م). ويستند عرفان شهيد إلى كلمة «لذلك» (dió) التي يفتتح بها ثيوفان خبر الحملة عقب ذكر السفارة، فيعدّ سنة 570م تاريخًا شبه مؤكد. 575–576م: وهو ما يُستخلص من قول المسعودي إن مسروقًا قُتل في السنة الخامسة والأربعين من مُلك أنوشروان، ومن قول حاجي خليفة إن فتح اليمن كان قبل وفاة كسرى بأربع سنين. نحو 582م: وهو لازم قول حمزة الأصفهاني إن ذلك وقع في السنة الثلاثين من عمر النبي محمد، إذا جُعل عام الفيل سنة 552م. ويكتفي روبان بالقول إن السلطة الأكسومية في جنوب الجزيرة انهارت في مطلع سبعينيات القرن السادس إذا اعتُمدت المصادر الرومانية، أو نحو سنة 575م إذا اعتُمد المأثور العربي الإسلامي، ويستنتج من ذلك أن أبرهة توفي قبل سنة 570م، ويرجّح أن حملته على مكة كانت نحو 565م. أما مدة الاثنتين والسبعين سنة التي يجعلها الإخباريون للحكم الحبشي فلا تستقيم، إذ لا يزيد ما بين الغزو الأكسومي (525م) وسقوط مسروق على 45 أو 50 سنة. وقد اقترح فيناند فيل سنة 1881م أن هذا الرقم يجمع بين مدة الحكم الحبشي الأولى، وطردهم، وعودتهم إلى السلطة بعد مقتل سيف؛ فإذا صحّ ذلك وقعت الحملة الفارسية الثانية بعد الأولى بنحو 22 سنة، أي نحو 592 أو 597م. ويستنتج بوتس من هذا الافتراض أن «كسرى» الحملة الثانية هو كسرى الثاني أبرويز لا أنوشروان، وأن «وهرز» الثاني غير الأول الذي كان شيخًا كبيرًا منذ الحملة الأولى، وأن اتفاق اسمَي الملكين والتباس اللقب بالاسم هما سبب اضطراب المصادر العربية. وتذكر دراسات أخرى للحملة الثانية سنة 575 أو 578م.

== مقتل سيف والحملة الثانية == لم يطل مُلك ابن ذي يزن. ويروي ابن إسحاق أنه لما انصرف وهرز انتقم الملك من الأحباش انتقامًا شديدًا، حتى لم يُبقِ منهم «إلا بقايا ذليلة قليلة»، فاتخذهم خَوَلًا وحرسًا:

واتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بحرابهم، فمكث بذلك حينا غير كثير. ثم إنه خرج يوما والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم، حتى إذا كان في وسط منهم وجئوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف من الفرس، وأمره ألا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله، صغيرا أو كبيرا [...] فأقبل وهرز، حتى دخل اليمن، ففعل ذلك، ولم يترك بها حبشيا إلا قتله، ثم كتب إلى كسرى بذلك، فأمره كسرى عليها. وبهذه الحملة الثانية انتقل اليمن من مملكة تابعة إلى ولاية يحكمها قائد فارسي تسنده حامية كبيرة مقيمة، وصار وهرز يجبي خراجها إلى كسرى حتى مات. ولا تحدد الرواية مدة مُلك سيف بأكثر من قولها «حينا غير كثير»؛ أما تأريخ الحملة الثانية بسنة 575 أو 578م فمن تقدير الدارسين المحدثين، الذين يذكر بعضهم أيضًا أن وهرز أقام معديكرب بن سيف ملكًا اسميًا إلى جانبه. ويرى روبان أن الأمير الحِميَري الذي خلع آخر أبناء أبرهة — سيفًا كان أو ابنه — لم يستطع على أي حال أن يبسط سلطته على البلاد كلها.

اليمن تحت الحكم الساساني

=== الولاة === يورد الطبري سلسلتين لولاة الفرس على اليمن، تتفقان في أولها وآخرها وتختلفان في وسطها. فعند ابن إسحاق أن الولاية بقيت في ذرية وهرز ثلاثة أجيال، حتى غضب كسرى على رابعهم فأمر به فحُمل إليه على أعناق أهل اليمن، ثم عزله وولّى باذان. وعند هشام بن الكلبي أن وهرز توفي «في آخر ملك أنوشروان»، وأنه لما حضرته الوفاة رمى بسهم وأوصى أن يُدفن حيث يقع، فعُرف الموضع بـ«مقبرة وهرز»؛ فبعث كسرى بعده أسوارًا اسمه «وين»، وكان «جبارا مسرفا»، فعزله هرمز الرابع (حكم 579–590م) وولّى المروزان، الذي أقام باليمن «حتى ولد له بها، وبلغ ولده»، ثم استخلف ابنه خُرَّخُسْرَه وسار إلى كسرى فمات في الطريق. وبلغ كسرى أبرويز أن خرخسره تعرّب وروى الشعر وتأدّب بأدب العرب، فعزله «وولى باذان، وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم». ويلاحظ بوتس أن «المرزبان» في سلسلة ابن إسحاق لقب فارسي لا اسم علم.

=== مدى السلطة الفارسية === يرى روبان أن اليمن لم تعد فيه بعد سقوط الأسرة الأكسومية-الحِميَرية سلطة مركزية؛ فقد تفككت المملكة إلى عدد كبير من الإمارات الصغيرة، المدنية والقبلية، التي انزلقت تدريجًا إلى تبعية نظرية إلى حدٍّ ما لفارس الساسانية ممثَّلةً بوالٍ مقيم في صنعاء، وأن سلطة هذا الوالي لم تكن تتجاوز المدينة إلا قليلًا. ولا يصرّح أي مصدر بخضوع نجران للشاه الساساني، وإن حفظ التراث السرياني عنوان موعظة ألّفها يوحنا من بيت ربّان، أحد معلمي مدرسة نصيبين، «حين فتح كسرى نجران»؛ ويميل روبان إلى أن الواحة كانت عشية الإسلام أقرب إلى بيزنطة. وتحفظ رواية هشام بن الكلبي مثالًا على مقاومة الجباية الفارسية، هو امتناع أهل جبل "المصانع" عن حمل الخراج إلى المروزان. وكان حصنهم ليس له سوى باب واحد، فصعد المروزان الجبل المحاذي، ثم وثب بفرسه المضيقَ الذي بين الجبلين فإذا هو على رأس الحصن، فقالت حِميَر: «هذا أيم — والأيم بالحميرية شيطان»، واستنزلهم فقتل طائفة وسبى أخرى، وكتب بذلك إلى كسرى. وفي المقابل يعدّ مونت اليمن المثال الأوضح والأوثق على محاولة الساسانيين حكم جزء من الجزيرة العربية حكمًا مباشرًا، بحامية مقيمة وولاة يحملون لقب المرزبان، على حين كان سائر الجزيرة أقرب إلى أن يكون منطقة نفوذ لهم، يمارسونه عبر حلفاء من العرب كملوك الحيرة ومن قواعد قليلة في عُمان وشرق الجزيرة. وقد أحصى حمزة الأصفهاني ستة عشر مرزبانًا للفرس في بلاد العرب، بيد أن حقيقة مهامهم تظل غامضة.

الأبناء

استقر جند الحملة الثانية وإداريوها في صنعاء وما حولها وتزوجوا من أهل البلاد، وعُرف نسلهم باسم «الأبناء»، والنسبة إليهم «أبناوي». ولا يُعرف هل بقوا على الزرادشتية أم تأثروا بالوثنية العربية الجنوبية أو بالمسيحية المحلية. ويفسّر روبان اللفظ بأنه يعني حرفيًا «الأبناء، الأحفاد»، وأنه يُستعمل في سياقات مختلفة للدلالة على «مهاجري الجيل الثاني»، وقد ورد بهذا المعنى في نقش سبئي من القرن الثالث عن أبناء العرب المستقرين في البلاد. وينقل عن الهمداني (القرن العاشر) أن صنعاء كانت مقسومة بين بني شهاب والأبناء، فمن نزلها من عرب نزار دخل مع الأبناء، ومن كان من أهل البلد أو من قحطان دخل مع بني شهاب؛ ويرى في ذلك نمطًا متكررًا، إذ تعزّز السلطة الأجنبية مركزها بتكوين كتلة قبلية جديدة تضم العناصر الوافدة لتوازن بها قبيلة أهل البلد.

نهاية الحكم الساساني ودخول الإسلام

المقالة الكاملة على ويكيبيديا ↗